Post: #1
Title: حين تُدار الأزمة خارج بورتسودان كتبه محمد هاشم محمد الحسن.
Author: محمد هاشم محمد الحسن
Date: 12-28-2025, 11:06 PM
11:06 PM December, 28 2025 سودانيز اون لاين محمد هاشم محمد الحسن-Sudan مكتبتى رابط مختصر
✍️
ما جرى في الفاشر لا يمكن قراءته بوصفه تطوراً إنسانياً معزولاً عن سياقه السياسي، ولا كاختراق تقني في جدار الحصار فحسب، بل بوصفه لحظة كاشفة لطبيعة التحول الجاري في مفهوم الشرعية داخل الأزمة السودانية.
فالدخول الأممي إلى مدينة تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، من دون المرور عبر حكومة بورتسودان أو انتظار موافقتها، لا يعكس فقط استعجالاً إنسانياً، بل يعكس أيضاً تبدلاً هادئاً في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع سؤال من يملك الحق في تمثيل الدولة ومن يملك فقط القدرة على إدارتها ميدانياً.
حكومة بورتسودان، التي نشأت بوصفها سلطة أمر واقع بعد انهيار المركز في الخرطوم، لم تحظَ منذ البداية باعتراف دولي مكتمل الأركان، بل حصلت على قدر من التسامح الدبلوماسي المشروط، باعتبارها الطرف الذي يمكن التعامل معه مؤقتاً إلى أن تتضح ملامح التسوية. غير أن هذا الهامش بدأ يضيق مع عجزها عن أداء الوظيفة الأساسية لأي سلطة تسعى للاعتراف، وهي ضمان الحد الأدنى من حماية المدنيين وتسهيل العمل الإنساني. ومع الوقت، لم تعد المشكلة في نقص الاعتراف، بل في تآكل المبررات التي تسمح حتى باستمراره.
ما حدث في الفاشر يمثل لحظة فارقة في هذا المسار. فالمجتمع الدولي، عبر الأمم المتحدة وشركائها، اختار أن يتعامل مع الجهة التي تملك السيطرة الفعلية على الأرض، لا الجهة التي ترفع راية الشرعية السياسية. هذا لا يعني اعترافاً سياسياً بقوات الدعم السريع، لكنه يعني عملياً أن الشرعية لم تعد تُقاس بالبيانات ولا بالتمثيل الدبلوماسي، بل بالقدرة على فتح الطرق وتأمين القوافل والسماح بوصول الغذاء والدواء. إنها شرعية وظيفية، مؤقتة، لكنها مؤثرة، وتكفي لتهميش أي سلطة لا تملك مفاتيح الجغرافيا.
اللافت أن هذا التحول لا يُقدَّم بوصفه موقفاً سياسياً، بل كضرورة أخلاقية وإنسانية. غير أن التاريخ القريب للصراعات يقول إن الخط الفاصل بين الإنساني والسياسي غالباً ما يكون وهمياً. فحين تبدأ المنظمات الدولية بالعمل مع سلطة أمر واقع وتتجاوز سلطة تدّعي الشرعية، فإنها تعيد رسم الخريطة الرمزية للنفوذ، حتى وإن أنكرت ذلك علناً. وهنا تكمن خطورة ما جرى، لأن حكومة بورتسودان لم تُهمَّش بقرار معلن، بل بتجاهل عملي، وهو أخطر أشكال العزل.
في هذا السياق، تبدو حكومة بورتسودان وكأنها عالقة في منطقة رمادية. فهي ليست شريكاً موثوقاً لدى المجتمع الدولي، ولا تملك القدرة العسكرية أو الإدارية لفرض نفسها كمرجعية وحيدة. والأسوأ أنها تبدو غير قادرة على تقديم نفسها كحكومة تسعى لحماية المدنيين، بل كطرف يستخدم الحصار والقيود الإنسانية ضمن أدوات الصراع. وهذا ما جعل كثيراً من العواصم تتعامل معها بوصفها جزءاً من المشكلة لا بوابة الحل.
أما قوات الدعم السريع، فعلى الرغم من سجلها الدموي والانتهاكات المنسوبة إليها، فإنها نجحت في استثمار لحظة إنسانية لتقديم نفسها كفاعل يمكن التفاهم معه تكتيكياً. هي لا تسعى إلى اعتراف سياسي مباشر، لكنها تدرك أن تراكم التعاملات الإنسانية معها سيؤدي تدريجياً إلى تطبيع غير معلن، وإلى إضعاف رواية خصمها القائل إنه الممثل الشرعي الوحيد للدولة.
في المحصلة، ما جرى في الفاشر ليس بداية سلام ولا تحولاً أخلاقياً في سلوك الأطراف، بل هو إعادة ترتيب صامتة لمفهوم الشرعية في السودان. شرعية لا تُمنح عبر المنابر ولا عبر البيانات الدبلوماسية، بل تُنتزع عبر السيطرة على الأرض والقدرة على ضبط الفوضى ولو جزئياً. وفي هذا المشهد، تبدو حكومة بورتسودان كمن يقف خارج اللحظة، تراقب تآكل موقعها بينما يتشكل واقع جديد لا ينتظر اعترافها ولا يستأذنها. هذا التحول، إن استمر، لن يفضي فقط إلى تهميش سياسي، بل إلى إعادة تعريف من هو الطرف القابل للتعامل معه في السودان، ومن هو مجرد عنوان بلا مضمون. وفي الحروب الأهلية الطويلة، غالباً ما تكون هذه اللحظة هي البداية الفعلية لنهاية شرعية قديمة، قبل أن يولد أي بديل واضح لها.
|
|