Post: #1
Title: السودان.. هل يشرق فجر اقتصادي جديد من تحت ركام الحرب؟ كتبه ا. محمد سنهوري الفكي الامين
Author: محمد سنهوري الفكي الامين
Date: 12-27-2025, 11:42 AM
11:42 AM December, 27 2025 سودانيز اون لاين محمد سنهوري الفكي الامين-UAE مكتبتى رابط مختصر
بقلم : [email protected]
في خضم المأساة الإنسانية والدمار الذي خلفته الحرب في السودان، يبرز بصيص من الأمل يحمله تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، وكأنه رسالة تفاؤل حذرة إلى الشعب السوداني المثقل بالهموم. لقد أطلق الصندوق “بشرى” بإمكانية تحسن اقتصاد البلاد بشكل لافت خلال العام المقبل والفترة التي تلي توقف النزاع، وهي توقعات تثير الكثير من التساؤلات حول مدى واقعيتها في ظل الانهيار الشامل الذي تعيشه البلاد.
تكمن المفارقة في الأرقام التي كشف عنها الصندوق ضمن تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي”. فبينما أبقى على توقعاته بانكماش اقتصادي كارثي بنسبة سالب 23.4% خلال عام 2024، وهو ما يعكس حجم الدمار والنزوح وتوقف عجلة الإنتاج، فإنه رفع توقعاته لنمو الاقتصاد في عام 2026 إلى 9.5%، وهو معدل نمو يضع السودان في صدارة دول المنطقة. كما توقع انخفاضاً حاداً في معدل التضخم من 87.2% في 2024 إلى 54.6% في 2025، ثم إلى 16.1% في 2026.
لكن هذه الأرقام المذهلة ليست سوى “نبوءة مشروطة”، فصندوق النقد الدولي يربط هذا التحسن الهائل بفرضية واحدة محورية: انتهاء الصراع القائم بحلول نهاية العام الحالي، وبدء عملية إعادة الإعمار بعد “وقف قصير”. هذا الشرط هو مفتاح اللغز، فبدون السلام، تظل هذه التوقعات مجرد حبر على ورق. إن الـ 9.5% نمو المتوقعة في 2026 ليست نمواً طبيعياً، بل هي “نمو تعويضي” مدفوع بضخ استثمارات هائلة في إعادة الإعمار، وعودة النازحين إلى العمل، واستئناف الإنتاج في القطاعات الحيوية. ويُصنف الاقتصاد السوداني تاريخياً ضمن الاقتصادات التي تتمتع بمرونة وقدرة على التعافي السريع بعد الأزمات، خاصة وأن جزءاً كبيراً من اقتصاده يعتمد على القطاع الزراعي الذي يمكن استئناف العمل فيه بسرعة نسبية مقارنة بالقطاعات الصناعية المعقدة. هذه المرونة تنبع من عدة عوامل أبرزها: الاعتماد الكبير على الموارد الطبيعية غير المستغلة، والقاعدة الزراعية الواسعة، ورأس المال البشري الذي يمتلك خبرات تراكمية، بالإضافة إلى حجم الدمار الهائل الذي سيتحول إلى محفز للنمو التعويضي بمجرد توفر التمويل اللازم لإعادة البناء.
إن الحديث عن إعادة الإعمار يفتح الباب على حجم التحدي والفرصة معاً. فالسودان، المصنف كدولة منخفضة الدخل ومثقلة بالديون، يحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات لترميم ما دمرته الحرب، حيث قدرت بعض التقارير كلفة ترميم العاصمة الخرطوم وحدها بـ 300 مليار دولار. هذا التمويل الضخم سيتطلب تضافر جهود دولية وإقليمية، وهو ما يفسر مشاركة وفد سوداني رفيع المستوى في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، حيث يتم طرح مشاريع إعادة الإعمار على المستثمرين والمؤسسات المانحة.
ويعتبر القطاع الزراعي، الذي يشغل نحو 80% من القوة العاملة ويساهم بنسبة كبيرة في الناتج المحلي، العمود الفقري الذي سيعتمد عليه التعافي. فاستئناف العمل في مشاريع عملاقة مثل مشروع الجزيرة، الذي تضرر بشدة جراء الحرب، سيكون له تأثير مباشر وسريع على الاقتصاد والأمن الغذائي. كما أن الحاجة الملحة لإعادة بناء البنية التحتية المنهارة بالكامل، من طرق وجسور ومستشفيات ومدارس، ستخلق طفرة في قطاع الإنشاءات وتوفر فرص عمل هائلة.
ومع ذلك، يجب التعامل مع هذه التوقعات بحذر شديد. فصندوق النقد الدولي نفسه أشار إلى أن تقديراته هي “تقديرات خبراء” وليست مبنية على بيانات رسمية حديثة، نظراً لعدم تحديث السودان لبياناته الاقتصادية الرسمية منذ عام 2019، وعدم تحديث نظامه الإحصائي منذ الثمانينيات. هذا الغياب للبيانات الدقيقة يضيف طبقة من عدم اليقين على أي توقعات.
في الختام، تبقى توقعات صندوق النقد الدولي بمثابة خارطة طريق للمستقبل الممكن، وليست وعداً مؤكداً. إنها تضع الكرة في ملعب الأطراف المتصارعة، فـ السلام هو العملة الوحيدة التي يمكن أن تشتري للسودان هذا الفجر الاقتصادي الموعود. وإذا ما تحقق هذا الشرط، فإن حجم الدمار نفسه سيتحول إلى محرك للنمو، لتنطلق عجلة إعادة الإعمار بسرعة قياسية، ويتحول السودان من بلد يعاني من انكماش قياسي إلى أسرع اقتصادات المنطقة نمواً في غضون عامين فقط. إنه سباق مع الزمن، والرهان كله على حكمة وقرار من يملكون مفتاح وقف هذه الحرب.
|
|