أحر التهاني للروائي السوداني مهند رجب الدابي بمناسبة فوز روايته «حصار الغزالة واو» بجائزة كتارا للرواية العربية، في إنجاز أدبي يستحق الاحتفاء، ويضيف حضوراً جديداً للرواية السودانية في فضاء الأدب العربي يأتي هذا الفوز في وقت يحتاج فيه السودان إلى أصواته المبدعة أكثر من أي وقت مضى؛ أصوات تحفظ ذاكرة الناس، وتقترب من آلامهم، وتمنح تجاربهم الإنسانية ما تستحقه من سرد وشهادة. فالحرب، مهما اشتد ظلامها، لا ينبغي أن تكون الكلمة الأخيرة في حكاية السودان ولا أن تطمس ما يكتبه أبناؤه من روايات عن الإنسان والوطن والنجاة
في رواية «حصار الغزالة واو»، لا يبدو الحصار مجرد طوق عسكري يحيط بمكان، بل يتحول إلى حصار للذاكرة والاختيار والمعنى. فالإنسان حين يعود إلى وطنه بعد غياب طويل، يكتشف أحياناً أن المكان الذي حمله في ذاكرته لم يعد هو المكان الذي ينتظره؛ وأن الوطن الذي ظل يسكنه في الحنين قد يصبح، تحت وطأة الحرب، فضاءً للخوف وفقدان اليقين ما يستوقفني في هذه الرواية، وفقاً لما يكشفه موضوعها، هو انتقال المأساة من جغرافيا الحرب إلى داخل النفس البشرية. فالحرب لا تقتل الأجساد وحدها، وإنما تعيد ترتيب العلاقات، وتضع الصداقة والأمومة والانتماء والاختيار أمام اختبارات قاسية، وتجعل الإنسان يكتشف هشاشة الحدود التي كان يظنها فاصلة بين الخير والشر، وبين النجاة والخسارة وفي قلب هذه المأساة تقف المرأة، لا بوصفها شاهدة على انهيار العالم فحسب، بل باعتبارها إحدى القوى التي تحاول إبقاء الحياة ممكنة وسط الخراب. غير أن الاحتفاء بقدرتها على الصمود ينبغي ألا يحجب حقيقة أكثر إيلاماً أن تحميل النساء مسؤولية حماية الحياة في ظروف التجويع والحصار والعنف هو، في حد ذاته، شهادة على حجم ما انهار من مسؤوليات المجتمع والدولة والإنسان
أما «ثقل النجاة»، فهو سؤال يتجاوز الرواية إلى تجربة السودانيين الذين وجدوا أنفسهم أحياءً في عالم لم تعد فيه الحياة ضمانة للأمان، ولا النجاة نهاية للخوف فقد ينجو الإنسان بجسده، لكنه يحمل داخله خسارات لا تقيسها المسافات التي قطعها، ولا الأيام التي مرت منذ توقف الرصاص. وربما كان أشد أشكال الحصار قسوة هو ذلك الذي يستمر داخل الناجين، حتى بعد أن تتغير الأمكنة وتتبدل الظروف إن أهمية الأدب في زمن الحرب لا تكمن في إعادة سرد ما حدث فحسب، بل في استعادة الإنسان من وراء الأرقام والخرائط والخطابات العسكرية. فالتوثيق يخبرنا بما جرى، أما الرواية فتسعى إلى استكشاف ما تركه ما جرى في أرواح الناس، وفي قدرتهم على الحب والثقة والاختيار، وفي علاقتهم بوطن لم يعودوا يعرفون كيف يستعيدونه تهنئة للروائي السوداني مهند رجب الدابي بفوز روايته «حصار الغزالة واو» بجائزة كتارا، وتحية لكل كتابة سودانية تقاوم محو التجربة الإنسانية من ذاكرة الحرب. فحين تعجز السياسة عن حماية الإنسان، تظل الكتابة مطالبة بألا تسمح بتحويل معاناته إلى خبر عابر، أو رقماً في سجل الموت، أو حكاية تُنسى بمجرد انطفاء العناوين
فالحرب قد تحاصر المدن، لكنها لا تكتمل إلا حين تنجح في محاصرة قدرة الإنسان على تذكّر ما حدث، وتسميته، والشهادة عليه. والأدب، في جوهره، محاولة لفتح نافذة في هذا الحصار.
10-18-2026, 11:19 PM
osama elkhawad osama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 22267
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة