|
|
الفراهيدي أكثر الناس علماً.. وأشدهم فقراً //د نجم عبد الكريم
|
هناك من يرى أن الخليل بن أحمد هو الرائد الأول في صناعة الموسوعات العلمية، حيث تعتبر موسوعته (العين) مَعلماً هاماً من معالم علوم اللغة، لم يسبقه إليه أحد منذ ما يزيد عن الألف وثلاثمئة سنة.
*** في موضوعنا عنه نقدم لقراء إيلاف لمحةً موجزة عن الخليل بن أحمد و (العين) في سياق التعريف بالتراث الإنساني الذي سنقدم المزيد منه في المستقبل، كما أرجو من السادة قراء (إيلاف) أن يوافونا بما لديهم من مقترحاتٍ تتعلق بمثل هذه الموضوعات أو برغباتهم في نشر الموضوعات التي يحبذونها.
• الموسوعة الأولى.. وكتب أخرى: يعتبر كتاب (العين) أول معجمٍ لغوي تم تأليفه في العصر الإسلامي العربي مـن قبل واحدٍ من ألمع و أعلم علماء عصره وهو: (الخليل بن أحمد). وكان الخليل قد دون قبل هذا الكتاب الكثير من الكتب التي ضاع بعضها وسلم بعضها الآخر، وقد وقعت بين أيدينا مجموعةٌ من نسخ تلك الكتب المدونة على لسان تلامذته أو زملائه أو التي ألفها بنفسه ولا زالـت موجودةً في المؤسسات العلمية الثقافية المختلفة في عددٍ من بلدان العالم. ومن بين هذه الكتب، كتاب (الإيقاع) و كتاب(تصريف الفعل) و توجد منه قطعة في مكتبة (بودليانا) و كتاب (التفاحــة في النحـو) وكتاب (جملة آلات العرب) ومنه نسخةٌ بمكتبة (أياصوفيا) وكتاب (الشـواهد) وكتاب (العـروض) وكتاب (فائق العين) وكتاب (في العوامل) وكتـاب (النغـم) و كتاب (النقط والشكل) ومعظم هذه الكتب قد ذكرها كلٌ من ابن النديم وابن خلّكان، وكتاب (في معنى الحروف) وتوجد نسخةٌ منه في مكتبة لندن، و أخيراً كتاب (العين). كان الخليل يبذل محاولاتٍ مضنية لجمع الكلمات التي لها وقعٌ حسيٌ أو معنوي، فبهذا الجمع عني الخليل بتدوين كل ما يتصل بالزرع - مثلاً- أو النبات أو بالسيف أو بالمطر إلى آخره… ثم يصنف هذه الميادين و يوزّع تلك التجميعات بين القوة والضعف أو الخور وبين الشـباب والهرم ويميزها من المواضيع المعنوية. وخلال تصنيفات المعجم الذي يبدأ بحرف العين، أخذ الخليل يستدرك اشتقاقات الكلمات بعد أن يضع مصدرها الثلاثي و ربما الرباعي، ثم يسندها بالأبيات الشعرية لعددٍ من الشعراء … والتغييرات التي تطرأ على كل كلمة من كلمات المعجم المشتقة من الكلمة الأصل أو الكلمـة الأولى، ويستشهد في أحيانٍ كثيرةٍ في سياق المحاججة بأحاديث نبويةٍ وآياتٍ من القرآن الكريم للتدليل على ما ذهبت إليه العرب في نطقها العربيّ، ويلاحظ أنه توسع في الاستشهادات الشعرية إلى شعراء لا تروي العرب أشعارهم كما يقـول الأصمعي مثل: (أبو داود) و(عدي بن زيد)، و أخذ أبياتاً من شعراء لا يعتبرهم العرب من طبقة الشعراء الفصحاء: مثل (كميت).
• لقد تعرض الخليل بن أحمد إلى هجومٍ مكثفٍ ممن حاولوا أن يشككوا في كتابه (العين) وأن يحيلوا بينه وبين صفة الريادة، و أخذ بعضهم يوجه له تـهمة الانتحال غير أن تلك المحـاولات باءت بالفشل، في حين انبرى البعض الآخـر لإنصـاف الخليـل والرد علـى مُتّهميـه، نــذكر منـهم (ابن دريد محمد بن الحسـن) الذي ألف كتاب - التوسط - و(ابن نفطويه) الـذي ألف كتاب - الرد على المفضل فيما أخذه على الخليل - و (ابن درسقويه عبد الله بـن جعـفر) فـي كتـاب - الرد على المفضل في الرد على الخليل - وغيرهم. وقد فتح الخليل الباب على مصراعيه أمام من حاولوا كتابة معاجم لغوية، فحاولوا تقليد كتابه (العين) فألف (اسماعيل بن القاسم 356 هجرية) معجمه - البارع - و (أبو منصور محمد ابن أحمد 370 هجرية) في معجمه - التهذيب - ثـم (الصـاحب بـن عبـاد 385 هجـرية) في معجمــه (المحيـط) و(ابن سيده 458هجرية) في معجمه - المحكم - و(ابن دريد ابن الحسين 321 هجرية) في معجميـه - المقاييــس – و - المجمـل - وهناك من اجتهد في مناقشة الخليل بن أحمد بذكر جوانب لغويةٍ يظنون أنـها غابت عنه حيث أُلِف أكثر من ثلاثين كتاباً و كلها أخذت هذا المنحى، و لا يتسـع المجال هنا لذكـرها رغـم أن (الزبيـدي) صاحب - تاج العروس - قد أضاف شيئاً إلى الكتاب بعد أن اختصره.
• بقي كتاب (العين) بصيغته الأصلية بعيداً عن التناول بسبب ضياعه في دهاليز التاريخ،حتى توفرت فرصةٌ للحصول على مخطوطاتٍ منه حيـث جرت عمليات تجميعها ونشرها. لقد أجمع المؤرخون على: أن الخليل كان إماماً في اللغة العربية كما كان نابغةً في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس فيه، و هو أول من استنبط علم العروض، و قد دلّ هذا على تضلعه بالإيقاع والنغم والنظم الشعري الذي أعانه على استنباط هذا العلم العروضي، وهو علمٌ جديدٌ لم يأخذه عن أستاذٍ و لم يرثه عمن سبقوه، وإنما توصّل إليه بنباهة حسه وذكائه الوقّاد، وقد قيل أنه توصل إلى هذا الاكتشاف العروضي لأوزان الشعرعندما كـان يـمر بسـوق الصفـّارين في إحـدى زوايا البـصرة، حيث سمع وقع مطرقةٍ على طستٍ وكان أثـناء ذلـك يردد هذا البيـت الشـعريّ:
سُئلوا فأبوا فلقد بخلوا فلبئس لعمرك ما فعلوا أبكيت على طللٍ طربـاً فشجاك وأحزنك الطلـلُ
فوجد الخليل ملائمةً بين النغم المنبعث من المطرقة والمقطع الشعريّ (فَعِلُن.. فَعِلُن.. فَعِلُن.. فَعِلُو)، ومن هنا ولدت لديه فكرة تقطيع الشعر تقطيعاً ينتهي به إلى وضع البحور وما احتوت عليه من تفعيلات.
• بعد أن تم للخليل استنباط علمٍ جديدٍ في بحور الشعر اتجه إلى الأبجدية الأولى ـ أبجـد هوز حطي كلمنٌ ـ فالأبجدية الثانية السائدة فـي المغرب ـ أ، ب، ت، ث، ج …إلخ - وكان استخدام هاتين الأبجديتين شائعاً قبل أيام الخليل استـناداً إلـى واقـعةٍ تاريخيـةٍ تـدل علـى ذلـك، حيث قال الخليفة عبد الملك بن مروان الأمـوي 26-86 هجرية لجلسائه: أيُّكم يأتيني بحروف المعجم في بـدنه ولـه عليّ ما يتمـناه؟. فقام إليه سـويد بن غفلة فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين.. فقال: ما عندك؟ فقـال أنـف).(بطن).(ترقوة).(ثغر). (جمجمة).(حلق).(خـد).(دماغ).(ذكر).(رقبة).(زند). سـاق).(شـفة).(صدر).(ضلع).(طحال).(هامة).(وجه).(يد). هذه الكلمات تشير بداية كلٍ منها إلى حرفٍ من حروف الهجاء التي تتشكل منها الأبجدية عند العرب المشارقة، أما المغاربة فقد أخذوا بقاعـدة: (أ) (ب) (ج) …إلخ، لكن الفراهيدي خرج عن القاعدتين في كتاب (العين) عندما قام بترتيب حروف العربية على مخارجها من الحلق وهي كالتالي: (ع).(ح). (هـ). (خ). (غ). (ق). (ك). (ج). (ش). (ض). (ص). (س) (ز). (ط). (ت). (د). (ظ). (ث). (ر). (ل). (ن). (ف). (ب). (م). (و). ( أ). (ي).
وقد نَظَم (أبو الفرج الـجزيري) قصيدةً رتب فيها الحروف الأبجدية التي استنبطها الفراهيدي حيث قال:
يا سائلي عن حروف العين دونكها في رتبـةٍ ضمهـا وزنٌ وإحصــاء العيـن والحاء ثم الهاء والخـاء والغين والقاف ثم الكـاف أكـــفاء والجيم والشين ثـم الضاد يتبعـها صـادٌ وسـينٌ وزالٌ بعـدها طــاء والدال والتاء ثم الطاء متــصلٌ بالظــاء ذالٌ وثـاء بعــدها راء واللام والنون ثم الفـاء والبـاء والميـم والـواو والمهمـوز واليـاء
ويعتبر الخليل أن حرف (العين) يعدّ من أقصى الحروف مخرجاً - إلا أن تلميذه سيبويه يخالفه الرأي في ذلك ويعتبر أن الهمزة أقصى الحروف مخرجاً- وقد بسط الخليل في كتاب (العين) الكلام في هذه الحروف ومخارجها فعدّها تسعةً وعشرين حرفاً، جعل خمسةً وعشرين حرفاً صحاحاً لها أحياز ومدارج كما جعل منها أربعة هوائية وهي (الياء) و(الواو) و(الألـف) و(الهمزة) وهنـاك من يقول: " أن نسق ترتيب أحرف الهجاء الذي اعتمده الخليل نـحى فيه منحى اللغة السنسكريتية، وهي لغةٌ كانت منتشرةً في الهند ربـما تعلمّها الخليل أثناء نشأته في البصرة التي كانت محطّ رحال الكثـير من الوافدين إليها باعتبارها مدينةً مزدهرة و ميناءً للسـفن والتجارة، ففي جَرس هذه اللغة تتوافق الأصوات على ذات الطريقة الخليلية"، ولم يثبت هذا القول علمياً فهي مجرد تخميناتٍ لا تستند إلى وقائع علمية.
|
|

|
|
|
|