وفرة السيول وشح السيولة،، بقلم:إسماعيل عبد الله

وفرة السيول وشح السيولة،، بقلم:إسماعيل عبد الله


09-10-2020, 00:30 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1599694221&rn=0


Post: #1
Title: وفرة السيول وشح السيولة،، بقلم:إسماعيل عبد الله
Author: اسماعيل عبد الله
Date: 09-10-2020, 00:30 AM

00:30 AM September, 09 2020

سودانيز اون لاين
اسماعيل عبد الله-الامارات
مكتبتى
رابط مختصر




ألأقدار الساخرة تشخص بأبصارها المشؤومة تجاه بلاد السودان، هذا القطرالمشقوقة أرضه بأطول أنهار العالم وأعذبها ماءًا، في هذا الزمان الذي يفوق فيه سعر صفيحة الماء الصالح للشرب قيمة صفيح البترول، وعلماء الأقتصاد لدينا يدورون حول فلك الحيرة يبحثون عن العصا الموسوية لضرب شبح الغطرسة الدولارية المهينة لجنيهنا السوداني الذي كانت له سطوته على الناس، إنّ المياه الوفيرة وغير المستغلة التي تتدفق من الجبال والهضاب والسهول كل موسم خريف، إذا تمت تعبئتها في قناني بديباجة زاهية اللون مكتوب عليها (مياه أمطار نقية)، وبيعت في أسواق البلدان ذات المياه المالحة لكفتنا شر إفلاس الخزينة الحكومية، هذا غير لو أننا حفظناها لأوقات الحاجة لأنتاج الطاقة الكهربائية المستدامة في سدود نهضوية عالية الجدران مثلما فعل جارانا الطموحان.
ألعيب فينا وليس في الزمان البريء (لا الرديء) الملوث بما كسبت أيدينا، حينما يلقي صديقي جام غضبه على دول المحور لتدخلها السافر في الشأن السوداني، ويحمّلها مسؤولية فشلنا في إدارة دفة البلاد بالطريقة المثلى، ينسى هذا الصديق العزيز أن الجار عندما يقتحم منزلك دون استئذان مستفهماً عن الصراخ الذي غزا مسامعه والقادم من نوافذ صرحك العظيم، فإنّ اللوم لا يكون على هذا الجار الهميم الذي أوصاه نبينا الكريم بنجدة أخيه إن ألم به كرب، فإذا لم نقم بصون أسرارنا الداخلية لا يستقيم منطقاً ولا عقلاً أن نلقي بواجباتنا الوطنية على عاتق وكتف الآخر الباحث عن مصالحه، وإنّه لمن عدم الأهلية والكفاءة أن يكون رجل الدولة لدينا ممن يقدمون مثل هذا التبريرات الفطيرة الواصفة لما آل إليه الحال من تردٍ أقتصادي وأمني.
ألكسل، تلك المفردة المستخدمة للمعايرة والتي ظل يغيظنا بها أشقائنا العرب (على قول حاجة أسماء)، وحجتهم في وصمنا بهذه الصفة الغير حميدة هي ازدحام النعم التي تحيط بنا من كل حدب وصوب، المياه والأمطار والأنهار والأبقار والجبال والتلال والجمال والبغال، مع إخفاقنا في الأستفادة والإفادة من هذه الثروات المتراكمة، فلو ألقينا بالنظرة العابرة على ما تجود به الديار من الدرر النفيسة الكامنة في جوف الأرض، والموجودة على سطحها، لوجدنا العذر لمن كال علينا هذه الأوصاف الكسولة، لأن هذا المُعاير قد قطن أرضاً متصحرة وقاحلة جدباء وعلى اشتداد زمهرير حرها وجفافها المعلوم، استطاع أن يلبي احتياجاته رغم صعوبة المشوار الطويل غير مكترث لضراوة تيار تحديات القرى والحضر ومشاوير المدن المستحيلة.
ألكوارث الفيضانية التسونامية السائلة فتكت بنا في نهايات الأربعينيات من القرن المنصرم، و تكررت المأساة في خواتيم الثمانينيات من ذات القرن ولم نتعظ ، وفي هذا العام الفاتح للعشرية االأولى من القرن الواحد والعشرين تستنسخ المأساة نفسها مجدداً وتعود الصور القديمة من مخابيء الذاكرة المثقوبة بالشخوص وبالملامح والتقاسيم الباكية، والمشكلات ما زالت (هي،،هي)، سياسيون فاشلون يقولون ولا يفعلون، ومساكين ينامون في العراء بعد فقدان المنزل والمأوى والمعين والمعيل، لكأنما قدر هذا الإنسان السوداني أن يكون (ملطشة) للعابثين والمتبطلين والفاقدين لموهبة الأبتكار والأبداع و صناعة الحلول.
التعلم من دروس وعبر وتجارب الماضي سمة من سمات الفرد العادي ، فما بالك بالحكومات!، وعلى مستوى الشركات والمؤسسات المملوكة للأفراد هنالك إعادة تقييم لأداء هذه المؤسسات سنوياً وبطريقة راتبة، فتوضع الخطط وتنفذ البرامج المتلافية لأخطاء السنة التي سبقت، أين حكوماتنا المتتالية التي لا تحفظ أراشيفها قواعد البيانات، التي يجب أن يعدها المهنيون الذين يقدسون المهنة ويحترمون شرفها ويعتمد عليهم في إيجاد المخرج والحل ورسم الملمح المستقبلي للمشاريع الوطنية.
ألفساد هو الغول الذي يهدد الفترة الأنتقالية بالأنهيار التام والكامل، إذ ما زالت البيوتات الرأسمالية الطفيلية القديمة والمرتبطة بالنظام البائد تلعب دوراً مؤثراً في حركة المال، وقد أشار الحادبين على إنعاش وإفاقة الأقتصاد السوداني المريض إلى أن الوزارة الحيوية في هذا الشأن (التجارة والصناعة) لم تسند إلى الرجل المناسب، لكن للأسف باءت كل محاولات إثناء رئيس الوزراء وطاقمه الميمون عن توزير هذا الوزير غير الكفؤ بالفشل، بل شطحت حكومة الأنتقال ورئيسها حمدوك بالأبقاء على الكوادر ذات القدرات المتواضعة وعصفت بالكادر (الكارب قاشو)، كأكرم والبدوي، فحدث الترهل المؤسساتي الذي لمسه راعي الإبل في صحراء شمال كردفان، وهكذا تكون المحصلة البديهية والحتمية لسياسة الحكومة التي تتخذ من منهج الترضيات والمجاملات والشلليات سبيلاً لها.
ألثورة الثانية آتية لا محال طالما أن الدولار سادر في غيه و متحدياً لجنيهنا المسكين، فتجبر وتكبر هذا الدولار هو الذي أسقط المتجبر الأكبر وسوف يسقط صغار الجبابرة ورثة طغيان فرعونهم الكبير، وكما تقول الأسطورة الصوفية أن الطغيان والفساد العظيم لن تمحوه إلا السيول الجارفة والفيضانات العاتية ذات الأمواج المتلاطمة، وأن زوال الطغيان أحياناً لا يكون إلا بعد استشراء الطاعون (كورونا) وانحسار مده، فلعلها آخر أوراق الأمتحانات اعتماداً لتجاوز الشعوب السودانية الصابرة للمحن والإحن.

إسماعيل عبد الله
[email protected]