Post: #1
Title: حين يُباع الشرف: ما أغلى المبيع وما أرخص الثمن كتبه د. الهادي عبدالله ابوضفائر
Author: د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر
Date: 11-29-2025, 11:38 AM
11:38 AM November, 29 2025 سودانيز اون لاين د. الهادي عبدالله ادريس ابوضفائر-UK مكتبتى رابط مختصر
٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥
في خضمّ هذا البلاء الذي لا يهدأ، نقف كأننا على حافة هاويةٍ تتسع كل يوم، نتأرجح بين موجات الانحلال المتدفّقة، نكاد نفقد توازننا أمام طوفان الفساد والظلم والفراغ الأخلاقي. يصبح العالم من حولنا أشبه ببحرٍ مضطرب، لا مرسى يشدّنا إلى الثوابت، ولا قبس نورٍ يفتح لنا درباً نحو برّ الأمان. في هذا العتم، يبرز الشرف كقيمةٍ أصلية، لا باعتباره حكماً دينياً فحسب، بل بوصفه جوهراً إنسانياً خالصاً مغروساً في أعماق الفطرة؛ تلك النزعة العميقة التي تميل إليها النفس بطبعها، فتأنس للأمانة، وتميل إلى النزاهة، وتطمئن للصدق، وتسمو بالحلم، وتحتفي بمكارم الأخلاق التي تتفق عليها القلوب مهما اختلفت المذاهب وتباينت الطرق.
إنّه القاسم المشترك الذي تتلاقى عنده النفوس، مهما اختلفت المذاهب وتباينت الطرق، لأنه ليس فكرةً تُكتسب، بل بصيرة تُولد مع الإنسان. لكن العالم حين يضطرب، وحين تُثقل المآسي القلب، نغفل عن هذا الجوهر، ويعمى البصر عن النور المغروس فينا، فنبدو كمن يحمل المفتاح وينسى الباب. النفوس بطبيعتها ملهمة بالشرف، لكنها ضاعت في زحمة التهاون والانحراف، وأصبحنا نغفل عن جوهر الإنسانية. فـأهل الشرف والمروءة، إذا تولوا أمر القوم، لا يظلمون، وهم وحدهم القادرون على حماية القيم، إذ أن الظلم أحد أخطر مخرجات الفساد المستشري حولنا. ومن هنا يصبح الشرف والمروءة معيار الاختيار الأنسب دائماً؛ فهم يضيئون الطريق، ويصونون الإنسان والمجتمع من الانهيار.
الشرف ليس شعاراً يُرفع، ولا قيمةً تُعرَض للمساومة، بل هو جوهر الوجود نفسه، والعصب الذي تُشدّ إليه معاني الحياة. وليس أدلّ على مركزية الأخلاق في مسيرة الإنسان من الكلمة الجامعة التي قالها النبي ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق». فجوهر الرسالات، وغايـة الحضـارات، ومقـاصد الدول، كلها تعود إلى هذا المعنى الأصيل: أن يعيش الإنسان بكرامة، وأن يُبقي للحق وزناً، وللقيم مقاماً، وللخير مكاناً في القلوب فإذا انحدر الشرف إلى سلعة رخيصة، تهاوى كل ما بُني فوق أساسه، وانفرط الوجود إلى شظايا بلا تماسك، يتقدّم خطوةً ويتراجع أخرى. عندها يصبح الزمن معلّقاً في فراغه، كأنه ينتظر من يرد إليه جريانه، وتنهض الأرض مطالبةً بحقها المهدر، فيما تبحث العيون عن قبس نور يعيد إليها الحياة. ولا ينهض الوطن من رماده إلا بوعي ينبثق من الأعماق، وإرادة تعرف معنى الكرامة، وتصون للإنسان قيمته التي يستحقها.
اليوم لا نمر بأزمة سياسية أو مالية فحسب، بل نغرق في مأزقٍ وجودي شامل. فالإنسان بلا كرامة، والزمن فاقد لوزنه، والأرض بلا حماية، والتعليم بلا أثر يُذكر، والوجدان مثقل بظلامٍ لا ينقشع. حتى الهواء الذي نتنفّسه صار ملوّثاً بالفساد، يتسلّل إلى التفاصيل الصغيرة، فتتحوّل العادات اليومية إلى انتهاكات صامتة، يمرّ عليها الناس بلا وعي، بعدما ألفوا سقوط الشرف لحظةً بعد أخرى، كأنها تنطفئ من حياتهم دون حساب.
بانعدام الشرف، ينهار الزمن بلا وعي، وتبتلع اللحظات صراعات عقيمة ومراوغات صغيرة، كما لو أن الحياة تتآكل من الداخل. تنسحب العادات السيئة إلى كل تفصيل، فتصبح السرقة فهلوة، والرشوة تسهيلات، والكذب خبراً عادياً، والغش واجباً، والظلم مشهداً مألوفاً، والخيانة عادةً متكررة. تتخرّج الأجيال محمّلة بشهادات لا تعلم التفكير، ولا تمنح القدرة على الابتكار، بل تُحوّلهم إلى أدوات ساكنة، بلا روح، بلا حضور، وبدون كرامة. أما الأرض، فتنزف بصمت، النيل ينحسر، الأشجار تُقطَع، والثروات تُنهب بلا رقيب، وكأن الطبيعة نفسها تثقل قلبها بالأسى على الإهانة اليومية، على العبث الذي يحرمها حقها في العطاء، ويحرّمنا نحن فرصة الحياة الكريمة الواعية.
الكارثة لا تتوقف عند هذا الحد، حتى خطابنا الديني، الذي كان من المفترض أن يكون جسراً نحو الرجاء والنهوض، صار في كثير من الأحيان دعوة للانسحاب من الحياة بدل المشاركة فيها، وللرضوخ بدل السعي للتغيير، ولرؤية المعاناة كقدر نهائي لا بابا يُفتح للنهضة. ليست المشكلة في الدين ذاته، بل في خطابٍ حوّلوه إلى أداة لتهدئة الجراح بدل شفائها، ولتبرير الركود بدل تحريك الوعي، ولتمجيد الصبر السلبي بدل صناعة الأمل.
ومع ذلك، لا يموت الأمل. فالأمم تنهض حين تستعيد شرفها، وحين يُعاد بناء كرامة الإنسان، وحين يتحول الزمن إلى طاقة تُخلّق لا فراغا يُهدر، وحين تتحول علاقة الإنسان مع البيئة من استهلاك إلى فهم ورعاية، وحين يصبح التعليم نوراً يضيء العقول لا حبراً على الورق، وحين يعود الدين ليكون قوة للتحرير لا أداة للتخدير. عندها فقط يصبح الشرف معنى لا يُباع، والإنسان قيمة لا تُقهر، والكرامة شرطاً للوجود، ويستعيد الوطن حقه في حياة تستحق أن تُعاش. [email protected]
|
|