عرض كتاب الحياة بين الإسلام والحضارة الغربية للأستاﺫ الحلقة الثالثة عشر بقلم خالد الحاج عبدالمحمود

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 11-20-2019, 09:17 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
11-06-2019, 11:39 PM

خالد الحاج عبدالمحمود
<aخالد الحاج عبدالمحمود
تاريخ التسجيل: 10-26-2013
مجموع المشاركات: 83

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube


مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
عرض كتاب الحياة بين الإسلام والحضارة الغربية للأستاﺫ الحلقة الثالثة عشر بقلم خالد الحاج عبدالمحمود

    11:39 PM November, 06 2019

    سودانيز اون لاين
    خالد الحاج عبدالمحمود-
    مكتبتى
    رابط مختصر



    ية للأستاﺫ / خالد الحاج عبدالمحمود
    بسم الله الرحمن الرحيم
    "أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"

    الجزء الثاني
    الحياة في الإسلام
    الفصل السادس
    حياة الفكر
    تحدثنا كثيراً عن حياة الفكر، وعن حياة الشعور.. ونحن هنا نتناولها بصورة فيها بعض التوضيح.. ونبدأ بحياة الفكر.. فالإسلام كله عبارة عن منهاج حياة، يعمل الفرد فيه، على الترقي في مراقي الحياة العليا عن طريق الفكر.. فالفكر وسيلة والحياة هي الغاية.. ولكن أي فكر نعني، وأية حياة؟؟ يقول الأستاذ محمود: "أنت إذا سئلت عن الإسلام، فقل لهم: أنه منهاج حياة، وفقه تُراض العقول لتقوى على دقة التفكير.. والله، تبارك وتعالى، يقول، في ذلك: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم.. ولعلهم يتفكرون)..قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر) يعني القرآن المحتوي على الحقيقة، كلها، وعلى الشريعة، كلها.. الحقيقة التي هي أعلى من مستواك، والحقيقة التي في مستواك، والحقيقة التي في مستوى أمتك.. وعلى الشريعة التي هي في مستواك، والشريعة التي في مستوى أمتك - قوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) يعني لتفصل لهم الشريعة التي يحتاجونها، وطرفاً من الحقيقة التي يطيقونها، مما يزيد في فهمهم، واحترامهم للشريعة.. قوله، تعالى: (و) من قوله تعالى: (ولعلهم يتفكرون)، يعني مرهم أن يعملوا بالشريعة، بعقول مفتوحة، وقلوب حاضرة.. قوله تعالى: (لعلهم يتفكرون) هو المعلول، وراء كل العلل، والمطلوب، وراء كل المطالب، والمقصود، وراء كل المقاصد.. يتفكرون في ماذا؟؟ في السموات والأرض؟؟ لا!! ليس فحسب!! فإنما هذا تفكير مقصود لغيره.. مقصود بالحوالة!! وأما التفكير المقصود بالأصالة فهو تفكيركم في أنفسكم.. قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنْفُسِكُمْ!! أَفَلَا تُبْصِرُونَ ؟؟)..".
    وقال عن الفكر: "قديماً هام الناس بسر الحياة الأعظم.. هاموا بسر القدرة، وبسر الخلود.. فجدَّ الفلاسفة وراء ما أسموه بحجر الفلاسفة، وبحث الكيمياويون عما أسموه إكسير الحياة.. وحلم القصاصون بخاتم المنى، وبالفانوس السحري.. ولم يظفر أي من هؤلاء بشيء مما كانوا يبتغون.. قل لهؤلاء جميعاً، ولغير هؤلاء، من سائر الناس: إن سر الحياة الأعظم ــ إن إكسير الحياة ــ هو الفكر.. الفكر الحر.. الفكر القوي، الدقيق، الذي يملك القدرة على أن يفلق الشعرة، ويملك القدرة على أن يميز بين فلقتيها.. وهذا الفكر إنما هو ثمرة للعقل المسدد، المروض، المؤدب بأدب الحق، وأدب الحقيقة.. وإنما، من أجل رياضة العقول على أدب الحق، وأدب الحقيقة، حتى تقوى على دقة التفكير، جاء الإسلام، وأنزل القرآن، وشرعت الشريعة".
    الحياة العليا التي نتحدث عنها، تقوم بصورةٍ كلية على رياضة العقول، من أجل تحقيق الفكر السليم، والتطور في مراقيه، وهي نفسها مراقي النفوس، ولذلك هو تطور في مراقي الحياة، يطلب غاية، هي الحياة العليا – حياة الإنسان..
    لتأسيس حديثنا عن الفكر على أرض ثابتة، لا بد من الحديث الأصولي عن العقل.. فالأصل بالنسبة للعقل، هو (العقل الكلي) العقل المحيط، وهو العقل الإلهي.. ولأنه محيط وكلي، فإننا نجد أثره في جميع صور تجلياته، بما في ذلك المادة غير العضوية!! ومن ها هنا جاء عقل الوجود الحادث، عقل آدم الخليفة في الملكوت!! ومن هذا الأخير تنزلت العقول البشرية.. والله تعالى، يريد بمحض فضله، للعقل البشري أن يصاقب، وينطبق، على العقل الكلي.. ومن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفرض الشرائع.. يقول الأستاذ محمود: "العقل عقلان: عقل كلي، قديم، وهو المسيطر على جميع العوالم، علويها، وسفليها.. وعقل جزئي، محدث، وهو ما يتمتع به الفرد البشري العاقل.. وكمال العقل الجزئي، المحدث، أن يطابق، ويوافق، العقل الكلي القديم.. والقرآن هو قانون العقل القديم، وأثره، وبترسمه يستدل عليه، ولذلك قلت، آنفا: إن القرآن منهاج للحياة، على أسلوب ينبه في العقل البشري القوى الكامنة، التي إن هي إلا قبس من العقل الكلي، القديم، (الله)".. فالفكر عند البشر، هو قوة الإدراك – الإدراك الشفعي.. والفكر وسيلته العقل.. والعقل يعمل في الدماغ.. والشعور هو وظيفة الفؤاد، والفؤاد يعمل في القلب.. والقلب هو منطقة الإدراك الوتري.. وحصيلة الشعور الحب.
    فالحواس هي منطقة الإدراك التعددي.. فهي تدرك التعدد في الكون، ولا تدرك سواه.. وهي نوافذ العقل إلى الخارج، والعقل بما أنه منطقة الإدراك الشفعي، فهو يقوم على الثنائية، ولا يستطيع أن يدرك غيرها.. أما القلب – العقل الباطن – فهو منطقة الإدراك الوتري، ووظيفته الحياة.. فالقلب هو الأصل.. والعقل والحواس، طلائعه.. ولذلك تركيز الدين كله على القلب.. وما الحديث عن العقل، إلا كوسيلة للقلب.
    العقل لا يختلف عن الجسد اختلاف نوع، وإنما يختلف عنه اختلاف مقدار.. فالعقل هو الطرف اللطيف من الحواس.. والحواس هي الطرف اللطيف من الجسد.. وقد بلغ تطور الحياة في الأرض، حتى الآن، مرحلة ظهور الحواس الخمس.. فالحيوانات العليا بما فيها البشر، ذوات خمس حواس.. وهذه ليست نهاية المطاف، فإن في الإنسان الحاسة السادسة، والسابعة، في أطوار الاكتمال، ولا يكون بعد الحاسة السابعة تطور في عدد الحواس، وإنما يكون التطور في كمالها، وهذا لا ينتهي، فهو سرمدي.. وفي تعريف هاتين الحاستين، جاء من أقوال الأستاذ محمود: "الحاسة السادسة هي الدماغ.. ووظيفتها الإدراك المحيط، والموحد (بكسر الحاء) لمعطيات الحواس الأخرى - اليد، والأذن، والعين، واللسان، والأنف - في الحس، والسمع، والبصر، والذوق، والشم.. فإذا قويت يكون إدراكها لكل شيء عظيم الشمول، فكأنها تحسه، وتسمعه، وتراه، وتذوقه، وتشمه، في آن واحد".. أما الحاسة السابعة: "هي القلب.. ووظيفتها الحياة.. وهذه الحاسة هي الأصل، وجميع الحواس رسلها، وطلائعها، إلى منهل الحياة الكاملة..".. "ليس للحياة الكاملة نهاية كمال، وإنما كمالها، دائما، نسبي.. وهي تتطور، تطلب الحياة المطلقة الكمال، عند الكامل المطلق الكمال - عند الله - وإنما يكون تطورها باطراد ترقي جميع الحواس، كل في مجاله، وانعكاس ذلك على ترقي العقل، بقوة الفكر، وشمول الإدراك.. وعلى قدر صفاء العقل، وقوة الفكر، تكون سلامة القلب، واتساع الحياة، وكمالها..".. ونحن لنا إلى هذا عودة.
    قلنا إن الإسلام منهاج حياة، يقوم على ترويض الفكر، ليخدم أغراض الحياة العليا.. "فالإسلام فكر يرتقي السالك فيه على درجات سُلم سباعي، أولها الإسلام وثانيها الإيمان، وثالثها الإحسان".. وهذه مرحلة أمة المؤمنين (الأصحاب).. وأما أمة المسلمين (الأخوان) فهي تبدأ من الدرجة الأولى، ولكنها لا تقف في الدرجة الثالثة، وإنما تواصل السير في السلم السباعي.. "ورابع الدرجات هي علم اليقين، وخامسها علم عين اليقين، وسادسها علم حق اليقين، وسابعها الإسلام من جديد".. وهو في هذه الدرجة انقياد الظاهر والباطن معاً.. في حين أنه كان في الدرجة الأولى انقياد الظاهر فقط.. والحياة التي نتحدث عنها هنا، وندعو لها، إنما هي الحياة في مستوى أمة المسلمين (الأخوان).. ومنهاج هذه الحياة، ليس الشريعة!! وإنما هو سنة النبي ـ عمله في خاصة نفسه.. إذن: المنهاج المقصود هو (طريق محمد) صلى الله عليه وسلم.. والأخذ به، يقتضي، في مستوى التشريع الجماعي: تطوير التشريع.. وهو الانتقال من نص في القرآن، إلى نص آخر في القرآن.. الانتقال من فروع القرآن إلى أصولها.. وتطوير التشريع يشمل مجالات: الاقتصاد والسياسة والاجتماع.. ولا يقع تطوير في تشريع العبادات، ولا الحدود.. راجع كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) للأستاذ محمود محمد طه.
    ونحن عندما نتحدث عن الحياة في الإسلام، إنما نتحدث عن مستوى الأصول، عن مستوى السنة.. ونموذج هذه الحياة، هو حياة النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه، ومنهاجها، هو طريق النبي، وقد أصدر الأستاذ محمود محمد طه كتاباً يدعو فيه لهذا الطريق، أسماه (طريق محمد).. ثم فصل في منهاج الطريق، في كتاب آخر، أسماه (تعلموا كيف تصلون).. ونحن عندما نتحدث عن منهاج الحياة في الإسلام – الحياة العليا، فإننا نتحدث عن ما ورد في هذين الكتابين.
    من الحقائق الأساسية في الإسلام، أن كل العلم على إطلاقه، وفي أي صورةٍ من صوره، هو علم الله.. فلا يوجد على الاطلاق، ولا يمكن أن يوجد، علم خلافه أو خارجه.. وكل من علم، وفي أي مجال، فهو إنما، من علم الله هذا، الذي لا علم غيره، قد علم.. ويترتب على ذلك أن المعلم الأساسي، في الوجود واحد.. يقول تعالى: "وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء".. فالله تعالى هو في الحقيقة، مصدر المعرفة الوحيد..
    ولقد علّم الله تعالى الإنسان، وهو في مرحلة العناصر الصماء، بطريق مباشر، وهو طريق القهر الإرادي للعناصر، وبالعناصر، وكانت نتيجة هذا التعليم، الطاعة المطلقة للإرادة الواحدة.. ولقد علّم الله الإنسان، وهو في منزلة المادة العضوية ـ الحياة البدائية ـ وفي مرتبة الحياة العليا، دون الإنسان، عن طريق شبه مباشر، وذلك بإرادة الحياة.. ثم علّم الإنسان، في مرحلة البشرية، عن طريق غير مباشر، وذلك بإرادة الحرية، من خلال عقله.. والاختلاف بين جميع هذه المستويات في التعليم، إنما هو اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع.
    على ما تقدم، مصدر المعرفة واحد، هو الله.. فالله تعالى هو المعلم الأصلي، والعناصر في البيئة المتعددة هي المعلم المباشر.. ومادة التعليم الأساسية هي المقدرة على التواؤم بين الحي وبيئته.. وكون الله تعالى هو المعلم الواحد، لكل علم، يعطي أن المعرفة في جميع صورها، إنما هي صلة بين المتعلم وبين الله– مصدر المعرفة الأساسي والوحيد.. وهذه الصلة في الحقيقة - من جانب الله- قائمة دائماً، وعليها يقوم تعلم الخلائق جميعها، في جميع حركاتها وسكناتها.. وهذا هو موضوع تسيير الله تعالى للوجود.
    أما الصلة بينه تعالى، وبين خلقه في الشريعة، فهي ما تقوم عليها المعرفة والعلم الذي نتحدث عنه.. وهي تشكل المعنى الاصطلاحي للعلم.. هذه الصلة تقوم من جانب العبد، في حين أن صلة الحقيقة تقوم من جانب الرب.. والصلة بالله من جانب العبد، لا تكون إلا بحسن التوجه إليه تعالى، والحضور معه.. وسبيل ذلك هو التوحيد، كمفهوم سلوكي عرفاني.. فالتوحيد – كصفة للموحد - هو سبيل المعرفة، لأنه السبيل الوحيد لخلق الصلة بالله، والحضور معه.. وإنما تتم هذه الصلة، والحضور، عن طريق رفع الحُجب، كما سبق أن ذكرنا.. وهذا هو عمل العبادة، في صورتيها: حضرة الاحرام، وحضرة السلام.. وعن طريق الصلة بالله، يتم تلقي الحياة، التي تتناسب واستعداد المحل عند الحي.. ولما كان الفكر، هو وسيلة رفع الحُجب، يصبح هو وسيلة الحياة، الحياة الحية، الحياة العُليا – حياة الإنسان.. هذا العلم الذي يؤخذ عن الله، عن طريق الحضور معه هو (العلم اللدني)، وهو لا سبيل له عن طريق عقل المعاش، وإنما سبيله عقل المعاد.
    عقل المعاش وعقل المعاد:
    العقل واحد لكنه يقع في مستويين: العقل الخام، الذي لم يخضع لترويض وتهذيب، والعقل الذي رُوِضَ وهُذّبَ.. العقل الأول هو (عقل المعاش)، فهو يخدم الحياة الدنيا عند صاحبه، ويوظف في سد حاجات هذه الحياة، وتستخدمه النفس لتحقيق أغراضها.. أما العقل الثاني، فهو (عقل المعاد)، وهو نفس (عقل المعاش)، ولكن تمت تربيته وترويضه وتهذيبه.. عقل المعاد له نفس وظيفة عقل المعاش، ألا وهي خدمة أغراض الحياة، لكن الحياة هنا هي الحياة العُليا.
    والاختلاف بين العقلين، يأتي من الطبيعة الإنسانية: فالإنسان بحكم طبيعته أناني، وهذا كماله!! فالأنانية هي التي تدفع الإنسان للحركة والعمل.. وعلى الأنانية يقوم الحُب، فالأناني يُحب نفسه، ويحب ما يرى فيه خير نفسه.. ومن لا يحب نفسه، لا يمكن أن يحب الآخرين.. لكن كما أن الحياة تقع في مستويين: الحياة الدنيا والحياة العُليا، فكذلك الأنانية!! فالأنانية المحمودة هي (الأنانية العليا)، لا (الأنانية السفلى).. والأناني (مُغرض)، والغرض المحمود هو الذي يكون في (جانب الله).. لا في (جانب الدنيا).. صاحب الأنانية السفلى يمكن أن يكون عمله لنفسه، ضد مصالح الآخرين.. أما صاحب الأنانية العليا، فعمله لصالح نفسه، يقوم على مراعاة الآخرين، والعمل على مصلحتهم، فهو يعلم أن مصلحته الذاتية، إنما تكون بالعمل من أجل الآخرين.. الأنانية السفلى (الأنا)، والأنانية العليا (الأنت).. والعمل من أجل الحياة العليا، يقتضي أن نسير إلى أنانيتنا العليا، بمعارضة، ومجاهدة، دواعي أنانيتنا السفلى.. وفي هذا الصدد قال المعصوم: "إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك".. فالأنانية السفلى عند الشيطان، والأنانية العليا عند الرحمن.. السير إنما هو انتقال من (معسكر الشيطان)، إلى (معسكر الرحمن).. يقول الأستاذ محمود: "(ألا لله الدين الخالص).. (الخالص) من شوائب أغراض النفس السفلى.. وأنت لا تستطيع أن تتخلص من شوائب أغراض النفس السفلى إلا بإتقان الصلاة في حضرتي (الإحرام)، و (السلام).. وقد تحدثنا عن حضرة (الإحرام)، ونحن هنا في حضرة (السلام).. ففي المعاملة: (لا إله إلا أنت) تعني العمل من أجل الآخرين.. فإن (أنت) هنا تعني: (صاحبك الآخر)، ابتداءً من زوجتك وانتهاءً بأبسط الأحياء، والأشياء، في بيئتك.. فليكن شعارك (العمل للغير) قل: (أنت) دائماً، ولا تقل (أنا)، أبداً..(أنت) دائماً.. ولا تنس: أن أقرب طريق إلى الـ (أنت) التي هي (نفسك العليا) إنما هو العمل لإسعاد الـ (أنت) التي هي: (صاحبك الآخر).. إن أقرب السبل لإسعاد نفسك هو السبيل الذي يتجه إلى إسعاد غيرك.. فإن أنت اتخذت الطريق (المباشر) للبحث عن سعادة نفسك، فإنك من غير أدنى ريب، تصل إلى التعاسة، وبسرعة.. فأنت، إذا كنت زوجاً، فإن طريقك إلى السعادة الزوجية لا يتجه (مباشرةً) إلى إسعاد نفسك، وإنما، يتجه إلى إسعاد زوجتك.. وما يقال عن الزوج هنا، يقال عن الزوجة، بل ويقال عن كل إنسان: فإن الطريق إلى سعادة نفسك يقع في اتجاه إسعادك الآخرين.. فلتكن صيغة توحيدك (الله) التي تفكر فيها، دائماً، هي: (لا إله إلا أنت).. في مضمار العبادة، وفي مضمار السلوك، وفي مضمار المعاملة، على أن يكون فهمك، في كل أولئك، على نحو مما ذكرنا آنفاً.. فإنك إن تفعل تعش، دائماً، بين حضرتي الصلاة، وتكن، إذن، في (صلاة دائمة) وهذا هو المراد منك..".. الصلاة الدائمة، بهذا المعنى الذي ذُكر، هي الحياة العليا، الدائمة، لأنها عمل في وصل الحياة بمصدرها، وأخذها من هذا المصدر، الدائم العطاء، الذي لا ينقضي مدده، والذي يُعطي أكثر مما يُطلب منه، وهو لا يتعاظمه شيء.. علينا أن نتذكر أن الحياة في الحضارة الغربية، تقوم علي الـ (أنا) ، ولا تملك اي فرصه لخلاف ذلك!!
    نعود إلى عقل المعاش، وعقل المعاد.. فهذه الحياة التي نتحدث عنها، وسيلتها الوحيدة (عقل المعاد)، وهي مستحيلة في حق (عقل المعاش).. ولذلك لا بد من تهذيب عقل المعاش، ليكون عقل معاد، إذا أردنا أن نصل إلى الحياة العليا، ونتسامى في كمالاتها.
    لقد جاء القرآن يرسم لنا طريق الرجوع إلى العهد الذي شهدنا فيه بعبوديتنا لله، وربوبية ربنا.. والغرض من شهادة (لا إله إلا الله) التي وُظف القرآن لتحقيقها، إنما هو أن تسوقنا إلى هذه الشهادة "وأشهدهم على أنفسهم: ألستُ بربكم؟؟ قالوا: بلى!! شهدنا".. فإذا تذكرنا هذه الشهادة حق التذكر، نرد مورد الحياة الكاملة، ونحن لنا إلى ذلك عودة.
    ما ذكرناه هو السبيل إلى أن نحيا لله، وبالله.. والحياة لله، وبالله، هي وحدها الحياة.. ومن يردها، عليه أن يكون قانونه، الذي يجب أن يكون دائماً بين عينيه، فلا يغفل عنه لحظة، هو قوله تبارك وتعالى: "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ".. يره (اليوم) بل يره (اللحظة)، لا غداً، ولا يمنعه من الرؤية (الناجزة) (الحاضرة) للتو واللحظة، إلا الغفلة.. ولكن الحاضرون غير الغافلين، يرون نتائج ما يعملون للتو واللحظة.. ففي الدين جميع عمل العبد، إما له، أو عليه على قاعدة: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا!! وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ..".
    حضرة السلام والمجتمع:
    قلنا إن للصلاة حضرتين: حضرة الإحرام، وحضرة السلام.. الأولى هي الصلاة الشرعية، التي يتم الدخول فيها بتكبيرة الإحرام.. أما الثانية، فهي الصلاة بين الصلاتين، الصلاة الوسطى، التي قال تعالى عنها: "حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ".. فالصلاة الوسطى هي المساحة الزمنية بين الصلوات.. هي حضرة المعاملة، والمعاملة هي ثمرة العبادة، وجوهر المعاملة هو السلام، الذي نخرج به من الصلاة الشرعية.. فنحن في كل صلاة من صلواتنا الشرعية، نخرج منها بقولنا: السلام عليكم.. فقد كنا في الصلاة في حضرة مع ربنا، خرجنا منها بعهد أخذناه على أنفسنا، بأن نكون في سلام مع خلقه، ونحن مسئولون عن هذا العهد.
    حضرة المعاملة تتعلق بالمجتمع.. والمجتمع هو مجال ممارسة الحياة الفعلية.. يقول الأستاذ محمود: "إن قيمة المجتمع للفرد لا تساويها قيمة.. هو أكبر الوسائل لإنجاب الفرد الحر، الكامل.. ولقد يكفي أن يقال هنا أنه الوسيط الذي فيه يتحرك الفرد، وفيه يمارس العبادة، ويمتحن الأخلاق، ويميز القيم.. وفيه يجد الأمن، ويستشعر الحب، ويباشر التعاون، والعمل، ويحصل العلم.. وبالعلم، والعمل وفق هذا العلم، يتوكد وجود الفرد، وتنضج شخصيته، وتقوى، وتتحقق حريته، وتتسع حياته، وتخصب".
    وأدنى المعاملة، كف الأذى، وهو يعني أن لا تأذي أحداً من خلق الله، لا بفعل ولا قول، ولا خاطر.. هذه هي البداية!! وأعلى منها، تحمل الأذى.. وأعلى من ذلك هو توصيل الخير لخلق الله، وهذا هو المراد بالأصالة "الخلق عيال الله، أحبهم لله، أنفعهم لعياله".. والعمل في المنهاج في جميع صور العبادات، من صلاة وصوم وإنفاق ...إلخ، الغرض منه المران والرياضة، حتى تتحقق هذه القيمة في المعاملة.. وروح المعاملة، وروح العبادة، هو الأدب.. والأدب في الحالين هو الحضور مع الله.. ففي المعاملة أنت تعامل الله في خلقه.. والقاعدة في حسن المعاملة، هي أن تعامل الناس بما تُحب أن يعاملوك به، فكما تدين تُدان، كما ذكرنا.. وقد قال المعصوم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، ما يحب لنفسه".. وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
    ومن الأقوال الجامعة، في أمر الفكر والمعاملة، اللذين تكن بهما الحياة، قول المعصوم: "أوصاني ربي بتسع، أوصيكم بهن: أوصاني بالإخلاص، في السر، والعلانية.. والعدل، في الرضا، والغضب.. والقصد، في الغنى، والفقر.. وأن أعفو عمن ظلمني.. وأن أعطي من حرمني.. وأن أصل من قطعني.. وأن يكون صمتي فكراً.. ونطقي ذكراً.. ونظري عبرة"..
    الحضور مع الله يقتضي المراقبة والمحاسبة.. المراقبة تعني أن تراقب جوارحك، وحواسك، فتدفع شرك عن الناس، وتتحمل أذى الناس، وتوصل الخير إليهم.. فأدنى مراتب (الصلاة الوسطى) إنما هو كف الأذى، وتحمل أذى الآخرين.. فمن أعيته المراقبة، وأفلت منه الزمام، ووقعت منه المخالفة، فإنه بالمحاسبة (يرقع) ما فلت منه.. والمحاسبة تجري أثناء الوضوء، وفيه يحاسب المتوضيء كل عضو على ما جرى منه، قبل الوضوء.. وتكون المحاسبة بُعيد وقوع الخطأ، مباشرة، كما تكون في جلسة السحر.
    من يعش في حضرتي الصلاة: حضرة (الإحرام) وحضرة (السلام)، بالصورة الوارد تفاصيلها، في كتاب (تعلموا كيف تصلون)، تكن حياته كلها صلاة.. وهذا هو المراد من قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ".
    بهذا الصنيع في العبادة والمعاملة، وفق منهاج (الطريق) يظل المؤمن في حالة ترقي دائمة، من النفس السفلى إلى النفس العليا.. يقول تعالى: "فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا".. قوله: (من أهتدى فإنما يهتدي لنفسه)، يعني أن العارف هو من عرف الطريق، ولزم الطريق الموصل من نفسه السفلى، إلى نفسه العليا.. وقوله: "من ضل فإنما يضل عليها" يعني أن الجاهل من ظل يتخبط في ظلمات شهوات نفسه السفلى، فتاه في متاهاتها، ولم يهتد إلى الطريق إلى نفسه العليا.
    نحن في حقيقة أمرنا، إنما نبحث عن أنفسنا.. نريد أن نجدها وأن نعرفها، وأن نكون في سلام معها.. فحاجتنا بالأصالة، هي العلم بدقائق النفس البشرية، وليس مجرد العلم بآيات الآفاق.. العلم بدقائق النفس البشرية، هو العلم الحقيقي، الذي سيتوج العلم المادي الحاضر، ويوجهه.. والقرآن دعوة إلى هذا العلم.. والصلاة إنما هي منهاج لتحقيق هذا الغرض، بها تتسامى النفس من مرحلة الإيمان، إلى مراقي الإيقان، التي تدخل بها مداخل الحياة الخالدة.. والنفوس حسب الترتيب هي: النفس السفلى (الحيوانية)، والنفس اللوامة، والنفس الملهمة، والنفس المطمئنة، والنفس الراضية، والنفس المرضية، والنفس الكاملة (العليا).
    والنفس العليا، في النشأة البشرية، إنما هي النفس الخاضعة في شهواتها لمقتضيات العقل القوي، المستحصد.. وإنما جاءت الشرائع في العبادة والمعاملة، وفي الحلال والحرام، لتعين العقول على القوة والاستحصاد، حتى تستطيع أن تقود النفوس، بوعي، إلى كمالها في النفس العليا، حيث ينتهي الصراع بين العقل والنفس، أو العقل والجسد، ويتم التوصل إلى وحدة الفكر، ووحدة الحياة، وإلى العقل والجسد المتسقين.. وبذلك يصبح التطور كله فكرياً.. فالدور الأساسي، للمنهاج، إنما هو العمل على الانتقال، من رؤية التعدد، والوقوف عندها، إلى رؤية الواحد، ورؤية الوحدة، وذلك بتجاوز مرحلة الانقسام، التي نحن عليها الآن، والرجوع إلى الله، عن طريق توحيد ذواتنا.. وعندها تكون حياتنا من حياة الله.. وتتحقق لنا وحدة الحياة، وإنما يكون تحقيق وحدة الحياة، بالفكر.. ولذلك جاء الحديث عن الفكر.. وهذا ما سنتناوله في الفصل التالي.
    يقول الأستاذ محمود عن عقل المعاش: "فأما عقل المعاش فهو القوة الدرّاكة فينا، التي استلها من الجسد، الخوف من القوى الرهيبة التي هددت الحياة بالموت الذريع، منذ أول النشأة‏.‏‏. فهو، من أجل ذلك، قلق، مضطرب، خفيف، يجسد الخوف ويجسد الحرص‏.‏‏. وهو موكل بمجرد حفظ حياة الحيوان، وحركته ليست فكرا، وإنما هي قلق، وخوف مما يجيء به المستقبل المجهول‏.‏‏. هو غريزي، وليس مفكرا‏.‏‏. هو شاطر، وليس ذكيا، وإدراكه علماني، وليس علميا‏..".‏‏. "ومن هذا العقل يجيء الجبن، والحرص، وحب الادخار، والبخل، وكل مذام الصفات‏..".
    وهذه الأوصاف التي وردت في حديث الأستاذ محمود أعلاه تنطبق بصورة مبدئية عامة، على حياة الإنسان في الحضارة الغربية، والذي يعتمد فيها بصورة كلية، على (عقل المعاش) أو (العقل الأداتي)، أو البراغماتي، كما يعبرون عنه في بعض الدوائر الفكرية الغربية.. ونظراً لغياب المنهاج الذي يحقق الترقي على النحو الذي ذكرنا، فمن المستحيل في إطار الحضارة الغربية الانتقال من عقل المعاش إلى عقل المعاد، وذلك بسبب طبيعة الإطار المرجعي الذي تقوم عليه الحضارة الغربية: وهو العلمانية.. بل إن التصور نفسه _تصور عقل المعاد_ غائب تماماً، في الثقافة الغربية.. يقول الأستاذ محمود: "وأما عقل المعاد فهو أيضا القوة الدّراكة فينا، وهو الطبقة التي تقع بين عقل المعاش، والقلب، وهو أيضا خائف، ولكن خوفه ليس عنصريا، ساذجا، وإنما هو خوف موزون بالذكاء الوقاد، الذي يملكه حين يفقده عقل المعاش الشاطر‏.‏‏. عقل المعاد، موزون، رزين، وقور‏.‏‏. وهو أيضا موكل بحفظ الحياة، ولكنه لا يخاف عليها من كل ناعق، كما يفعل عقل المعاش، وذلك لأنه يملك موازين القيم‏.‏‏. فهو قد يستهين بالخطر الماثل، في سبيل الأمن الدائم، وهو قد يضحي باللذة العاجلة، ابتغاء اللذة الباقية.. هو ينشغل بالحياة الأخرى، أكثر مما ينشغل بالحياة الدنيا.. عقل المعاد هو عقل الدين - هو الروح.. نحن لا نفهم الدين بعقل المعاش، وإنما نفهمه بعقل المعاد‏.‏‏. وعقل المعاش يتأثر بعقل المعاد، ويؤثر فيه، قال تعالى في العقلين: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).. الشيطان هنا عقل المعاش، والرحمن عقل المعاد‏.‏‏. والشيطان داخلنا، وخارجنا‏.‏‏. خارجنا هو الروح الشرير الذي لا يأمر بخير، وداخلنا هو عقل المعاش، الذي ينصت للشيطان، ويأتمر بأمره‏.‏‏. وإنما هو داخلنا لأننا خلقنا مـن الطين المحروق بالنار، في حين خلق الشيطان من النار‏( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ)..".. هذا ما قاله الأستاذ محمود، من مخطوطة (ديباجة الدستور).
    عقل المعاش، ليس له نصيب من الدين إلا العقيدة الأولية، التي يقوم عليها العمل.. ثم بالعمل يتم الدخول في عقل المعاد، والترقي في مجالاته، عن طريق التقوى.. فالعقل البشري الخام، مؤوف بآفات لا حصر لها، ولا مجال للتفكير المستقيم، إلا بعد التخلص من هذه الآفات، وتجاوز عقابيلها.. وجميع آفات الفكر، سببها الخوف!! والسبب الأساسي للخوف هو الجهل – الجهل بما عليه الأمر في الحقيقة – والطمع طرف من الخوف.. وكذلك الهوى هو صنو الخوف.. وإنما جاء الإسلام والقرآن ليحارب آفات الفكر.. ومن أجل ذلك قالت الشريعة منذ البداية "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به".. هذه بداية الحياد الفكري، وبسبب غياب الحياد الفكري، فإن معظم ما يعتبره أصحابه فكراً، هو ليس أكثر من رغائب نفوس، عُمِيَ على أصحابها، لذلك هم يرون أسوأ أعمالهم حسنة!! "أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا".. فتحرير الفكر وحده هو الذي يعين على وضوح الرؤية، والتمييز الدقيق بين قيم الأشياء.. وهو الذي يعطي المقدرة على وزن الأفكار، ورؤية الواقع، الرؤية النقدية الدقيقة.
    ومن أكبر آفات الفكر خفة الجولان، والفكر المستقيم هو الفكر الذي يكون على الاستقامة، وهي التي وردت الإشارة إليها بقوله تعالى: "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ".. فالصراط المستقيم هو الوسط بين طرفين، في أحدهما (المغضوب عليهم) وهم (المُفرِطون) في المادية، وفي ثانيهما (الضالين) وهم المفرطون في (الروحانية).. والاستقامة أعز المطالب، لأنها مرتبة الوجود الكامل، الذي لا يتوزعه الوهم بين ماضٍ قد أنقضى، ومستقبل غائب.. فالحضور في اللحظة الحاضرة، والحضور في الصلاة بالذات، هو الرياضة الفعالة، على تحقيق الاستقامة، وعلى ممارسة الحياة العليا، عن طريق تلقيها من الله بالحضور معه.. فالله تعالى ليس في الماضي، ولا هو في المستقبل، وإنما هو في الحاضر.. ولكل عبادة من العبادات وقت تؤدى فيه، وهي لا تصلح في غير وقتها، وهذا ما يجعلها وسيلة فاعلة للتأدب بـ (أدب الوقت).. وهو العيش (في اللحظة الحاضرة).. يقول الأستاذ محمود: "فالاستقامة هي العيش في (اللحظة الحاضرة).. فإن أنت أستطعت أن تعيش في (اللحظة الحاضرة) مشتغلاً بتجويد الواجب المباشر، من غير أن تذهب نفسك أسفاً على الماضي، ولا خوفاً من المستقبل - من غير أن يستخفك النصر، إذا نجحت، أو أن يقتلك اليأس، إذا أخفقت ـ فإنك تكون قد وردت معين الحياة الكاملة، التي منها صدرت، في سحيق الآماد.. وتكون بذلك مستمتعاً بكمال حياة الفكر، وكمال حياة الشعور، في داخل حصن آمن، ليس للشر إليه من سبيل.. هنالك الحياة الآمنة، من جميع الآفات، من المرض، ومن الشيخوخة، ومن الموت.. ذلك موعود الله، وإنما ينال موعود الله بفضل الله، (والله ذو الفضل العظيم)، ثم بفضل الفكر السليم، المستقيم.. والاستقامة أصعب الأمور على العارفين.. ولذلك فقد قال المعصوم: (شيبتني هود وأخواتها) قالوا: يشير بذلك إلى قوله تعالى من سورة هود: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وفي مقام الاستقامة يحصل (التوقف الفكري) و (التوقف الفكري) هو ما يعرف (برفع حجاب الفكر).. وبرفع حجاب الفكر هذا يتم الشهود الذاتي.. والشهود الذاتي هو ما اتفق للنبي الكريم، في المعراج العظيم، بعد أن تخلف جبريل، عند سدرة المنتهى.. وفي هذا المقام - مقام الشهود الذاتي - فرضت صلاة (الصلة).. وقد حكى القرآن عن حالة النبي، في ذلك المقام، فقال: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ، وَمَا طَغَى) قوله: (ما زاغ البصر، وما طغى) إشارة إلى عدم جولان فكر النبي بين الماضي والمستقبل.. فكأنه أشار إلى رفع حجاب الفكر، فقد كان النبي، في هذا المقام، وحدة ذاتية، في وحدة زمانية، في وحدة مكانية - خرج عن الزمان، والمكان، فرأى من لا يحويه الزمان، ولا المكان - رأى ذات الله.. وهو قد قال، عن هذا المقام، يصف وحدة ذاته: (ليلة عرج بي انتسخ بصري في بصيرتي، فرأيت الله).. ثم إن النبي، عند عودته، وعند نزوله إلى مقام سدرة المنتهى، فرضت عليه (الصلاة الشرعية) صلاة (المعراج) وأمر أن يعرج بها، في ليله، ونهاره، يبتغي أن يبعثه الله ذلك المقام الذي بلغه في لحظة (الجمعية الذاتية) في مقام الاستقامة المطلقة، أو تكاد، حيث: (ما زاغ البصر، وما طغى)..".
    التقوى: العلم الوهبي!!
    هنالك علم كسبي، وهو العلم الذي يتعلم عن طريق الأخذ بالشريعة، كما جاء بها الرسل.. جميع الرسل جاءوا بالتوحيد، بشهادة (لا إله إلا الله).. وعملنا في الأخذ بتوجيهات نبينا، عليه الصلاة والسلام، في الترك والعمل، هو عمل (كسبي).. وهو علم نفعه قليل ما لم يصبح يقيناً، بأن يترسخ في النفس.. ولا يقع ترسيخه إلا بالممارسة العملية.. ومن هنا يتضح أن التنظير في المعرفة لا جدوى منه، ما لم يعاش.. فبالممارسة العملية، يجيء العلم (الوهبي)، في مقابل (الكسبي).. وهذا العلم الوهبي هو وحده العلم، وبه تتأثر الأخلاق، فيتم التحصيل الفكري والخلقي، في اتجاه ما يقول المعصوم: "تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم".. والعلم الوهبي هو المعني بقوله تعالى: "وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ".. يعني أعملوا بالشريعة، وهي العلم الكسبي، (ويعلمكم الله) العلم (الوهبي) وهو أيضاً يسمى العلم (اللدني) لأنه من لدن الذات بلا واسطة، وهذا العلم هو ما يشير إليه قوله تعالى عن الخضر: "فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا".. هذا العلم (اللدني) أو (الوهبي) هو العلم الذي به الحياة العليا.. وهو لا يؤخذ إلا عن الله بلا واسطة.. الأنبياء والرسل لا يعلِّمونه، وإنما هم يعلِّمون السبيل إليه.. وفي هذا المعنى يجيء قول المعصوم: "من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم".. وفي حديث آخر قال: "إنما أنا قاسم، والله يعطي.. ومن يرد به الله خيراً يفقهه في الدين".. قوله: "من عمل بما علم" من الحديث الأول، يعني من عمل بالشريعة، في العبادة وفي المعاملة.. "أورثه الله علم ما لم يعلم" يعني علمه الله العلم اللدني وهو: علم (أسرار الألوهية)، وهو معرفة حكمة الله من وراء خلقه.. والعلم بـ (الشريعة) يوجب تجويد (العبادة).. والعلم بـ (أسرار الألوهية) يوجب تجويد (العبودية)، وهي الأدب الواجب على العبد، نحو الرب.. ولقد سبق أن تحدثنا عن العبودية، وبينا كيف أنها السبيل للتخلق بأخلاق الله، وتحقيق الحياة العليا، فليراجع في موضعه.. المهم أن نؤكد هنا، أن العلم والعمل لا ينفصلان، وأي علم لا يقوم على عمل، لا قيمة له، وهذا هو معنى (التقوى).. فالتقوى هي علم وعمل بمقتضى العلم.


    7/ نوفمبر۱9م






















                  
|Articles |News |مقالات |بيانات


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de