في قبايل الاستقلال: الشيوعي الكبايه والإخونجي الكوز بقلم:عبد الله على إبراهيم

في قبايل الاستقلال: الشيوعي الكبايه والإخونجي الكوز بقلم:عبد الله على إبراهيم


12-23-2020, 01:26 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1608726360&rn=0


Post: #1
Title: في قبايل الاستقلال: الشيوعي الكبايه والإخونجي الكوز بقلم:عبد الله على إبراهيم
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 12-23-2020, 01:26 PM

12:26 PM December, 23 2020

سودانيز اون لاين
عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA
مكتبتى
رابط مختصر





مسكنا أمس في سيرة ثنائية الشيوعيين والإسلاميين التي هي علة خراب البلد في اعتقاد جمهرة كبيرة أو غالبة. ومن بين من أخذ عليها هذه (الخاسية) بقوة الدكتور التجاني عبد القادر في كلمة ذاعت. ومع اتفاقي مع "الشرور" التي ترتبت على صراعات هذه الثنائية إلا أني راجعته بأنها ثنائية حقيقية. وعلاجها في الاعتراف بها وبديناميكيتها لا بمجرد الدعوة للترفع عنها لخاطر البلد كما اتفق له. وسيسوقنا بيان حقيقة هذا النزاع وجبره السياسي إلى الاستعمار الذي جاءنا بهذه الثنائية في أعرض تراكيبها. فقد جاء الإنجليز إلى بلادنا رسل حداثة ليَصِموا كل معارفنا السلفت ب"التقليد". ورتبوا نظم الحداثة والتقليد في هرم تكون الحداثة ذروته والتقليد في أسافله. وعقدوا بينما سباقاً يبلغ الحديث الميس وتبطل قوى التقلد وتخور وتتلاشى. وكانت دعوة الإنجليز لنا أننا لن نشم التحضر لو لم نتخلص من التقليد وبسرعة.
في أول عهدنا بالماركسية حذرنا الحزب الشيوعي من أن نقرب من كتابات فرانز فانون الثوري المارتينيكي-الجزائري صاحب "معذبو الأرض" و"وجلد أسود وأقنعة بيضاء" وغيرها. وبالفعل لم أطلع على بعض كتبه التي أهداني الصديق حسن عابدين في عطلة له في السودان في ١٩٦٨ من بعثته الأمريكية. وكان فانون وقتها نجماً ثورياً ثاقباً. وعدت لأعرف فانون و"أدمنه" في الثمانينات خلال تعرضي لمعارف مدرسة ما بعد الاستعمار في كتابة التاريخ التي أسس لها إدوار سعيد بكتابه "الاستشراق" (١٩٧٨). ووجدت في نظريته عن الثنائية الاستعمارية مفتاحاً لكتابي عن تاريخ القضائية السودانية الثنائية.
فمن رأي فانون أن الاستعمار ما حل ببلد إلا قسمها إلى فضاءين: فضاء حديث هو مستودع القيم الحق وفضاء تقليدي هو مستودع القيم الآفلة. ووصف هذين الفضاءين ب"المانوية" على عقيدة مان الفيلسوف الفارسي الذي قال بأن مدار العالم علي صراع ثنائية الخير والشر الأبدي. وقال فانون بتباغض فضائي الحداثة والتقليد في فكرة الاستعمار كما في فكر مان. فحالة النزاع بينهما أزلية لا يخصب واحدهما الآخر في تركيب أعلي مشرق. ولأزلية هذا الصراع في المستعمرة وغلوائه سماه فانون ب"الهذيان المانوي". فالفضاءان يصطرعان صراعاً لا نهاية له فيورث أهله الهذيان.
وماشي بعيد ليه. فما جاء الاستعمار حتى خلق بينا فضاءات متباغضة أو عبثية. خذ عندك العاصمة العاصمة والعاصمة الوطنية. كلية غردون والمعهد العلمي. القاضي المدني والقاضي الشرعي. مدرس العلوم الحديثة ومدرس العربي والدين. والسوق الإفرنجي والسوق العربي. والترزي الإفرنجي والترزي البلدي. والجزمة والمركوب. وليست هذه الفضاءات على السوية بل تخضع لتراتبية من له اليد العليا ومن له اليد السفلى. فأنظر فقط للأحذية التي لا تظن أنها مما تتأثر بهذه التراتبية. أبداً وحاتك. فكان بوسعك مثلاً الدخول على مكتب الإنجليزي أب شنب إذا كنت لابساً جزمة ولكن محرم عليك الدخول عليه بمركوبك حتى تخلعه عند الباب. وحدثنا بابكر الطيب من قادة حركة ١٩٢٤ في مدينة شندي عن انقباض نفسه وهو يرى زعيماً قبلياً مسمياً يخلع مركوبه قبل الدخول على المفتش الإنجليزي.
نشأنا في اليسار على وجوب تفكيك الدولة الاستعمارية في مثل التخلص من الاقتصاد وحيد المورد (القطن) ومن هذه الثنائيات حتى تصلح دولة للرعايا الذين صاروا مواطنين. ومن ضمن العوامل التي وقفت في وجه هذا التفكيك تمسك طائفة من السودانيين بالثنائية الاستعمارية للسلطان الذي مكنتهم منه. فورث القضاة المدنيون فضاء القضاة الإنجليز وتسيدوا مثلهم على القضاء الشرعي. وقد لا يعرف الكثيرون أن أكثر ارتباكات بابكر عوض الله، رئيس القضاء بعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤، جاءت احتجاجاً على قرار إسماعيل الأزهري، رئيس مجلس السيادة، بفصل القضاء الشرعي وتحريره من سلطان القضاء المدني. ويذكر الناس له استقالته احتجاجاً على تجاهل الحكومة حكم القضاء في حل الحزب الشيوعي وينسون له هذه.
عليه: يقع صراع الإخوان المسلمين والشيوعيين في حرب الفضاءات الاستعمارية هذه. فهما الطاقتان وحدهما اللتان استثمرا فكراً وخيالاً في مشروعهما السياسي سواء في الحداثة أو التقليد. وبقية الناس مجرورة جراً. وواضح تفكير الاثنين في مسمي "الكيزان" الذي قلت إنه وصف الشيوعيين للإسلاميين من جهة تقليديتهم الريفية. ففي الريف يقولون كوز لا كباية. ويقول الإخوان عن الشيوعيين إنهم كفار يخرجونه وحداثتهم من الملة. والحداثة عند الإسلاميين "ابتلاء" بينما هي عند الشيوعيين تذكرة إلى المستقبل.