الطالب اعتذر.. فهل اعتذرنا نحن؟ كتبه كمال الهِدَي

الطالب اعتذر.. فهل اعتذرنا نحن؟ كتبه كمال الهِدَي


12-25-2025, 01:09 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1766668161&rn=0


Post: #1
Title: الطالب اعتذر.. فهل اعتذرنا نحن؟ كتبه كمال الهِدَي
Author: كمال الهدي
Date: 12-25-2025, 01:09 PM

01:09 PM December, 25 2025

سودانيز اون لاين
كمال الهدي-عمان
مكتبتى
رابط مختصر





تأمُلات




تابعت، كغيري، فيديو الطالب الذي رقص أمام معلمه أثناء إحدى الحصص. وكعادتنا في التعامل مع الوسائط، حظي الفيديو بتداولٍ واسع وانقسم الناس بين كثرةِ شجبت سلوك الطالب بأشد العبارات حتى بعد اعتذاره، وبين قلةِ قبلت اعتذاره.

لكن، وقبل الحديث عن اعتذار الطالب ساتي، دعونا نسأل أنفسنا: هل هو المذنب الوحيد في مثل هذا التصرف، أم أنه مذنب وضحية في آنٍ واحد؟

أتفق جزئياً مع من شجبوا التصرف وعبروا عن استغرابهم الشديد واستنكارهم له. لكنني أرى أن الفتي ضحية نظامٍ اختلف كثيراً عما نقارن به، وضحية مجتمع تقبل التغيير للأسوأ جمعياً. لكننا، ما إن نرى تصرفاً فردياً لا يروق لنا، حتى نُسارع بالإدانة بأقسى العبارات، ونوسع دائرة الاتهام لتشمل العائلة وربما الجيران، من دون أن نلوم مؤسساتنا ونظامنا، أو نراجع أنفسنا كأفراد في هذا المجتمع الذي تغير.

نحن نعيش في بلد يتحكم فيه من يظلمون ويقتلون وينهبون، ويترأس حكومته الصورية دمية، ويتولى وزارة إعلامه وثقافته من ينادي عشة الجبل ب (الأستاذة). ويقود الرأي العام فيه إعلاميون لا يهمهم سوى الكسب المادي، ولو على أشلاء أهلهم، ويعد فيه الرويبضات رموزاً تحظى لايفاتهم بمتابعة الملايين.

نحن ننتمي إلى بلدٍ راج فيه الغناء الهابط والرقص الخليع منذ سنوات، لا الآن فقط. نعيش في بلد دُمِرت معظم مؤسساته التعليمية بفعل فاعل، فما الذي يمنع ظهور سلوكيات مثل التي أتى بها الطالب ساتي؟

لا أظن أن الأمر يتعلق به بوصفه حالة فردية، فما دفعه إلى هذا المزاح الثقيل مع معلمه هو حالة الفوضى العامة التي نعيشها في كل ضروب حياتنا.

وحتى لا يبدو للبعض أن كلامي نظرياً أو مثالياً سأورد هنا موقفين فقط من تجربتي الشخصية في التدريس لتوضيح ما اختلف بين الأمس واليوم.

قبل اغترابي عملت كمدرس لغة إنجليزية بمدرسة الخرطوم القديمة للبنات. وبرغم أنني كنت أصغر المعلمين سناً بالمدرسة وأقلهم خبرة في العملية التعليمية، إلا أنني لم أشعر بصعوبة المهمة منذ يومي الأول هناك، فآنذاك كان ما يزال لدينا ما تبقى من نظام وانضباط ورثناه من أجيال سابقة.
وجدت أساتذة أجلاء، وإدارة تقف على رأسها مربيات فاضلات مثل محاسن جيلاني وثريا علام. لذلك لم أشعر بالرهبة، بل بالإلفة مع المكان، وبمسؤولية أن أبدو مقنعاً كمربٍ قبل أن أكون معلماً.

ومنذ الحصة الأولى عرفت كيف أفصل بين تعاملي مع الطالبات داخل الصف وخارجه . ففي الخارج سادت علاقة ود واحترام متبادل بيني وبينهن، أما داخل الفصل فلم أكن متسامحاً على الإطلاق. وقد فهمت الطالبات منذ البداية مثلاً أنه بمجرد دخولي الفصل، لا يُسمح لأي منهن الدخول بعد سماع الجرس، خاصة الجرس الذي يلي الفسحتين.
وأتذكر موقفاً مع طالبة كانت تعمل ضمن اتحاد الطالبات. فقد جاءت متأخرة في أحد الأيام و طرقت الباب على غير العادة، فأشرت لها من مكاني بالمغادرة. وبعد انتهاء الحصة التقيت بها أمام باب الفصل ودار بيننا الحوار التالي:
ألا تعلمين أنني لا أسمح لأي طالبة بالدخول بعدي؟
فأجابت بثقة: كان عليك أن تسأل أين كنت، فقد ذهبت لاجتماع مع...
فقاطعتها: صفتك هنا أنك طالبة قبل أي شيء وحتى لو كنت في اجتماع مع الشيخ حسن فهذا لا يعنيني في شيء.
فقالت: كان من الممكن أن أذهب للمديرة.
فأجبت: حتى ذلك ما كان ليغير من قراري. ثم انصرفت.
وعلى فكرة، كانت تلك الطالبة من المتميزات في اللغة الإنجليزية، لكنها منذ ذلك اليوم بدأت تنظر لي شزراً، قبا أن يتغير موقفها بعد الامتحانات. فقد حصلت على ٣٦ من ٤٠، وحين ناديت اسمها وسلمتها ورقتها، نظرت إليها سريعاً، ثم رمقتني بنظرة فيها شيء من الرضا.

أتدرون لماذا أشرت لموضوع الورقة والدرجة؟ لأنها كانت تتوقع أن أمنحها درجة سيئة، وكأنني سأثار منها، وهذا افتراض خاطيء يقع فيه كثيرون في أيامنا هذه. فعندما تنتقد مسؤولاً، أو إدارياً، او حتى لاعب كرة يظن البعض - بقصر نظر - أنك تحقد عليه أو أن بينك وبينه مشكلة شخصية، بينما المسألة لا تتجاوز رأياً أو موقفاً مهنياً.

أما الموقف الثاني فحدث أثناء مراقبتي لامتحانات الشهادة في المدرسة نفسها. كانت الورقة في مادة الرياضيات، وكنت أراقب في فصل توجد فيه تؤام من الطالبات المهذبات والنجيبات. أنهت احداهما الامتحان مبكراً، ووقفت مع زميلة لها في الممر على مسافة من الفصل. بينما بقيت أختها منكبة على ورقة الامتحان حتى الدقائق الأخيرة.
وقبيل انتهاء الوقت بدقائق تقدمت نحوي الطالبة التي كانت بالخارج وكان باب الفصل مفتوحاً، وقالت بهدوء وأدب : أستاذ كمال أختي.... لديها مشكلة صغيرة في مسألة ممكن أساعدها من بعيد؟
فأجبت باختصار واحترام: بالطبع لا.
فشكرتني و غادرت.
لاحظوا أن هذه الطالبة – رغم أنني لم أدرس فصلها، لكنها كانت تعرفني وأعرف أنها وشقيقتها من الطالبات المهذبات جداً – لم تحاول مساعدة أختها من وراء ظهري، بل أرادت أن تستأذن قبل أن تفعل أي شيء ما يعكس أصالة معدنها واحترامها لعلاقة المعلم بطلابه.

لذلك أرى أن النظام الذي تهالك، وشكل العلاقات بين الطلاب ومؤسساتهم التعليمية ومعلميهم، هو ما سمح بظهور تصرفات مثل الذي أقدم عليه الطالب ساتي، فالخلل لا يأتي من لحظة الفعل، بل من تراكم مراحل غاب فيها الانضباط، وضعف فيه احترام الأطر التربوية.

لكن دعونا نختم باعتذار الطالب، فهو درس يُفترض أن يتعلم منه الكبار قبل الصغار. ولا ننسى أن في بلدي كثيرين لا يعتذرون عن البذاءات والإساءات التي تصدر منهم في حق آخرين، ولا حتى عن الأفعال الجسيمة والجرائم التي يرتكبونها مثل القتل، بل يمعنون في ذلك وكأنهم يمنحون أنفسهم سلطة فوق المساءلة، فكيف لا نتوقف عند هذا الشاب الشجاع الذي اعترف بخطئه أمام الملأ، واعتذر ووعد بعدم تكراره!

هذا موقف نبيل من فتى أحسن أهله تربيته، لا كما افترض البعض. ومن حقه علينا أن نقول له " شكراً على شجاعة الاعتذار"، وأن نطالب إدارة المدرسة بإعادة النظر في قرار فصله، بما يتناسب مع روح التربية الهادفة للإصلاح.