Post: #1
Title: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: محمد جميل أحمد
Date: 09-30-2009, 01:12 PM
عوليس الأسود*
بقلم محمد جميل أحمد
ذات مرة شكا الطيب صالح لصديق سوداني في لحظة بوح نادرة عن ورطة حياته التي عاشها، وما إذا كانت الصدف ـ التي لعبت دورا كبيرا في تلك الحياة ـ قناعا لمصير ربما لم يكن في يوم من الأيام يرغب فيه في قرارة نفسه ؟ ثمة حدود مضنية لتجربة الحياة حين تكون أشبه بعاصفة أوبلعبة مرايا في مخيلة المبدع . فهي إذ تتعذب من تقاطعات متناقضة بين الأنا والآخر والظن واليقين لا تلعب مع تلك المخيلة لعبة الوجه والقناع فحسب ، بل تجرها إلى إقحام مستمر في عين العاصفة وراء قناع لا يكف عن الالتصاق بالوجه ، دون أن يكون بديلا عنه؟ هكذا تبتعد الحياة الأولى لتستعيد وجودا في المخيلة، ويظل القناع إغواء يجرف أمامه الحقائق الأولى وهي ترتطم بوجود مغاير في حيوات أخرى إلى نهايات وحالات وتجارب تبتعد عنها السماء الأولى في نقطة متلاشية في الأفق . إنها حالة الاغتراب التي تقتلع الذات من أعماقها وهي تواجه حياة تغري المصير الفردي للوعي بالمجازفة في ما لا طاقة له به إزاء آفاق غير متناهية . لقد كان الصدام قويا وحرجا في فعل النفي المزدوج ؛ كان أقوى من قدرة النفس البرية على احتمال طاقة الحضارة وهي تهب كالعواصف العاتية بتناقضاتها على الذات وتمزيقها شر ممزق . كان مصطفى سعيد بالنسبة للطيب صالح شبحا في مكان ما من حياته ولهذا فإن ضغط التناقضات الذي جعل من مصطفى سعيد خليقة خائبة ومعطوبة في الخيال السردي للطيب صالح ، ظل باستمرار الظل الوجودي الذي يعكس روحا شقية ومدفوعة بحيرة عريضة جرفت معها الطيب إلى مسار عكس بريقها باستمرار بين الذاكرة والزمن في اتجاهين متناقضين وبطريقة لا تعين على تفكيك شفرتها المعقدة التي قذفت به في المتروبول اللندني . ولعلنا لا نجازف في القول : بأن الطيب صالح حينما غمر مصطفى سعيد تحت مياه النيل عند قرية ود حامد بعد حياة صاخبة في المتروبول إنما أراد أن يرمم الشرخ الذي شطر ذاته مرة وإلى الأبد من أثر تلك العاصفة القاسية . كان ذلك تعويضا مركبا في الخيال ، لكنه كان مستحيلا في الواقع . ذلك أن استحالة الواقع فاضت على وجود كاتبنا الكبير ، وشكلت مع الزمن ما يشبه عازلا زجاجيا شفافا يعكس باستمرار ذلك الشبح الرهيب الذي هجره الطيب صالح ، وإن ظل معه قرينا عصيا على الفراق فلم يستطع مفارقته إلا عندما جعل منه طيفا يمسك به حياته المشطورة بكل تقاطعاتها الرهيبة . وإذا كانت (موسم الهجرة إلى الشمال) تعبيرا عن ذلك الشرخ الذي لا يلتئم إلا في حياة متخيلة ، فإن سيرة الواقع في تلك الحياة كانت قد حسمت المعنى الأكثر حضورا في تفاصيل لا متناهية من أثر تلك العاصفة التي خمدت في حياة مصطفى سعيد ، وهي الحياة التي تطهر منها الطيب صالح ، عبر كتابة سردية استدعت كل التقاطعات الممكنة والمستحيلة ، لكنها في الواقع كانت الحياة الوحيدة في المتروبول اللندني وظل بريقها هو الأصل الذي طمس حيوات السماء الأولى وحولها إلى أطياف في الذاكرة البعيدة . ماحدث للطيب صالح بالطبع كان يجري في سياق تقاطعات غير متكافئة ، وكانت طبيعة التحدى أكبر من المصير الشخصي للطيب صالح ، بما يعني أن المصير الفردي في مواجهة المتروبول الذي اقتلع أزمنة السماء الأولى مرة وإلى الأبد ، كان اٌعجز بكثير من قدرته على مواجهة تلك الطاقة العاتية والمزلزلة . ولهذا فإن المصير الفردي حين يعوض عجزه بتلك التناقضات التي وقع فيها مصطفى سعيد بالضرورة ؛ كان هو المظهر الأسمى لمعنى الاقتلاع . ومن هنا أيضا يرتبط ماهو شخصي بما هو موضوعي بطريقة مركبة . كانت الحيرة في قلب الحياة والمصير ، وكان كل ذلك يمتح من إغواء متعالي يضمر بريقا خلابا ، تصاحبه قسوة عاتية ، وبين البريق والقسوة كان مصير المواجهة المتكافئة أقل بكثير من إمكانات المصير الفردي . و نجد ذلك واضحا في وصف وجه مصطفى سعيد (نظرت إلى فمه وعينيه فأحسست بالمزيج الغريب من القوة والضعف في وجه الرجل) 1 ولهذا أيضا كانت (موسم الهجرة إلى الشمال) المكان الوحيد الذي يستقطب ذلك الشعور الذي يلحم انشطار النفس ؛ إنه عمل المخيلة إذ توحي بالتماهي والخلاص عبر الإبداع ، لكنها بصورة أخرى تكشف عن معنى استحالة ذلك التماهي في الواقع بين تينك الحياتين . أي إذ تعيد إنتاج المأزق وتصبح أكثر تعبيرا عنه. فماحدث في المخيلة جرى نقيضه في الواقع ، لكن رغبة الكاتب والتناقضات الهائلة التي هي أكبر بكثير من إمكان التحدي الفردي ، تحيل باستمرار إلى خيال خلاق يمارس فتوحات وانتصارات فردية ليعكس أكبر قدر من التناقض في الحياة الشخصية . إنه ضرب من التبديل الذي يعكس ضعف الكينونة الكلية عبر مجاز القوة في السلوك الفردي لبطل الرواية . فمجازات الرواية التي تتصل دلالاتها بالكثير من تيمات العلاقة بين الشرق والغرب والعرب وأوربا والإسلام والمسيحية والحداثة وما قبلها ؛ كانت تتجلى عبر تلك التعبيرات التي جسد بها مصطفى سعيد رؤيته الفردية وإحساسه الملتبس بعالم الاستعمار والمتروبول الذي من حوله لتكون بديلا عن حقائق أخرى أكبر من طاقته ولا يمكن أن تستوي لتحدي الكينونة إزاء ذلك الإقتلاع . والحال أن ماجرى للطيب صالح وهو يرصد مصائر فردية مقذوفة في محيط يستدعي الكثير من تمثل الخيبات واجترار المرارات ، كان يحتاج إلى مخيلة مبدعة ، فالمخيلة وحدها يمكنها أن تستقطب تناقضات أكبر من الواقع ، وتحديات أقل من الحقيقة . أراد الطيب صالح أن يكتب عن مأزقه الشخصي فوجد نفسه منخرطا في مآزق تستدعي الكثير من التعقيدات والعلاقات المتشابكة بين الذاتي والموضوعي والخاص والعام . بدا الوضع أشبه بمسارعوليس في الأوديسة ، لكن طريق العودة عند الطيب صالح لم يكن كمسار معبد (جانوس) ؛ العودة المستحيلة هنا لا يمكن أن تظفر بوجودها إلا في المخيلة ولكنها إذ تتمثل في المخيلة لا تتحول إلى عودة عادية ، فمجاز الكتابة في النص أعقد بكثير حتى من علاقات الواقع وتعقيداته ؛ ولذلك حين أراد الطيب صالح أن يعود إلى ود حامد ، أعاد مصطفى سعيد بدلا عنه ، وهذه العودة هي في تأويل ما محض أمنية لجسر هوة عميقة بين عالم غادره مرة وإلى الأبد مع رغبة قوية مستحيلة للعيش فيه ، وبين عالم لا يستطيع منه فكاكا رغم كل تناقضاته وبريقه الذي تلمع فيه الرقة والقسوة كوجه مصطفى سعيد حين شاهده الراوي لأول مرة في ود حامد. استعان الطيب صالح بطاقة حلمية / صوفية لجسر التقاطعات الحادة والوقائع العجائبية لحياة مصطفى سعيد ، ففضلا عن طبيعة البنية السردية العجيبة لهذه الرواية ، القائمة على خلخلة وتحطيم علاقات السرد الثابتة والمطردة بين الزمان والمكان والموضوع ، نجد أن تلك البنية وهي ترسم سردها عبر التقطيع والاسترجاع إنما كانت تستجيب لعلاقة جدلية خلاقة بين طبيعة المصير المركب لسيرة مصطفى سعيد وما يصاحبه من تداعيات رمزية قوية الدلالة وعمقية القابلية للتأويل ، وبين الحاجة القوية إلى تخليد ذلك المصير وفتح دلالات السرد على الكثير من الاحتمالات المحايثة له والمتصلة على نحو معقد بمصائر متشابكة ومرتدة باستمرار إلى سياقات أخرى تأتي كضرورة في بنية المعنى . فالمصائر التي ضفرتها عوالم الرواية لم تكن ذات طبيعة زمنية منطفئة ، أو تعبيرا عن حالات تزول بزوال الحدث ، لقد كانت تلك المصائر تتفاعل طرديا مع زمن الرواية المستقبلي ، أي ذلك الزمن اللاحق والممتد والدال على نبوءات الرواية ورؤاها التي جسدتها كإحدى الكلاسيكيات العالمية . ــــــــــــــــــــ * نقلا عن فصلية مجلة الجوبة الثقافية
|
Post: #2
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: محمد جميل أحمد
Date: 10-01-2009, 07:43 AM
Parent: #1
*
|
Post: #3
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: محمد جميل أحمد
Date: 10-02-2009, 07:17 PM
Parent: #2
فوق
|
Post: #4
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: محمد جميل أحمد
Date: 10-04-2009, 01:37 PM
Parent: #3
*
|
Post: #5
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: Mohamed Abdelgaleel
Date: 10-05-2009, 08:04 AM
Parent: #4
Quote: فالمصائر التي ضفرتها عوالم الرواية لم تكن ذات طبيعة زمنية منطفئة ، أو تعبيرا عن حالات تزول بزوال الحدث ، لقد كانت تلك المصائر تتفاعل طرديا مع زمن الرواية المستقبلي ، أي ذلك الزمن اللاحق والممتد والدال على نبوءات الرواية ورؤاها التي جسدتها كإحدى الكلاسيكيات العالمية |
جميل .. يا جميل ..
كان الطيب صالح في أمتنا منذ الأزل نسيج دقيق على نار هادئة بمخيلــة ملهمة ومفعمة بالإشراق ترقد على ثقافة ترابطت أطرافها الرامية ليجعل لنا في الناس ذكرا مشرفا
شكرا لك
|
Post: #6
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: محمد جميل أحمد
Date: 10-05-2009, 05:58 PM
Parent: #5
أخي العزيز محمد عبد الجليل ... تحياتي شكرا على مرورك الشفيف .لك دائمانسيج من التعبير يمنح هذه القامات العالية (عبد الحي ـ الطيب صالح) سيمياء الوطن مجسدة في مبدعيه الكبار... إذن ما معنى الوطن إذا لم يتجسد في أمثال هؤلاء الذين حملوه في أعماقهم وصقلوا صورته بأصفى مايملكون من إبداع ؟ لك مودتي محمد جميل
|
Post: #7
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: بله محمد الفاضل
Date: 10-05-2009, 07:58 PM
Parent: #6
الجميل محمد جميل لعلها فتوحات جديدة في هذا العالم الساحر عالم الطيب الصالح المتفرد
محبتي
|
Post: #8
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: محمد جميل أحمد
Date: 10-06-2009, 07:30 AM
Parent: #7
صديقي الكائن الجميل الشاعر بلة الفاضل ... تحياتي لعلها كما قلت ، وإن كنت أظن أن ما يتداعى من التأمل في كتبات الراحل العظيم هو بعض من أثرها الجبار على وعي القارئ . لقد صدق الشاعر اللبناني والمثقف الكبير عباس بيضون حين قال ذات مقال في صحيفة السفير أن أدب الطيب صالح لم يقرأ جيدا حتى الآن ، وأنه أدب منذور لأزمنة قادمة في المستقبل .شكرا على حسن ظنك ياصديقي كن بخير دائما محمد جميل
|
Post: #9
Title: Re: عوليس الأسود : الطيب صالح على ضفاف المتروبول
Author: محمد جميل أحمد
Date: 10-16-2009, 04:36 AM
Parent: #8
*
|
|