|
|
مقدمة لابد منها ...
|
نص جميل قراته بالامس واعجبني احببت مشاركتكم أياه ..
ولكن! إن لم تكن الإرادة الإلهية هي التي رمت بالمصادفات المتسلسلة في طريقي، فما عساها أن تكون؟ لستُ أجرؤ على القول بأنه كان دافع الفضول والتلصص فقط؛ فالأمر يبدو بالنسبة إليّ أكبر من ذلك بكثير؛ حتى أكثر الروايات إدهاشاً وخيالية لا يُمكنها ابتكار مصادفات جرئية كتلك.
ربما لم تكن مصادفات بقدر ما كانت حتميات لم تكن في الحسبان. هل تسير الحياة وفق قانونها الخاص بمنأى عما نريده وما نسعى إليه؟ هل نتماهى مع قوانين الكون دون أن ندرك ذلك، أم نحن في صراع معها؟ هل كان هذا الصراع ضرورياً؟ ربما، وربما كنّا نحن جزءاً من لعبة تخلو من نهايات منطقية ومبررة. لا أدري! ولكني أشعر بالكون مكعب نرد كبير.
أقف الآن مشدودة إلى تاريخي، أحاول إعادة قراءته وتفسيره، وكأنه تاريخ شخص أتذكر اسمه بصعوبة. شخص التقيته مصادفة في عيد الفصح قبل عامين، ارتطمنا بالأكتاف، وابتسم في وجهي معتذراً، فأعجبني بياض أسنانه أو رائحة عطره أو تسريحة شعره.
إنه لمن المدهش حقاً أن يكتشف الإنسان أنه لا يعرف نفسه، وأنه لا يعرف حتى أقرب الناس إليه؛ في حين أنه لم يصادقهم إلاّ لظنّه أنه يعرفهم جيداً، ويفهم ما يُثيرهم وما يُقلقهم وما يُفرحهم وما يفكرون به. لا أحد يعرف أحد؛ هذه هي النتيجة الأولى التي خرجت بها أول الأمر.
الآن تتفحت الأشياء أمامي لأبصرها بعين أخرى، كأنني كنت لا أرى من قبل، أو كأنني كنت أبصر الأشياء بالمقلوب. تُدهشنا الحقيقة عندما نبحث عنها، ثم نكتشف أنها هي من تبحث عنا، وهي من تجدنا دائماً. نفهم أن الكون يسير وفق خطة متقنة، دون أن تكترث بعشوائيتنا وتخبّطنا، وكل تصوّراتنا البلهاء. لأنك حين تعتاد الضجيج؛ يُؤرقك الهدوء!
أفهم الآن سر بعض ما خفيّ عني، وأتقن حرفة التصنّت على الحواس. أعرف أنه لن يُفيد كثيراً، ولكن ذلك خير من القول بعبثية الحياة وهيلمان الحظ. كل الأشياء –في هذه الدنيا- متزنة وفي مكانها الصحيح، حتى تلك الفواجع والمضرّات، والمصادفات مرتبة أبجدياً ومُخطط لها من قبل!
للكون سرّه الخاص، والأشياء تفصح عن قداستها، وتزخر بالتلميحات وكلمات السر المخبأة بغير إحكام في كل ما نراه؛ ولكننا لا نرى ولا نفهم. ربما أضرّتنا إنسانيتنا، ولم نستطع أن نكون كما يُريد الكون لنا أن نكون. أن نرى في كل هفوة إشارة للملكوت الخاص.
آه! كم أننا أغبياء حين ندعي الفطنة والمعرفة! نحن لا نعرف شيئاً عن ذواتنا، ولا نعرف عن الحياة إلاّ ما نريد أن نوهم أنفسنا بأننا نعرفه. نتشاجر مع الحقيقة كأنها عدو أبدي، وشيطان يحمل جميع التناقضات. كم أننا ساذجون حين نسأل دائماً عن الحياة، وعن سرّها؛ كأننا لم نخلق إلاّ لنحلّ الألغاز. الآن فقط أعرف أن الحياة سهلة ومعقّدة كسحّاب بنطال!
يقول لنا العارفون: إن الإنسان كلما كبر؛ تكشفت لديه الأشياء بصورة جلية، وكلما تعلّم شيئاً جديداً كلما اقترب أكثر من الحقيقة. كل يوم ينضج الإنسان، وتنضج أفكاره ورؤيته للكون ولمن حوله. وتلك هي فلسفة الكينونات العليا، وسر ولعنا بالبحث والتساؤلات اللانهائية. وأنا أقول: إنه كلما كبر الإنسان كلما ابتعد عن الحقيقة، وكلما تعلّم شيئاً جديداُ كلما قلّ رصيده المعرفي، وكلما نضج كلما كان أكثر بلاهة وسذاجة!
أقول الآن: إنه إذا تمكن الإنسان من إمساك الحقيقة من قرونها الغليظة فسوف يُصبح كائناً خالداً. ربما لم تكن المعرفة الحقة وهماً، بقدر ما أنّ الجهالة الكاملة قانون له سطوته. نحن نعرف بقدر ما أكله الأبوان من ثمرة المعرفة الأولى، ونفتقد الخلود بقدر ما كانا قريبين منه سابقاً. ياللإنسان! أمنذ ذلك الوقت وهو يبحث عن المعرفة والخلود ولم ييئس بعد؟
لست بصدد التأريخ عن حياتي؛ فهي بلا قيمة، ولكن اكتشاف نفسي المفاجئ كان أكبر من قدرتي على الإندهاش. ضحكتُ كثيراً من قبل على كل ما كان يدور حولي من متناقضات، كنتُ أظنها فوضى مفضية إلى فوضى أكبر، وكنتُ أشعر بالأسى حيال نفسي والآخرين لأننا ندور في حلقة مفرغة داخل متاهة نخلقها نحن بأنفسنا. أعرف الآن أننا لا نخلق الفوضى، وأن الفوضى ليست سوى نسق كوني فائق النظامية، وأنها تشدنا إليها بحنو لا نستشعره، ولا نستحقه.
يتبع
|
|

|
|
|
|