Post: #1
Title: تشريح الجبن في عقل ديكتاتور سكنه الخوف:عسران الضبع من كذبة السينما إلى خدعة السلطة كتبه الصادق حمدي
Author: الصادق حمدين
Date: 12-25-2025, 01:11 PM
01:11 PM December, 25 2025 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
تشريح الجبن في عقل ديكتاتور سكنه الخوف: “عسران الضبع” من كذبة السينما إلى خدعة السلطة
الصادق حمدين
لم تكن شخصية صلاح قابيل "عسران الضبع"، في فيلم الهلفوت محض خيال سينمائي، بل كانت تشريحاً مبكراً ودقيقاً لذهنية الحاكم المستبد الجبان، ذلك الذي يختبئ خلف العنف والقسوة، ويعوّض نقص الشجاعة والاقدام بالإرهاب والاستبداد والطغيان، ويستبدل القيادة الحقيقية باستعراض أجوف للقوة.
في فيلم الهلفوت، لم يتطلب الأمر طويلا ًلاكتشاف الحقيقة: رجل يفرض سطوته على مجتمعه المسالم بالعنف، لكنه يعيش محاصراً بالأقفال داخل غرفته الحصينة، مرتعبا من أي اختراق خارجي أو دخيل يشكل له تهديداً. كان يعرف في قرارة نفسه أنه كذبة كبيرة، وأن أي مواجهة حقيقية في ساحة الوغى ستفضحه، وحين جاءت لحظة الاختبار، لم يصمد طويلاً أمام ثورة ومقاومة المواطن البسيط المهمش عادل إمام "عرفة مشاوير". سقط عسران الضبع بسرعة تليق بضعفه، ومات بسبب علة جبنه قبل أن يخوض معركة حقيقية. المشكلة أن هذا النموذج لم ينتهِ مع نهاية الفيلم.
في سوداننا المنهك والمنتهك بمؤمرات عسكره، تتكرر الحكاية ذاتها: رجل جاء من المؤسسة العسكرية، لبس الزيّ "وقصّب كتفه بالدبور"، ومنح نفسه أنواط شجاعة نتيجة معارك لم يخوضها إلا في خياله الجامح، واعتلى المنصة مرعداً مزبداً متوعداً، فأقسم حانثاً ان يوفر الأمن والاستقرار والرخاء. ومع مرور الوقت، تحوّل الوطن إلى ثكنة اكتست بلون "الميري"، وعاصمة البلاد وما جاورها إلى مناطق محظورة، والمواطن إلى مشتبه به دائم بموجب قانون اللا قانون الذي أُطلق عليه "قانون الوجوه الغريبة"، وكأنما الوجوه في الضفة التي يتحصن بها الحاكم بأمره مألوفة خارج نطاق بطانته وحاشيته.
ها هو عسران الضبع الجنرال نسخة من لحم ودم لا من شريط خيال سنمائي، جنرال يتقن استعراض القوة كأنه فتوة حارة مكتئبة تركها شبابها قسراً، فلم يبق فيها إلا النساء والأطفال والكهول. جنرال هش الدواخل يحسن الوقوف أمام "فلاشات" الكاميرات والمايكروفونات المنصوبة حيث الأمن والأمان، لكنه يرتجف من صوت الطلقة ويرعبه حد الموت صوت الدانة.
وحين لاحت في الأفق رائحة حرب - أنكر طلقتها الأولى - لم يشد هذا "العسران" المرعوب ازر شعبه، بل شيد الأسوار العالية حول قلعته الحصينة. لم يهيىء الجند للقتال، بل هيأ الأقبية والسراديب مقراً آمناً له، خزن الطعام، وأمن سبل جلب الماء، وبنى لنفسه فقط عزلة محكمة، وكأن الوطن سترة نجاة شخصية، لا مسؤولية متبادلة ومصير مشترك بينه وبين الشعب الذي تصدى لتمثيله غصباً عن إرادته.
وعندما حمي الوطيس واشتعلت الجبهات وأصبح الحد الفاصل بين الحياة والموت مصير مظلم تقرره طلقة طائشة، لم يظهر القائد حيث ينبغي أن يكون. ظهر الخوف بدلاً منه، وظهرت العزلة، وظهرت خطط النجاة الفردية، تخلى عن الرفاق و"الدفعة". وترك عن سابق تصميم وتعمد الأطراف والمدن القصية لمصيرها، ودفعت الشعوب ثمن سنوات من الوهم والبطولات الزائفة.
في الدولة السودانية المختطفة بأسراب الجراد الملتحي، لم يكن السقوط بسبب نقص السلاح، بل بسبب خواء الشجاعة في قمة السلطة. فالأنظمة لا تُهزم لعجزها، وإنما لأنها جبانة، يسكن الخوف قلوب قادتها، إذ إن الشجاعة خصلة الفرسان وحدهم. فكيف لفارس أن يُستجوب على يد امرأة لا صفة عسكرية لها؟ سوى أنها "كوزة"، من نسل "كوز"، وكيف له أن يوقّع على أقواله أمامها صاغرا منكسراً كنشال وضيع في موقف حافلات سوق “فجغتني”، القابع على هامش حزام العاصمة التي خذلها قادة جيشها؟ وكيف لفارس أن يفرّ مولي الدبر تاركاً عاصمة مُلكه المتوهم يسكنها الخراب، ويتحصن بـ "ثغر" أحد الأمصار القصية، ثم يواصل ادعاء السيطرة على كامل إقليمه؟
في عالم السياسة، يتجسد عسران الضبع اليوم في صورة جنرال ديكتاتور وصل إلى السلطة لا بالكفاءة ولا بالشرعية، بل بالقوة العارية والانتماء الحزبي "الكيزاني" الذي ينكره بين كل شهيق وزفير، وكأنما هذا الحزب المثقل بعار الفساد عاهرة يغشاها من يدعي الوقار والاحترام ليلا وينكر معرفتها نهاراً. رجل صنعته أجهزة مغلقة، وربّته على ثقافة الخوف، ورفعتْه منظومة لا تؤمن إلا بالقمع وسيلة للحكم.
هذا الجنرال التائه في بذلته العسكرية لا يحكم دولة، بل يحتلها. لا يقود جيشا، بل يستخدمه درعاً شخصيا. ولا يرى في الشعب مصدر شرعية، بل تهديدا دائما لكرسيه يجب إبادته. لذلك يبالغ في الأمن، ويُفرط في القمع، ويعامل كل مدينة وقرية ودامرة كخصم محتمل. يبني السجون أكثر مما يبني المدارس والمستشفيات، ويحصّن القصور أكثر مما يحصّن الحدود. وحين يتحدث عن الوطنية، فإنما يقصد بقاءه، على كرسي الدم، وحين يرفع شعار السيادة، فإنما يعني تعزيز سلطته الفردية.
وعندما تقترب لحظة الحقيقة حرب حقيقية، أو انهيار داخلي، أو اختبار مصيري ينكشف الجبن كاملا. لا نجد الجنرال في الصفوف الأولى، ولا نراه حيث تُصنع القرارات الصعبة. نجده قد سبق الجميع إلى الملاجئ، وإلى العزلة، وإلى خطط النجاة الشخصية.
يترك الجنود بلا قيادة. يترك المدن بلا حماية. ويجعل من الشعب درقة حماية ليدفع نيابة عنه ثمن سنوات من الخداع والزيف والأكاذيب.
ثم، بعد الخراب، يظهر بخطاب بارد متعال تعكسه نبرة ثقة زائفة، يلقي اللوم على الظروف، وعلى الدول الخارجية، وعلى “الخونة”، وعلى العالم كله، ما عدا نفسه. هكذا يفعل الطغاة الجبناء: يهربون عند الفعل، ويتكلمون بعد الفاجعة ليقولوا نحن ما زلنا ها هنا. إن أخطر ما في عسران الضبع الجنرال ليس استبداده وطغيانه فحسب، بل كونه مستبدا بلا شجاعة. فالدكتاتور الجبان لا يخسر معركته وحده؛ هو يُغرق وطناً كاملاً في الفوضى والدمار، ويدفع شعباً بأسره ثمن رعبه الشخصي.
لقد قالت السينما الحقيقة في وقت مبكر: من يحكم بالخوف، يموت به. لكن المأساة أن الواقع لا ينتهي في ساعتين، بل يطيل عذاب الشعوب سنوات طويلة، قبل أن يسقط القناع، ويكتب التاريخ في صفحاته بحروف السخرية: لم يكن قوياً… كان خائفاً. وختاماً…"أبو فزعن في الفريق في الخلا ما بندق"…..الشعب السوداني فزعه في شاباته وشبابه الشرفاء الخُلّصْ…..صبراً سوف يأتي الفزع قريباً.
الصادق حمدين
Sent from Outlook for iOS
|
|