نشأت دولة الاسلام السياسي في السودان تحت لافتة المشروع الحضاري المتكامل ، وزعم منسوبي حركة الاسلام السياسي تجرداً للفكرة و تضحية من اجلها و استمرأ الاسلاميون السلطة حتى أنفصل المشروع عن الحكم مع بقاءالحاجة إلى الاسلام الطقوسي كأداة لاستمرار الشرعية و إلجام المعارضين و تخدير الشعب و تحولت الدولة من رهينة لخدمة المشروع الاسلامي إلى خدمة مصالحهم الشخصية و مصالح النخب التي تكونت حول قادة المشروع الاسلامي الذي أبتلع الدولة و النخب التي تكونت حول قادة الإسلاميين تجمعت جميعها و تمركز ولاءها حول مركز إتخاذ القرار و هي نخب أحترفت النفاق و لم تقصر في ممارسة دورها في تحويل الهزائم إلى إنتصارات و الفشل إلى نجاح افراح واحتفالات وسط الدماء والحزن و الانتكاسات التي تطغى على كل أنظمة الحكم الفاشلة بطبيعة الحال . تحول المشروع الاسلامي الحضاري الى نظام حكم و انتزع السلطة من عموم الشعب و وضع المسؤلية بايدي الموالين والمنافقين و قضى على النخب الحقيقية و تحول الوطن إلى غنيمة و مطمع و صار المال العام منهباً بايدي هذه النخب التي صار جل همها أن يواصل مركز اتخاذ القرار حكم الوطن لتستمر الدولة و مقدراتها رهينة بايديهم . لذلك كان لابد من ظهور ظاهرة (العسكرتاريا)و إستدعاء القبلية بشكلها المعاصر لتخلق أزمة الديموغرافيا المختلة حين أحتاج النظام الى نخبة بدائية تنعدم علاقتها بالحضارة و لكنها ذات مقدرات تنظيمية عالية بسبب رابطة القبيلة او العسكرتاريا.
و عبر مسار التاريخ يبدأ الحاكم في إستجلاب هذه الشريحة كعسكر و جنود و خدم لحماية حكمه ،مقابل تهيئة ظروف حياة مختلفة لهم ، ولكن التجارب التاريخية أثبتت دائماً تحول هذه الشريحة من حماية الحكم الى الحكم .
(.) غياب الوعي الاستراتيجي نتاج طبيعي للأنظمة التي تتكيء شعارات آيدولوجية و تفشل في تنزيل برامجها على الارض و تغيير واقع الوطن والمواطن و تتحول الى دولة تعتمد على العسكرتاريا و القبلية و نخبة المنافقين و تعمل على صناعة معارضتها الخاصة والتي تنتقل من حيّز المعارضة الى حيّز الموالاة ثم الى حيّز الحياد و تتحول الى مواقع مختلفة حسب الظرف الزماني و تحتكر تمثل الجماهير بمباركة النظام ، و هنا تنشأ مصالح فردية و فئوية ، و هذا ما حدث في السودان فيما يسمى بحركة اللجوءالسياسي و اعادة توطين النشطاء بدول الغرب و هو تجفيف ممنهج لنخبة جديدة نشأت تحت مسمى (النشطاء السياسيين )، و هو مصطلح كان يمثل غطاء تعريف المثقف غير المسيس و غير المنتمي الى حزب سياسي رغم ان التعريف أيضاً خضع لتحايل سوداني معتاد فصار يشمل الجميع من منسوبي الأحزاب و غيرهم ، و صار الامر مدخلاً حقيقيا ً للمصالح الفردية والفئوية ، حيث ان مفهوم النشاط السياسي المعارض لدى الأفراد صار هدفه إيجاد موطىء قدم بدول اعادة التوطين و اكتساب حق اللجوء السياسي اكثر منه رغبة في التغيير او ازاحة النظام او حتى التفاعل مع القضايا الوطنية ، مما افسح المجال اكثر للنظام للهيمنة على الوطن و مواصلة النهب الممنهج و ممارسة سياسة تغيير التركيبة السكانية لتأمين قبضته على الحكم من خلال شريحة العسكرتاريا و القبليين .
(.) ماحدث في السودان خلال ربع قرن مضى ،يعيد الى الاذهان تجارب أنظمة كثيرة عبر التاريخ ، حيث ان نشوء مجتمع العسكرتاريا و الذي اعتمد على قبائل ومجموعات و مكونات مجتمعية وافدة لحراسته وخدمته ، لم يكن أمراً تمخضت عنه عبقرية النظام السوداني او غبائه ، مقروناً أيضاً ببروز طبقة مثقفة تمتهن نفاق الحاكم و طبقة اخرى تسترزق من معارضة الحاكم نفسه ، فقد قام الخليفة المعتصم باستجلاب مجموعة من المماليك لحماية حكمه و وطنهم بمدينة (سامراء)، التي أنشأها لتكون معسكراً و مستقراً للماليك العسكر الذين سرعان ما قويت شوكتهم و بعد ان احتكروا القوة العسكرية بعد ان فكك الخليفة المعتصم جيش الخلافة لصالح فكرة العسكرتاريا المرتزقين ، طمعوا بالسلطة التي راؤوا في أنفسهم الحامي والمدافع والقاتل والمضحي بنفسه من اجل الحفاظ عليها ، و انتهى مجتمع العسكرتاريا من مجرد طبقة محاربة تدافع عن السلطة مقابل اجر ، الى طبقة حاكمة هي طبقة المماليك التي قفزت الى السلطة و جمعت بين القوة العسكرية والحكم و نشأت دولة المماليك . و هنالك أيضاً تجربة الرومان مع قبائل البربر والجيرمان التي استجلبها القيصر للحيلولة بينه وبين طبقة الشعب و العبيد والنبلاء و الدفاع عنه و قام بتفكيك جيش الامبراطورية و سرعان ما قفزوا أيضاً الى سدة الحكم و هذه التجارب سنأتيها تفصيلاً مقارنة بتجربة الجنجويد و قوات الدعم السريع و مليشيات الدفاع الشعبي .
في الجزء الثاني سنتحدث أيضاً , عن تحول حميدتي من مجرم حرب و قائد مليشيا إلى مطلب شعبي , يقفز إلى سدة الحكم بناءً على رغبة جماهير الشعب و تلبيةً لمطلبه .
يتبع ,,,
04-23-2019, 09:11 PM
اسماعيل عبد الله محمد اسماعيل عبد الله محمد
تاريخ التسجيل: 08-26-2007
مجموع المشاركات: 3465
Quote: في الجزء الثاني سنتحدث أيضاً , عن تحول حميدتي من مجرم حرب و قائد مليشيا إلى مطلب شعبي , يقفز إلى سدة الحكم بناءً على رغبة جماهير الشعب و تلبيةً لمطلبه .
لو لا حميدتي لفتكت فتوى عبد الحي بتلت المتظاهرين أمام القيادة ,,, على أقل تقدير أحفظوا للرجل موقفه المساند للتغيير والحاقن لدمائكم يا ناكرين الجميل ,,,
05-21-2019, 04:16 PM
صلاح أبو زيد صلاح أبو زيد
تاريخ التسجيل: 01-29-2011
مجموع المشاركات: 1434
Quote: في الجزء الثاني سنتحدث أيضاً , عن تحول حميدتي من مجرم حرب و قائد مليشيا إلى مطلب شعبي , يقفز إلى سدة الحكم بناءً على رغبة جماهير الشعب و تلبيةً لمطلبه .
يتبع ,,,
عساك بخير العزيز كمال اتمنى ان تكمل لو اسعفك الوقت تحياتي
تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة