كيف كان العام الثقافي بمصر لهذا العام المنصرم!

كيف كان العام الثقافي بمصر لهذا العام المنصرم!


12-21-2009, 05:32 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=250&msg=1261369947&rn=0


Post: #1
Title: كيف كان العام الثقافي بمصر لهذا العام المنصرم!
Author: زهير عثمان حمد
Date: 12-21-2009, 05:32 AM



لقد كان هذاالعام المنصرم من عمر الثقافة المصرية ليس بأفضل من سابقه فقد بدأ برحيل اثنين من رواد الفكر المعاصر هما محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس وانتهى بخسارة وزير الثقافة لموقع مدير عام منظمة اليونسكو، ولم يكن الأمر في مقام الروعة أو الجمال بل حسب العديد من المحللين ببعيد عن تراجع المكانة المصرية حتى إنه لم يكن مستغربا أن يتعرض الوزير لعاصفة من الانتقادات على الصعيدين الثقافي والسياسي. فقد اعتبره مثقفون وراء انحسار الكثير من فقدان المثقف المصري لاستقلاله والكثير من حريته، واعتبره سياسيون يدفع ثمن اخفاق النظام السياسي الذي قضى عمره مدافعا عنه، وكان التيار الديني هو الأكثر راديكالية في موقفه من فاروق حسني، حيث اعتبرته جماعتا الاخوان المسلمين والجماعة الاسلامية عدوهما الاول المناهض لأفكارهما والذي جند امكانات وزارته لأكثر من عقدين في الهجوم على أفكار الجماعات السياسيه ذات المرجعية الدينية.
كذلك شهد العام استضافة بريطانيا كضيف شرف لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الاخيرة واحتفال وزارة الثقافة بمرور خمسين عاما على انشائها وانطلاق الملتقى الدولي الاول للقصة القصيرة وحصول القاص السوري زكريا تامر على جائزتها، كذلك انطلاق فعاليات الملتقى الأول لقصيدة النثر الى جوار فعاليات الملتقى الرسمي الذي حصد جائزته الشاعر احمد عبد المعطي حجازي مقرر الملتقى.
كذلك شهد العام رحيل عدد من رموز الثقافة المصرية فبعد رحيل انيس والعالم رحل الشاعر وليد منير والشاعر محمد صالح وكذلك الروائي يوسف أبو رية.
وسنلقي هنا الضوء على بعض هذه الأحداث بشكل أقرب إلى التفصيل.

ثورة أتيلييه القاهرة على نفسه والصالون السابع والخمسون

كان من بين مفاجآت العام المنصرم أيضا تلك الثورة التي قادها عدد من الناشطين داخل اتلييه القاهرة بقيادة الكاتبة الروائية سلوى بكر والتي انتهت بإقالة مجلس الادارة، ثم انتهت فترة السجال الطويل التي شهدها أتيلييه القاهرة بعد أن تم انتخاب مجلس إدارة جديد يترأسه الفنان التشكيلي المعروف صلاح عناني وضم عددا من الأعضاء الجدد الذين شاركوا في الانتخابات للمرة الأولى منهم الشاعر إبراهيم عبدالفتاح ومحمد الجبيلي ومدحت طه والدكتور صلاح الراوي.
وكان مجلس الإدارة الأسبق الذي كان يترأسه التشكيلي وجيه وهبة قد تم حله بقرار من وزير التضامن الاجتماعي ومحافظ القاهرة، وتم تعيين الكاتبة سلوى بكر مفوضا عاما لأتيلييه القاهرة.
ولم تمنع هذه الطروف أتيلييه القاهرة من إقامة صالون الأتيلييه السابع والخمسين في موعده السنوي، وقالت سلوى بكر إنه رغم الظروف العصيبة التي مر بها الاتيلييه والناتجة عن عزل مجلس إدارته بقرار من وزير التضامن الاجتماعي ومحافظ القاهرة نظرا لما ارتكبه هذا المجلس من مخالفات مالية وإدارية جسيمة ورغم حالة الارتباط التي اعترت البعض بسبب ذلك، فإن فناني وأعضاء هذه الجمعية الثقافية العريقة أصروا على أن يواصلوا تقليدهم المعتاد في إقامة الصالون السنوي التشكيلي حيث تتفتح زهورهم الإبداعية منذ أن بدأ موسمه الأول منذ سبعة وخمسين عاما.
وتضيف سلوى بكر: لقد عكس التعاون الخلاق بين فناني الاتيلييه وخصوصا جيل الشباب منهم مدى وعي هؤلاء المبدعين بالدور التاريخي لجمعيتهم الفريدة في الحركة الثقافية المصرية عموما وفي الحركة التشكيلية خصوصا وكان على رأس ذلك الفنان المبدع صبري منصور قومسير الصالون لهذا العام، ولسوف يستمر الأتيلييه رغم الصعاب ورغم كل المحن منارة لا تنطفىء شعلتها لتنير حركة الفن والأدب والفكر في مصر.
وتردف سلوى: يأتي صالون هذا العام وقد فقد أتيلييه القاهرة واحدا من أعضائه وهو الفنان رؤوف سمعان، لذا فإن تكريمه خلال هذه الدورة كان واجبا معبرا عن مدى الحزن والشعور بالفقد.
أما قومسير الصالون لهذا العام فيقول: هو تقليد يحرص أتيلييه القاهرة على الوفاء به كل عام، حين يدعو أعضاءه من الفنانين التشكيليين لعرض أعمالهم الحديثة في معرض جماعي، وفي توقيت تندر فيه إقامة المعارض، يأتي صالون الأتيلييه السنوي ليقدم إبداعات تلك النخبة المتميزة من الفنانين، الذين يمثلون أجيالا مختلفة، وأساليب فنية متنوعة، وليمثل بهذا النشاط تواصلا لا ينقطع للنشاط الفني التشكيلي في مدينة القاهرة، وقد شارك القومسير صبري منصور لجنة لإعداد الصالون تشكلت من أحمد سميح، أشرف عبدالقادر، رضا عبدالرحمن، عاطف أحمد، عبدالفتاح البدري، مجدي الكفراوي، محمد صبحي أحمد، وكذلك تشكلت لجنة الندوات من كل من سلوى بكر، مجاهد العزب، ومحمد شادي.
وقد أقيمت على هامش الصالون ثلاث ندوات الأولى جاءت تحت عنوان 'القيم التشكيلية بين القديم والمعاصرة وكيفية الاستفادة منها، والنقد التشكيلي العالمي الحديث وعلاقته بالإبداع والنقد الفني في مصر، ومستقبل الحداثة وما بعدها في الفن العالمي وفي مصر بين القبول والرفض.
وقد شارك من الفنانين في الصالون السابع والخمسين عدد يتجاوز الخمسين فنانا منهم رحمة علي الدين، رضا عبدالرحمن، رفقي الرزاز، رهام محمود، سوزان التميمي، سوزي شكري، السيد القماش، سيد خليل، شادي أديب، شيرين عبدالجواد، عبدالفتاح البدري، عبدالرحيم شاهين، عبدالوهاب عبدالمحسن، عبدالوهاب عراقي، عدلي زكي، علاء الحارثي، منير الشعراني، مجاهد العزب، مجدي الكفراوي، فاتن النواوي، محمد غانم، وفيق المنذر وآخرون.

السادات ومتحف في مكتبة الاسكندرية
دلالات الدعم من قرينة الرئيس

كذلك كان من بين الأحداث اللافتة في عامنا هذا ذلك الافتتاح المهيب لمتحف جديد يحمل اسم الرئيس الراحل أنور السادات بعد تخصيص مكتبة الاسكندرية مئتي متر من مساحتها، بدعم شخصي من السيدة سوزان مبارك باعتبارها رئيسا لمجلس أمناء مكتبة الإسكندرية. وهي خطوة تحمل العديد من الدلالات فقد نتفق على استحقاق الرئيس السادات لمتحف يحمل اسمه ومقتنياته، لكننا سنتساءل على'الفور وأين جمال عبد الناصر، ومحمد نجيب وسعد زغلول وأحمد عرابي، والنحاس باشا ومحمد علي.
لقد اكتفت الدولة بإقامة متحف محدود تعثر لعشرات السنين اسمه مجلس قيادة الثورة، ولا زالت إنشاءاته وترميماته متعثرة حتى الآن.
الأسئلة هذه يجب أن نوجهها للرئيس وقرينته ومدير مكتبة الإسكندرية إسماعيل سراج الدين، لأن مصر ـ في الحقيقة ـ ليست ملكا لهم، وصناعة الرموز ليست صناعة رسمية، بل هي صناعة شعبية بالدرجة الأولى، فالانتماء السياسي للرئيس وفريق عمله لمدرسة السادات جعلهم ينسون أنهم يحكمون بلدا تتعدد فيه المشارب والاتجاهات، وينطوي على نخب واسعة في شتى الاتجاهات، وهذا ما يؤكده الطرح الذي قدمته مكتبة الإسكندرية، حول الأسباب التي دفعتها لإنشاء مثل هذا المتحف الذي سوف يتم افتتاحه خلال الأيام القادمة، وحسبما تقول أوراق المكتبة فإن متحف الرئيس الراحل أنور السادات سوف يضم مجموعة كبيرة من أندر مقتنياته ومتعلقاته الشخصية، قدمتها السيدة جيهان السادات لتكون نواة المتحف الجديد، بالرغم من القيمة الإنسانية التي تمثلها هذه المقتنيات بالنسبة لها.
وقال مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور إسماعيل سراج الدين إن المتحف يعد الأول من نوعه عن الرئيس السادات في مدينة الإسكندرية وهو يأتي في إطار توثيق المكتبة لتاريخ مصر الحديث والمعاصر.
وأضاف أنه تم تخصيص جناح كامل، بجوار القبة السماوية يقع على مساحة 200 متر، لمتحف الرئيس الراحل السادات، مشيرا إلى أن الدكتور حسين الشابوري، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة، قام بالتنسيق المتحفي واختيار الموقع.
وسوف يشاهد الزائر قبل دخول المتحف عرض 'بانوراما التراث' وهي عبارة عن تسع شاشات عرض، كل شاشة تختص بفترة زمنية من حياة الرئيس الراحل ويستغرق العرض حوالي 20 دقيقة، قام بإعداده مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي الذي يديره الدكتور فتحي صالح، كما تمت الاستعانة بلقطات فيديو أهداها للمكتبة التلفزيون المصري مجموعها 12 ساعة تضم عددا من الخطابات وتقارير المراسلين الأجانب وفيلــــم السادات 'أكشن بيوغرافي' مع استعــــراض لكافة الوثائق الخاصة بعملية السلام المصرية الإسرائيلية وحرب اكتوبر، بالإضافة لمجموعة من التسجيلات التي لم تذع من قبل سواء في مصر أو الدول الأجنبية والتي سوف تتاح على موقع السادات على الانترنت، والذي سيتم تدشينه في نفس يوم الافتتاح.
وتتولى مجموعة من المرشدين المتحفيين المدربين تعريف الزائرين بأهم مقتنيات المتحف والإجابة على تساؤلاتهم وتزويدهم بما يحتاجونه من معلومات.
ونوه الدكتور خالد عزب، مدير إدارة الإعلام والمشرف على مشروع توثيق حياة السادات، إلى أن المتحف يضم عددا من الأوسمة والنياشين التي حصل عليها الرئيس الراحل خلال مراحل حياته المختلفة، سواء داخل مصر مثل: وسام العمل من الطبقة الأولى، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، ووسام نجمة الشرف، ووسام سانت كاترين، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى، ووسام الرياضة من الطبقة الأولى، أو إهداء من دول أخرى مثل: وسام أمية الوطني من الرئيس السوري شكري القوتلي عام 1958، ووسام العمل اليوغسلافي من الطبقة الأولى، ووسام تريشاكتي باتا إهداء من مملكة نيبال وغيرها.
وأضاف أنه من الأنواط نجد نوط الأرز الوطني 'لبنان' ونوط النجمة العسكرية ومن القلادات: قلادة الجمهورية من الطبقة الأولى، والقلادة الكبرى للاستحقاق الوطني لدولة تشاد، وقلادة أهدتها للسادات الأكاديمية الدبلوماسية بفرنسا، وقلادة الاستقلال التونسية، بالإضافة إلى عدد من الأطباق الذهبية والفضية والبرونزية والنحاسية المهداة له وللسيدة جيهان السادات.
من جانبه، أشار عمرو شلبي، المشرف على المادة العلمية بمتحف السادات ومنسق المشروع، إلى أن المتحف يضم عددا من الميداليات، مثل ميدالية الفاتيكان، وميدالية تذكارية صدرت بمناسبة توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل 1979 إهداء من دولة إسرائيل، وميدالية صدرت في الذكرى الأولى لزيارة السادات للقدس 1977- 1978.
وألمح شلبي إلى أن المتحف يحوي أيضا مجموعة من البدل المدنية والعسكرية مثل بدلة بحرية كان من المفترض أن يرتديها الرئيس السادات خلال حفل الافتتاح الثالث لقناة السويس 1980، ولكنها لم تستخدم، والبدل العسكرية التي كان يرتديها الرئيس الراحل يوم العرض العسكري في 6 أكتوبر 1981 مغطاة بدمائه.
في الوقت نفسه تطلق مكتبة الإسكندرية موقعا إليكترونيا على شبكة الانترنت للرئيس السادات يأخذ بأحدث التقنيات التكنولوجية بهدف تسليط الضوء على حياة الرئيس الراحل في جانبها الشخصي والعملي من خلال آلاف المواد التاريخية النادرة مثل الصور والوثائق والأفلام التسجيلية والخطب وغيرها.
وأكد الدكتور عزب أن هذا الموقع يلبي احتياجات العديد من الجهات والأسر والشخصيات العامة التي تعاونت مع المكتبة من أجل هدف واحد هو أن يخرج الموقع بشكل لائق. وأشار إلى أن أبرز الجهات المشاركة هي أسرة الرئيس الراحل وأسرة فوزي عبدالحافظ، والهيئة العامة للاستعلامات، وأخبار اليوم، ودار الهلال.
ويمكن تصفح الأرشيف الرقمي للرئيس السادات من خلال عدد من المداخل الرئيسية، هي: الخطب، والصور، والأفلام التسجيلية، والوثائق، والإصدارات الفنية والأرشيف الصحافي، كما يمكن للزائر، من خلال الصفحة الرئيسية للموقع الالكتروني، الاطلاع على السيرة الذاتية الكاملة للرئيس الراحل.
يتضمن الموقع تاريخ حياة السادات منذ كان ضابطا صغيرا ورحلته في السجون والمعتقلات ومشاركته في ثورة يوليو وتوليه الرئاسة فيما بعد حتى لحظة اغتياله.
وقد أولت المكتبة أهمية خاصة لخطب السادات باعتبارها وسيلة مهمة يستخدمها السياسيون للتأثير في الجمهور وإقناعه وتوجيهه نحو أهدافهم، كما تعبر اللغة عن اتجاهات السلطة وأهدافها وتعكس الأحوال السياسية للمجتمع. لذا قام فريق العمل بالمشروع على توثيق 1116 خطابا نصيا للرئيس محمد أنور السادات، بدءا من أول خطبة له إلى الأمة بتاريخ 28 ايلول (سبتمبر) 1970، إلى آخر مقابلة للرئيس السادات لصحيفة 'القبس' الكويتية والتي نشرت بتاريخ 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1981.
وقد تم تقسيم الخطب النصية المتعلقة بالسادات الى مجموعة من التقسيمات الفرعية، من أبرزها: بيانات ومؤتمرات صحافية وأقوال مأثورة.
كذلك يقدم الموقع العديد من الصور للرئيس السادات وهي صور تغطي الكثير من الأحداث الرسمية والزيارات واللقاءات في الفترة ما بين عامي 1952 و1981، ومن أبرز تلك الأحداث: ثورة التصحيح تكريم أبطال نصر تشرين الأول (أكتوبر)، افتتاح قناة السويس، جنازة السادات، إلى جانب مجموعة من الألبومات التي تغطي مواقف وزيارات قرينة الرئيس.
كما يضم الموقع أكثر من 200 فيلم تسجيلي نادر تحوي أشهر البرامج الحوارية للرئيس الراحل مع أشهر المذيعين العرب والأجانب وتغطية لمعظم الزيارات التي قام بها، والتقارير الإخبارية التي بثتها القنوات العربية والأجنبية عن السادات.
وقد ضم الموقع كذلك 940 وثيقة مصرية أمريكية، التزاما منه بالموضوعية التي تسعى مكتبة الإسكندرية الى تحقيقها، وتم تقسيم الأرشيف الى قسمين أولهما يحتوي على المقالات والأخبار التي تعرضت للسادات خلال حكمه وبعد وفاته، وثانيهما يضم مجموعة متميزة من أغلفة المجلات العربية والأجنبية التي تصدرتها صورته.

ملتقيان شعريان ومحاولة أولى لكسر ارادة المؤسسة

استقبلت القاهرة أيضا خلال هذا العام فعاليات ملتقيين شعريين كبيرين الاول هو الملتقى الثاني للشعر العربي والثاني هو الملتقى الاول لقصيدة النثر. الاول عقدته لجنة الشعر بالمجلس الاعلى للثقافة والثاني قام عليه شعراء مستقلون يرون ان منجز جيلهم الشعري تعرض للامتهان والاقصاء على مدار ما يقرب من عشرين عاما. وقد استضافت دار الاوبرا المصرية والمجلس الاعلى للثقافة وقائع الملتقى الرسمي واستضافت نقابة الصحافيين وقائع الملتقى المستقل.
وقد منحت لجنة التحكيم جائزة مهرجان الشعر العربي الذي اقامه المجلس الأعلى للثقافة لمقرر المهرجان أحمد عبد المعطي حجازي في سابقة هي الأولى من نوعها اذ ان العرف يقضي ان لا'يتقدم رئيس مهرجان ما لنيل الجائزة التي يمنحها المهرجان الذي يشرف على اختيار ضيوفه بمن فيهم اعضاء لجنة التحكيم.
يذكر أن بعض الأسماء التي وردت بنشرات المؤتمر الصحافية قد اعتذرت عن المشاركة مثل الشاعر سعدي يوسف الذي اعتذر لأسباب أشيع أنها صحية، والشاعر السوري ادونيس الذي يشارك في نفس التوقيت بإحدى فعاليات مكتبة الاسكندرية واعتذر كذلك كل من أمجد ناصر وسيف الرحبي وعبد المنعم رمضان ورفعت سلام كما اعتذر كل من إبراهيم داود، وعماد غزالي، ومحمود قرني لمشاركة الاخيرين في الملتقى الأول لقصيدة النثر.
وقال الناقد علي أبو شادي الذي كان يشغل آنذاك موقع الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة إن 'الملتقى الثاني يأتي بعد مؤتمر دولي للشعر العربي عقد قبل أيام في دبي.. وبعد ساعات سيفتتح الملتقى الدولي الأول لقصيدة النثر في نقابة الصحافيين'.
وتابع: 'نحن في المجلس الأعلى للثقافة لدينا قناعة بجميع الاتجاهات الشعرية وكل الإبداعات التي تصب في هذا الاتجاه وإننا نرحب بالتعددية في اللقاءات الشعرية في القاهرة والعالم العربي'.
جاءت كلمة علي أبو شادي لتبرير وجود ملتقيين شعريين يعقدان في القاهرة في نفس اليوم ويستغرقان نفس الأيام الأربعة لكل منهما ليؤكد من خلال ذلك براءة المجلس من شق صفوف الشعراء المصريين والعرب على أرضية التنوع الشعري.
وكان رئيس المؤتمر مقرر اللجنة الشعرية في المجلس الأعلى للثقافة الجهة المنظمة للملتقى احمد عبد المعطي حجازي تجاهل في كلمته إقامة الملتقى الأول لقصيدة النثر متحدثا فقط عن أهمية الشعر.
وقال في كلمته: 'خلال الظروف الحالكة التي تمر بها المنطقة هذه الأيام حيث تهب علينا ريح اليأس ويتراكم الشعور بالعزلة والوحشة وتعصف الأزمة الاقتصادية بالجميع ويستمر المستبدون في سحق الإنسان.. لم يبق لنا سوى الشعر يجسد أحاسيسنا وأفكارنا وينقلها إلى المستقبل'.
وأكد حجازي في كلمته 'فشل نظرية أصحاب مقولة إن الزمن الحالي هو زمن الرواية بعد أن اكتشفوا خطأهم وتراجعوا عن مواقفهم لأن الشعر حاجة إنسانية ملحة لا يمكن لأي فن أن يلغيه'.
ومن جهته، دعا المتحدث باسم المشاركين العرب الناقد التونسي عبد السلام المسدي إلى 'الإصلاح العربي من اجل ترسيخ الديمقراطية في مختلف مناحي الحياة وفي الإبداع الثقافي خصوصا في ظل الأزمات السياسية التي تعيشها المنطقة '.
وتحدثت الباحثة الأمريكية سوزان استكيفتش عن 'عالمية الشعر العربي كونه نسيجا من ثقافة عالمية تسعى للتوفيق بين الحضارات والشعوب'.
وفي اسبوعية 'اخبار الادب' قال الكاتب والصحافي محمد شعير قبل اعلان جائزة الملتقى:
'بورصة التكهنات تكاد ترشح الشاعر محمد عفيفي مطر بقوة، كما يتردد أن شعر العامية قد يبدو في الصورة على عكس رغبة رئيس المؤتمر وطرح البعض اسم الشاعر عبد الرحمن الأبنودي كنوع من مصالحة شعراء العامية في أعقاب رفض حجازي إطلاق اسم الدورة على أحد شعراء العامية المصرية : صلاح جاهين أو فؤاد حداد ووصفهم في اجتماع رسمي بالزجالين، وهو ما استدعى انسحاب الشاعر سيد حجاب من اللجنة التنظيمية قبل أن يعود بعد اعتذار حجازي. واضاف شعير مستنكرا: ورغم أن المؤتمر يحمل عنوان 'الشعر الآن' إلا أن فاعلياته مهداة إلى الشاعر خليل مطران الذي يعتبره النقاد مرحلة وسطى بين المرحلة الكلاسيكية والمرحلة الرومانسية وهو ما أثار دهشة الكثيرين في أن يحمل مؤتمر يناقش شعر اللحظة الراهنة اسم هذا الشاعر، وتجاهل شعراء مثل محمود درويش الذي رحل قبل أقل من عام، وحصل على جائزة المؤتمر في دورته الأولى. ومن سوء حظ المؤتمر أنه سبق بمهرجان دبي الشعري الذي شارك فيه شعراء عالميون أمثال وول سوينكا وهو ما يجعله رهنا بالمقارنات، وإن كانت كل الدلائل تأتي في صالح مؤتمر دبي، بل ومؤتمر الشعر البديل الذي يقيمه شعراء النثر بالتوازي مع مؤتمر حجازي.
أما الملتقى الاول لقصيدة النثر والذي استمر على مدار ثلاثة أيام فقد شهد حفله الافتتاحي كلمات لعلاء ثابت مقرر اللجنة الثقافية بنقابة الصحافيين الذي كان له فضل استضافة الملتقى حيث دعا الى ضرورة تدريس قصيدة النثر وتقريرها بالمناهج التعليمية كما تحدث الدكتور عبدالمنعم تليمة والكاتب والمحلل السياسي نبيل عبدالفتاح والشاعر محمود قرني، والشاعر فتحي عبدالله الذي القى بيانا باسم اللجنة التحضيرية تحت عنوان عسكرة الشعر.
شهد الملتقى خمس امسيات شعرية، ثلاثٌ منها مسائية واثنتان صباحيتان، كذلك شهد اربع ندوات نقدية، وشارك حوالي خمسة عشر شاعرا عربيا أتوا من بلدانهم على نفقتهم الخاصة.
الشعراء المشاركون هم: ابراهيم داود، ياسر الزيات، علاء خالد، لينا الطيبي (سورية ) فارس خضر، عزمي عبدالوهاب، عماد غزالي، هدى حسين، مؤمن سمير، اسامة الحداد، محمد الكفراوي، تامر فتحي، علي عطا، ايهاب خليفة، احمد المريحي، عيد عبدالحليم، فتحي عبدالسميع، عبدالله الريامي (عمان)، محمد خضر (السعودية) غادة نبيل، عاطف عبدالعزيز، جرجس شكري، صبحي موسى، البهاء حسين، علي المقري (اليمن)، علي منصور، اشرف يوسف، ياسر شعبان، كريم عبدالسلام، محمود خير الله، جيهان عمر، محمد ابو زيد، احمد السلامي (اليمن)، ميلاد زكريا، شريف رزق، فاطمة قنديل، فتحي عبدالله، نجاة علي، محمد متولي، حسن خضر، حسين جلعاد (الاردن)، ادريس علوش (المغرب)، ومحمود قرني.
اما الندوات النقدية فتضمنت عددا من المحاور منها 'قصيدة النثر بين الاصطلاح والتطبيق' وشارك في هذا المحور كل من ايمن تعيلب، احمد الصغير، اماني فؤاد، و'قصيدة النثرية البعد التاريخي والبعد الجمالي'، وشارك فيه وائل غالي، شريف رزق،'صلاح فاروق، و'قصيدة النثر العربية وملامحها المائزة'، وشارك فيها الناقد علي الربيعي، شوكت المصري، جمعان الغامدي.
اما الندوة الاخيرة فجاءت تحت عنوان 'قصيدة النثر المصرية الآن' وشارك فيها محمد السيد اسماعيل، عمر شهريار، ويسري عبدالله.
وقد شاركت بالملتقى المستقل الشاعرة اليمنية ابتسام المتوكل والشاعر العراقي الكردي شيركو بيكه سي رغم انهما مدعوان للملتقى الرسمي.
وقد تضمنت كلمة افتتاح الملتقى: إن أصحاب الدعوة يتفهمون الدور الذي كان على الشعر أن يلعبه باعتباره آخر الصكوك الروحية التي تمنحها القوة المجتمعية لشاعرها، وكذلك يمكننا أن نتفهم لماذا تثير قصيدة شعرية تقزز الساسة ورجال المال والمحافظين، الباحثين عن منتجعات للراحة، بعيداً عن الضجيج الذي يعيد إنتاج الألم الروحي غير المحتمل لكائنات ستظل في نظرهم حالمة وضالة.
فهل كان نقاد العالم الكــــبار يدافعون عن هذا السلوك السلطوي والمتعـالي عندما وصموا الشعر بالتخلف، باعتباره يتغذى على الطفولة البشرية، ويعيد إنتاج الرعوية في إطار شبق ميتافيزيقي للعدالة والحرية؟!
ومع ذلك لن نتراجع عن طرح السؤال الذي نراه جوهرياً : لماذا لم يساهم الشاعر العربي والشعر معه قديماً وحديثاً في إنجاز الثورة المجتمعية.. ولماذا يقف الشاعر نفسه في نهاية المطاف ضد حق مجتمعه وإنسانه في التطور؟
نعتقد أن الإجابة على مثل هذا التساؤل تقتضي منا أولاً أن نُقصي من المدونة الشعرية العربية أكثر من ثلثيها.
وحضراتكم تعلمون بالطبع أن ما نقصده يتمحور حول الطبيعة البنائية للنظامين السياسي والثقافي، اللذين أبقيا لمئات السنين على الأشكال الشعرية البطريركية التي خدمت في أغلب الأحوال الشكل التراتبي لأنظمة الحكم بكل تخلفها واستبدادايتها.
فكما حافظ السياسي على موقعه بإطاحة آلاف الرؤوس، حافظ الشاعر على موقعه بعقده صفقة دائمة مع المنتصر. وهو عمل يقع خارج فهم الأخلاقيين من البسطاء، الذين يقدسون العمل، ومنظومات الإنتاج.. التي صنعت مشروعيتها عبر وسائط عقلية محضة. كذلك يقع خارج وعي الشعر بذاته، باعتباره عملاً ضاغطاً.. ضد التكيف. وضد نفسه أحيانا.. ومشايع للحرية الإنسانية في كل صوره.
فهل يليق بالشاعر أن يتحول كليةً إلى الدفاع عن اللا مساواة، وإلى احتقار التطور كقيمة إنسانية ومجتمعيـة، فيستبدل الموهبة بمقلديها، ويشطب اسم الشاعر لصالح ظله، بحثاً عن الثريات المخملية على أكتاف الأقنان، وعن مقعد وثير تحت أقدام الخليفة.. أي خليفة.
إننا نعتقد أن الشاعر الذي يعمل دون امتلاك القدرة على تحليل الواقع والحدس بآلامه الروحية.. يعني أنه وشعره يعملان على تكريس وتعظيم الفوضى.
من هنا كانت العديد من المذاهب الشعرية، ربما كلها، تعتقد أن الشعر فعل تحرير، لذلك كان 'لوتريامون' صاحب 'أناشيد مالدرورو' يقول: 'إن الشعر يجب أن يكتبه الناس جميعا'.
في هذا السياق ثمة افتئات كبير على دور الشعر الآن ومستقبلاً.. بعد أن اهتزت الكثير من معتقداتنا والكثير من التقاليد التي آذنت بالانهيار، لذلك يعتقد المتفائلون ونحن معهم بطبيعة الحال أن للشعر مستقبلاً عميقاً فهو 'القادر على تحقيق توازن بين دوافع متضادة، وخليق بأن ينقذنا، لأنه وسيلة من الوسائل التي يمكننا بها أن نتغلب على الفوضى'.


عام آخر من أعوام الرحيل المر

يوسف ابو رية رواية لم تكتمل

كان من بين الراحلين في العام المنصرم الروائي يوسف أبو رية الذي قدر لنا أن نلتقيه قبل وفاته بأيام قلائل في مقابلة لـ 'القدس العربي'. كان الراحل ساعتها على سرير المرض العضال الذي كان يعاني منه. كان على غير ما توقعت متفائلا، متماسكا إلى أقصى حد ممكن، وهو ما شجعني على أن أتناول معه العديد من قضايا الشأن العام لننصرف عن أقاصيص المرض وتداعياته المرة.كنت اعرف خطورة مرض ابو رية ولكني لم اتوقع ان يرحل هذا الكاتب المميز، والانسان الرائع قبل ان أتمكن من تفريغ شريط الحوار معه:
كان جسد يوسف يهزل في السنوات الأخيرة بشكل لافت، وكان دائما يرد على أسئلة الفضوليين من أصدقائه، بأنه 'عامل ريجيم' وأنه يحمي معدته المتقلصة دائما من المأكولات صعبة الهضم. كان هذا ما يقوله بينما الحقيقة أنه كان يعاني من سرطان بالكبد،'وقد ظل تحت العلاج لمدة ستة أشهر، وعندما واجهه أطباؤه بضرورة إجراء عملية زرع كبد، اضطر الى إعلان مرضه.
ويوسف أبو رية واحد من كتاب جيل السبعينيات في مصر، وقد قدم عدة روايات لافتة ومهمة مثل 'طلل النار'، 'تل الهوى'، 'الجزيرة البيضاء'، و'عاشق الحي'.
والرواية الأخيرة كانت موضع نقاش مطول معه لفرادة وغرابة موضوعها ولكونها آخر الروايات التي أصدرها، وقد فاجأني يوسف في حديثه الحميم بفرحة غامرة لأنه أنجز رواية جديدة عن تجربة مرضه في عامه الأخير، وهو ما منحه أملا جديدا، يتجاوز ما قاله لي في تأثر بالغ، عندما ذكر أنه قبل شهور من علمه بمرضه قام ببناء قبر له في قريته، وأعده كما يحب، أشجار تحيطه ومتسع للرقاد في كل جانب. وقال لي هازلا: كنت أود لو وضعت به 'الشيشة' التي أحبها وعدة قطع من الفحم، غير أن حديث أبو رية لم يكن نعيا لحياته، بل كان استشرافا لحياة مقبلة كما عبّر لي في حديثه.
ويوسف مثقف رفيع يعرف جيدا مادة عمله، قرأ التراث الروائي العربي والعالمي، وتنضح رواياته بمعرفية فائضة، وظلال التراث الفلسفي والتاريخي والشعبي تجسدت قواما أساسيا في هذه الأعمال.

محمود أمين العالم يترك مفكرته ويمضي

كذلك رحل عن عالمنا في مطلع العام المنصرم الكاتب والمفكر الكبير محمود أمين العالم عن عمر يناهز السادسة والثمانين من عمره، وبذلك يكون اليسار المصري قد خسر واحدا من أركانه الركينة.
فالعالم أحد ابرز المنظرين والمفكرين في صفوف النخبة اليسارية منذ أربعينيات القرن الماضي، وواحد ممن تأسس على أيديهم الحزب الشيوعي المصري، وقد تعرض للاعتقال والمطاردة في عهد الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات حيث تم فصله من الجامعة المصرية في عام 1954، ورفضت الجامعة استكماله درجة الدكتوراه فيها، بينما كان قد حصل على درجة الماجستير في موضوع غير مسبوق في الفكر والفلسفة العربيتين هو 'فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالاتها الفلسفية' وكان قد سجل موضوعه لرسالة الدكتوراه في موضوع 'الضرورة في العلوم الإنسانية'، وتم اعتقاله في العام 1959 ومكث في السجون الناصرية حتى عام 1963 حيث أفرج عنه مع مجموعة كبيرة من رفاقه بينهم الدكتور إسماعيل صبري عبدالله، فؤاد مرسي، لويس عوض، وآخرون. ولكن الثمن كان الموافقة على حل الحزب الشيوعي المصري والاندماج مع الاتحاد الطليعي، 'التنظيم الوحيد لثورة يوليو'، وقد دخل معظم الذين وافقوا على الحل دولاب العمل مع الدولة فتم تعيين الدكتور إسماعيل صبري عبدالله وزيرا للتخطيط، والدكتور فؤاد مرسي حصل على كرسي وزارة الاقتصاد، وترأس محمود أمين العالم هيئة المسرح ثم ترأس مجلس إدارة مؤسسة 'أخبار اليوم' ورئيسا لمجلس إدارة هيئة الكتاب، وكان عضوا في الأمانة المركزية للتنظيم الطليعي عقب الإفراج عنه، لكن الرئيس السادات قبض عليه مع مَنْ سماهم بمراكز القوى لكنه سرعان ما أفرج عنه بعد أن جرده من كل مناصبه، فغادر العالم الى اكسفورد ليعمل هناك في كلية سانت أنطونيو ثم يذهب الى باريس بناء على دعوة من صديقه جاك بيرك ويعمل في جامعة باريس مدرسا للفكر العربي ويظل فيها حتى رحيل السادات، ثم يعود إلى الوطن تاركا كل شيء خلفه، مؤملا أن عهدا جديدا قد بدأ، لكن واقع الأمر أن تنازلات اليسار لصالح السلطة الجديدة كانت أكثر مما كان يحلم، وكان الحصاد قليلاً في المقابل، حتى وصل المأزق الى نقطة مأساوية في وقتنا الراهن، حيث يستعيد المثقف المصري العديد من الأسئلة: لماذا تمت الموافقة على حل الحزب الشيوعي المصري، وما هو الثمن، ولماذا تحالف اليسار مع سلطة ما بعد السادات؟ وهل اختيار خندق السلطة ضد التيارات الإسلامية العنيفة والإخوان المسلمين حقق نتائجه الايجابية؟ وهل صارت أوضاع اليسار أفضل مع هذه الاستراتيجية التي كان العالم أحد مؤيديها؟
هذه أسئلة النخبة المصرية، وهي أسئلة مشروعة بعد أن وصلت الأوضاع السياسية في مصر الى أسوأ مستوياتها، وبات تردي الأوضاع يشي بقلاقل اجتماعية رهيبة ستكون ـ إذا ما وقعت ـ غير مؤطرة العنف وغير معروفة الاتجاه، فالاحتقان يزداد في الشارع السياسي يوما بعد يوم.
لكننا لا نستطيع تجاهل التاريخ المجيد من النضال السياسي والفكري الذي قدمه العالم ورفاقه، بل على العكس من ذلك سيظل هذا التاريخ مرجعا أساسيا من مراجع الحركة الوطنية المصرية، لا سيما وأن محمود أمين العالم أحد كبار منظري هذه المرحلة كتب العديد من المؤلفات المؤثرة في هذا السياق مثل 'في الثقافة المصرية' الذي أثار معركة كبرى مع كتاب طه حسين 'مستقبل الثقافة في مصر' وكان قد كتب الكتاب بالاشتراك مع عبدالعظيم أنيس، وأصدر كذلك كتبه (معارك فكرية، والثقافة الثورية، فلسفة المصادقة، هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود، البحث عن أوروبا، الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي، الماركسيون العرب والوحدة العربية، مفاهيم وقضايا إشكالية، بالإضافة الى العديد من الكتب النقدية التي سوف نشير إليها في هذه القراءة. لكن العالم ـ كمثقف كبير ـ شغلته دائما قضية الثقافة والمثقف باعتبارهما يمثلان التباسا كبيرا في مواجهة المفهوم الأيديولوجي وظلاله العقائدية لذلك فقد أفاض في أكثر من موضع في قراءة ظاهرة المثقف والايديولوجيا، كذلك دفعته رؤاه الطليعية، و'ثورته الدائمة' الى تبني مواقف شديدة التقدم والدقة في حقول تبدو نوعية مثل موقفه المؤازر لقصيدة النثر في العالم لا سيما في صورته المصرية والعربية، وسوف نحاول هنا أن نعرض للموقفين بإيجاز شديدعبد العظيم أنيس يأبى أن يترك رفيق عمره وحيداً في رحلة الموت
كان رحيل عبدالعظيم أنيس السياسي والعالم والكاتب الكبير يمثل خسارة كبيرة لمصر، لا سيما وهو يقترن برحيل رفيق دربه المفكر والناقد محمود أمين العالم، وهي رفقة وصفها المتابعون بأنها تمتد في الحياة وتنتقل الى الموت.
فلم تكن الرفقة بين العالمين تتمثل في إصدارهما الكتاب الإشكالي المشترك عام 1955 'في الثقافة المصرية'، بل امتد لسنوات من النضال في صفوف الحركة الوطنية داخل الجامعة وخارجها.
وقد دفع كلا المفكرين ثمنا باهظا لموقفيهما سواء كان في العهد الملكي أو في ظل ثورة يوليو.
فقد تم فصل الدكتور عبدالعظيم أنيس من الجامعة في عام 1954 بسبب انتماءاته السياسية الماركسية، وتم اعتقاله في العام 1959 ولم يخرج من السجن سوى في العام 1964، لكنه منذ صغره كان شغوفا بالعمل الوطني، وناضل ضد معاهدة 1936 وتم اعتقاله حيث كان من قادة 'اللجنة الوطنية للطلبة والعمال' التي تزعمت الحركة الوطنية منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي.
ثم اعتقل لأكثر من خمسة عشر شهرا عام 1948 بسبب مشاركته في أحداث حرب فلسطين.
وقد اصدر عبدالعظيم أنيس عددا من المؤلفات المهمة بالإضافة الى كتابه المشترك مع محمود أمين العالم مثل 'علماء وأدباء ومفكرون'، و'إصلاح التعـليم أم مزيد من التدهور؟' و'قراءة نقدية في كتابات ناصرية'، و'التعـليم في زمن الانفتاح' و'ذكريات من'حياتي'، و'كتاب السجن' و'رسائل الحب والحزن والثورة'، و'مقدمة في علم الرياضيات'، و'بنوك وباشاوات'، و'العلم والحضارة'.
ولد الدكتور عبدالعظيم أنيس بالقاهرة عام 1923 وتخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة عام 1944 وكان كتاب أنيس مع العالم قد صاحبته أصداء واسعة وعداءات متصلة.
وكانت أبرز محطات عبدالعظيم أنيس صدور كتابه 'في الثقافة المصرية' بالاشتراك مع المفكر الراحل محمود أمين العالم عام 1955.
كان الكتاب يمثل ردا قاسيا على كتاب الدكتور طه حسين 'صورة الأدب ومادته'، وكذلك كان يمثل ردا على الكثير من كتاب حقبة الليبرالية المصرية، وعلى رأسهم عباس محمود العقاد، الذي رد على الكتاب ردا أمينا لاذعا عندما قال: 'أنا لا أرد عليهما، إنما أضبطهما. إنهما شيوعيان'.
وقال طه حسين 'إن الكتاب يوناني فلا يقرأ'.
لكن ثمة آراء مغايرة من عصر آخر ترى الأمر من زاوية مختلفة تماما.
يرى الدكتور جلال أمين أن هذه الانتقادات التي تضمنها الكتاب كانت تعكس موقفا ضروريا، لأنها تصدر عن شعور قوي كان قد بدأ يتراكم لدى قطاع واسع ومتزايد الحجم من المثقفين المصريين بالسخط على سمة معينة من سمات المناخ الثقافي السائد وقت ظهور الكتاب.
ويضيف أمين موضحا 'إن هذه السمة كانت تتمثل في الانحياز الطبقي الغالب على الثقــــــافة المصرية في ذلك الوقت، بما تضمنه من تجاهل'وإغفال شبه تام لحاجات ومشاعر ومصالح الغالبية العظمى من الشعب المصري، وهي الغالبية الفقيرة والمظلومة اجتماعيا واقتصاديا.'
ويؤكد جلال أمين صحة هذه الملاحظة وصحتها ويقول إن إثارتها في هذا التوقيت كانت مطلوبة وواجبة لكن المناخ العام كان أيضا ملائما لاستقبال هذه الصيحة، وهي صيحة ـ كما يصفها أمين ـ التقت مع أهداف حقيقية لثورة يوليو التي تمثلت في ضرورة إعادة الاعتبار للغالبية العظمى من'المصريين والنهوض بأحوالهم الاقتصادية ووضع حد لما كانوا يتعرضون له من ظلم اجتماعي، أي ـ حسب جلال أمين ـ إنهاء الانحياز الطبقي للنظام السياسي والاجتماعي، و بالفعل المضمون الذي ينطوي عليه الفعل الثوري الذي واكب الثورة الناصرية حسبما يشير عبدالعظيم أنيس نفسه في مقدمة أحدث طبعات كتابه، عندما يربط بين زوال المذهب الوجداني في النقد وصعود المذهب الواقعي مع صعود الدولة القومية محمد صالح راحل إلى الاختصارات الممكنة
جاء رحيل الشاعر محمد صالح قبل حوالي شهرين من نهاية العام مؤلما لمحبيه وأصدقائه فقد ظل واحداً من الشعراء المؤثرين في الشعرية المصرية الجديدة، وقد انتبه إليه قراء جدد، بعد ان لازم فراش المرض منذ فترة قريبة، وهو أمر يدعو الى التساؤل في حياتنا الثقافية عامة وفي الحياة الشعرية خاصة.
ورغم ان صالح ليس محسوبا على جيل شعري بعينه إلا أن تجربته الأولى في ديوان 'الوطن الجمر' نسبته بسرعة الى المتقدمين من جيل السبعينيات، لكنه غادر الملامح المائزة لتلك الحقبة الى قصيدة النثر الخالصة منذ ديوانه 'خط الزوال' الذي صدر عن دار سعاد الصباح في العام 1992، ثم 'صيد الفراشات' 1996، و'حياة عادية' عام 2000، وأخيرا مثل 'غربان سود' عام 2005.
وشعر محمد صالح، يأتي مشحونا بالمفارقة وقاصدا تكثيف الدلالة الشعرية، وتقطيرها الى أقصى درجة ممكنة، تأكيدا للصوت الشعري الهامس المتجه دائما الى الخفوت لدى الشاعر، والديوان الصادر عن دار 'ميريت' للنشر والتوزيع في مجمله يعد تطويرا في البعيد لهذا الوعي الشعري الذي رسخه صالح عبر دواوينه الأربعة السابقة عليه.
ويعتبر الشاعر محمد صالح واحداً من شعراء جيل السبعينيات في مصر رغم أنه بلغ الآن الثامنة والستين من عمره فهو من مواليد 1942، وربما كان مصدر هذا الالتباس ان صالح لم يشارك فعلياً في الحياة الثقافية سوى بعد إصدار ديوانه الأول في عام 1984، بعد سفرة طويلة للعمل في إحدى الدول الخليجية، وهو ربما الأمر الذي يقرنه حتى الآن بالتجربة السبعينية، وهو ـ في رأيي ـ نوع من القراءة المبسطة لشعرية محمد صالح وموقفه الجمالي، إذ لا يتأسس حجم المسافة بين الخطاب الشعري الريادي ثم السبعيني على عدد السنوات التي تصل بين الأجيال المتصلة أو المنفصلة، بل المسافة الواضحة تكمن في مساحة الاتفاق والاختلاف مع الخطاب العام وإلى أي حد يتماس محمد صالح في هذا الخطاب.
في الحقيقة يبدو اتساع الهوة في شعر محمد صالح مع الشعريات القرينة منذ ديوانه الأول الوطن الجمر، رغم ان الديوان منذ عنوانه يحيل إلى المدونة الشعرية الوطنية التي ارتبطت بثورة يوليو والتي ظلت ملامحها تتسرب إلى الشعر العربي الى وقت قريب، إلا أن هذا الاقتراب ظل واعيا بأن شاعره لا يطلب لنفسه ولاية الشعر بل يطلب ما هو أقل من ذلك، عندما يتحول الوطن لدى صالح الى كيان رومانسي مفجوع ومجروح، وسليب ويسعى محبوه لاستعادته من ربقة القهر والقمع، كذلك عبر لغة ترى أنها ليست قادرة في ذاتها على التحرير ولا الإنشاء، بل سائرة فحسب الى الإشارة والإيماء لا القطع والجز والتعريف المطلق.
كان هذا يتم في لحظة قاسية بالنسبة لصالح، حيث كان التجريب السبعيني في أوجه، وكانت الشعرية المواكبة قد اتجهت الى تبني عدد من الأقانيم التي ارتأت أنها الملاذ الأوحد للخروج على صنمية الشعرية الريادية، وكانت العودة الى الذات وتألق الصوت الفردي واستعادة إمكانية حلول الذات محل الصوت الجمعي عبر لغة ترفل في القشابة والتركيب وتكثيف الدلالة، وعبر تنويع العناصر النصية والمرجعية المعرفية بحيث تبدو الشعرية قابلة لحمولة فائضة من التاريخانية والأسطورية والاقانيم الصوفية المنقسمة.
ولعل محمد صالح'الذي انزعج بشدة من هذه التصورات التي رآها تقدس الرطانة البلاغية، ذهب على فوره الى مرجعيات أشد اختلافا، تجد هذه المرجعيات شرعيتها في نصوص صلاح عبدالصبور، وسعدي يوسف، ومحمود درويش وسامي مهدي، وبعض الشعراء الأوروبيين الذي قدموا مقترحات مماثلة، تكتنفها تجارب تأملية ترى نفسها أكثر إنسانية وأكثر شمولا حسبما عبر بدقة صلاح عبد الصبور من أن الفن لا يخدم المجتمع ولا الأوطان ولا القوميات بل يخدم الإنسان.
ومع أن أعمال عبد الصبور إليوتية المنبع وتصدر عن وعي ليس جديدا كلياً بالمعنى المفاهيمي لكنه كان وعيا مغايرا على المستوى الشعري والبنائي والتصوري، حيث اندفعت التجربة الى آفاق اكثر حرية متخلية عن المواضعات المحلية والقومية الضيقة، لكنها شعرية عانت ـ في المقابل ـ من افتقارها الى طرائق لإثرائها بوعي مضاف يتوازى مع ما تدعو إليه من تناسخ مع الفلسفة الكونية التي اكتنزت بأسئلة حول الإنسان ومصيره
وليد منير : السبعيني الأخير يرحل أوّلا ً
كذلك اختتم ديوان الرحيل في عامنا المنصرم رحيل الشاعر وليد منير عن عمر يناهز الثانية والخمسين بعد صراع دام سنوات مع المرض.
وكان من المقرر أن يجري منير جراحة لزرع كبد جديد على أن يتحمل اتحاد الكتاب نفقاتها كاملة، غير أن تدهورا مفاجئا في حالته الصحية حال دون إجراء الجراحة، وتوفي منير إثر غيبوبة امتدت على مدار عدة أيام.
وكانت دار التلاقي للنشر قد اصدرت آخر دواوين الشاعر تحت عنوان 'الروح تعزف الموسيقى' الذي يتضمـــن خمس عشرة قصيدة من ثلاثة أشكال شعـــرية، حيث تضمن جانب منه عددا من قصائد النثر والتفعيلة والعمود، وهي عادة دأب عليها وليد منير في دواوينه المختلفة، منطلقا من قناعة بتجاور الأشكال الشعرية.
تكتظ شعرية وليد منير بالشجن والغنائية، والاعتماد على المعرفة التراكمية كخبرة تاريخية تشكل جزءا كبيرا من قناعات الشعر، ومن هنا فإنه يؤمن بدور التناص، والتركيب الأسطوري، بما يتضمنه من استعادة دور الرمز وشحنه بدلالات تأويلية ينتمي وليد منير للشعرية السبعينية، حيث يعد من شعرائها المتأخرين، لكنه كان صاحب صوت يجتهد في البحث عن تمايزاته، وخصوصيته، وكان بعيدا عن ضجيج البيانات الشعرية والجماعات الشعرية التي اصابت حظا في الحضور الشعري لدى عدد من الجماعات الشعرية.
لكنه ـ الشاعر ـ بشكل عام لا يتخلى في قصيدة النثر عن بلاغته المستقرة والتي تشكل الجانب الأهم في مشروعه الشعري، وإن كان قادرا دائما على تحقيق انتقالات شفيفة بين الأشكال الشعرية المختلفة.ولد الشاعر الراحل وليد منير أمين في شهر شباط (فبراير) من العام 1957 بمدينة القاهرة، وقد درس النقد الأدبي والدراما بأكاديمية الفنون المصرية، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من المعهد العـالي للنقد الفني عامي 1987، 1990 بتقدير امتياز.
وقد أصدر منير ديوانه الأول 'النيل أخضر في العيون' عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1985، ثم توالت دواوينه: قصائد للبعيد البعيد، بعض الوقت لدهشة قصيرة، هذا دمي وهذا قرنفلي، الرعوي الذي فاجأ السهل بين الدم الضال والداكن المستحيل، سيرة اليد، قيثارة واحدة وأكثر من عازف، طعم قديم للحلم، مشكاة فيها مصباح.
كما أصدر أربعة كتب نقدية ونشر عديدا من أبحاثه في'المجلات والدوريات العربية مثل فصول وأقلام، وشؤون أدبية، النص الجديد، وغيرها.
وكان وليد منير يشغل موقع أستاذ للأدب العربي الحديث بقسم الإعلام التربوي بكلية التربية النوعية جامعة القاهرة، وهو أحد الأعضاء المؤسسين للجمعية المصرية للنقد الأدبي.
وقد أعد رسالة ما بعد الدكتوراه عن العلاقة بين الشعر وفن التصوير بجامعة فريدونيا، بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1997، كذلك أصدر خمس مسرحيات شعرية قصيرة تحت عنوان 'حفل لتتويج الدهشة' ومسرحية شعرية طويلة تحت عنوان 'شهرزاد تدعو العاشق الى الرقص'.