شباب الغماراب.. ملحمة الصمود وإعادة الحياة كتبه عبد العظيم صباحي

شباب الغماراب.. ملحمة الصمود وإعادة الحياة كتبه عبد العظيم صباحي


11-29-2025, 03:45 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1764387928&rn=0


Post: #1
Title: شباب الغماراب.. ملحمة الصمود وإعادة الحياة كتبه عبد العظيم صباحي
Author: عبد العظيم صباحي
Date: 11-29-2025, 03:45 AM

03:45 AM November, 28 2025

سودانيز اون لاين
عبد العظيم صباحي-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر




في لحظة مفصلية من تاريخ قرية الغماراب، بزغ نور الإرادة من بين ركام المعاناة، وتجلى عزم أهلها وشبابها في أبهى صوره. لم تكن معركة التحرير مجرد محطة عابرة، بل كانت شرارة انبعاث جديد، سطرها أبناء القرية بمداد الوفاء والانتماء، حين رفضوا أن تكون أرضهم مرتعًا للخراب، فهبّوا بعزيمة لا تعرف الانكسار، متحدين كل الصعاب، ليعيدوا الحياة إلى قريتهم ويثبتوا أن الوطن لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه.
و بمنطقة الجموعية، قرية الغماراب بأمدرمان لحظة تحريرها مايو 2025 من ايدي الجنجويد والمرتزقة الأوباش ، عمّت الفرحة أرجاء المكان، وخرج الناس في مسيرات عفوية تعبيرًا عن النصر، لا سيما في حي ود نوباوي العريق، حيث يقيم معظم أبناء القرية. وبينما كانت الشوارع لا تزال تضج بالهتافات، علت الأصوات المنادية بضرورة العودة الفورية إلى الغماراب لحماية ما تبقى من البيوت من عبث العابثين.
مع بزوغ فجر اليوم التالي، انطلق نفر كريم من أبناء القرية بقيادة رئيس النادي معتصم العقاد، بعد التنسيق مع القوات المسلحة، صوب الغماراب. لكن ما وجدوه كان صادمًا؛ قرية خاوية على عروشها، بلا ماء ولا كهرباء، واللصوص يسرحون ويمرحون بين البيوت. حينها، أطلقوا نداءً عاجلًا للشباب: عودوا إلى منازلكم، واحملوا ما يكفيكم من الزاد والماء، ولو لساعات.
لم يتأخر الرد، فهبّ الشباب من كل صوب، وأقاموا تكاية لتوفير الطعام والشراب، وتوزعوا في أرجاء القرية لحمايتها من المتفلتين الذين تزيّوا بزي القوات النظامية. وقفوا في وجههم بشجاعة نادرة، مرددين شعارهم الذي صار نبراسًا: "ابقوا كتار حتى تحافظوا على منازلكم ومنازل الجيران".
ورغم قسوة الظروف، حيث كان الماء يُجلب على الأيدي من مسافة تقارب الكيلوين، لم يهن لهم عزم. ومع مرور الأيام، تداعت أيادي الخير من أبناء المنطقة والمغتربين، لتوفير المياه وتيسير سبل الحياة. ومع أولى قطرات الأمل، بدأت الأسر في العودة من الثورات وأحياء أم درمان القديمة، تحمل معها الحنين والإصرار على البناء.
لم يتوقف العطاء عند حدود الماء، بل امتد ليشمل الكهرباء، حيث تكاتف الأهالي وجمعوا التبرعات لصيانة المحولات. وبفضل جهود الأستاذ وليد خلف الله، ورجل الأعمال عبد الله عبد القادر الأمين، والمهندس عبيد، عادت الكهرباء إلى القرية، فعاد الناس إلى بيوتهم، بعضهم على استحياء، وآخرون بفرح غامر.
وما إن استقرت الحياة قليلًا، حتى توجه الشباب، بقيادة السيد عبد الحميد الأمين، إلى المدارس، ينظفونها ويصلحون ما تهدم منها، لتعود المدارس الابتدائية والثانوية للعمل بكامل طاقتها، رغم غياب أي دعم حكومي من الولاية أو الاتحاد. لقد أعادوا للتعليم نبضه، وللأمل مجراه.
ما فعله شباب الغماراب لم يكن مجرد جهد محلي، بل كان درسًا في الوطنية الحقة، وفي معنى التضحية والإصرار على البقاء. لقد أثبتوا أن المجتمعات تنهض حين تتكاتف، وأن حب الوطن لا يُقاس بالشعارات، بل يُجسّد بالأفعال. فشكرًا لهم، ولهم تُرفع العمايم، ولتبقَ الغماراب شاهدًا حيًا على أن الإرادة حين تتجسد في القلوب، تصنع المعجزات.