Post: #9
Title: Re: الاسلام والتطرف الديني :الطيب زين العابدين
Author: عبداللطيف حسن علي
Date: 10-24-2009, 08:08 PM
Parent: #8
ثم يختم احسان طالب بعرض المفارقات الاغرب في تاريخ هذا الفكر الاصولي الغريب
كما تتجلى إشكالية العقل الأصولي في مرجعيته فهي السقف الذي لا يصح خرقه أو تجاوزه بشموليتها و استغراقها الأفقي و ألعامودي ، وفي ظل السيطرة المطلقة و العصمة و الكمال كصفات مركزية للنص تتحدد مهمة العقل الإنساني في الانقياد و الإتباع للمصدر الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه و لا من خلفه لذلك يكون إي إشغال لملكات العقل خارج دائرة الكلانية المرجعية عبثا و ضلالا . فالعقل ما وافق صحيح المنقول و ما انطوى تحت راية تفسير و تأويل السلف للنص.
هذا التصور و تلك الرؤية التي هيمنت وسيطرت على فكر الأصولية السياسية المعاصرة قبلت و أشيعت على أنها إرث منقول و ممارسة قديمة توالت عبر الأنظمة الإسلامية التي مارست الحكم عبر التاريخ ، إلا أن الواقع لم يكن كذلك و لم تتم لم الأمور بتلك الطرية عبر التاريخ الفكري و السياسي الإسلامي . ويصر دعاة الأصولية الجديدة على مقولة مفادها أن كل التوجيهات و النصوص الشرعية يجب تطبيقها والعمل بها دون انتقاء أو اجتزاء، و يؤكدون على السير وفق منهج السلف ومن حاد عنه خرج عن الملة وانحرف عن الصراط المستقيم . والواقع التاريخي منذ عهد الصديق حتى الخلافة العثمانية كان خلاف ذلك . فالتطبيق الحرفي للتوجيهات والأصول لم يكن كاملا بل مجتزئا وانتقائيا، وخاصة في القضايا الكبرى. والفكرة الأساسية في هذا المجال أن التاريخ العملي للدول الإسلامية يؤكد أنها كانت تطبق فقط ما تراه مناسبا في حين أنها تجتهد فيما يلاءم مصلحة الدولة أو الفئة الحاكمة، بغض النظر عن التقييم الأخلاقي لهذه الدولة إن كانت عادلة أو جائرة، ناجحة أم فاشلة . ولنبدأ باستعراض بعض الأمثلة : في مرحلة نقل السلطة من النبي (ص) إلى أبو بكر الصديق ، استطاع الصديق بمكانته العالية بين الصحابة وقربه الشديد من الرسول(ص) تثبيت سلطته ووقف كل أشكال المعارضة الداخلية وأقصد هنا كل الطامحين نحو الخلافة من آل البيت و الأنصار وزعامات قريش القديمة. واستتب الأمر للصديق في مكة و المدينة ، إلا أن بوادر الثورة والخروج على سلطة الدولة الفتية كانت قد ظهرت إبان مرض النبي (ص) ، ولم يأمر النبي بقتال المرتدين ولم يوصي بذلك من بعده أبدا رغم وضوح توجهات زعيمهم مسيلمة ابن حبيب الذي يراسل النبي (ص) وهو يدعي النبوة. كتب مسيلمة الكذاب : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك، إني أشركت في الأمر معك ولنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، لكن قريشا قوم يعتدون. وحمل رسالة مسيلمة إلى رسول الله (ص) رجلان فقال الرسول للرجلين حين قرأ الكتاب فما تقولان أنتما فقالا كما يقول فأجاب الرسول (ص) لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما . ولما آلت الخلافة إلى الصديق قويت شوكة مسيلمة وراح يجمع حوله الناس والقبائل وبعثوا وفدا لأبي بكر على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتون الزكاة. فاعتبر أبو بكر الأمر ردة عن الإسلام وخشي أن يداهمه المرتدون ويغزوا مكة في أقرب وقت ، فأمر بالاستعداد وتجهيز الجيوش فعارضه كثيرون واحتجوا بأن رسول الله (ص) قاتل الناس بأمر من الوحي الذي انقطع بوفاة الرسول (ص)، فقال أبو بكر : والله لأخرجن لهم وحدي ولأقاتلهم ما استمسك السيف بيدي ولا أرضى نقض الإسلام على عهدي. وكتب كتابا واحدا: من أبو بكر خليفة رسول الله إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، وأكد في رسالته على أسس التوحيد وكرر الشواهد المبينة لحتمية موت النبي (ص) وطالب فيه المرتدين بالعودة وهددهم بالقتل والقتال. وأمر بقراءة كتابه في كل مجمع وأن تسبق الرسل بالكتاب الجند. لما اعترض الصحابة على رأي الصديق بقتال مانعي الزكاة احتجوا بمسألتين، الأولى أن النبي (ص) إنما قاتل بعد أن جاء الإذن من السماء وهذا أمر لا يمكن تحقيقه لانقطاع الوحي. والثانية قولهم كيف تقاتل من أقر بالشهادتين والصلاة. لم يكن في معرض رد أبي بكر على معارضيه أدلة شرعية بل رد بأمرين اثنين: الأول لأقاتل من فرق بين الصلاة والزكاة، والثاني كان يرى في ترك الزكاة نقضا لعهد الدين ويأبى أن يكون ذلك النقض في عهده، وكانت خشيته الكبرى أن يتمكن المرتدون من السيطرة على الدولة وتغيير النظام. من هنا نرى ذهاب أبي بكر لقتال المرتدين، إنما جاء باجتهاد بالرأي رغم المعارضة القوية لذلك وكما هو معلوم فإن عمر ابن الخطاب كان معارضا للقتال رغم ميله الدائم إلى حل الخلافات بالسيف، إلا أن أبو بكر كان أشد عزيمة وأمضى رأيا، وسفه رأي عمر بقوله: أخوار في الجاهلية جبان في الإسلام. في هذا الأمر الجلل وأمام الخطر الجاثم الذي أدركه الصديق بقوله: لا تدرون أيأتونكم نهارا أو ليلا، لم يجلس الخليفة ويبحث في الأصول والأدلة بل أمضى رأيه رغم حجة المعارضين القوية ورفض التفاوض أو التنازل . مما سبق نرى أن الاجتهاد بالرأي كان أقوى من الاستناد إلى النصوص في قضية كبرى كانت تهدد مستقبل الدولة الفتية. جمع القرآن تم في عهد الصديق: وعلى عكس ما كان الأمر في حروب الردة فإن عمر (الفاروق) كان مؤيدا للفكرة في حين كان الصديق معارضا لها، وأسس رأيه في معارضة الأمر برده إلى النبي (ص) وقال: كيف أفعل أمرا ما فعله رسول الله (ص). وتذكر الروايات أن الفاروق خشي ضياع القرآن لكثرة ما قتل من الحفاظ في حروب الردة، لذلك أصر على جمع القرآن وما زال يحدث الصديق حتى وافق على الأمر. وبمقارنة دقيقة بين حروب الردة وجمع القرآن نلاحظ تبادل الأدوار بين المؤيدين والمعارضين ، فأشد المتحمسين لحروب الردة كان أبو بكر الذي عارض في البداية جمع القرآن، في حين أن عمر بن الخطاب الذي كان أشد المتحمسين لجمع القرآن كان على رأس المعارضين في قتال المرتدين، وفي النهاية كان الرأي والاجتهاد هو الفيصل رغم أن الأمرين ظاهريا يتعارضا مع المنهج السلفي الأصولي، فالاجتهاد في المسألتين كان خارج النص. والرأي الصائب في كلا الحالتين كان مع الطرف الذي لم ينغلق ضمن النص بل بحث خارجه وأشغل الفكر وأعمل العقل بحرية وشجاعة دون الخوف من التكفير والتأثيم والتجهيل. والمؤكد أن المسلمين منذ ذلك العصر حتى الآن يرون صوابي قتال المرتدين وجمع القرآن رغم ما حدث من خلاف بالرأي وتعارض بين القادة في بداية الأمر، فالكل يرى أن هذين العملين هما أجل الأعمال التي قام بها الخلفاء بعد موت النبي (ص). ذلك بالرغم من الخلافات المذهبية الكبيرة بين الطوائف الإسلامية، إلا أن هذين الأمرين ليسا محل نزاع أو شقاق ولا يوجد أحد أثار شكوكا حول موقف الصديق حيالهما، في حين نرى الافتراق في مسألة الخلافة وميراث النبي (ص) بلغت حدا بعيدا جدا ما زال البحث فيه دائرا إلى يومنا هذا. وإذا كان انتقال السلطة من علي - رضي الله عنه - إلى معاوية محل خلاف، فإن انتقال السلطة من معاوية إلى يزيد محل اتفاق على رأي واحد يقول أن هذا التسليم كان خلافا للأصول الشرعية والقواعد النبوية ومع ذلك استمرت الدولة الأموية ووطدت أركانها وحكمت المسلمين من عام 41 هجري إلى عام 132هجرى , والمعلوم انه خلال حكم الأمويين تم فتح جميع البلدان المتاخمة لحدود الدولة الإسلامية و المعلوم أيضا أن دولة الأندلس إنما أسسها الأمويون ووطدها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام عام 138هجري ,بعد دخوله إليها ثائرا على الخلافة العباسية , ويعد عبد الرحمن حسب التقييم الفقهي خارجا على الشرعية مباح الدم , لكنه أبقى على الدولة العربية في الأندلس وجعلها خارجة عن الحكم العباسي حتى انهيارها وخروج العرب من اسبانيا . وهنا نعود إلى ما بدأنا به لنبين إن التطبيق الحرفي و الكامل لكل التوجيهات والأصول الشرعية وهم لا وجود له , والأجدر بنا أن نتحلى بالشجاعة والقدرة لنقول : إن المسلمين في تاريخهم الطويل كانوا يطبقون ما يرونه مناسبا وفق المصلحة الخاصة أحيانا والعامة أحيانا آخري . و دأب على ذلك قادة المسلمين من أقرب المقربين إلى الرسول (ص) حتى ابن لادن الذي ابتدع نظرية التفكيك و التركيب فسعى إلى تفكيك و تهديم المجتمعات التي يراها كافرة ليقيم أو يركب عليها مجتمعه الأصولي الصلب. و هو من أشد الأصوليين تمسكاً بالتطبيق الكامل و الحرفي إلا أنه ليس كذلك. بل طبق ما أيد تحكمه بالشعب الأفغاني و ترك جانباً أحكاماً متفقاً عليها لأنها لا تؤيد مصالحه و من ذلك أضرب مثالاً واحداً فقط: و هو الحكم القائل: قلب بدء أي غزوة لابد من إنذار و بيان و مهلة و هذا حكم متفق عليه و مبدئي لدى جميع المسلمين طرحه ابن لادن جانباً و غدر و خان وخدع في أحداث 11 أيلول الماضية لأنه أراد نصراً سريعاً و مدوياً يرضي غروره و يوطد سيطرته.
وعلى الصعيد العلمي و المعرفي تتعمق أزمة العقل الأصولي فهو ملزم بإشراك النص و الانقياد له و القياس عليه ، فكل الابتكارات والاكتشافات والاختراعات والانجازات البشرية قديمة كانت أم حديثة في أي من مجالات العلم والمعرفة لا تستحق القبول ولا تنال الرضا ما لم تكن ضمن الإطار الذي حدده النص ، فأي انجاز طبي لا يتاح العمل به إلا بعد فتوى تعتبره موافقا للنص وتفسيراته وتأويلاته الموروثة وكل اكتشاف جيولوجي يعارض منطوق أو مفهوم النص مرفوض مهما كانت رصانته العلمية و دلا لته التجريبية . وكل نظام اقتصادي محرم ما لم يفتي مرجع ديني بحله .
فبعد عقود طويلة من تعامل الدول العربية و الإسلامية مع النظام النقدي العالمي متجاوزين الصرخات المتشددة بتحريم التعامل البنكي ، يصر التطرف الديني الجديد على اعتبار الهيئات المالية و النقدية محرمة ما لم تصدر فتى من رجل دين بجوازها , و إمعان في الانغلاق و التزمت أسبغ على معاملات نقدية كانت محرمة صفة الإسلامية فغدت مباحة بل و مستحبة ك التأمين و الأسهم و البورصة و البنوك .
كذلك كل فكر حديث أو معرفة توصل إليه العقل الإنساني مرفوضة ما لم يدل عليه نص شرعي ، فنظرية النشوء والارتقاء مثلا ً ما زالت محاربة للاعتقاد بمعارضتها لتصور أو تأويل النص ورؤيته عن الكون والحياة وكل الاكتشافات الجيولوجية الداعمة لها والمؤيدة لما وصلت إليه لا قيمة لها في حين أن أي نص مهما تعارض مع الواقع العلمي والعملي مقبول ومؤكد لمجرد كونه نص شرعي .
هنا تكمن المعضلة الكبرى للأصولية فهي ثابتة جامدة لها الفوقية والمرجعية لكل العلوم والمعارف، وبناءا عليه تكون كل الانجازات الحضارية الفكرية والعقلية الإنسانية محل شك أو رفض . و بدلا من الاعتراف بمنجزات العلم و المعرفة تحايل الأصوليون الجدد على تلك المعضلة بالاستيلاء على المكتشفات و المخترعات الحديثة و امتلاكها بدعوة أن النص سبق و دل عليها ووصل إليها قبل غيره يزمن سحيق وما كتابات الدكتور زغلول النجار في الإعجاز العلمي للقران و الكريم و السنة النبوية إلا دليل على تحايل العقل الأصولي لتغطية اشكالياته مع العلم والمعرفة الإنسانية .
لقد كانت تلك الرؤيا سبباً في محدودية التفكير الأصولي المعاصر و ترسيخ مأزقه بحيث انحسرت وظيفة العقل المتمثلة في الإيداع و الابتكار و النقد و غدا واجبه الأول و الأهم العمل و البحث في إيجابيات الموروث و محاسنه, و درء الشبهات عنه و الذود عن حياض السلف وتنزيه المنقول و تقديسه .
|