جدل في القاهرة بعد رسم توت عنخ آمون ونفرتيتي ببشرة داكنة
لوحة جدارية تشعل النقاش حول هوية المصريين القدماء
الذكاء الاصطناعي يتسبب في أزمة تاريخية بميدان التحرير
نفرتيتي تحت الطلاء: معركة الهوية تشتعل في قلب القاهرة
من رسمٍ إلى عاصفة.. كيف أشعل لون البشرة جدلاً فرعونياً؟
«أفارقة أم مصريون؟» جدارية واحدة تفتح ملفاً قديماً
صُممت الجدارية الموجودة في ميدان التحرير من قِبَل مجموعة الشباب المتطوعة "رسمة بسمة" بمساعدة الذكاء الاصطناعي. تصوير: رسمة بسمة.
جدل واسع حول جدارية في القاهرة تُظهر توت عنخ آمون ونفرتيتي ببشرة داكنة
طُمست معالم عمل فني رُسم في ميدان التحرير بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني لمصر، وذلك وسط اتهامات بأن العمل يُحيي مزاعم "المركزية الأفريقية" (Afrocentrism) حول الأصول العرقية للفراعنة.
بدعم من theguardian.org
هناء حماد - القاهرة
الجمعة 2 أكتوبر 2026، الساعة 09:55 بتوقيت بريطانيا الصيفي
عشية زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ للقاهرة الشهر الماضي، انشغلت سلطات المدينة بإزالة جدارية يبلغ طولها 66 متراً كانت تقع في مسار رؤية الضيف المرموق.
كانت اللوحة -التي تصور الفرعون توت عنخ آمون والملكة نفرتيتي- واحدة من 40 جدارية كُلِّف بتنفيذها لتجميل المدينة استعداداً لوصول شي، وقد رسمتها مجموعة شبابية متطوعة تُدعى "رسمة بسمة" في ميدان التحرير.
لكن العمل أثار ردود فعل غاضبة لتصويره الشخصيتين التاريخيتين ببشرة داكنة، مما أثار حفيظة مصريين رأوا في ذلك إحياءً لمزاعم "المركزية الأفريقية" حول أصول الفراعنة. وقد اختفى العمل الفني تحت طبقة جديدة من الطلاء قبل ساعات قليلة فقط من هبوط طائرة الرئيس شي.
والآن، أقر أحمد موسى، مؤسس مجموعة "رسمة بسمة" البالغ من العمر 22 عاماً، بأن محافظة القاهرة طلبت منهم طلاء العمل وإخفاءه؛ علماً بأنهم كانوا قد أنجزوه في غضون خمسة أيام فقط أواخر شهر أغسطس.
استخدم الفريق برنامج الذكاء الاصطناعي "ChatGPT" لتوليد التصاميم، التي قام المتطوعون بعد ذلك برسمها على الجدار.
وقال موسى إن نائب محافظ القاهرة ورئيس الحي كانا يزوران الموقع طوال فترة العمل وأبديا إعجابهما بالجداريات، إلى أن بدأ الجدل يتصاعد على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضاف موسى: "لقد استخدمنا درجة لونية برونزية مائلة للذهبي، كانت تُلقي نوعاً من الظلال على الوجوه ليلاً، مما جعلها تبدو وكأنها ذات بشرة داكنة".
وتابع قائلاً: "نقر بخطئنا المتمثل في عدم استشارة متخصصين في علم الآثار والفنون".
يُذكر أن "المركزية الأفريقية" (Afrocentrism) هي حركة سياسية تؤكد أن الحضارة المصرية القديمة كانت ذات أصول وسكان من الأفارقة السود. تساءل أحد المستخدمين عما إذا كان أي من المشاركين قد "رأى بالفعل كيف كانت تبدو نفرتيتي"، بينما اتهم آخرون مجموعات تتبنى أفكار "المركزية الأفريقية" (Afrocentrism) بالاستيلاء على الصور للإيحاء بأن المصريين يؤيدون نظرياتهم.
وقال زاهي حواس، وزير الآثار المصري الأسبق، إنه كان ينبغي عدم السماح للمتطوعين برسم موقع حيوي ومهم مثل ميدان التحرير دون إشراف من خبراء، مؤكداً أن الغضب الشعبي كان مبرراً.
وأضاف حواس: "إن المزاعم التي تربط الحضارة المصرية القديمة بأفريقيا جنوب الصحراء هي محض هراء".
وأوضح قائلاً: "تُظهر النقوش الموجودة في المعابد والتي تعود للعصور المتأخرة ملوكاً مصريين مصورين إلى جانب أسرى من مناطق في أفريقيا وليبيا وسوريا وفلسطين، دون أن يظهر الملك نفسه ببشرة داكنة".
وتُعد هذه الواقعة أحدث حلقة في جدل طويل الأمد حول لون بشرة المصريين القدماء. ففي عام 2023، أثار فيلم وثائقي على منصة "نتفليكس" نقاشاً واسعاً بعد اختيار ممثلة ذات بشرة داكنة لتجسيد شخصية كليوباترا، كما اندلع خلاف مماثل في يونيو 2024 بعد أن قدم مرشد سياحي -بحسب تقارير- وجهة نظر تتبنى "المركزية الأفريقية" لتفسير التاريخ المصري داخل المتحف المصري بالقاهرة.
ووصفت مونيكا حنا، عالمة المصريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، مزاعم "المركزية الأفريقية" بأنها "علوم زائفة". وأشارت إلى أن المجتمع المصري كان دائماً متنوعاً عرقياً، بدءاً من المجتمعات النوبية في الجنوب ووصولاً إلى سكان مناطق البحر المتوسط في الشمال.
وقالت: "لم يكن المصريون يوماً من لون بشرة واحد؛ فنحن لسنا بيضاً كالثلج ولا بلون القشطة".
من جانبه، قال وليد محمود، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي وخبير الأنثروبولوجيا الأفريقية، إن أدوات الذكاء الاصطناعي -مثل "ChatGPT"- تعكس المعلومات الأكثر انتشاراً وتداولاً على الإنترنت، بدلاً من المعلومات الدقيقة واقعياً.
وأوضح أن هذه الأدوات طورتها شركات في الولايات المتحدة وأوروبا، وأن المحتوى الذي تولده قد يشكّل نظرة تلك الجماهير لأنفسهم.
وأضاف محمود: "لهذا السبب لا ينبغي لنا أبداً أن نتقبل ببساطة ما تنتجه هذه الأدوات، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالهوية الثقافية والتراث".
أما مصطفى عيسى، الناقد الفني، فقد رأى أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل مجرد أداة، وألا يتحول أبداً إلى صانع قرار مستقل بحد ذاته. قال: "أُفضّل استخدام التكنولوجيا دون التخلي عن العنصر البشري لدى الفنان"، محذراً من أن السماح لهذه الأدوات بأن تحل محل مهارة الفنان ذاتها ينطوي على خطر تجريد العمل الفني من أصالته.
نُشر هذا المقال بالتعاون مع "إيجاب" (Egab).
https://www.egab.co/https://www.egab.co/
+++++++++
طُمِسَت بالطلاء: جدارية الفراعنة الداكنة تشعل سجالاً حول هوية مصر القديمة
فرشاة الدهان تُسكت جداراً أثار نزاعاً تاريخياً في قلب القاهرة
بعد اتهامات بإحياء الأفروسنترية.. محو جدارية توت عنخ آمون ونفرتيتي
جدارية الفراعنة السود تسقط أمام الغضب الشعبي
من ميدان التحرير إلى طبقات الطلاء: السقوط السريع لجدارية مثيرة للانقسام
«من الذي سوّد الفراعنة؟» سؤال انتهى بطلاء الجدار!
نفرتيتي اختفت بين ليلة وضحاها.. والسبب لون البشرة
جدارية واحدة أشعلت مصر.. ثم اختفت تحت الدهان
الحرب على الجدار: كيف انتهى الجدل التاريخي بفرشاة طلاء؟
الفراعنة السود يدخلون ميدان التحرير ويغادرونه مطليين فوقهم!
أعادت اللوحة الجدارية إشعال الجدل حول لون بشرة المصريين القدماء. تصوير: رسمت بسمة.
شرح مقال صحيفة الغارديان
يتناول المقال جدلاً في القاهرة حول جدارية ضخمة في ميدان التحرير، تُصوّر توت عنخ آمون ونفرتيتي ببشرة داكنة بشكل ملحوظ. رُسمت الجدارية ضمن مشروع لتجميل المدينة قبل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، ولكن طُليت لاحقًا بعد انتقادات شعبية. جادل النقاد بأن الصور تدعم مزاعم مركزية أفريقية مفادها أن الحضارة المصرية القديمة كانت في جوهرها حضارة أفريقية سوداء. اعترف الفنان لاحقًا بأن المجموعة اعتمدت على تصاميم مُولّدة بواسطة برنامج ChatGPT دون استشارة علماء آثار أو علماء مصريات.
يتناول المقال ثلاثة محاور رئيسية:
الهوية الوطنية المصرية.
جدل المركزية الأفريقية.
مخاطر استخدام الصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي دون مراجعة الخبراء.
ما هي المركزية الأفريقية؟
المركزية الأفريقية حركة فكرية وسياسية واسعة النطاق تُركّز على دور الشعوب الأفريقية في التاريخ العالمي.
يرى شكل معتدل من المركزية الأفريقية أن:
أفريقيا أسهمت في الحضارة العالمية أكثر بكثير مما أقرته كتب التاريخ الغربية التقليدية.
ينبغي دراسة مصر القديمة في سياقها الأفريقي.
يتفق العديد من المؤرخين مع هذه النقاط.
مع ذلك، يذهب شكل أكثر تطرفًا من المركزية الأفريقية إلى أبعد من ذلك، فيزعم أن:
المصريين القدماء كانوا في جوهرهم أفارقة سود بالمعنى الحديث لسكان أفريقيا جنوب الصحراء.
كان معظم الفراعنة سودًا.
المصريون المعاصرون لا تربطهم صلة قرابة تُذكر بالسكان القدماء.
يرفض معظم علماء المصريات والمؤرخين المتخصصين هذه الادعاءات القوية، لأن الأدلة لا تدعم مثل هذه الاستنتاجات الشاملة. يستشهد المقال بعالمة المصريات مونيكا حنا، التي وصفت الادعاءات المركزية الأفريقية بأنها "علم زائف"، وتشير إلى أن المجتمع المصري تاريخيًا كان يضم مجموعات سكانية متعددة وألوان بشرة متنوعة.
لماذا هذا النقاش مثير للجدل إلى هذا الحد؟
بالنسبة للعديد من المصريين، لا تُعد الادعاءات المركزية الأفريقية مجرد نظريات أكاديمية.
يرى كثير من المصريين أن هذه الآراء تشير إلى ما يلي:
أن مصر القديمة كانت في الأساس ملكًا لشعب آخر.
أن المصريين المعاصرين ليسوا ورثة الحضارة المصرية القديمة.
أن التاريخ المصري يُستغل من قِبل الغرباء.
لهذا السبب، غالبًا ما تُثير الجدالات حول كليوباترا ونفرتيتي وتوت عنخ آمون وغيرهم من الفراعنة ردود فعل قوية.
هل كان المصريون القدماء سودًا؟
تبدأ المشكلة بالتصنيفات العرقية الحديثة.
لم يعتبر المصريون القدماء أنفسهم:
أسود
أبيض
عربي
هذه تصنيفات حديثة إلى حد كبير.
كانت مصر تقع عند ملتقى طرق:
شمال أفريقيا
الشرق الأدنى
البحر الأبيض المتوسط
النوبة
نتيجة لذلك، كانت مصر دائمًا مجتمعًا مختلطًا ومتنوعًا.
يُظهر الفن المصري القديم نفسه شعوبًا مجاورة مختلفة ذات ألوان بشرة متباينة.
يخلص معظم الباحثين اليوم إلى أن المصريين القدماء كانوا في الأساس شعبًا من شمال شرق أفريقيا، تربطهم صلة قرابة بشعوب أخرى في وادي النيل وشرق البحر الأبيض المتوسط، بدلًا من أن يندرجوا ضمن التصنيفات العرقية الحديثة.
لماذا يُستبعد أن يكون توت عنخ آمون ونفرتيتي قد تشابها مع الرسم الجداري؟
لاحظ أن هذا يختلف عن السؤال عما إذا كانا "أفريقيين".
بالتأكيد كانا أفريقيين، فمصر تقع في أفريقيا.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كانا يُشبهان على الأرجح سكان المناطق الاستوائية جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.
تشير معظم الأدلة إلى أن هذا الاحتمال ضعيف.
١. خلفية عائلة توت عنخ آمون
ينتمي توت عنخ آمون إلى الأسرة الثامنة عشرة.
من شبه المؤكد أن والده هو إخناتون.
خضعت هذه العائلة المالكة لدراسات مستفيضة من خلال:
المومياوات
البقايا العظمية
أبحاث الحمض النووي
لا يوجد ما يشير إلى أصول أفريقية جنوب الصحراء الكبرى حديثة تجعله يُرجح أن يكون ذا بشرة داكنة للغاية.
تنحدر عائلته من النخبة الملكية المصرية في صعيد مصر.
٢. خلفية نفرتيتي
لا تزال أصول نفرتيتي الدقيقة غير مؤكدة.
يعتقد بعض الباحثين أنها تنتمي إلى عائلة مصرية مرموقة.
ويشير آخرون إلى صلات لها بمملكة ميتاني في شمال سوريا.
وبغض النظر عن صحة أيٍّ من النظريتين، لا يوجد دليل قاطع يُثبت أن أصلها من أفريقيا جنوب الصحراء الاستوائية.
٣. الفن المصري
استخدم الفنانون المصريون القدماء أساليب فنية مُنمّقة في رسم الأشخاص بدلاً من الصور الفوتوغرافية.
ومع ذلك، كان يُصوَّر الرجال المصريون عادةً ببشرة سمراء مُحمرة.
وكان النوبيون يُصوَّرون غالبًا ببشرة داكنة.
أما الليبيون فكانوا يُصوَّرون ببشرة أفتح.
وكان يُصوَّر الآسيويون بشكل مختلف.
يشير هذا إلى أن المصريين أنفسهم كانوا يُدركون الاختلافات الظاهرة بين الشعوب المجاورة.
وكان الفراعنة يُرسمون عمومًا بألوان مصرية نموذجية، وليس بأغمق الدرجات اللونية المستخدمة للنوبيين.
4. الجغرافيا وتاريخ السكان
تشير الدراسات الحديثة في علم الوراثة وعلم الآثار عموماً إلى أن المصريين القدماء شغلوا موقعاً وسطاً بين:
سكان شمال شرق أفريقيا
سكان شرق البحر الأبيض المتوسط
سكان الشرق الأدنى
وهذا لا يعني أنهم كانوا "أوروبيين بيضاً".
كما أنه لا يعني أنهم كانوا متطابقين مع سكان غرب أفريقيا أو العديد من شعوب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في العصر الحديث.
فالواقع أكثر تعقيداً من كلا هذين الطرحين المتطرفين.
أبرز نقاط الضعف في التيار الراديكالي للمركزية الأفريقية
ينتقد العديد من المؤرخين التيار الراديكالي للمركزية الأفريقية لأنه غالباً ما:
ينتقي الأدلة التي تدعم استنتاجاً مرغوباً فيه مسبقاً.
يتعامل مع جميع الأفارقة كمجموعة واحدة متجانسة.
يطبّق التصنيفات العرقية الحديثة على العالم القديم.
يتجاهل علاقات مصر الممتدة عبر الزمن مع منطقة بلاد الشام وحوض البحر الأبيض المتوسط.
يفترض أنه نظراً لوقوع مصر في أفريقيا، فلا بد أن سكانها كانوا يشبهون بقية شعوب القارة الأفريقية.
وهذا يشبه افتراض أن جميع الأوروبيين يتشابهون في المظهر، أو أن جميع الآسيويين يتشابهون كذلك.
إلا أن المجموعات البشرية تتسم بتنوع أكبر بكثير.
أبرز نقاط الضعف في الطرح المتطرف المقابل
من المهم أيضاً إدراك أن الطرح المتطرف المقابل غير دقيق أيضاً.
لطالما صوّرت بعض الأفلام والكتب الغربية المصريين القدماء بمظهر أوروبي في الغالب.
وهذا تصور مضلل أيضاً.
فالمصريون القدماء لم يكونوا:
أوروبيين شماليين،
ولا أفارقة نموذجيين من المناطق الاستوائية جنوب الصحراء الكبرى.
بل كانوا سكاناً من شمال شرق أفريقيا يتمتعون بتنوع كبير، وشهدوا آلاف السنين من التفاعل مع الشعوب المجاورة.
وهذا هو الرأي الأقرب إلى الإجماع العلمي السائد.
الخلاصة
لا يدور الجدل في حقيقته حول درجات ألوان البشرة.
بل يتعلق بأفكار متنافسة حول الهوية والتاريخ.
تشير أقوى الأدلة إلى أنه من غير المرجح أن يكون توت عنخ آمون ونفرتيتي قد ظهرا بمظهر الشخصيات شديدة السمرة المصورة في تلك الجدارية، ولكن من غير الدقيق أيضاً تخيلهما كأوروبيين شماليين. ويصنفهما معظم العلماء ضمن السكان الأصليين المتنوعين لشمال شرق أفريقيا القديم، بملامح جسدية ودرجات لون بشرة تقع -على الأرجح- في منطقة وسطى بين هذين النقيضين الحديثين.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++
بودكاست "Science Weekly" من صحيفة الغارديان
العلم المذهل للتلاعب بالذاكرة – بودكاست
بودكاست "Science Weekly" من صحيفة الغارديان
العلم المذهل للتلاعب بالذاكرة – بودكاست
تستضيف مادلين فينلي في هذه الحلقة ستيف راميريز، الأستاذ المشارك في علوم النفس والدماغ بجامعة بوسطن، والذي أُدرج كتابه "كيف تغير ذاكرة" (How to Change a Memory) في القائمة القصيرة لجائزة "تريفيدي" للكتب العلمية التي تمنحها الجمعية الملكية لهذا العام. يشرح راميريز كيف تمكن العلماء من تحديد مواقع الذكريات في أدمغة القوارض، وتنشيطها اصطناعياً، بل وحتى محوها، كما يكشف عن التطبيقات العملية المحتملة لهذا العلم على البشر في المستقبل.
تقديم وإنتاج: مادلين فينلي | تصميم الصوت: جويل كوكس | المنتج التنفيذي: إيلي بيري
الخميس 1 أكتوبر 2026، الساعة 05:00 بتوقيت بريطانيا الصيفي
صحيفة الغارديان
" target="_blank">
كيف تغير ذاكرة: رحلة عالم أعصاب لتعديل الماضي
How to Change a Memory: One Neuroscientist’s Quest to Alter the Past
by Steve Ramirez
بقلم ستيف راميريز | غلاف ورقي
خلال دراسته العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، نجح ستيف راميريز في تخليق ذكريات زائفة داخل المختبر. والآن، بصفته عالم أعصاب يعمل في طليعة أبحاث الدماغ، فإنه يتوقع مستقبلاً يمكننا فيه استبدال ذكرياتنا السلبية بأخرى إيجابية. وفي كتابه "كيف تغير ذاكرة" (How to Change a Memory)، يستعين راميريز بذكرياته الشخصية المتعلقة بالصداقة والعائلة والفقد والتعافي، ليكشف كيف يمكن تفعيل الذاكرة وإيقافها -تماماً مثل تشغيل وإطفاء مفتاح كهربائي- وكيف يمكن تعديلها أو حتى بناؤها من العدم.
قد يبدو المستقبل الذي يمكننا فيه تغيير ذكريات الماضي أمراً مستبعداً، لكن في الواقع، تُعد عملية التذكر اليومية بحد ذاتها عملية تحوّل؛ إذ إن تعديل الذاكرة عمداً لتحسين حياتنا يستفيد من قدرة الدماغ الطبيعية على التغيير.
يستعرض راميريز كيف اكتشف العلماء أن الذكريات كيانات مرنة؛ فهي تتغير بمرور الوقت، ويمكن محوها أو إعادة تنشيطها أو حتى زرعها بشكل زائف في المختبر. ومن خلال تأمل مسيرته العلمية، يدرس كيف يشكّل التلاعب بالذاكرة خيالنا وإحساسنا بذواتنا. فإذا تمكنا من محو ذكرى مؤلمة للغاية، هل سيغير ذلك حقيقتنا؟ وماذا سيعني هذا التغيير أصلاً؟ وطوال الكتاب، يناقش راميريز بعناية الجوانب الأخلاقية للتحكم الاصطناعي في الذاكرة، مستكشفاً سبل استخدام هذه الأداة بمسؤولية، سواء لتحقيق الشفاء الشخصي أو لخدمة الصالح العام.
يُعد هذا الكتاب مزيجاً بارعاً يجمع بين السيرة الذاتية والعلم المتطور؛ إذ يستكشف كيف وصلت علوم الأعصاب إلى منعطف حاسم، حيث بات بإمكان العلماء رؤية الإمكانات الكامنة في التلاعب بالذاكرة لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من الآثار المنهكة لاضطراب ما بعد الصدمة، والقلق، ومرض الزهايمر، والإدمان، ومجموعة أخرى من الاضطرابات العصبية والسلوكية. تفاصيل المنتج
الناشر: Robinson
تاريخ النشر: 6 نوفمبر 2025
اللغة: الإنجليزية
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN-10): 1472141741
الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN-13): 978-1472141743
وزن المنتج: 320 غراماً
الأبعاد: 15.4 × 2 × 23.4 سم
ترتيب الكتب الأكثر مبيعاً: المرتبة 241,887 في فئة الكتب
أصدرت هيئة الإحصاء في جنوب أفريقيا (Stats SA) مؤخراً تقريرها حول الوفيات التي وقعت في عام 2024. وتكشف النتائج الرئيسية عن حقيقة واقعية ومقلقة تتكرر باستمرار: لقد كان مرض السكري مرة أخرى السبب الطبيعي الكامن الأول للوفاة في البلاد.
ففي عام 2024 وحده، توفي 28,767 شخصاً جراء مضاعفات ناجمة عن مرض السكري، وهو ما يمثل 6.1% من إجمالي الوفيات على مستوى البلاد؛ أي بمتوسط يقارب 79 حالة وفاة يومياً.
كما تصدّر مرض السكري قائمة أسباب الوفاة في عامي 2022 و2023. ولا يمكن قبول هذه الأرقام باعتبارها "الوضع الطبيعي الجديد" في جنوب أفريقيا؛ فخلف كل رقم إحصائي توجد حياة إنسانية، وعائلة مفجوعة، وفي كثير من الأحيان، سنوات من التعامل مع نظام صحي فوّت فرصاً لتشخيص المرضى وعلاجهم ودعمهم في الوقت المناسب.
بصفتي أخصائياً في الصحة العامة ورئيساً لمنظمة "تحالف السكري" (Diabetes Alliance) غير الربحية، أعتبر هذا الاتجاه المستمر منذ ثلاث سنوات مأساة غير مقبولة. فمرض السكري حالة يمكن السيطرة عليها؛ إذ يمكن للأشخاص -مع توفر الدعم المناسب في الوقت المناسب- أن يعيشوا حياة طويلة وصحية خالية من المضاعفات التي يمكن الوقاية منها. إن الاعتراف بهذه الأزمة هو مجرد بداية، ولكن يجب أن يتبع هذا الاعتراف تحرك سياسي فعلي؛ إذ يتعين على وزارة الصحة وضع استراتيجية وطنية للسكري تتضمن أهدافاً واضحة للوقاية والرعاية، كما يجب على وزير المالية توفير الموارد اللازمة لها، وعلى الرئاسة قيادة استجابة منسقة تشمل الحكومة بأكملها.
ويبدو المشهد الصحي العام قاتماً بالقدر نفسه؛ فقد شكلت الأمراض غير المعدية 60.7% من إجمالي الوفيات المسجلة في عام 2024. وغالباً ما تتداخل الأسباب الثلاثة الأولى للوفاة الطبيعية -وهي السكري، وأمراض ارتفاع ضغط الدم، وأمراض الأوعية الدموية الدماغية- لدى الأفراد أنفسهم. ومن ثم، فإن التعامل مع هذه الحالات المترابطة من خلال برامج منفصلة لكل مرض لا يبدو منطقياً، سواء بالنسبة لعيادات الرعاية الأولية أو للمرضى الذين يراجعونها. قراءة ما وراء الأرقام
للوهلة الأولى، يظهر أن إجمالي الوفيات لعام 2024 يزيد بمقدار 800 حالة عن الرقم المُعدَّل لعام 2023، والبالغ 27,967 حالة (وهو ما يمثل 5.8% من إجمالي الوفيات المسجلة). وتتولى هيئة الإحصاء في جنوب أفريقيا (Stats SA) تجميع بيانات الوفيات هذه استناداً إلى نماذج الإبلاغ عن الوفاة التي تُقدم عبر وزارة الشؤون الداخلية؛ حيث يقوم الممارسون الطبيون بتسجيل سبب الوفاة، لتقوم الهيئة بعد ذلك بتصنيفه وفقاً للمعايير الدولية للترميز. وتتم معالجة حالات تسجيل الوفيات المتأخرة وتراكم المعاملات الإدارية بأثر رجعي، مما يؤدي إلى تعديل أو تحديث إجماليات السنوات السابقة.
بلغ العدد المُحدَّث للوفيات الناجمة عن السكري في عام 2022 ما مجموعه 33,126 حالة، وهو رقم يفوق عدد الوفيات المسجلة بسبب المرض في عامي 2023 و2024. وقد ظل السكري السبب الطبيعي الأول للوفاة في جنوب أفريقيا لثلاث سنوات متتالية.
كما يتسم عبء مرض السكري بتفاوت كبير:
تتحمل النساء العبء الأكبر؛ إذ كان السكري السبب الطبيعي الأول للوفاة المسجلة بين النساء، حيث أودى بحياة 17,429 امرأة (أي ما يعادل 7.9% من إجمالي وفيات الإناث)، مقابل 11,334 حالة وفاة بين الرجال (أي 4.5% من إجمالي وفيات الذكور).
تتأثر الفئة العمرية في سن العمل بشدة؛ فقد جاء السكري في المرتبة الأولى كسبب للوفاة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عاماً، مسجلاً 9,364 حالة وفاة (أي 7.9% من الوفيات في هذه الفئة).
التوزيع الجغرافي: تصدّر السكري قائمة الأسباب الطبيعية للوفاة في خمس مقاطعات (كيب الغربية، وكوازولو-ناتال، وليمبوبو، وكيب الشرقية، وغوتنغ)، في حين تصدّرت أمراض ارتفاع ضغط الدم القائمة في المقاطعات الأربع المتبقية. ولا تُعد هذه التصنيفات على مستوى المقاطعات مقياساً لجودة الرعاية الفردية أو لمكان الإقامة، بل هي نقطة انطلاق لطرح أسئلة خاصة بكل منطقة حول سبل الحصول على الرعاية وأداء النظام الصحي.
ويُظهر هذا التوزيع الجغرافي الحاجة إلى دراسة ما إذا كان الوصول إلى التشخيص والعلاج والرعاية عالية الجودة يختلف بين المقاطعات أو داخل المقاطعة الواحدة.
شهادة الوفاة ليست سوى الفصل الأخير تسجل إحصاءات الوفيات السبب الرئيسي المدوّن في إشعار الوفاة، لكنها لا تكشف عما حدث خلال مسار المرض.
فهي لا تخبرنا بعدد الجنوب أفريقيين الذين يتعايشون مع السكري دون تشخيص، ولا توضح ما إذا كان المريض يحصل بانتظام على الأنسولين ومستلزمات الفحص، أو ما إذا كان مستوى السكر في الدم مضبوطاً بشكل كافٍ، أو ما إذا كانت متابعة بسيطة كفيلة بمنع حدوث مضاعفات مميتة. كما أنها لا تعكس الحجم الكامل لوفيات السكري عندما يتم إدراج حالة مرضية أخرى باعتبارها السبب الكامن للوفاة.
تلك هي الأسئلة التي يتعين علينا الإجابة عنها بينما لا يزال المرضى على قيد الحياة.
من خلال عملي في تعزيز رعاية مرضى السكري - بما في ذلك "مشروع تسواني للأنسولين" (Tshwane Insulin Project)، وهو برنامج تديره ممرضات ساعد المصابين بالسكري من النوع الثاني على بدء علاج الأنسولين وتعديله في مراكز الرعاية الأولية مع توفير دعم للمتابعة المنزلية - رأيت بنفسي مواطن الخلل في مسارات الرعاية ومواطن النجاح فيها. نادراً ما تتوقف فرص النجاة على التدخلات الطبية عالية التقنية؛ بل تعتمد بالأحرى على حلقات الوصل في منظومة الرعاية الصحية الأولية، والتي تشمل:
وجود ممرض عيادة مدرب يمتلك الوقت الكافي للتدخل واتخاذ الإجراءات اللازمة
توفر سلسلة توريد موثوقة للأدوية ومستلزمات التشخيص
آليات للمتابعة الدورية في حال تخلف المريض عن موعده
إجراء فحوصات منتظمة للكشف عن مضاعفات الكلى والعين والأوعية الدموية
أنظمة دعم تراعي الواقع الاقتصادي والحياة اليومية للمريض.
نحن بحاجة إلى بيانات سريرية فورية تمكّن المرافق الصحية من الاستجابة في الوقت الراهن، وليس مجرد إحصائيات وطنية لحالات الوفاة تُنشر بعد عامين.
تحويل السياسات إلى ممارسات فعلية في الخطوط الأمامية للرعاية تمتلك جنوب أفريقيا بالفعل إطاراً عملياً يتمثل في "الخطة الاستراتيجية الوطنية للأمراض غير المعدية" وأهدافها المحددة بنسب (90-60-50). وتهدف هذه الخطة المتدرجة إلى ضمان معرفة 90% من البالغين بمستويات ضغط الدم والجلوكوز لديهم، وحصول 60% ممن يعانون من ارتفاع هذه المستويات على العلاج، وتحقيق 50% ممن يتلقون الرعاية للسيطرة السريرية على حالتهم.
وتكمن التحدي الحقيقي في تحويل هذه السياسات إلى واقع ملموس وممارسات عملية.
توفر أدوات مثل "لوحة بيانات مرض السكري" التابعة لخدمة المختبرات الصحية الوطنية رؤىً قيمة حول مستويات السيطرة على سكر الدم في مختلف المناطق. ولكن لاستكمال هذه المنظومة وسد الثغرات، تحتاج جنوب أفريقيا بشكل عاجل إلى سجل وطني لمرض السكري ونظام رقمي متكامل للتتبع؛ وذلك لفهم من ينضم إلى منظومة الرعاية، ومن يستمر فيها، ومن يتسرب منها أو يُستثنى من خدماتها.
من الإعلان إلى التنفيذ الفعلي
في أعقاب قمة السكري لعام 2025، أطلق "تحالف السكري" (Diabetes Alliance) "إعلان جوهانسبرغ بشأن تسريع العمل لمكافحة السكري". ويدعو الإعلان إلى قيادة وطنية منسقة، وتوفير تمويل مستدام، واعتماد اللامركزية في الرعاية الأولية، وضمان مشاركة مباشرة للأشخاص المتعايشين مع مرض السكري. كما يطالب الإعلان الرئاسة بقيادة استجابة متعددة القطاعات، ويحث وزارة المالية (الخزانة الوطنية) والقطاع الصحي على مواءمة الالتزامات السياساتية مع الموارد المالية المتاحة.
ويُضفي أحدث تقرير عن معدلات الوفيات مزيداً من الإلحاح على هذه الأجندة، التي تتضمن ثلاث أولويات عملية:
ربط التشخيص المبكر بالرعاية المستمرة؛ إذ لا جدوى من الفحص ما لم تؤدِ النتيجة الإيجابية إلى علاج متواصل، وتوفير أدوية موثوقة، ومراقبة مستويات الجلوكوز في الدم، ومتابعة سريرية منتظمة.
قياس جودة الرعاية: من خلال نشر بيانات توضح معدلات التشخيص والعلاج واستمرارية المرضى في تلقي الرعاية ومعدلات المضاعفات، مصنفةً حسب المناطق والمقاطعات.
معالجة الظروف التي تُتخذ في ظلها القرارات الصحية؛ حيث تؤثر أسعار الغذاء، وعوائق النقل، والصعوبات الاقتصادية بشكل مباشر على النتائج الصحية.
يجب أن يساهم الأشخاص المتعايشون مع السكري في تحديد ملامح الرعاية الجيدة؛ إذ ينبغي أن تكون تجاربهم مرجعاً يوجه السياسات الوطنية وآليات العمل اليومي في العيادات على حد سواء.
باتريك نغاسا بيوتي
رئيس "تحالف السكري"؛ والمؤسس المشارك لمركز أبحاث السكري بجامعة بريتوريا
الدكتور باتريك نغاسا بيوتي هو أخصائي وباحث في مجال الصحة العامة، يركز عمله على رعاية مرضى السكري، والنظم الصحية، والوقاية من الأمراض غير المعدية في أفريقيا. وهو حاصل على شهادة في الطب، ودرجة الماجستير في الصحة العامة (تخصص مكافحة الأمراض)، ودرجة الدكتوراه في الصحة العامة من جامعة بريتوريا. يشغل الدكتور بيوتي منصب رئيس "تحالف السكري في جنوب أفريقيا"، وهو مؤسس مشارك لمركز أبحاث السكري بجامعة بريتوريا، ومحاضر متميز (Extraordinary Lecturer) في كلية النظم الصحية والصحة العامة بالجامعة نفسها، وباحث مشارك في جامعة نيلسون مانديلا.
تشمل أبحاثه "مشروع تشواني للأنسولين" (Tshwane Insulin Project) - الذي استكشف سبل مساعدة المصابين بالسكري من النوع الثاني على بدء وتعديل علاج الأنسولين ضمن منظومة الرعاية الأولية - بالإضافة إلى دراسة وطنية حول عبء السكري من النوع الأول في جنوب أفريقيا. وانطلاقاً من خبرة تمتد لأكثر من 20 عاماً من العمل في الكاميرون ومالي وجنوب أفريقيا، ينصب اهتمامه بشكل خاص على تحويل نتائج الأبحاث والالتزامات السياساتية إلى رعاية أفضل للأشخاص المتعايشين مع مرض السكري. الخبرة المهنية
– حالياً: مدير مشروع، جامعة بريتوريا
التعليم
2023: جامعة بريتوريا، دكتوراه في الصحة العامة
2015: جامعة بريتوريا، ماجستير في الصحة العامة
العضويات المهنية
جمعية الصحة العامة في جنوب أفريقيا (PHASA)
++++++++++++++++++++++++++++++++++
الصحة النفسية للسياسيين قضية بالغة الأهمية – وعلينا جميعاً الاهتمام بها
الصحة النفسية للسياسيين قضية بالغة الأهمية – وعلينا جميعاً الاهتمام بها
نُشر في: 2 أكتوبر 2026، الساعة 11:12 صباحاً بتوقيت بريطانيا الصيفي
عندما يفصح القادة السياسيون عن تحديات تتعلق بصحتهم النفسية، عادةً ما ينصبّ النقاش العام على تجاربهم الشخصية، وقدرتهم على الصمود، وحتى فرصهم الانتخابية.
وفي الوقت نفسه، حددت مجموعة متنامية من الأبحاث الأكاديمية عدداً من العوامل المسببة للضغط النفسي التي تؤثر على الصحة النفسية للسياسيين؛ وتشمل هذه العوامل: الثقافة التنظيمية داخل البرلمانات، والمضايقات والإساءات عبر الإنترنت، وانعدام الأمان الوظيفي، والتوقعات العامة المبالغ فيها، وغياب القدرة على التحكم في نتائج السياسات.
ومع ذلك، تكمن وراء القصص الفردية المتعلقة باعتلال الصحة النفسية في المجال السياسي مسألةٌ أكثر أهمية بالنسبة للديمقراطية: فعندما يعاني الممثلون المنتخبون من ضائقة نفسية، كيف يؤثر ذلك على القرارات المصيرية التي يتخذونها نيابةً عنا؟
إن وجود علاقة بين صحتنا النفسية وقدرتنا على أداء مهامنا بكفاءة ليس أمراً غامضاً؛ فقد دأب العلماء على دراسة هذه المسألة لعقود. وهناك إجماع -غير مفاجئ- على أن تدهور الصحة النفسية يؤثر بالفعل على قدرتنا على معالجة القضايا واتخاذ القرارات.
ومن المعروف أن حالات الصحة النفسية الشائعة، مثل الاكتئاب والقلق، تؤدي إلى نشوء تحيزات سلبية، وتشوه إدراك المخاطر، وتقلل من الانفتاح على التغيير. ومع ذلك، تظل المعرفة بكيفية حدوث ذلك في المجال السياسي -حيث تتطلب الظروف اتخاذ قرارات يومية وعلى نطاق واسع قد يؤثر على حياة الملايين- محدودةً.
وتقدم دراستنا المنشورة مؤخراً أول اختبار تجريبي لكيفية تأثير أعراض اعتلال الصحة النفسية على عملية اتخاذ القرار أثناء تولي المنصب.
ومن خلال تحليل بيانات خاصة بسياسيين على المستوى الوطني عبر دراستين، وجدنا أن سوء الصحة النفسية لا يقتصر أثره على جعل الحياة السياسية أكثر صعوبة بالنسبة للسياسيين فحسب، بل إنه يغير بشكل مباشر الطريقة التي يقيمون بها قدراتهم الخاصة، ويقدرون بها المخاطر، ويتفاعلون بها مع المعلومات.
الشك في القرارات تحت الضغط
في دراستنا الأولى، تتبعنا 85 عضواً في البرلمان البريطاني على مدار فترة زمنية باستخدام "استبيان الصحة العامة" (General Health Questionnaire) -وهو أداة لتقييم الرفاه النفسي- بالإضافة إلى مجموعة من الأسئلة حول القدرات المتعلقة باتخاذ القرار.
وقد طُلب من أعضاء البرلمان التفكير في آليات تفكيرهم عند التصويت، والمشاركة في المناظرات، وإجراء المقابلات الإعلامية، والتعامل مع طلبات ناخبيهم. بعبارة أخرى، طرحنا أسئلة حول جوانب عملهم التي تحظى باهتمام واسع وتُعد ركيزة أساسية لمهامهم الوظيفية.
وقد دفعت أسئلتنا النواب إلى التفكير في مدى تكرار مواجهتهم لآثار مقيدة ناجمة عن ضيق الوقت، والسيناريوهات المعقدة، والتحديات اليومية، وردود الفعل -سواء كانت إيجابية أو سلبية- من جانب زملائهم.
وأظهرت النتائج وجود علاقة عكسية بين التجارب السابقة المتعلقة بتدهور الصحة النفسية وبين نظرة النواب لقدراتهم الذاتية، لا سيما عند العمل تحت ضغط الوقت.
وببساطة شديدة، أفاد السياسيون الذين عانوا سابقاً من مشاكل في الصحة النفسية بأنهم يواجهون صعوبة أكبر في اتخاذ قرارات سريعة، والتعامل مع المقاطعات أثناء العمل، والشعور بتوفر الوقت الكافي للتأني ودراسة الأمور.
تجنب المخاطرة
في حين توفر التقييمات الذاتية لمحة عن مستوى الثقة بالنفس في بيئة العمل، يظل السؤال قائماً: كيف تؤثر مشاكل الصحة النفسية على خيارات السياسات الفعلية أو على السلوك السياسي أثناء الحكم؟
تقدم دراستنا الثانية -الواردة في هذا المنشور- رؤىً حول هذه المسألة استناداً إلى بيانات جُمعت من 128 نائباً برلمانياً في كل من المملكة المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا. وقد قمنا بقياس أعراض الاكتئاب لدى النواب باستخدام "استبيان صحة المريض" (Patient Health Questionnaire)، وهو أداة سريرية معيارية للكشف عن الأمراض. بعد ذلك، وضعناهم في سيناريوهات افتراضية تتعلق بحالة طوارئ صحية عامة، ومناقشة حزبية حول نتائج استطلاعات الرأي، والتصويت على سياسة اقتصادية.
ومن بين عينة البرلمانيين، استوفت نسبة 12% المعايير السريرية لتشخيص الاكتئاب الجسيم. وقد رصدنا معدلات أعلى بين النساء، وأفراد الأقليات العرقية، والنواب الأصغر سناً.
وعند مواجهة سيناريوهات تتطلب اتخاذ قرارات، كان احتمال اتخاذ قرارات تنطوي على مخاطرة أقل بكثير لدى السياسيين الذين يعانون من أعراض اكتئاب تتراوح بين المتوسطة والشديدة مقارنةً بأقرانهم، وذلك في جميع المواقف. وكان هذا صحيحاً حتى في الحالات التي قد يحقق فيها القرار مكاسب أكبر لهم شخصياً، أو لحزبهم، أو للصالح العام.
وعندما طُرحت السيناريوهات بأسلوب يركز على الخسائر المحتملة بدلاً من المكاسب -مثل التركيز على التأثيرات المتعلقة بالأرواح البشرية أو الأصوات الانتخابية- بدا هؤلاء السياسيون أكثر عرضة للتأثر والتلاعب بآرائهم مقارنةً بأقرانهم؛ مما يؤدي إلى زيادة في نمط اتخاذ القرارات القائم على رد الفعل.
تشير هذه النتائج إلى أن الضائقة النفسية تؤثر على الحالة الإدراكية للسياسيين بنفس الطريقة التي تؤثر بها على عامة الناس.
ومع ذلك، تتطلب ممارسات الحكم الحديثة من المسؤولين المنتخبين التعامل مع مشكلات ضخمة ومعقدة، بدءاً من التغير المناخي ووصولاً إلى الاستراتيجيات الاقتصادية. وتستلزم هذه المشكلات ابتكاراً جريئاً، واتخاذ قرارات صعبة تتضمن مفاضلات طويلة الأمد، والقدرة على التعامل مع حالة عدم اليقين.
عندما تدفع الضائقة النفسية سلوك السياسيين نحو تجنب المخاطر بشكل مفرط أو اللجوء إلى أساليب تفكير سطحية ومختصرة، فمن المرجح أن تتضرر العملية الديمقراطية برمتها ومخرجات العمل السياسي نتيجة لتقييد نطاق التحرك والعمل.
إصلاح المؤسسة قبل الفرد لا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن تؤثر أعراض تدهور الصحة النفسية على أعضاء البرلمان تماماً كما تؤثر على بقية السكان؛ فميلنا إلى اعتبار السياسيين "آخرين" يختلفون عنا هو بحد ذاته افتراض محفوف بالمخاطر.
في معظم بيئات العمل، يتم توفير ترتيبات خاصة -مثل السماح بالتغيب أو تعديل أساليب العمل- لدعم الأفراد خلال الأزمات أو الأحداث الشخصية. ومن المنطقي -وبنفس القدر من الأهمية- أن ينطبق الأمر ذاته على المجال السياسي.
وبدلاً من ترسيخ نهج عفا عليه الزمن في التعامل مع الضغوط السياسية -وهو النهج الذي يطالب القادة السياسيين بمزيد من الصلابة الشخصية- فإننا نرى أن نتائجنا تستدعي تحولاً جذرياً في المواقف والممارسات؛ إذ يجب التعامل مع الصحة النفسية للسياسيين باعتبارها قضية جوهرية تتعلق بطبيعة العمل ولها أهمية بالغة لعمليتنا الديمقراطية.
ونقترح هنا عدداً من الخطوات الضرورية التي يمكن للبرلمانات والأحزاب السياسية اختبارها أو تطبيقها لحماية الأفراد وضمان جودة المخرجات؛ وتشمل هذه الخطوات إنشاء أنظمة متخصصة للصحة المهنية وتوفير قنوات للدعم النفسي داخل الأحزاب السياسية.
كما أن برامج التهيئة والتدريب المخصصة للسياسيين في البرلمان البريطاني وغيره من الهيئات التشريعية لا تزال تركز بشكل مفرط على الجوانب الفنية والإجرائية، ولا تترجم إلى دعم مستمر لوظيفة تفرض أعباءً نفسية متواصلة. لذا، فإن توفير فرص للتطوير المهني المستمر -مقترنة بأوصاف وظيفية تحدد بوضوح التوقعات المطلوبة من أعضاء البرلمان- سيشكل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح.
وفي نهاية المطاف، يظل الممثلون المنتخبون بشراً يعملون في بيئات تتسم بمتطلبات هائلة وصعبة للغاية. ولا يهدف تركيزنا على صحتهم النفسية إلى التقليل من قدرة أي منهم على أداء مهامه، بل يرمي إلى تعزيز المطالبات بتوفير دعم أفضل لأعضاء البرلمان.
ففي النهاية، يصب ضمان قدرة سياسيينا على العمل بأقصى كفاءة ممكنة في مصلحتنا جميعاً؛ فحماية صحتهم النفسية ليست امتيازاً خاصاً يُمنح لهم. يُعد ذلك أمراً حيوياً لضمان اتخاذ قرارات سليمة ومدروسة ومرنة تصب في المصلحة العامة.
جيمس واينبرغ
محاضر أول في العلوم السياسية، جامعة شيفيلد
يُعد الدكتور جيمس واينبرغ أكاديمياً في قسم السياسة بجامعة شيفيلد، ويتمتع بسمعة دولية في مجالات البحث والكتابة وتقديم العروض حول موضوعات متخصصة في حقل السلوك السياسي. نُشرت أبحاثه في مجموعة من المجلات المرموقة والمحكّمة، مثل "المجلة البريطانية للعلوم السياسية" (British Journal of Political Science)، كما حصل على منح بحثية من عدة جهات مانحة مثل مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية (ESRC)، ومؤسسة "ليفر هولم" (Leverhulme Trust)، وصندوق "جوزيف راونتري" للإصلاح (Joseph Rowntree Reform Trust). ومن خلال عمله، يتفاعل جيمس مع شبكة قوية من الشركاء المؤثرين في الأوساط البرلمانية والمجتمع المدني، كما شغل منصباً منتخباً في اللجنة التنفيذية لجمعية الدراسات السياسية في المملكة المتحدة (UK Political Studies Association). وإلى جانب مشاركته في المؤتمرات الأكاديمية، يلقي جيمس بانتظام محاضرات كضيف حول أبحاثه في جامعات أخرى داخل المملكة المتحدة وخارجها، وقد ظهرت مساهماته في وسائل إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية، بما في ذلك "الغارديان" (The Guardian)، و"واشنطن بوست" (Washington Post)، وإذاعات "بي بي سي" (BBC Radio 4, 5 Live, World)، وقناة "جي بي نيوز" (GB News)، وإذاعة "إل بي سي" (LBC Radio)، و"تايمز راديو" (TimesRadio)، فضلاً عن ظهوره في برامج "بودكاست" متنوعة مثل "Politicwise" و"The Bunker". وفي عام 2022، أُدرج اسمه ضمن قائمة عالمية تضم "50 باحثاً مؤثراً قد تساعد أعمالهم في تشكيل سياسيي القرن الحادي والعشرين" (صادرة عن مؤسسة Apolitical Foundation).
الخبرة المهنية
2024 – حتى الآن: محاضر أول، جامعة شيفيلد
2019 – 2023: محاضر، جامعة شيفيلد
المؤهلات العلمية
2018: جامعة شيفيلد، دكتوراه
2013: جامعة مانشستر، ماجستير
2012: جامعة أكسفورد، بكالوريوس (مع مرتبة الشرف)
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
من الانتحاريات إلى مناصب السلطة: تطور دور المرأة في الجماعات الجهادية
تؤدي النساء دوراً أكثر فاعلية في التنظيمات الجهادية
من الانتحاريات إلى مناصب السلطة: تطور دور المرأة في الجماعات الجهادية
نُشر في: 1 أكتوبر 2026، الساعة 8:48 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة (EDT)
تُعد خضرة عيسى -وهي مواطنة هولندية من أصل صومالي تنشط في سوريا تحت اسم "أم قعقاع الصومالية"- امرأة مطلوبة للعدالة.
ففي 14 سبتمبر 2026، جددت وزارة الخارجية الأمريكية الإعلان عن مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار أمريكي مقابل معلومات تؤدي إلى تحديد مكانها، وذلك بعد أن كانت قد عرضت مكافأة أولى في أبريل 2025.
ويصف الإعلان عيسى بأنها كبيرة المدربات في الشريعة ضمن "كتيبة نسيبة" (أو ISIS-NK)، وهي كتيبة قتالية نسائية بالكامل تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، تأسست في مدينة الرقة السورية عام 2016 بهدف تجنيد المقاتلات وتنظيمهن وتدريبهن.
وتزعم الولايات المتحدة أنها تلقت تدريباً رسمياً على استخدام الأسلحة والمتفجرات وتنفيذ العمليات الانتحارية. كما يشير بيان وزارة الخارجية إلى أن عيسى "درّست الأيديولوجيا المتطرفة لتنظيم الدولة الإسلامية التي تبرر العمليات الانتحارية وقتل المدنيين"، وعملت على تجنيد الأعضاء، وأصدرت أوامر أدت إلى وقوع اعتداءات وجرائم قتل، فضلاً عن "قيادتها لمجموعة فرضت أحكام الشريعة بالقوة على النساء". وهناك إشعار منفصل صادر عن وزارة الخارجية يطلب معلومات تؤدي إلى تحديد مكان طفلين أمريكيين واستعادتهما؛ حيث يُزعم أن عيسى أخذتهما بعد وفاة والدتهما -التي كانت مجندة في تنظيم الدولة الإسلامية- عام 2019.
بصفتي باحثاً في شؤون الإرهاب يدرس آليات تنظيم الجماعات المسلحة وقدرتها على التكيف، فقد قمت بفحص سجلات المحاكم الأمريكية والأوروبية، وقوائم العقوبات وإعلانات المكافآت، بالإضافة إلى المنشورات الصادرة عن الجماعات الجهادية نفسها باللغة العربية، وذلك لتتبع تطور أدوار النساء داخل هذه الحركات المسلحة.
لقد عُرف عن النساء القتال وتنفيذ الهجمات منذ ظهور الإرهاب الحديث؛ إلا أنني رصدت تطوراً أحدث يتمثل في إضفاء طابع رسمي متزايد على السلطة التنظيمية للنساء داخل الجماعات الجهادية. إذ باتت النساء يشغلن أدواراً محددة يقمن من خلالها بتدريب أعضاء آخرين أو تجنيدهم أو تأديبهم أو توجيههم، أو إدارة مهام حيوية يعتمد عليها التنظيم.
خضرة عيسى، مواطنة هولندية من أصل صومالي تنشط في سوريا تحت اسم "أم قعقاع الصومالية".
الاستفادة من تجارب الجماعات العلمانية
قبل عقدين من الزمن، أجرت عالمة العلوم السياسية "بريجيت ناكوس" دراسة حول كيفية النظر إلى النساء المنخرطات في الجماعات المسلحة. لطالما لعبت النساء أدواراً قيادية وفكرية رئيسية في الحركات العلمانية؛ مثل منظمة "ويذر أندرغراوند" (Weather Underground) في الولايات المتحدة، و"الألوية الحمراء" في إيطاليا، و"جماعة الجيش الأحمر" في ألمانيا، ومنظمة "إيتا" (ETA) الانفصالية الباسكية.
وفي المقابل، نادراً ما صُوِّرت النساء في الحركات الجهادية كأفراد يتمتعون بسلطة رسمية على الأعضاء الآخرين أو يتولون مهاماً تنظيمية. وبدلاً من ذلك، ونظراً لاستغلال هذه الجماعات للصورة النمطية التي تعتبر المرأة أقل خطورة من الناحية الأمنية، فقد حصرت دور المرأة النشط في العمليات الهجومية -في المقام الأول- في مهمة نقل القنابل.
لقد كان هذا التكتيك قد ترسخ بالفعل في أوساط الحركات المسلحة العلمانية؛ فقد استخدم "الحزب السوري القومي الاجتماعي" سناء محيدلي في هجوم انتحاري في لبنان عام 1985، وفي عام 1991 اغتالت "دانـو" -وهي ناشطة في حركة "نمور تحرير تاميل إيلام"- رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي، كما بدأ "حزب العمال الكردستاني" في الدفع بنساء لتنفيذ عمليات تفجيرية في تسعينيات القرن الماضي.
وبحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت الجماعات المسلحة الفلسطينية -بما فيها الجماعات الجهادية- في استخدام نساء لتنفيذ عمليات انتحارية. ففي يناير 2002، لقيت وفاء إدريس حتفها في القدس بعد أن تسببت في مقتل رجل وإصابة نحو 50 شخصاً. وتُعرف على نطاق واسع بأنها أول امرأة فلسطينية تنفذ عملية تفجيرية انتحارية، رغم أن بعض الروايات تشير إلى أن العبوة الناسفة ربما انفجرت بشكل غير متوقع. وقد تلت ذلك أربع عمليات انتحارية أخرى نفذتها نساء في غضون أشهر قليلة من ذلك الهجوم.
وفي البداية، عارضت حركة "حماس" الفلسطينية المسلحة استخدام النساء في الهجمات الانتحارية، لكنها عدلت عن موقفها هذا في عام 2004.
وقد برر زعيمها الروحي، أحمد ياسين، هذا التغيير بأسباب تكتيكية قائلاً: "قد يعجز الرجل عن الوصول إلى الهدف، ولهذا السبب كان لا بد من الاستعانة بامرأة".
ما وراء دور المُنفِّذة
في غضون سنوات قليلة، بدأت الجماعات الجهادية في كل من العراق والأردن وباكستان أيضاً في استخدام نساء لتنفيذ عمليات انتحارية.
غير أن جماعة "بوكو حرام"، التي تتخذ من نيجيريا مقراً لها، هي التي وسعت نطاق هذه الممارسة إلى مستويات غير مسبوقة. حددت دراسة أجراها "مركز مكافحة الإرهاب" هوية 434 منفذاً لعمليات انتحارية (بلغ مجموعها 238 هجوماً) في الفترة ما بين أبريل 2011 ويونيو 2017، حيث شكلت النساء ما لا يقل عن 56% من هؤلاء المنفذين.
وقد وضعت هذه الحالات النساء -إلى حد كبير- في الجانب التنفيذي للعمليات؛ إذ كنّ يحملن القنابل أو يصلن إلى الأهداف، لكن حضورهن كان أقل وضوحاً بكثير في الأدوار المتعلقة باختيار العناصر، أو صياغة الأيديولوجيا، أو تدريب المنفذين، أو إدارة التنظيم ذاته.
وكان هذا الموقف المحافظ هو الذي يوجه في البداية جماعات مثل تنظيم القاعدة.
ففي ديسمبر 2009، نشرت أميمة الظواهري -زوجة نائب زعيم تنظيم القاعدة آنذاك- رسالة بعنوان "رسالة إلى أخواتي المسلمات". وقد أجازت الرسالة للنساء تمويل العمليات وجمع المعلومات، وتنفيذ عمليات انتحارية من حيث المبدأ، مع التشديد في الوقت ذاته على أن دورهن الرئيسي يكمن في تربية أبناء المقاتلين، وإدارة شؤون المنازل، وحفظ الأسرار.
غير أن الدعاية الجهادية بدأت توسع نطاق الخطاب المتعلق بأدوار النساء.
ففي عام 2014، نشرت مجلة "الغرباء" -التي تصدر باللغة السواحيلية وتتبع حركة الشباب في الصومال- مقالاً بعنوان "قائدات مجاهدات". وفي المقال الذي ترجمه وحلله كاليب وايس (وهو باحث متخصص في شؤون الجهادية في أفريقيا)، أعلنت المجلة أن "لنا نحن الأخوات أيضاً قائداتنا". كما قدمت المجلة كلاً من عافية صديقي -وهي عالمة أعصاب باكستانية أُدينت عام 2010 بمحاولة قتل أفراد من الجيش وقوات إنفاذ القانون الأمريكية- وسامانثا لوثويت (المشتبه في تورطها في جرائم قتل جماعي) كنموذجين نسائيين يُحتذى بهما.
وقد عكس هذا الخطاب واقعاً أوسع؛ إذ كانت النساء في حركة الشباب يعملن بالفعل في مجالات التجنيد، والتمويل، ونقل الرسائل، وجمع المعلومات الاستخباراتية، حتى وإن نادراً ما كانت الحركة تضعهن في مناصب قيادية رسمية.
توسيع أدوار النساء وفي الوقت نفسه، بدأ تنظيم "الدولة الإسلامية" يمنح بعض النساء شكلاً أكثر ملموسية من أشكال السلطة.
ففي فبراير 2014، أعلن التنظيم عن تشكيل "لواء الخنساء" في سوريا، وهو لواء نسائي بالكامل. نشأت هذه الوحدة جزئياً استجابةً لتحدٍ أمني عملي؛ إذ شنّ رجالٌ متنكرون في زي نسائي هجماتٍ استهدفت قادةً في تنظيم "الدولة الإسلامية"، مما خلق حاجةً لوجود نساء يتولين تفتيش النساء عند نقاط التفتيش. وقد توسعت مهام الوحدة لتشمل جمع المعلومات الاستخباراتية، وإنفاذ القانون، وعمليات التجنيد، ومراقبة النساء الأخريات وضبطهن.
كان بإمكانهن احتجاز النساء الأخريات ومعاقبتهن، لكن سلطتهن كانت تقف عند هذا الحد.
لقد شغلت هذه الكتيبة "موقعاً ذا سلطة"، ومع ذلك ظلت عاجزة عن الاعتراض على سياسات تنظيم "الدولة الإسلامية".
وقد تعايشت هذه السلطة مع عقيدةٍ كانت لا تزال تحصر دور المرأة -في المقام الأول- داخل المنزل؛ إذ أجاز بيانٌ أصدره التنظيم عام 2015 للنساء القتالَ في ظروف استثنائية فقط، وتحديداً عندما تتعرض أراضي المسلمين لهجوم ولا يتوفر عدد كافٍ من الرجال للدفاع عنها.
مع تزايد الضغوط على الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلامية"، توسع نطاق هذا التبرير. ففي ديسمبر/كانون الأول 2016، نشرت نشرة التنظيم الإخبارية باللغة العربية "النبأ" مقالاً بعنوان "سأموت والإسلام عزيز"، جادلت فيه بأن الجهاد ضروري للمرأة تماماً كما هو للرجل.
وبحلول يوليو/تموز 2017، كانت مجلة التنظيم "رومية" تدعو النساء إلى النهوض "بشجاعة وتضحية في هذه الحرب".
واستند المقال في تبريره إلى شخصية نسيبة بنت كعب التي عاشت في القرن الرابع عشر. فقد حملت هذه الصحابية -المعروفة أيضاً باسم "أم عمارة"- السلاح وشاركت في معركة أحد. ونظراً لأن معركة أحد كانت معركة دفاعية، فقد شكلت نسيبة سابقة مفيدة للحركات التي كانت تقيد -في العادة- مشاركة النساء في القتال.
**التحول إلى شخصيات قيادية**
تمثلت الخطوة التالية في تشكيل وحدة نسائية مختلفة؛ ففي أواخر عام 2016، وافق تنظيم "الدولة الإسلامية" على تشكيل "كتيبة نسيبة"، وهي كتيبة عسكرية تتألف من عناصر نسائية.
وتولت أليسون فلوك-إكرين -وهي مقيمة سابقة في ولاية كانساس وكانت قد أسست مركزاً نسائياً تابعاً للتنظيم في الرقة- قيادة الكتيبة وتنظيمها. وقد دربت أكثر من 100 امرأة وفتاة على استخدام البنادق الآلية والقنابل اليدوية والأحزمة الناسفة، وذلك وفقاً لوزارة العدل الأمريكية. وعقب القبض عليها في سوريا، نُقلت إلى عهدة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في يناير/كانون الثاني 2022؛ حيث أقرت بالذنب في يونيو/حزيران من العام نفسه، وحُكم عليها بالسجن لمدة 20 عاماً في محكمة فيدرالية بولاية فرجينيا.
وفي حين مارست "كتيبة الخنساء" سلطة قسرية على نساء أخريات بصفتها وحدة أمنية وتنفيذية، فقد نُظمت "كتيبة نسيبة" ككتيبة عسكرية نسائية؛ وشكّل هذا التمييز تحولاً إضافياً.
كما انتقلت النساء أيضاً إلى أدوار تنظيمية متخصصة تتجاوز نطاق القتال المباشر.
ففي يناير/كانون الثاني 2024، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية المواطنة المصرية سارة جمال محمد السيد على قائمة العقوبات؛ وذلك لتقديمها دعماً مادياً لتنظيم "الدولة الإسلامية" من خلال عملها مع "مؤسسة الآفاق الإلكترونية" (Electronic Horizons Foundation)، التي تُعد الذراع المعنية بالأمن السيبراني والأمن العملياتي للتنظيم. تفيد وزارة الخزانة بأنها عملت على تجنيد عناصر لصالح تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتوفير خوادم (سيرفرات) لمنصات التنظيم، والمساعدة في المهام اللوجستية ودعم استخدام العملات المشفرة.
وقد أوضحت ديفورا مارغولين -وهي باحثة في شؤون الإرهاب متخصصة في قضايا المرأة والنوع الاجتماعي في سياق التطرف العنيف- كيف وسّعت مثل هذه الجماعات أدوار النساء لتشمل التمويل والتجنيد، وغالباً ما يكون ذلك بدافع الضرورة التنظيمية لا عن قناعة مبدئية.
وتُظهر قضايا "فلوك-إكرين" و"عيسى" و"السيد" مجتمعةً تحوّل النساء من المشاركة الثانوية في الجماعات الجهادية إلى تولي مهام تنظيمية محددة تنطوي على قدر أكبر من السلطة والمسؤولية.
لقد كان حضور النساء اللواتي يمارسن العنف ظاهراً وواضحاً منذ فترة طويلة؛ وبات يتزايد أيضاً ظهور النساء اللواتي يقمن بتدريب المجندين، وفرض القواعد، ونشر الأيديولوجيا، ودعم الأنظمة القائمة خلف هذا النشاط.
سارة هرموش
زميلة أبحاث في مجال مكافحة الإرهاب، جامعة جورج واشنطن
تشغل الدكتورة سارة هرموش منصب الرئيس التنفيذي لشركة "H9 Defense"، وهي شركة استشارية متخصصة في الأبحاث والاستشارات في مجالات مكافحة الإرهاب، والأمن القومي، والمخاطر الجيوسياسية، وتقييم التهديدات، والاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT). بصفتها خبيرة في مكافحة الإرهاب وباحثة في الأمن القومي، ينصب تركيزها على قضايا العنف السياسي، والإرهاب، والتشدد، والجماعات المسلحة، والتنظيمات المسلحة الإسلامية، والحرب غير التقليدية، وسلوك الجهات الفاعلة من غير الدول، وديناميكيات التحالفات، والظروف التي تدفع الجماعات المسلحة للانتقال من ممارسة العنف المحلي إلى العنف الدولي. كما تتناول أبحاثها التقاطع بين الإرهاب والتقنيات الناشئة والقدرات غير التقليدية وأسلحة الدمار الشامل، مع التركيز على كيفية تكيف التنظيمات المسلحة واستمراريتها وتوسعها العملياتي، وتفاعلها مع الدول والجهات المتمردة والتنظيمات المنافسة. نشأت الدكتورة هرموش في لبنان وتتقن اللغتين العربية والفرنسية، وتستند في عملها إلى أبحاث ميدانية ومصادر أولية جمعتها من مناطق متعددة تشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا وأوروبا، بما في ذلك إجراء مقابلات وتفاعلات مباشرة مع أعضاء في جماعات متطرفة. وهي تقدم بانتظام إحاطات ومشورة للأجهزة الأمنية الأمريكية والدولية حول اتجاهات الإرهاب والقضايا الأمنية الناشئة. نُشرت أعمالها في منصات ومجلات مرموقة مثل *The Washington Quarterly* و*Lawfare* و*The Long War Journal* و*NatSec Matters* و*Defense One* و*War on the Rocks* و*NPR* و*VOA* وغيرها، كما تم الاستشهاد بها في شهادات أمام الكونغرس الأمريكي. حصلت على درجة الدكتوراه في العدالة والقانون وعلم الجريمة من الجامعة الأمريكية (American University)، ودرجة الماجستير في العلاقات الدولية والعلوم والتكنولوجيا من معهد جورجيا التقني (Georgia Institute of Technology). يمكن متابعتها على منصة "إكس" (تويتر سابقاً): @Dr_SaraHarmouch
الخبرة المهنية
– حالياً: الرئيس التنفيذي لشركة "H9 Defense"
– حالياً: زميلة أبحاث في مجال مكافحة الإرهاب، جامعة جورج واشنطن
التعليم
2025: الجامعة الأمريكية (American University) – دكتوراه في العدالة والقانون وعلم الجريمة
2018: معهد جورجيا التقني (Georgia Institute of Technology) – العلاقات الدولية والعلوم والتكنولوجيا
2016: جامعة لين (Lynn University) – العلاقات الدولية
++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الكشف عن وجه أقدم إنسان لأول مرة منذ 300 ألف عام
أشار الباحثون إلى أن الإنسان القديم، الذي أُعيد تكوينه رقمياً، سيمر دون أن يلفت الانتباه للوهلة الأولى في وقتنا الحاضر. المصدر: MDPI.com / Heritage
الكشف عن وجه أقدم إنسان لأول مرة منذ 300 ألف عام
خبراء يستخدمون جمجمة متحجرة عُثر عليها في المغرب لإعادة تشكيل وجه أقدم نموذج معروف للإنسان العاقل (Homo sapiens)
سارة ناببتون، محررة العلوم في صحيفة "التلغراف"
نُشر في 29 سبتمبر 2026، الساعة 5:51 مساءً بتوقيت بريطانيا الصيفي
تمت إعادة تشكيل وجه أقدم إنسان عُثر عليه على الإطلاق، وذلك بعد مرور أكثر من 300 ألف عام.
أُعيد تشكيل ملامح الرجل رقمياً استناداً إلى جمجمة متحجرة اكتُشفت في ستينيات القرن الماضي أثناء عمليات استخراج المعادن في منطقة "جبل إيغود" غربي المغرب.
كان العلماء يعتقدون في البداية أن البقايا تعود لإنسان نياندرتال، لكن إعادة تقييم أجريت عام 2017 أظهرت أنها تعود لأقدم نموذج مسجل للإنسان العاقل.
وأشار الخبراء إلى أنه -رغم عيشه قبل نحو 315 ألف عام، أي قبل خروج البشر من أفريقيا- إلا أن ملامحه كانت تشبه إلى حد مدهش ملامح البشر المعاصرين.
وقال سيسيرو مورايس، الخبير العالمي الرائد في مجال إعادة تشكيل الوجوه لأغراض جنائية والذي قاد هذا العمل: "لو كان يرتدي ملابس عصرية وسط حشد من الناس، فمن المرجح ألا يلاحظه أحد للوهلة الأولى".
وأضاف أن التدقيق في النظر فقط هو ما قد يكشف عن اختلافات طفيفة، مثل بروز أكبر في منطقة الحاجبين وبروز أكثر وضوحاً للوجه إلى الأمام.
تُعد الجمجمة المستخدمة في عملية إعادة البناء واحدةً من بضع جماجم نادرة عُثر عليها في أحد المواقع بالمغرب خلال ستينيات القرن الماضي. المصدر: MDPI.com / Heritage
كيف أُعيد تشكيل الوجه...
لإعادة تشكيل الوجه، استخدم الخبراء نموذجاً رقمياً ثلاثي الأبعاد أُعدّ استناداً إلى جمجمة "جبل إيغود"، وهو عمل أنجزه معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في مدينة لايبزيغ بألمانيا. وقد أضافوا الأنسجة الرخوة والتفاصيل التشريحية بالاستناد إلى بيانات خاصة بأشخاص من أفريقيا.
ورصد الفريق اختلافات طفيفة في شكل الوجه مقارنةً بالبشر المعاصرين، شملت بروزاً أكبر في الذقن، وأنفاً أكثر عرضاً، ومحيطاً أكبر للرأس.
وقد أُنتجت نسختان للوجه في إطار هذا البحث: إحداهما بتدرجات اللون الرمادي لإبراز البنية التشريحية الأساسية، والأخرى نموذج مجسّم (نصفي) بالألوان الكاملة يُظهر بشرة وشعراً داكنين.
ورغم أن الجمجمة لا تقدم أي أدلة حول لون البشرة أو الشعر أو العينين، فقد أضاف الفريق شعراً داكناً ولحية؛ إذ اعتُبرت هذه السمات "محتملة" لشخص عاش في شمال أفريقيا قبل نحو 315 ألف عام، وذلك استناداً إلى دراسات سابقة تناولت البشر القدامى والمعاصرين.
تم إنتاج نسخة رمادية اللون للوجه، خالية من الشعر واللحية. المصدر: MDPI.com/Heritage journal
...وكيف يقارن ذلك بالرجال المعاصرين
حسب الفريق حجم الدماغ ووجد أنه يبلغ 1230 سنتيمتراً مكعباً، وهو رقم قريب جداً من متوسط حجم الدماغ لدى الرجال البالغين في العصر الحديث، والبالغ 1234 سنتيمتراً مكعباً؛ مما يشير إلى أن حجم الدماغ لم يطرأ عليه سوى تغيير طفيف للغاية على مدار 300 ألف عام.
وقال البروفيسور فرانشيسكو غالاسي، أخصائي التشريح في جامعة بافيا بإيطاليا وأحد مؤلفي الدراسة: "إنها تجربة رائعة دائماً أن نرى الوجه مكتملاً ونلاحظ مدى تشابهه - واختلافه في الوقت نفسه - مع ملامح البشر في عصرنا الحالي".
وأضاف: "لا يسع المرء إلا أن يتساءل عما كانت تبدو عليه حياته اليومية، وكيف كان يحل مشكلاته، وما الذي كان يدور في خلده".
ونظراً لعدم وجود بقايا معروفة للأنسجة الرخوة تعود لأفراد من نوع "الإنسان العاقل" (Homo sapiens) في تلك الحقبة، فمن المحتمل أن تكون تكوينات العضلات مختلفة عما هي عليه لدى البشر المعاصرين، مما قد يؤدي إلى اختلاف في المظهر الخارجي.
ومع ذلك، رأى الباحثون أن الجمجمة تفرض قيوداً على توزيع العضلات والأنسجة، ولذا فمن غير المرجح أن يكون وجه ذلك الرجل مختلفاً بشكل جوهري عما أظهره نموذج إعادة البناء.
وحتى الآن، كشفت عمليات التنقيب في موقع "جبل إيغود" عن 22 عظمة أحفورية لأشباه البشر، تعود لما لا يقل عن خمسة أفراد من نوع "الإنسان العاقل"؛ ويُعتقد أنهم ثلاثة بالغين ومراهق وطفل.
كما عُثر على أدوات حجرية - شملت أدوات للكشط، ورقائق حجرية، وأدوات للثقب - بالإضافة إلى أدلة تشير إلى استخدام المجموعة للنار.
وأظهرت عظام الحيوانات الموجودة بالقرب من الأحافير علامات تدل على عمليات ذبح وتقطيع، مما يشير إلى أن هؤلاء البشر كانوا يقتاتون على طرائد كبيرة وصغيرة، بما في ذلك حيوانات النو (wildebeest) والغزلان والحمر الوحشية، فضلاً عن بيض النعام.
نُشرت نتائج هذا البحث في دورية "هيريتيج" (Heritage).
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة