|
|
Re: من أحق النّاس بالتركة الإبداعيّة للطيّب صالح ؟ (Re: Hashim Elemam)
|
والطيب صالح كما كان يقول عن نفسه نفور من الأيدلوجيات، فقد تحاشاه الشيوعيون لتعاونه مع مجلة حوار البيروتية التي نشرت روايته موسم الهجرة، والتي اتضح فيما بعد تورطها في استلام دعم من منظمة حرية الثقافة التي كانت ترعاها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.أما الإسلاميون فقد انتبذوا منه مكانا قصيا واستبشعوا رواياته لانفتاحها علي المسكوت عنه، وصنفوها ضمن مرويات الأدب الإباحي التي تشيع الفاحشة.لذا فهو كما قال الدكتور يوسف نور عوض لم يقدمه حزب سياسي أو تيار أيديلوجي. وهو ذات ما أكد عليه الدكتور منصور خالد عندما ذكر بأن الطيب صالح "مفكر مدقق عميق التفكير،ورغم أرتهان كثير من مجايليه للأيدلوجيات السياسية الدهري منها والديني، إلا أنه لم يرتهن نفسه لتلك الأيدلوجيات، بل ظل يحكم عقله فيما يكتب ويقول". كتب الطيب صالح في "تذكره عن أكرم صالح" عن ليلي طنوس المذيعة اللبنانية في البي بي سي أنها كانت تنطق العربية كأنها تتحسس قطعا من العملة الأثرية النادرة.وقال المرحوم علي أبو سن في كتابه "ذكرياتي مع المجذوب" أن ليلي طنوس كانت تتحسس الطيب صالح لتحديد مصدر واتجاه أشعاعاته المركبة، ودروع معدنه الغامض.وهذا من أهم الكتب الصادرة في مجاله ،ولكن كما قال الناقد الحاذق عبد المنعم عجب الفيا لم يجد حظه من النقاش والاهتمام والتداول. ومن الشهادات الغريبة التي أطلقها أبو سن في كتابه المذكور أنه قال "إن الطيب صالح إنسان هارب أبدا، يهرب دائما من كل عاطفة إنسانية تخالج نفسه، فلا يعبر عنها إلا بالهزل والدعابة ودار الحرب الحقيقية هم الآخرون. هو إنسان طيب ولكن يحيط نفسه بسياج حديدي أجزم أن أقرب الأقربين لن يصل اليه". وينعي أبو سن علي الطيب صالح مصادقته للبسطاء فقال" كان خليقا به أن يصادق المبدعين في أروبا، ولكنه اختار شخوصا باهتة من العرب يخفي خجله المستتر وراء ضبابيتهم.لهذا السبب فإنه في مجال الصداقة يختار فريسته بعناية فائقة وبشروطه هو . أما الذين يختارونه صديقا من الأذكياء والمقتدرين فعليهم المجاهدة والصبر والتفاني في الولاء له، وله في استقبال ذلك طاقة لا تفني". ولا شك أن هذ شهادة قاسية ، وقد سكت الأديب الراحل عن التعليق علي الكتاب عندما كان الاثنان علي قيد الحياة.. وقريب من هذا قول الدكتور منصور خالد في كلمته التي القاها في حفل تأبينه بلندن في شهر يوليو الماضي: "إن أكثر ما يدهشني فيه هو أنه أقل الناس عبئا علي مجاليسيه، وأكثرهم صبرا علي الفارغين من كل شئ". ولعل هذا الوصف يكشف الفرق بين نمطين من المثقفين في السودان:الأول صفوي ، متعالٍ لا يخالط العامة ويزدريها وهم أغني عن الذكر. ونمط آخر يمثله الطيب صالح لا يتدثر بنخبوية مصطنعة، ولا تغريه النجومية عن التواضع الصوفي الحق ،يحتفي بالجوهر الإنساني، ولا يلتفت الي الوضع الاجتماعي والكسب المعرفي للأشخاص، ولا يترفع عن مخالطة غمار الناس.ولعل التأويل المناسب لرواية أبو سن هو أنه قد وقر في ظنه أن الطيب صالح استلهم شخصية مصطفي سعيد من مغامراته وطبوغرافيا حياته الخاصة في لندن.ولكنه تنكر لهذه الحقيقة ولم يجرؤ علي الاعتراف بها،بيد أنه حسب رواية أبو سن قد أشار اليها في عوابر متفرقة ، منها الإهداء الشخصي للترجمة الفرنسية لموسم الهجرة عندما كتب له "الي علي.. أنت أحق الناس بهذه الرواية".ولعله قد شق علي الراحل علي أبوسن أن الطيب صالح لم يتكرم عليه بتقريظ خلال مسيرته الإبداعية الممتدة ، فالمرة الوحيدة التي ذكره فيها عندما قال في مقالات أكرم صالح أن علي أبو سن "من أرومة باسقة في السودان كان يقرأ النشرة العربية كأنه يتفضل بها علي الإنجليز".ورغم الصداقة الممتدة بينهما منذ أيام الشباب الغض في لندن إلا أنها كانت أسيرة التباطؤ و الحذر. وقد وصفها أبوسن بقوله إن علاقته بالطيب صالح أشبه بالقرابة بما فيها من عطف ورعاية وتكلف وحذر. لقد حار النقاد في مصدر الهام شخصية مصطفي سعيد، فكما أشار أبو سن أنه استلهم الشخصية من سيرته الذاتية ، قال آخرون إنها السيرة الذاتية للكاتب وهو ما نفاه الطيب في حوارات متعددة. وقد خرجت علينا الدكتورة جيرزالدة أرملة الفطحل الراحل البروفيسور عبد الله الطيب بتأويل طريف ذكرت فيه أن مصطفي سعيد هو جماع شخصيات متفرقة استلهمها الطيب صالح من السير الذاتية للرعيل الأول من المبعوثين السودانيين في لندن ، منهم الدكتور الراحل أحمد الطيب وآخرون. كما ذكر الناقد عيسي الحلو أن الطيب صالح تأثر براوية أداور عطية.. إن أبعد الناس عن وراثته الإبداعية وسدنة أدبه هم ذوو الاسقاطات الأيديلوجية الذين يؤمنون بالأدب الوظيفي الملتزم، ويصنعون منه قوالب وطقوسا وطيالسا، كما يظنه الشوفونيون السامريون عجل الوطن المقدس. ولعله لا يفوق هؤلاء هذرا إلا أدعياء الثقافة، وأنصاف المتعلمين الذين يعتبرونه مصدرا إبداعيا ملهما لمركزية الهوية العربية والإسلامية في السودان التي تحيا وتنتعش بإقصاء وتهميش الثقافات والهويات الأخري، التي لا تتماهي مع المشروع الأسلاموي العروبي حسب مصطلحهم. لقد احتفت كل من باريس ولندن بموسم الهجرة بطريقتين مختلفتين ، فقد قوبلت بحفاوة في لندن إلا أن كاتبا في ملحق التايمز الادبي قال إنها لا تستحق هذه الضجة لأنها خالية من الحدث وهو ضعف مقيم ظل ملازما للأدب العربي. في باريس قال عنها الأديب الكبير فرانسوا مورياك لم نقرأ مثل هذا العمل الإبداعي من قبل ونزعم أننا نقرأ كثيرا .وقال الطيب صالح في مقدمة طبعة بنغوين الشعبية التي ترجمها بأسلوب رصين الدكتور أحمد الصادق: كيف لرواية توصف بأنها تافهة في لندن ، وعظيمة في باريس؟. لقد غدت روايات الطيب صالح وأعماله الأدبية جزءا عزيزا من التراث الأدبي العالمي، فلا تقتلوا إبداعه بشوفينية ضيقة، وشعوبية متلاحية، فعظمه لنا، أما لحمه فمقسم بين قبائل الإبداع التي بادلته حبا بحب. لقد كان السودان قبل الطيب صالح نقطة بيضاء في خارطة الأدب العالمي ، وغدت بعد رحيله كرمكول وود حامد أشهر من الخرطوم، في عالم الأدب. فالطيب صالح احتضنته لندن، وغسلته في لجة الحنين وصقلته بالمعارف والتثاقف والشجن، وجمرته بالغتراب فعكف علي تصوير اختلاجاته وذكرياته بارتعاشات فنية مدهشة ولغة عبقرية. ، وقدمته بيروت واحتفت به القاهرة حيث قدمه الناقد الكبير رجاء النقاش ووصفه بأنه عبقري الرواية العربية، وقد انتقده جراء ذلك كثيرون لأنه غامر بسمعته الأدبية للاحتفاء بكاتب مغمور. واحترمته الدوحة وكرمته أصيلة ، وأخرجت درته الكويت عن طريق خالد الصديق في عرس الزين، ومنحته سوريا لقب أفضل رواية عربية في القرن العشرين واحتضن رفاته السودان، فقد أودع أهل السودان مقابر البكري كنزا عزيزا أو كما قال منصور خالد إننا "أودعناها رفاة حلم".. لم يكن الطيب صالح كشجرة الدليب التي ترمي بظلها بعيدا، بل كان كشجرة الهشاب التي تمنح أفضل ثمارها كلما أوغل فيها العمر، وغار النصل وتفتق الجرح..إن سدنة أدبه هم المثقفون ومحبوه في العواصم العربية والعالمية التي اتشحت بالسواد حزنا علي غيابه الأبدي،وهم الأدباء الشباب الذين أعطاهم الأمل وكشف لهم الطريق ، ومنحهم من عطفه و طاقته الإبداعية. أما ورثته في البعد الإنساني فهم البسطاء الذين ملأ أحلامهم كنجمة لا تنطفئ تضئ من زيتونة العرفان ، ورمزا لا يغيب يقتات من أيقونة الزيت المقدس. إن الطيب صالح ملك لهؤلاء لأنه أحب بلا ملل وأعطي بلا كلل وحلم أحلام البسطاء، فلما نادته السماء ارتحل، لأن طريق العودة كان أشق. "نقلا عن الأحداث"
| |

|
|
|
|