Post: #1
Title: فصل أعضاء المؤتمر السوداني في سياق أزمة التنظيم الحزبي السوداني
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 12-16-2025, 07:53 PM
07:53 PM December, 16 2025 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
لا يمكن قراءة قرار فصل مجموعة من أعضاء المؤتمر السوداني بعد توقيعهم على ميثاق تأسيسي جديد بوصفه إجراءً تنظيميًا معزولًا أو مجرد خرقٍ للائحة داخلية. ما جرى أعمق من ذلك بكثير وهو يعكس أزمة بنيوية تعاني منها الحياة الحزبية السودانية في لحظة تاريخية استثنائية، حيث تتقاطع الحرب مع الانهيار، ويتفكك المعنى التقليدي للعمل السياسي نفسه الحرب الأهلية منذ أبريل 2023 أعادت تعريف السياسة خارج قاعات المكاتب واللوائح الجامدة. الأحزاب باتت عاجزة عن العمل في مساحات واسعة من البلاد، وحلّت محلها كيانات محلية ومبادرات إغاثية وشبكات مجتمعية تؤدي أدوار التمثيل والتفاوض. لم تعد البرامج الانتخابية أو الخطاب الأيديولوجي أولوية في واقع يهيمن عليه النزوح والجوع والخوف. في هذا السياق، يبدو السلوك الحزبي التقليدي منفصلًا عن الواقع وكأن الأحزاب تواصل لعبتها القديمة بينما تتغير الأرض تحت أقدام الجميع من هنا، يمكن فهم توقيع المجموعة المفصولة على ميثاق تأسيسي جديد كاستجابة سياسية لأزمة عجز الحزب عن إعادة تعريف دوره في زمن الانهيار، أكثر من كونه مجرد خروج على “شريعة المؤسسات” الفعل، بغضّ النظر عن صوابيته التنظيمية، يكشف انسدادًا داخليًا في قنوات الحوار واتخاذ القرار، ويفضح ضعف قدرة الحزب على استيعاب الاختلاف في لحظة استثنائية تاريخ الصراعات الداخلية في الأحزاب السودانية يقدّم لنا نماذج دالة. الحزب الشيوعي السوداني رسّخ نموذج “الحزب-القلعة”، حيث يُنظر إلى الانضباط واللوائح كغاية في ذاتها، لا كوسيلة هذا النموذج ربما نجح في فترات الاستقرار النسبي لكنه تحوّل في أزمنة التحول العنيف إلى أداة للجمود والعزلة، وانتهى إلى انقسامات متكررة وإقصاءات أضعفت الحزب أكثر مما حمت “نقائه” في المقابل، مثّلت حركة “حق” نموذجًا نقيضًا، حيث جرى تغليب الفكرة على التنظيم إلى حد التسيّب، ما أدى إلى تفتت الحركة وفقدان قدرتها على الفعل السياسي المؤثر. بين هذين النموذجين، حاول المؤتمر السوداني – كحزب نشأ في سياق أحدث أن يشق طريقًا وسطًا، لكنه لم يطوّر نظرية تنظيمية واضحة تجيب عن سؤال حاسم: متى تكون المؤسسية ضرورة، ومتى تصبح المرونة شرطًا للبقاء؟ أزمة الفصل الحالية تشير إلى فشل هذا التوازن. اللوائح التي وُضعت لزمن السياسة “الطبيعية” تحوّلت في زمن الحرب إلى أداة كبح بدل أن تكون إطارًا لإدارة الاختلاف بدلاً من تطوير آليات داخلية للحوار والتسوية جرى اللجوء إلى الفصل كحل سريع، وهو حل قد يحسم الصراع شكليًا لكنه يعمّق الشرخ داخليًا هناك بعد سوسيولوجي لا يمكن تجاهله. كثير من المنتمين للأحزاب اليوم هم أبناء جيل ديسمبر، جيل تشكّل وعيه السياسي خارج الأطر الحزبية، ويميل إلى العمل الشبكي، ورفض الهرمية الصارمة، والنظر إلى السياسة كفعل مباشر لا كمسار بطيء داخل مؤسسات مغلقة في المقابل، لا تزال قيادات عديدة تعمل بمنطق الاستمرارية التنظيمية وضبط الصف ما جرى في المؤتمر السوداني يمكن قراءته أيضًا كصدام بين ثقافتين سياسيتين داخل الحزب الواحد السؤال الأهم ليس: هل خالفت المجموعة المفصولة اللوائح؟ بل: هل ما زالت هذه اللوائح صالحة لإدارة حزب سياسي في بلد ينهار؟ وهل الشرعية التنظيمية وحدها كافية في غياب شرعية الفعل والمبادرة في مواجهة الحرب؟ الفصل هنا يبدو عرضًا لا مرضًا عرضًا لأزمة أعمق تتعلق بعجز الأحزاب عن تطوير دساتير داخلية مرنة، قادرة على التكيّف مع التحولات العنيفة، دون التفريط في الحد الأدنى من الانضباط إذا استمرت الأحزاب في إدارة نفسها بمنطق “السياسة المستقرة” في زمن اللااستقرار الكلي، فسيستمر نزيف الخروج، سواء عبر الانشقاقات أو عبر الهجرة الصامتة إلى الفعل المدني غير الحزبي المخرج المنطقي والعقلاني لا يكمن في تبرير الخرق ولا في تقديس الفصل، بل في الاعتراف بأن السياسة اليوم هي توتر دائم بين المؤسسة والجرأة. الأحزاب التي ستنجو هي تلك القادرة على تحويل هذا التوتر إلى طاقة خلاقة لا إلى سلاح للإقصاء. المستقبل، على الأرجح، سيكون للأشكال الهجينة التي تجمع بين حدٍّ أدنى من التنظيم ومرونة المبادرات المجتمعية وسرعة الاستجابة. الدرس من تاريخ الصراعات الحزبية السودانية واضح------ الأحزاب التي تعاقب السؤال تموت ببطء، وتلك التي تفتح كل شيء بلا ضوابط تفقد قدرتها على الفعل. المهارة السياسية الحقيقية اليوم هي إدارة هذا التناقض بوعي وشجاعة وهذا بالضبط هو الامتحان الذي يواجه المؤتمر السوداني، كما يواجه غيره، في لحظة لا ترحم الأخطاء الصغيرة ولا الغرور التنظيمي.
|
|