أخطأ التلميذ فأعدمناه أخلاقيًا على الملأ كتبه عبدالرحمن محمـــد فضــل

أخطأ التلميذ فأعدمناه أخلاقيًا على الملأ كتبه عبدالرحمن محمـــد فضــل


12-29-2025, 07:38 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1767037130&rn=0


Post: #1
Title: أخطأ التلميذ فأعدمناه أخلاقيًا على الملأ كتبه عبدالرحمن محمـــد فضــل
Author: عبدالرحمن محمد فضل
Date: 12-29-2025, 07:38 PM

07:38 PM December, 29 2025

سودانيز اون لاين
عبدالرحمن محمد فضل-السعودية
مكتبتى
رابط مختصر



عمود ظِلَال القمــــــر

[email protected]




______

ذنب طفولي وحكم جماعي بلا استئناف ولارحمة ولا وعي هذا ماحدث عندما راج خلال الأيام القليلة الماضية مقطع فيديو لتلميذ يرقص أمام معلّمه داخل الفصل الدراسي وهو مشهد سرعان ما تحوّل إلى قضية رأي عام على منصّات التواصل الاجتماعي لم يتأخر الهجوم وانهمرت موجات من السخرية والإدانة القاسية بحق التلميذ، حتى غابت روح التربية وحضر الانفعال الأعمى، لاحقًا خرج الطالب في مقطع آخر يقدّم اعتذاره لمعلّمه ويبدو أن المعلّم الوقور قد تقبّل الاعتذار بروح مسؤولة تعكس مكانته التربوية، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هل كل من أساء إلى هذا التلميذ وانهال عليه سبًّا وشتما وتجريحًا قدّم له اعتذارًا مماثلًا؟ المفارقة أن كثيرين لم يلتفتوا إلى تصرف التلميذ ذاته بقدر ما استغرقوا في ردود الفعل الصاخبة المليئة بالإهانات والتجريح وكأن الخطأ الفردي يبرر "الإعدام المعنوي على الملأ " نعم أخطأ التلميذ وتصرف بجهلٍ لا يليق بسياق التعليم واحترام المعلم لكن هذا الجهل لا يبرر أن يُقابل بجهلٍ أكبر منه ولا أن يتحوّل إلى مادة للتشهير وكسر الخواطر هذا المشهد يعيد إلى الأذهان موقف الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف واجه النبي هذا التصرّف المستفز بحكمة بالغة ورحمة عميقة فلم يرد القبح بالقبح ولم ينهر أو يفضح بل علّم وذكّر فكان الموقف درسا خالدا في التربية لا في الإدانة وفي الإصلاح لا في التشهير، فإن مدرسة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم تُنشئ الناس على ثقافة الفضيحة ولا على الشماتة بل ربّتهم على احتواء الخطأ وتقويم السلوك وتحويل المواقف الصعبة إلى فرص للتعلّم والنضج مدرسة النبي الكريم تُسقط الثمار بالحكمة لا برمي الحجارة وتُصلح النفوس بالكلمة الطيبة لا بالهجوم الجارح ويغيب عن أذهان الكثيرين ممن اندفعوا لمهاجمة هذا التلميذ أنهم حين كانوا في عمره ربما ارتكبوا هم أيضًا أخطاءً مشابهة وشهدت فصولهم قدرًا من الشغب والهرجلة والتصرّفات الطائشة التي تلازم مرحلة العمر تلك غير أن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم لا يكمن في طبيعة السلوك بقدر ما يكمن في تغيّر البيئة المحيطة فالأمس كان الخطأ يتم احتوائه داخل جدران المدرسة والفصل أما اليوم فقد صار الفضاء مفتوحًا والإنترنت حاضرا ووسائل التواصل الاجتماعي وأدوات تصوير الفيديو في متناول اليد لتحول زلة عابرة إلى مشهد عام وحكم قاس لا يراعي العمر ولا السياق، إن ما نحتاجه اليوم في زمن الانترنت والمنصات المفتوحة والانفعالات السريعة هو قدر أكبر من ضبط النفس ويجب علينا أن نردم هوة الجهل بالنصح والخطأ بالتذكير لا بالتشهير فالتربية ليست في فضح الزلات بل في صناعة الوعي وبناء الإنسان وحفظ كرامته حتى وهو يخطئ، ولعل القرآن الكريم يضعنا جميعًا أمام ميزانٍ دقيق لا يختل حين يقول سبحانه وتعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) "الحجرات الاية11" وكذلك قوله جلّ وعلا (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق الآية 18آيتان تختصران جوهر الحكاية كلّها فالكلمة مسؤولية والسخرية جرح والانفعال غير المنضبط قد يتحوّل إلى ظلمٍ لا يقلّ قسوة عن الخطأ ذاته وبين زلّة تلميذ وحكمة التربية يبقى العدل في القول والرحمة في الحكم هما الطريق الأقرب إلى الإصلاح والأبقى أثرًا في النفوس.