فشل التفسير الطبقي للظاهرة الدينية - موضوع للحوار

فشل التفسير الطبقي للظاهرة الدينية - موضوع للحوار


12-13-2008, 09:49 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=180&msg=1229161742&rn=0


Post: #1
Title: فشل التفسير الطبقي للظاهرة الدينية - موضوع للحوار
Author: طلعت الطيب
Date: 12-13-2008, 09:49 AM



فشل التفسير الطبقي للظاهرة الدينية في مصر
طارق أبو العينين الحياة - 22/01/08//

تحت عنوان (إلى أين يتجه التحول في علاقة الدولة والمجتمع في مصر؟) طرح الباحث المصري عمرو حمزاوي في هذه الصفحة (3/1/2008) رؤيته للخريطة السياسية والاجتماعية في مصر رابطاً بين اعتصام موظفي الضرائب العقارية وبين خطاب الدعاة الجدد الذي يتسم من وجهة نظره بنزعة استهلاكية معتبرا أن ما يربط بين المشهدين هو وجود علاقة جدلية بين نوعين من الخطاب الديني في مصر: خطاب «الإخوان المسلمين» الذي يسعى من خلال المرجعية الدينية إلى حشد قوى المجتمع في مواجهة السلطة المتحالفة مع طبقة رجال الأعمال، وخطاب الدعاة الجدد الذي يسعى في الاتجاه المقابل لشرعنة قيم طبقة البورجوازيين الجدد ذات الطبيعة الاستهلاكية مما يمثل تحالفاً بين هذا الخطاب وبين السلطة والقوى المستفيدة منها على قمة الهرم الاجتماعي في مصر. ولعل اللافت حقا هو أن تلك الرؤية وخصوصا في ما يتعلق بخطاب الدعاة الجدد تتماهى إلى حد بعيد مع التفسيرات السائدة لدى قطاع عريض من النخبة المثقفة المصرية بشأن الظاهرة الدينية التي تربط بين كثير من الظواهر الدالة على صعود المد الديني في مصر مثل الدعاة الجدد والحجاب، وبين ظواهر اجتماعية ارتبطت في الأساس بقيم الرأسمالية المتوحشة المتمثلة في ايديولوجيا الاستهلاك والتسليع والتشيوء. وعلى رغم اعتراف حمزاوي بأن الأصل في المقاربة التحليلية للمجتمعات البشرية هو نقض الصيرورة التطورية لتحولاتها وتقلباتها بعمق زماني ومكاني يتجاوز المنطق الاختزالي، إلا أن تعاطيه مع خطاب الدعاة الجدد باعتباره أحد التغيرات النوعية في جوهر وأنماط العلاقات الرابطة بين الدولة والمجتمع والفرد دفعه إلى إغفال الكثير من الجوانب الخاصة بظاهرة الدعاة الجدد باعتبارها تمثل في نهاية الأمر حلقة جديدة من حلقات تصاعد المد الديني أو ما اصطلح على تسميته بالصحوة الدينية.

ويشير ذلك إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي ان الصحوة الدينية التي بدأت بالحجاب وانتهت إلى خطاب الدعاة الجدد لاقت انتشارا بين أكثر من طبقة وهو ما يؤكد فشل التفسير الطبقي للظاهرة الدينية في مصر الذي يربطها غالبا بالطبقة البورجوازية من دون غيرها من الطبقات، إضافة إلى أن تفسير الظواهر الإنسانية باعتبارها تتمحور في الأساس حول الطبقة والعامل الاقتصادي هو مجرد قولبة فكرية من مخلفات الماضي خصوصا بعد ظهور الكثير من المحدثات النظرية التي طرأت على الفكر الماركسي والتي تتبناها معظم حركات اليسار الجديد في أوروبا. كما أن قضية الإيمان الديني بطبيعتها قضية وجودية فهي تعني الإنسان كإنسان متجاوزة بذلك موقعه الطبقي أو نوعه على اعتبار أن المدرك الديني، كما يقول الفيلسوف الوجودي الشهير سورين كيركغارد، هو أعلى مدركات العقل البشري جميعا ومن ثم فإن اختزال أي من العناصر المكونة للصحوة الدينية في العنصر الطبقي فقط يعني بالأساس تفسيرا ظاهريا لها يزيح ما هو بنيوي لحساب ما هو شكلي وموقت، إضافة إلى أن ربط بعض عناصر تلك الظاهرة مثل الحجاب أو الدعاة الجدد بالنزعة الاستهلاكية التي تتسم بها طبقة البورجوازيين الجدد يخالف بشكل واضح الرؤية الفلسفية التي طرحتها مدرسة فرانكفورت التي قامت بالتنظير لفكرة إيديولوجيا الاستهلاك. فقد فسرها الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز أحد أبرز مفكري تلك المدرسة باعتبارها انعكاسا لهيمنة المؤسسات الرأسمالية على السلطة وسيطرتها على عملية الإنتاج والتوزيع بل وصياغة رغبات الناس وأحلامهم.

إلا أن المدهش في هذا السياق هو أن المدرسة نفسها أشارت في وقت لاحق من خلال فيلسوفها الأبرز يورغن هابرماس إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه الدين بما يمتلكه من ذخيرة للتعالي تحول بين أفراد المجتمعات العلمانية الحديثة وبين أن تطغى عليهم متطلبات الحياة المهنية والنجاح الدنيوي وغيرهما من القيم التي يفرضها النموذج الرأسمالي المتوحش ذو الطابع السلعي، وهو ما أشار إليه في كتابه (الدين والعقلانية مقالات في العقل والله والحداثة). ومن ثم فإن الدين من وجهة نظر تلك المدرسة يلعب دورا أساسيا في مواجهة قيم الاستهلاك والتسليع والتشيوء التي يفرضها النموذج الرأسمالي، وهو ما يخالف كليا التفسيرات السائدة في مصر التي ترى في الكثير من الظواهر المتعلقة بالصحوة الدينية مثل الحجاب والدعاة الجدد محفزا على الاستهلاك.

من ناحية أخرى فإن الإشارة إلى ان خطاب الدعاة الجدد باعتباره يمثل تحالفا مع السلطة يجافي واحدة من أبرز الحقائق السياسية في مصر وهي وجود كتلة كبيرة من المجتمع خارج دائرة الفعل السياسي على اعتبار أن ما لا يقل عن 75 في المئة من المصريين لا يشاركون في العملية الانتخابية. ومن ثم فإن هذا الخطاب لا يهدف إلى استقطاب هؤلاء باتجاه السلطة أو حتى تسييسهم خصوصا مع فشل جماعة «الإخوان المسلمين» في ذلك داخل أسوار الجامعة رغم خبرتها الطويلة في هذا المجال.


كاتب مصري.