التأميم والمصادرة: قرارات زلزلت الاقتصاد السوداني بقلم د. عبدالله محمد سليمان-المقالة السادسة

ثوار امريكا اللذين تنكروا للشهداء وللثورة
شهداء الثورة السودانية من ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ يوم انقلاب البرهان
دعوة للفنانين ، التشكليين و مبدعي الفوتوشوب لنشر جدارياتهم هنا
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-18-2022, 08:41 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-15-2016, 06:24 AM

عبدالله محمد سليمان
<aعبدالله محمد سليمان
تاريخ التسجيل: 01-13-2014
مجموع المشاركات: 28

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
التأميم والمصادرة: قرارات زلزلت الاقتصاد السوداني بقلم د. عبدالله محمد سليمان-المقالة السادسة

    07:24 AM May, 15 2016

    سودانيز اون لاين
    عبدالله محمد سليمان-
    مكتبتى
    رابط مختصر




    التشريع والترتيبات القانونية للتأميم والمصادرة (الجزء الأول)
    كُلُمَا اقْتَرَبَت القَوَانِين مِنْ الوَاقِع أصْبَحَتْ غَيْر ثَابِتةٍ، وَكُلُمَا اقْتَرَبَت مِنْ الثَبَاتِ أصْبَحَت غَيْر وَاقِعِية. ألبرت أينشتاين
    تمهيد:
    المزاوجة بين القوانين والواقع بهدف ضمان العدالة يعتبر من الأمور الصعبة العصية، لاسيما حينما يسود التعجل ويعم الاضطراب والغفلة، ويتضاءل أو يختفي دور المؤسسات التشريعية والعدلية المتخصصة، ويمارس الحاكم سلطة التشريع نيابة عنها. وكعادة الأنظمة العسكرية، حين وقع انقلاب 25 مايو 1969م تم حل جميع الأجهزة التشريعية والاحزاب والكيانات السياسية وتعطيل الصحف والسيطرة على وسائل الإعلام وغيرها من الأجهزة والمؤسسات الرسمية. وتولى مجلس قيادة الثورة السلطة التشريعية وأصبح بحكم "الشرعية الثورية" هو الجهة المنوط بها التصديق على إصدار وإجازة القوانين والتشريعات سواءً التي تصدر منه مباشرة أو تلك التي تقدم وتصدر بالتضامن مع مجلس الوزراء. ولابد ونحن بإزاء التعرض لقرارات التأميم والمصادرة من إلقاء بعض الضوء على الترتيبات القانونية التي قامت بها سلطة مايو لتتخذ في إطارها تلك القرارات الخطيرة وتضفي عليها الشرعية. وأول ما تجدر الإشارة له هنا هو القرار الجمهوري رقم (4) الذي نص على عقوبة الإعدام والاستيلاء على الممتلكات ومصادرة الأموال على كل مخرب وفاسد ومرتش وجاسوس وخائن تثبت إدانته، وذلك بحسب ما جاء بصحيفة الصحافة بالعدد رقم 2215 بتاريخ 19/5/1970م. وبديهي في تلك الأجواء المشحونة بالاندفاع والتهور والتي أسهم في خلقها القرار الجمهوري المشار إليه، أن تأتي التشريعات والترتيبات القانونية التي اعتمدتها سلطة مايو، مجافية في عدد من جوانبها وموادها لروح العدالة والحق والإنصاف، لأولئك الذين وقع عليهم كثير من الحيف والظلم جراء قرارات التأميم والمصادرة.
    استلهمت مايو من التجربة المصرية، بصورة رئيسية، روح النظم والترتيبات القانونية التي أقدمت على إعدادها في تلك الفترة، واستعانت بالخبراء المصريين في الجانب القانوني وفي الترتيبات الإدارية للأجهزة التي ابتدعتها لتنفيذ قراراتها. فقد تم نقل التجربة المصرية لإنشاء الجهاز المركزي للرقابة العامة، وساهم في وضع أساس الجهاز الخبير المصري مصطفى العزوني. كما تمت الاستعانة بالخبراء والمستشارين المصريين وغيرهم في مواقع أخرى. وقام بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة والمسئولين الذين انتدبهم المجلس من الأجهزة والمؤسسات الحكومية للإشراف على تلك الترتيبات، بزيارات لمصر وبعض الدول الاشتراكية للوقوف على تجاربها والاستفادة منها. وغني عن القول أن سلطة مايو في بدايتها استفادت من خبرات القانوني الكبير السيد بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء آنذاك، وهو رئيس سابق للبرلمان السوداني ورئيس سابق أيضا للقضاء، وله بلا شك خبراته القانونية والتشريعية التي رفدت جهود سلطة مايو لتأسيس نظمها وتشريعاتها في تلك المرحلة من تاريخ السودان. هذا إضافة للعديد من رجال القانون الذين تحلقوا حول مايو معها في مواقع مختلفة سواء في مجلس الوزراء أو خارجه ومن أبرزهم السيد أحمد سليمان المحامي, وربما آخرين في ساحة القضاء والمحاماة وفي الجامعات وغيرها.
    كتوطئة لملامح الإطار القانوني والترتيبات التشريعية لقرارات التأميم والمصادرة، تجدر الإشارة لمشروعية تلك القرارات في القانون الدولي باعتبار التأميم على وجه الخصوص ،كأسلوب لنزع الملكية، يعتبر ظاهرة أممية اقتصادية وسياسية واجتماعية أخذت بها كثير من الدول خلال العقود الأولى والوسطي من القرن الماضي. وقد ألمحنا لذلك في الفصل الأول الخاص بالإطار النظري، ولموجة الانقلابات العسكرية في أعقاب حركات التحرر الوطني ضد المستعمر الأجنبي. ومع انتشار وتزايد الظاهرة اكتسب التأميم "الشرعية الوطنية" كأسلوب تستعاد عن طريقه موارد الشعوب لمصلحة ملاكها الحقيقيين، لاسيما وأن الشركات الأجنبية في كثير من بلدان العالم الثالث التي نالت استقلالها في تلك الفترة كانت تعمل بشكل واضح وملحوظ لمصلحة القوى الاستعمارية، وتستنزف ثروات الشعوب المستعمرة ومقدراتها دون أن تستفيد منها تلك الشعوب. ولعل فيما ألمحنا إليه أعلاه من تجارب حتى في أوربا نفسها ما يفيد ويؤكد أن نزع الملكية بالتأميم قد استخدم لمصلحة الشعوب والمجتمع كما حدث في فرنسا وبريطانيا وغيرها وكذلك في الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية. ولقد ضَمّنت المكسيك التي بدأت منها شرارة التأميم في العام 1917م في دستورها المادة (17) التي تنص على " أحقية سلطات الدولة العليا في التأميم مقابل تعويض مناسب". وقد أكد النموذج السوفيتي على أحقية الدولة في التأميم وإن كان المنطلق في هذه الحالة إيديولوجي ماركسي. ولقد أقر القانون الدولي أن للدول حق التأميم ولكنه اشترط لممارسته أن يتم اتخاذ قراراته وفقا إجراءات قانونية سليمة ودون تمييز ضد الأجانب. وقد أكد قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة بشأن التأميم السيادة الدائمة للشعوب والأمم والمحافظة على ثرواتها ومصادرها الطبيعية، ذلك ان نظرية " سيادة الدولة على مواردها الاقتصادية هي من أهم النظريات المتفق عليها في القانون الدولي والتي تجيز للدولة ممارسة إجراءات التأميم أو نزع الملكية أو المصادرة. ولقد نصت الفقرة الرابعة من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 المتخذ في 14 /12/ 1962م على التالي( يتوجب استناد التأميم أو نزع الملكية أو المصادرة إلى أسس وأسباب المنفعة العامة أو الأمن أو المصلحة القومية مسلم بأرجحيتها على المصالح الفردية أو الخاصة البحتة ، المحلية والأجنبية على السواء ويدفع للمالك في مثل هذه الحالات التعويض الملائم وفقا للقواعد السارية في الدولة التي تتخذ تلك التدابير ممارسة منها لسيادتها وفقا للقانون الدولي. ويراعى ، حال نشوء أي نزاع حول مسألة التعويض استنفاد الطرق القضائية القومية للدولة التي تتخذ التدابير. ويراعى مع ذلك ، إذا اتفق على ذلك بين الدول ذات السيادة والأطراف المعنيين الآخرين تسوية النزاع بطريق التحكيم أو القضاء الدولي)" محمد عبدالله البشري- الأسس القانونية لمصادرة أملاك المستثمر الأجنبي- الراكوبة – 5/12/ 2013م.
    منظومة التشريعات المايوية للتأميم والمصادرة:
    لم تكن سلطة مايو بدعا من الأنظمة التي جاءت نتيجة للانقلابات العسكرية التي منحت نفسها الشرعية الثورية للحديث باسم الشعب ، وتولت تأسيسا على ذلك مسئولية التشريع وإصدار القوانين لاتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المؤثرة وعميقة الأثر ، فقد سبقتها في هذا المضمار دول أخرى كما أوضحنا. وكثير من تلك النظم بحثت لنفسها، إضافة للشرعية الثورية، عن أطر تشريعية تجاوزت بها التشريعات التي سادت قبل وصولها للسلطة. وقد تطلبت القرارات التي أقدمت عليها سلطة مايو أن يقوم مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء بعمل الترتيبات التشريعية والقانونية اللازمة التي تمنح السلطة المبررات القانونية لتنفيذ إجراءات نزع الملكية بالتأميم والمصادرة وغيرها من ترتيبات وأطر نظامية مثل أجهزة وقوانين الرقابة العامة والحراسة العامة لإحكام سيطرتها على النشاط الاقتصادي. واشتملت منظومة التشريعات التي أصدرتها سلطة مايو على عدد من القوانين نستعرض أهمها في الجزئين الأول والثاني من هذه المقالة.
    قانون الجهاز المركزي للرقابة العامة لسنة 1970م ( قانون رقم 2 لسنة 1970 ):
    في الستة أشهر الأولى من عمر سلطة مايو عمدت لإنشاء جهاز عام للرقابة بمسمي "الجهاز المركزي للرقابة العامة". وصدر القانون الخاص بهذا الجهاز إعمالا للأمر الجمهوري رقم (1) وتم التوقيع عليه من مجلس قيادة الثورة في 5 يناير 1970م. وتم تعيين عضو مجلس قيادة الثورة الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر رقيبا عاما وتعيين محمد عبد الحليم محجوب نائبا له. ويمكن تلخيص السمات العامة لهذا القانون الذي اشتمل على ثلاثة فصول ورد في الأول منها ما يلي:
    1. تكوين الجهاز واختصاصاته:
    فقد نصت المادة الأولى على اسم القانون والجهاز ونصت المادة الثانية على أنه (من أجل إحكام الرقابة على أداة الحكم وصيانة الأموال العامة والارتقاء المستمر بمستوى الكفاية الانتاجية ينشأ جهاز مستقل للرقابة العامة يسمي " الجهاز المركزي للرقابة العامة" ويتبع مجلس الثورة ويشار إليه في هذا القانون بكلمة " الجهاز)
    2. وحددت المادة (3) شروط عضوية الجهاز والمادة (4) تكوين الجهاز من رقيب عام ونائب وموظفين والمادة (5) حلف أعضاء الجهاز اليمين لأداء أعمالهم.
    3. وحددت المادة (6) اختصاصات الجهاز كما يلي:
    الفقرة (1):
    أ‌. البحث والتحري اللازمين للكشف عن أسباب القصور في العمل والانتاج ويشمل ذلك متابعة تنفيذ القوانين بما في ذلك اللوائح والقواعد والأوامر وغيرها من النظم والإجراءات الإدارية والمالية والفنية والكشف عن قصورها والتقدم بدراسات ومقترحات لإصلاحها وتعديلها بما يحقق سير الأجهزة العامة بانتظام والارتقاء بمستوى الكفاية الانتاجية لتلك الأجهزة.
    ب‌. إجراء التحري والتحقيق اللازمين للكشف عن المخالفات الإدارية والمالية التي تقع من المستخدمين، ويشمل ذلك الإهمال في أداء الواجبات الوظيفية وإساءة استعمال السلطة واستغلال النفوذ فإذا أسفرت التحريات عن مخالفات تستوجب المحاكمة التأديبية أحيلت الأوراق بإذن من الرقيب العام أو نائبه إلى السلطة المختصة لاتخاذ الإجراءات التأديبية اللازمة ، وعلى السلطة المختصة إفادة الجهاز بما انتهت إليه المحاكمة التأديبية في أقرب فرصة ممكنة.
    وأعطت الفقرة(2) من المادة (6) من القانون للجهاز الحق في إجراء التحريات للكشف عن ”الجرائم الجنائية" التي يرتكبها المستخدمون أثناء او بسبب مباشرتهم لواجبات وظائفهم. وهو أمر غريب لأن الجرائم الجنائية ذات طبيعة مختلفة عن الجرائم المالية والإدارية .وإن تم التقديم لهذه المادة بعبارة ( مع عدم الإخلال بحق البوليس في الرقابة والتحري). ووسعت الفقرة (3) من المادة السادسة من القانون اختصاصات الجهاز لتشمل إضافة لما تقدم أي عمل آخر يعهد به إليه مجلس الثورة أو رئيس الوزراء.
    4. وفيما يتصل بمباشرة الجهاز لمهامه حددت الفقرة (1) من المادة (7) الجهات التي تقع تحت مسئوليته والتي يباشر عليها اختصاصاته وتشمل:
    (أ‌) جميع أجهزة الحكومة المركزية والحكومة المحلية .
    (ب‌) الهيئات العامة والمؤسسات العامة والشركات والمصانع والمنشآت التابعة لها والجمعيات التعاونية العامة والنقابات.
    (ج) جميع الجهات التي تسهم الدولة فيها باي وجه من الوجوه
    (د) أشخاص القطاع الخاص الذين يباشرون أعمالا للدولة أو يقومون بأعمال مصرفية أو يعملون بالصحافة.
    وفي الفقرة (2) من نفس هذه المادة وضح القانون كيفية مباشرة الجهاز لاختصاصاته إما من تلقاء نفسه أو بناءً على شكوى مكتوبة يقدمها إليه أي شخص أو بناء على ما تنشر الصحف من شكاوى وتحقيقات أو مقترحات. وفي الفقرة (3) من المادة (7) نص القانون على أن للجهاز أن يستعين برجال الشرطة وغيرهم من ذوي الخبرة في اداء مهامه.
    5. وحددت الفقرة (8) سلطات الجهاز وخولته استدعاء من يرى لسماع أقوالهم، وجَوّزت له أن يأمر بإلقاء القبض على كل من يمتنع عن تنفيذ طلب الاستدعاء. وكذلك أن يطلب أو يطلع أو يحتفظ بأية ملفات أو بيانات أو وثائق أو يحصل على صور منها حتى وإن كانت سرية. كما أعطت للجهاز وموظفيه حق تفتيش منازل المستخدمين المنسوبة إليهم المخالفة المالية أو الإدارية أو التهمة الجنائية بعد الحصول على إذن الرقيب العام وليس الجهات القضائية.
    6. في بقية مواد القانون تم تحديد اختصاصات وسلطات الرقيب العام وحقه في تفويض سلطاته لنائبه وفي الفصل الثاني من القانون وردت النصوص المنظمة لميزانية الجهاز ويلاحظ أن القانون نص على أن تدرج ميزانية الجهاز ضمن ميزانية مجلس الثورة كم نص القانون على مصروفات الجهاز وجواز إجرائه المناقصات والمزايدات وأناط القانون بالمراجع العام مسئولية مراجعة حسابات الجهاز.
    7. في الفصل الثالث من القانون وردت أحكام عامة حول المخالفات الإدارية للذين يمتنعون عن التعاون مع الجهاز في أداء مهامه. ونصت المادة (16) على أنه ( في حالة تعارض أحكام هذا القانون مع أي قانون آخر تطبق أحكام هذا القانون) كما نصت المادة (18) على اللائحة اللازمة لتنفيذ أحكام القانون والتي يصدرها مجلس الثورة بالتشاور مع الرقيب العام.
    هنالك العديد من الملاحظات حول هذا القانون الذي ابتدرت به سلطة مايو منظومة تشريعاتها ذات العلاقة بقرارات التأميم والمصادرة ، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
    (أ‌) هذا القانون تعبير عن وتكريس للنهج الثوري الجانح للملاحقة والتعقب، الذي بدأ به العهد المايوي في أيامه الأولى التعامل مع كل المؤسسات والأجهزة والوحدات والمصارف ومنشآت الأعمال والشركات وغيرها، إذ تميزت نظرته للأمور بكثير من الريبة وعدم الثقة، فكأن رؤية نظام مايو للفساد السياسي والحزبي الذي مارسته نظم الحكم التي سبقته والتي انقلب عليها وعبر عنها في بيانه الأول، تمددت تلك الرؤية لتشمل كل أجهزة ومؤسسات الدولة والخدمة المدنية ومنشآت الأعمال ومؤسساته ورجاله في القطاعين العام والخاص. وتتجلى هذه الرؤية في مبادرة النظام في الأشهر الأولى من عمره لإصدار هذا القانون وإنشاء جهاز للرقابة العامة. لقد ظن نظام مايو في تلك الظروف الملبدة بغيوم الشك والريبة في نزاهة ووطنية كل من حوله من موظفي الخدمة المدنية ورجال الأعمال وأصحاب المنشآت والشركات وبما فيهم المواطنين السودانيين، أنه بحاجة لجهاز تتمركز فيه كل مهام الرقابة المالية والإدارية بل والجنائية لترجمة تلك الرؤية المتعسفة على أرض الواقع وتنفيذها.
    (ب‌) أول ما يلاحظ في قانون الجهاز هو الصلاحيات الواسعة التي منحت له ، وهي في حقيقتها تجريد وسلب لجميع الأجهزة الحكومية ومؤسساتها ومنشآت الأعمال وأجهزة الحكم المحلي ووحداته في جميع أنحاء البلاد من مهمتها ووظيفتها "الرقابية " والتي هي جزء أصيل من واجبات الإدارة على مختلف المستويات.
    (ج) يضاف لهذا اتساع نطاق أعمال الجهاز الرقابية التي لم تقتصر على وحدات الحكومة المركزية وأجهزة ووحدات الحكم المحلي وحدها، وإنما أمتد ذلك النطاق الرقابي ليشمل جميع الجهات التي تسهم الدولة فيها باي وجه من الوجوه وأشخاص القطاع الخاص الذين يباشرون أعمالا للدولة أو يقومون بأعمال مصرفية أو يعملون بالصحافة. ومن غير المعقول أو الممكن أن يتولى جهاز واحد المسئوليات الرقابية في هذا النطاق الواسع مهما أوتي من قدرات ومهما توفر له من إمكانيات وكوادر بشرية مؤهلة. والحقيقة هي أن الظروف في تلك الفترة لم تكن تسمح أصلا بتوفير الكوادر المؤهلة والإمكانيات الفنية والمهنية بل والمادية ليطلع الجهاز بكل تلك المسئوليات وفي ذلك النطاق الرقابي الواسع.
    (د) يلاحظ أن القانون منح الجهاز لممارسة مهامه الرقابية قدرا كبيرا من السلطات التي زاحم بها الأجهزة التقليدية التي تتولي التحقيق والرقابة مثل الشرطة وديوان المراجع العام والأجهزة الرقابية في الوزارات والمؤسسات. ومنح القانون الجهاز سلطة استخدام القوة والأمر باستدعاء الأشخاص وإلقاء القبض عليهم وحبسهم واعتقالهم في بعض الحالات، مما جعل كثير من تلك الأجهزة والمنشآت والوحدات في القطاعين العام والخاص تتوجس من التعامل مع جهاز يلبس لبوس المؤسسة الشرطية أو الأمنية ولا يتزيا بما ينبغي أن يكون عليه كجهاز " مدني" للرقابة الإدارية والمالية.
    (هـ) المشرع حصن الجهاز وموظفيه من نتائج أي معاملة أو تصرف مهما كان ، وأعطى أحكام قانون الرقابة أولوية وأكد على الأخذ بها في حال تعارضها مع أي قوانين أخرى وجعل ميزانية الجهاز جزءً من ميزانية مجلس قيادة الثورة. وبكل هذه المزايا أصبح للجهاز المركزي للرقابة العامة سلطة وسطوة لا يضاهيه فيها أي جهاز من أجهزة الدولة التنفيذية والقضائية وربما الأمنية.
    (و) اختار مجلس قيادة الثورة لمهمة الرقيب العام عضو المجلس الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر وكان يومها شابا متحمسا وافر النشاط. وبالرغم مما أبداه الرائد زين العابدين من حماس للقيام بتلك الأعباء الجسيمة وبالرغم مما عرف عنه من طيب المعشر وحسن الخلق وحب الوطن والتفاني في أداء مهامه، إلا أنه كانت تنقصه الخبرات الإدارية والمهنية والتجربة العملية التي تمكنه من إدارة جهاز بتلك المسئوليات والمهام. كما كانت تنقصه القدرات والخبرات المهنية في الكادر العامل معه التي تعينه وتحصنه ، بوصفه المسئول الأول ، من أن ينساق وراء الاتهامات الفطيرة والدعاوى التي لا يقوم عليها دليل ضد المنشآت التي جرت مصادرتها لاحقا.
    لقد تم تعديل قانون الجهاز المركزي للرقابة العامة بالقانون رقم (25) لسنة 1970م والذي تم التوقيع عليه في 13/4/1970م أي بعد ثلاثة أشهر فقط من صدور القانون الأول، مما يدل على العجلة التي اتخذ بها هذا القانون وتأثير الجو العام الذي ساد عند إصداره ، بالرغم من أن تلك التعديلات لم تغير في جوهر صلاحيات الجهاز واختصاصاته.
    إن فكرة إنشاء جهاز للرقابة العامة جاءت من عضو مجلس قيادة ثورة مايو الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر نفسه بحسب ما جاء في مذكراته حيث يقول: (في أوائل العام 1970م طرحت في مجلس قيادة الثورة فكرة إنشاء مؤسسة لتأهيل وتطوير الخدمة المدنية . وكان في تقديرنا أن الخدمة المدنية السودانية التي كانت مضرب الأمثال في الكفاءة والانضباط عند جلاء المستعمر قد أصابها الوهن بسبب الصراعات الحزبية وبسبب حركة التطهير العشوائية التي أعقبت ثورة أكتوبر 1964م ولابد من إعادة الروح إليها وإقالة عثرتها ، نوقشت الفكرة في مجلس الثورة وفي مجلس الوزراء وعرضت على المستشارين لدراستها في إطار منظور ثورة مايو للعمل وقيمته .... أوكل لي موضوع إنشاء جهاز تطوير الخدمة المدنية وبدأت اتصالاتي بمن أعرفهم من المتخصصين في هذا المجال وكان أول من استشرتهم المرحوم علي المك وأحمد الطيب السني وكانا من ديوان شئون الخدمة. والنعمان حسن أحمد خوجلي وكان مفتشا بوزارة الخارجية ( يقصد وزارة التجارة) ويمضي الرائد زين العابدين للقول (اجتمعنا نحن الأربعة مع محمد عبد الحليم محجوب وناقشنا المهمة الموكلة إلينا وتوصلنا إلى تسمية المؤسسة التي نقوم بتأسيسها " الجهاز المركزي للرقابة الإدارية") ثم يذكر أن ممن انضموا إليهم من الموظفين كانوا السادة محمد أحمد حمد ، وكمال زكريا وأسامة الصلحي وكمال شمينا ، وميرغني نقد وبابكر أحمد عبد الله وعبد الله العبودي وآخرون ويقول جميعهم جامعيون مشهود لهم بالكفاءة وذوو تخصصات متنوعة. زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر – مايو: سنوات الخصب والجفاف صفحة 101- 102.
    ولقد أشار الرقيب العام الرائد زين العابدين للمخاوف والجو العام الذي خلقه إنشاء الجهاز وإجازة قانونه، في خطابه الذي ألقاه في الحفل المقام للسادة رؤساء الوحدات الحكومية ، بمناسبة إجازة قانون الجهاز المركزي للرقابة العامة ، وذلك في صباح يوم 20 يناير 1970م. ووصف بعض من أثاروا تلك المخاوف بقوله ( والجماهير فرحة بالجهاز مهللة له ، بدأ همس أطلقه الذين أقض مضاجعهم قيام جهاز يضع السلطة في يد صاحب السلطة، همس بأن الجهاز أداة من أدوات القهر والتسلط...أداة إرهاب وتأديب ... ودعوني أؤكد لكم منذ الوهلة الأولى، أنه كذلك، ولكن للمفسدين والمرتشين الذين يعيشون عالة على عرق الجماهير وقطاعات الشعب الأبي. لغير القادرين وغير المؤهلين من أبنائنا، أما للجماهير العريضة ، أما للمخلصين من أبنائها .. فهو كما يصوره القانون الذي بين أيديكم ترسمها الفرحة التي سيحققها بإنجازاته) الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر – مايو: سنوات الخصب والجفاف – صفحة 223. ولسوف نرى في القادم من صفحات هذا الكتاب ما كان من أمر هذا الجهاز الذي بادرت سلطة مايو بإنشائه.
    قانون الاستيلاء ( قانون رقم 20 لسنة 1970 ):
    صدر هذا القانون إعمالا للأمر الجمهوري رقم (1) وقد أصدره مجلس الوزراء وتم التوقيع عليه من مجلس قيادة الثورة في 22/3/1970م.وقد نص القانون على التالي في المادة (2):
    1. يجوز لمجلس قيادة الثورة أو لمجلس الوزراء أن يصدر أمرا بالاستيلاء على أي شركة أو محل تجاري أو مصنع أو أية مؤسسة أخرى ( يشار إلى ذلك فيما بعد بكلمة "مؤسسة" يرى أن حماية اقتصاديات السودان أو المصلحة العامة تستوجب ذلك. وينفذ الأمر فور صدوره.
    2. تؤول إلى الدولة ملكية المؤسسة التي صدر بشأنها أمر الاستيلاء وتنتقل إليها جميع ما لتلك المؤسسة من أموال وما عليها من التزامات.
    وفي المادة (3):
    1. يكون لمن استولت الدولة على مؤسسته وفقا لأحكام المادة 2 من هذا القانون الحق في تعويض يحدد مقداره وطريقة دفعه مجلس الوزراء أو من يفوضه في ذلك.
    2. يستقطع من مقدار التعويض ما يكون مستحقا على المؤسسة من ديون أو التزامات أخرى سواء اكانت عادية أم مضمونة برهن أو امتياز.
    وتمضي مواد قانون الاستيلاء بعد ذلك في المادة الرابعة لتحديد التزامات الدائنين والمدينين لتقديم البيانات ذات العلاقة بمديونياتهم للمؤسسة أو ديونهم عليه وحددت المادة مدة تقديم تلك البيانات بشهر، والجهة التي تقدم لها وهي وزير الخزانة. كما حددت مواصفات تلك البيانات ومحتوياتها. ونص قانون الاستيلاء في الفقرة (3) من المادة الرابعة صراحة على حق الدولة في الاستيلاء على تلك الأموال بموجب البيانات المقدمة. كما أعطى الحق في المادة (5) لأي موظف عام مكلف بتنفيذ أمر الاستيلاء أن يستعمل القوة الضرورية اللازمة لتنفيذ ذلك الأمر. على أن المادة (7) من القانون نصت صراحة على منع سماع الدعاوى حول قرارات الاستيلاء بالتالي: لا يجوز لأية هيئة قضائية أن تسمع أو تعقب على أية منازعة تتعلق بما يأتي:
    (أ‌) أي أمر صادر بالاستيلاء على أية مؤسسة.
    (ب‌) أي قرار بتحديد مقدار التعويض وطريقة دفعه.
    (ج) أية أموال أو حقوق تتعلق بتلك المؤسسة.
    (د‌) أي تصرف صدر من أي موظف عام تنفيذا لأحكام هذا القانون أو أية نتائج تترتب على ذلك التصرف.
    كما منح المشرع الأحقية لتطبيق أحكام قانون الاستيلاء في حال تعارضها مع أحكام أي قانون آخر. وجوز القانون لمجلس الوزراء إصدار اللائحة اللازمة لتنفيذ احكامه على أن تتضمن اللائحة إجراءات الاستيلاء، وأسس تقدير التعويض وطريقة دفعه وطريقة إدارة المؤسسة موضوع الاستيلاء.
    في رأينا أن قانون الاستيلاء الذي أقرته سلطة مايو في بداية عهدها شكل القاعدة الأساسية التي انطلقت منها قرارات نزع الملكية من خلال التأميم والمصادرة وغيرها من الاجراءات. فمن القراءة المتأنية لهذا القانون تتضح عدة أمور منها:
    1. مسمي القانون نفسه واستخدامه للفظة "الاستيلاء" بكل ما تعنيه من دلالات القوة والسطوة التي تعطي سلطة مايو حق نزع بل "انتزاع" الملكية. وفي الجو العام الذي سبق وصاحب قرارات التأميم والمصادرة يمكن أن نتفهم جنوح سلطة مايو لاستخدام هذا المصطلح لتسمية أول قانون تصدره في سلسلة تشريعاتها لقرارات نزع الملكية، ذلك الجو الملبد بغيوم الشك وروح التسلط والرغبة في التعقب والمعاقبة. ولقد ألمحنا لبعض ذلك السلوك من النظام حين استعرضنا المقدمات والإرهاصات التي سبقت قرارات التأميم والمصادرة في 25 مايو 1970م.
    2. اتساع نطاق المؤسسات التي عناها القانون بالاستيلاء حين عددها لتشمل الشركات والمحال التجارية والمصانع وأية مؤسسة أخرى من اي نوع وفي أي قطاع. هذا الاتساع والشمول في المنشآت التي عناها القانون لم تصحبه أية معايير معقولة تستند إليها عملية الاستيلاء على سبيل المثال : نوع وحجم نشاط تلك المنشآت أو رأسمالها أو أهميتها الاقتصادية كمنشأة استراتيجية مؤثرة أو أهمية نشاطها إلخ ، ولهذا لم يكن غريبا في ضوء هذا القانون أن تشمل قرارات نزع الملكية بالمصادرة المطاعم والمحلات التجارية والمصانع والمنشآت التجارية الصغيرة وممتلكات الأفراد العقارية ودور السينما وغيرها.
    3. أعطى القانون للموظفين العامين حق استعمال القوة لتنفيذ قرارات الاستيلاء في كل الأحوال ، وسلب الهيئات القضائية حقها في سماع دعاوى الخصوم والمعترضين على قرارات الاستيلاء على ممتلكاتهم.
    4. نص القانون على حماية الموظفين الذين يناط بهم تنفيذ قرارات الاستيلاء ولم يقتصر ذلك على تصرفاتهم وإنما كذلك أي نتائج تترتب على تلك التصرفات مهما كانت.
    5. جوّز قانون الاستيلاء لمجلس الوزراء إصدار اللائحة التي تفصل ليس فقط طريقة تنفيذ وإجراءات الاستيلاء، وإنما أسس تقدير التعويض وطريقة دفعه. وليس إزاء هذا للمستولى على أمواله إلا أن يقبل ما يتقرر من تعويض بموجب أحكام اللائحة لأنه لن يجد أي جهة تستمع لشكواه فالمادة السابعة من القانون نصت على أن ذلك لا يجوز لأي هيئة قضائية.
    وسوف نستكمل في الجزء الثاني من هذه المقالة ما تبقى من التشريعات والقوانين ذات العلاقة بقرارات التأميم والمصادرة.





    أحدث المقالات
  • الحركة الشعبية شمال .... انتباه بقلم ابوعبيدة الطيب ابراهيم
  • عليكم الله خلونا من ندين و نشجب بقلم عبد الباقي شحتو علي ازرق
  • هيبان: فى مؤخرة رأسه ألمفعوص ألمرائى !! شعر نعيم حافظ
  • «الأردوغانية».. «رفاق الدرب» على مذبح «الزعيم الأوحد»! بقلم فؤاد محجوب
  • مذبحة هيبان افاقت الضمير السودانى ولكن.. بقلم أمين زكريا- قوقادى
  • معسكر «الله كريم»..!! بقلم عبد الباقى الظافر
  • نتحداك يا شيخنا !! بقلم صلاح الدين عووضة
  • ماذا تريد إسرائيل منا ،، وماذا يريد السودان منها .. للأذكياء فقط ..بقلم جمال السراج
  • طواغيت بنقلاديش والحملة على الدعاة بقلم الطيب مصطفى
  • الشيوعى مابيصلى .... والاسلامى ((منقطه)) ... بقلم راشد عبد القادر
  • من جنّد قاسم أمين والشفيع للحزب الشيوعي؟ بقلم عبد الله علي إبراهيم
  • شكر مستحق ورسالة مفتوحة بقلم نور الدين مدني























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>

تعليقات قراء سودانيزاونلاين دوت كم على هذا الموضوع:
at FaceBook




احدث عناوين سودانيز اون لاين الان
اراء حرة و مقالات
Latest Posts in English Forum
Articles and Views
اخر المواضيع فى المنبر العام
News and Press Releases
اخبار و بيانات



فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to [email protected]

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de