لخرطوم التي تسكننا بالخوف.. حين تهرب الذكريات من العقول #

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-10-2026, 10:02 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
10-09-2026, 11:35 PM

زهير ابو الزهراء
<aزهير ابو الزهراء
تاريخ التسجيل: 08-23-2021
مجموع المشاركات: 13842

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
لخرطوم التي تسكننا بالخوف.. حين تهرب الذكريات من العقول #

    11:35 PM October, 09 2026

    سودانيز اون لاين
    زهير ابو الزهراء-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر





    لم تعد الحرب في الخرطوم مجرد أصوات رصاص تأتي من بعيد، أو طائرات تحلّق فوق البيوت، أو مبانٍ فقدت نوافذها وأبوابها، وشوارع تغيّرت ملامحها حتى صار الإنسان يحتاج إلى ذاكرة قديمة
    كي يتعرّف على مدينته. هناك حرب أخرى تجري في الداخل السوداني، حرب لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تتسلل إلى النفوس، وتستقر في العقول، وتعيد تشكيل علاقة الناس بالمكان والزمان وببعضهم البعض

    إنها الحرب التي تجعل الإنسان يخاف من صوت الباب، ويرتبك عند سماع طلقة نارية، ويتردد قبل الخروج إلى الشارع، ويحسب المسافة بين بيته والسوق كما لو أنه يخطط لعبور جبهة عسكرية, وحين يعود إلى منزله سالماً
    لا يشعر بالضرورة أنه نجا؛ بل يبدأ في انتظار الخطر التالي

    هكذا تتحول المدينة من مساحة للحياة إلى مساحة للترقب، ومن ذاكرة مشتركة للناس إلى خريطة من المخاوف الشخصية

    الخرطوم لم تفقد شوارعها وحدها، بل بدأت تفقد شيئاً من روحها التي كانت تجمع الناس , الأطفال الذين يتعلمون الخوف قبل الحياة

    أصعب ما في الحرب أنها لا تكتفي بسرقة حاضر الناس، وإنما تتدخل في تشكيل مستقبلهم أيضاً , الطفل الذي كان ينبغي أن يتعلم أسماء الأشجار، ويحفظ أغاني المدرسة، ويختلف مع أصدقائه حول لعبة أو كرة، يجد نفسه أمام عالم آخر
    عالم يتعلم فيه التمييز بين الأصوات، ويفهم من وجوه الكبار متى يجب أن يصمت، ومتى ينبغي أن يبتعد عن النافذة، ولماذا تتحول لحظة انقطاع الكهرباء إلى سبب إضافي للقلق

    بعض الأطفال لا يسألون لأنهم فهموا ما يجري، بل لأنهم تعبوا من الأسئلة التي لا تجد إجابات ,  وبعضهم يراقب وجوه أمهاتهم وآبائهم بحثاً عن إشارة تطمئنه بأن كل شيء سيكون بخير، بينما الكبار أنفسهم لا يملكون ما يقدمونه
    سوى وعود مرتبكة , أي مستقبل ينتظر طفلاً تصبح فيه معرفة الخطر أهم من اكتشاف العالم؟

    وأي ذاكرة ستبقى في رأس جيلٍ ارتبطت طفولته بالخوف والنزوح والجوع، بدلاً من اللعب والتعلم والاكتشاف؟

    ليست خسارة المدارس والمقاعد والكتب وحدها هي الكارثة , و الكارثة أن يتحول الخوف إلى معلم دائم، وأن ينشأ الأطفال وهم يعتقدون أن العنف جزء طبيعي من الحياة، وأن السلاح هو اللغة التي تنهي كل خلاف , النساء وعبء النجاة اليومية

    في البيوت السودانية، تتحمل النساء نصيباً قاسياً من هذه الحرب الصامتة ,  فبين الخوف على الأطفال والقلق على الغائبين، وتدبير الطعام والدواء والماء، ومحاولة حماية الأسرة من أخبار الموت والفقد، تصبح الحياة اليومية عملاً شاقاً
    لا ينتهي , حين يقل الطعام، تكون الأم غالباً آخر من يفكر في حصته. وحين تنقطع الكهرباء، تبدأ حسابات حفظ ما تبقى من الطعام، وتدبير احتياجات البيت، والتعامل مع الحر والظلام والقلق
      وحين يسمع الأطفال صوتاً مخيفاً، تجد نفسها مطالبة بأن تبدو قوية، حتى عندما يكون قلبها أكثر ارتجافاً من قلوبهم 

    وما أصعب أن يُطلب من الإنسان أن يكون مصدر الطمأنينة للجميع، بينما لا يجد هو نفسه من يطمئنه!

    هذه ليست حكايات جانبية في سجل الحرب، بل هي جزء من بنيتها الاجتماعية والإنسانية

    فالحرب التي تدمّر محطات الكهرباء والأسواق والمستشفيات لا تتوقف آثارها عند المنشآت؛ إنها تدخل المطابخ وغرف النوم، وتغيّر توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتستنزف قدرة الناس على الاحتمال

    الجوع حين يصبح سلاحاً ضد الذاكرة

    ليس الجوع مجرد معدة فارغة، ولا ارتفاع الأسعار مجرد رقم يتغير في السوق. عندما يصبح الحصول على الخبز معركة يومية، تتغير أولويات الإنسان، وتتراجع المساحة التي يستطيع أن يخصصها للتفكير في السياسة والثقافة والمستقبل

    كيف تطلب من أبٍ لا يعرف كيف يوفر وجبة لأطفاله أن يتفرغ للنقاش حول شكل الدولة؟ وكيف تنتظر من أمٍّ تخشى نفاد ما في المطبخ أن تشعر بالاستقرار؟ وكيف يمكن لإنسان أن يستعيد توازنه النفسي
    بينما لا يعرف إن كان سيجد غداً ما يكفيه من الطعام والدواء؟

    الفقر في زمن الحرب لا يعني فقط انخفاض الدخل؛ إنه يعني انهيار القدرة على التخطيط. يصبح الغد مجهولاً، وتتحول المدخرات إلى أوراق تتآكل قيمتها، وتصبح الممتلكات التي جمعها الناس خلال سنوات طويلة عاجزة
    عن ضمان احتياجاتهم الأساسية , ثم تأتي الكهرباء، أو بالأحرى غيابها، لتضاعف كل ذلك. فالتيار الكهربائي ليس رفاهية في مدينة أنهكتها الحرب؛ إنه ماء يصل إلى البيوت، ودواء يحتاج إلى التبريد، واتصال يطمئن به الغائبون
    على أهلهم، وفرصة لاستعادة شيء من انتظام الحياة , وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية الكهربائية في الخرطوم الكبرى، وإلى ارتباط استعادة الكهرباء بتشغيل المياه والمرافق الصحية
    والأسواق والاتصالات. وهذا يؤكد أن إعادة الخدمات ليست تفصيلاً فنياً في مرحلة التعافي، وإنما شرط لاستعادة الحياة نفسها

    حين تصبح الذاكرة عبئاً

    للمدن ذاكرة تسكن تفاصيلها الصغيرة. رائحة الخبز في الصباح، وصوت الباعة، والوجوه المألوفة في الطريق، والأصدقاء الذين يمكن زيارتهم بلا موعد، والمقاهي التي تستوعب اختلافات الناس، والبيوت التي تظل أبوابها مفتوحة للجيران
     لكن الحرب تقطع هذه الروابط واحدة بعد الأخرى

    قد يمر الإنسان بجوار منزل صديق قديم، فيتذكر جلسة لم تكتمل، أو يمر بشارع كان يعج بالحياة، فيبحث بعينيه عن وجوه لم يعد يعرف أين انتهت بها الطرق ,  وقد يجد نفسه عاجزاً عن استحضار لحظات الفرح القديمة
    لا لأنها اختفت تماماً، وإنما لأن الحاضر المليء بالخوف يزاحمها باستمرار , إنها مفارقة موجعة- نحن نحتاج إلى الذكريات كي نحافظ على أنفسنا، لكن بعض الذكريات يصبح مؤلماً لأنه يذكّرنا بحياة كانت ممكنة، ثم انقطعت فجأة
     وهكذا لا تعود الحرب مجرد صراع على الأرض أو السلطة، بل تصبح صراعاً على المعنى؛ على قدرة السودانيين على تذكّر أنهم كانوا يعيشون معاً، ويختلفون معاً، ويصنعون أحلاماً تتجاوز مجرد البقاء أحياء

    من يفرض الأمن على مدينة مسلحة؟

    هنا نصل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: من يستطيع أن يفرض الأمن في الخرطوم؟

    ليس الأمن أن تمتلئ الشوارع بالمسلحين، ولا أن يخاف المواطن من نقطة التفتيش بقدر خوفه من المجهول الذي ينتظره بعدها. وليس الأمن أن يصمت الناس لأنهم يخشون الكلام، أو أن يغلقوا أبوابهم لأنهم لا يثقون فيمن يطرقها
     الأمن الحقيقي هو أن يستطيع المواطن الخروج لشراء الخبز دون أن يشعر بأنه يخاطر بحياته، وأن يذهب الطفل إلى المدرسة دون أن يكون مستقبله معلقاً على تطورات الميدان، وأن تنام النساء والأسر دون ترقب الأصوات المفاجئة
    وأن يحتكم الناس إلى القانون بدلاً من استعراض القوة

    وهذا لا يتحقق بمجرد انتشار القوات أو إصدار البيانات، بل يتطلب سلطة مسؤولة، وسلسلة قيادة واضحة، ومحاسبة على الانتهاكات، وحماية المدنيين، وضبط السلاح، وتأمين الطرق والأسواق والمرافق العامة
    كما يتطلب ألا يتحول المواطن إلى طرف مطلوب منه إثبات الولاء لهذا المسلح أو ذاك حتى يحصل على حقه في الحياة , إن الدولة التي تعجز عن حماية الناس من العنف لا تستطيع تعويض هذا العجز بخطاب سياسي عن الاستقرار
    فالاستقرار الذي يقوم على خوف الناس ليس استقراراً؛ إنه صمت مؤقت ينتظر أول شرارة كي ينفجر من جديد

    استعادة الإنسان قبل استعادة المباني

    قد تُرمم الجدران، وتُفتح الطرق، وتعود بعض المحال إلى العمل، وتستأنف مؤسسات خدماتها
    لكن إعادة بناء المدينة ستظل ناقصة إذا لم يصاحبها عمل جاد لاستعادة شعور الناس بالأمان والثقة والانتماء , نحتاج إلى الغذاء والدواء والكهرباء والمياه، وإلى فتح المدارس والمستشفيات وتأمين الأحياء وإزالة مخلفات الحرب
      ونحتاج أيضاً إلى دعم الأسر التي فقدت مصادر دخلها، وإتاحة الرعاية النفسية والاجتماعية للمتضررين، وخلق مساحات آمنة للأطفال والنساء، وإعادة الحياة إلى المبادرات المجتمعية التي تساعد الناس على استرداد روابطهم

    ولا ينبغي أن يُفهم الحديث عن التعافي النفسي باعتباره دعوة إلى نسيان ما حدث أو تجاوز المساءلة. فالنسيان القسري ليس سلاماً، والصمت ليس مصالحة، وترك الضحايا وحدهم مع آلامهم ليس إعادة بناء , لا بد من الاعتراف بالخسائر
    وحماية الحق في معرفة الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وفتح الطريق أمام مصالحة لا تلغي حقوق الضحايا ولا تفرض عليهم التنازل عنها

    فالمدينة لا تستعيد روحها بمجرد عودة السكان إليها، وإنما حين يشعر هؤلاء السكان أن لهم فيها مكاناً آمناً، وحقوقاً مصونة، ومستقبلاً يمكن التخطيط له , إن الخرطوم التي نريد استعادتها ليست الخرطوم التي كانت قبل الحرب فحسب
    بل الخرطوم التي لا يخاف فيها الطفل من الغد، ولا تعيش فيها المرأة على أعصابها، ولا يقيس فيها الرجل يومه بما استطاع النجاة منه

    نريد مدينة يعود فيها صوت الحياة أعلى من صوت السلاح، ويصبح الخلاف نقاشاً لا تهديداً، والاختلاف السياسي حقاً لا سبباً للخوف، وتصبح لقمة العيش حقاً لا امتحاناً يومياً للصبر , فالحرب قد تسرق البيوت، وتبدد الأموال
    وتبعثر الأسر، لكنها لا ينبغي أن تنتزع من السودانيين حقهم في تخيل حياة أخرى

    ذلك هو التحدي الحقيقي أمام الخرطوم-- ليس فقط أن تعود مدينة قابلة للسكن، بل أن تعود وطناً يستطيع الإنسان أن يسكنه دون أن يظل خائفاً منه.






                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de