رحل الدكتور التيجاني عبد القادر، ثم لحق به بعد أيام الدكتور حيدر إبراهيم علي، وكأن السودان فقد في زمن قصير صوتين انشغلا بالسؤال نفسه، وإن وقفا على ضفتين متقابلتين: لماذا فشل المشروع الإسلامي في بناء الدولة التي وعد بها؟ وكيف تحولت شعارات النهضة والعدل والتحرير إلى استبداد وتمكين وحروب وانهيار؟
كان كلاهما مفكرًا وأكاديميًا وكاتبًا صاحب مشروع، لكن التشابه ينتهي تقريبًا عند هذه الحدود. فقد نظر حيدر إلى الحركة الإسلامية من خارجها، بوصفها ظاهرة اجتماعية وسياسية ينبغي تفكيكها، بينما نظر إليها التيجاني من داخلها، بوصفها مشروعًا آمن به وأسهم في صياغة بعض مفاهيمه، ثم أخذ يراجع تجربته وينتقد مآلاته.
وهنا ينبغي التمييز بين المفكر والمثقف. فالمفكر ينتج الأفكار والمفاهيم والتفسيرات، أما المثقف فتظهر قيمته في موقعه من السلطة والمجتمع، وفي الجهة التي يمنحها علمه ولغته وقدرته على التأثير. قد يكون المرء مفكرًا عميقًا، لكنه يتحول إلى لسان تنظيم أو سلطة. وقد يكون مثقفًا منحازًا، لكنه يجعل انحيازه للحرية والعدل والمصلحة العامة، لا لجماعة مغلقة.
من حيث التكوين الفكري، انطلق حيدر إبراهيم من علم الاجتماع، ولا سيما علم اجتماع الدين. لم يكن سؤاله عن النص الديني في ذاته، بل عن كيفية تحوله إلى أيديولوجيا وتنظيم وسلطة. لذلك انشغل بالإسلام السياسي، والديمقراطية، والمجتمع المدني، والحداثة، والاستبداد، وعلاقة المثقف بالدولة. وكان يرى أن أزمة المشروع الإسلامي لا تبدأ من فساد بعض أفراده أو استيلاء العسكريين عليه، بل من ادعائه امتلاك الحقيقة، وخلطه بين الدعوة والدولة، وتحويله التنظيم إلى وصي على المجتمع.
أما التيجاني فانطلق من الفكر السياسي الإسلامي ومحاولة استخراج أصول السياسة والدولة والمجتمع من القرآن. وكان معنيًا ببناء منظومة معرفية إسلامية ترى الوحي مصدرًا للمعرفة إلى جانب العقل والكون والتجربة الإنسانية. ولهذا لم يتعامل مع الحركة الإسلامية بوصفها مجرد تنظيم سياسي، بل بوصفها حاملة لمشروع نهضة أخلاقية وحضارية.
هذا الاختلاف في المنطلق قاد إلى اختلاف جوهري في تشخيص الفشل. حيدر سأل: هل يحمل المشروع في بنيته ما يقوده إلى الاستبداد؟ أما التيجاني فسأل: كيف انفصلت الحركة عن الفكرة، وكيف استولت الدولة والعسكر والأمن وأصحاب المصالح على مشروع كان يفترض أن يقوم على القيم؟
كان حيدر ينقد أصل الشجرة، بينما كان التيجاني ينقد ما أصاب جذعها وأغصانها بعد وصولها إلى السلطة.
وتتجلى قوة حيدر في أنه بدأ نقده مبكرًا. فقد كتب عن أزمة الإسلام السياسي منذ السنوات الأولى للإنقاذ، ثم تابع تفكيك التجربة في مؤلفات مثل «سقوط المشروع الحضاري» و«مراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب الدنيا وخسارة الدين» و«الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان». لم ينتظر المفاصلة، ولا إقصاء الترابي، ولا انقسام الإسلاميين حتى يقول إن الخلل يتجاوز الأشخاص إلى الفكرة حين تتحول إلى سلطة تحتكر الدين والدولة معًا.
لكن حيدر لم يكن مفكرًا محايدًا بلا موقف. كان منحازًا إلى العلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني، وكانت لغته حادة وأحيانًا سجالية. وقد يدفعه وضوح موقفه إلى تعميم الحكم على تجارب الإسلام السياسي المختلفة أو التقليل من إمكان المراجعة داخلها. غير أن انحيازه ظل معلنًا، ولم يتستر خلف ادعاء الحياد الأكاديمي.
أما قوة التيجاني فكانت في معرفته الدقيقة بالحركة من داخلها. فقد عرف بنيتها التنظيمية، وتكوين قياداتها، والصراع بين الفكرة والدولة، وكيف تحولت الحركة من جماعة دعوية وسياسية إلى شبكة مصالح تتداخل فيها السلطة والسوق والقبيلة والأمن. ولذلك حمل نقده قيمة شهادة الداخل التي لا يستطيع الباحث الخارجي أن يقدمها بالدرجة نفسها.
غير أن موقعه الداخلي هو أيضًا موضع مساءلته. فقد كان من قيادات الحركة الإسلامية وعضوًا في مجلس شوراها، ثم تولى إدارة التأصيل المعرفي بوزارة التعليم العالي، ووصف ما قاموا به بأنه «عمليات افتتاحية وتبشيرية بالمشروع». وقصر المدة لا يلغي طبيعة الدور؛ لأن المفكر لا يقتصر عمله على التنفيذ، بل يضع الإطار ويصوغ المفاهيم ويمنح المشروع لغته ومشروعيته.
لهذا لا يمكن وضع الرجلين في الموقع الأخلاقي نفسه تجاه الإنقاذ. حيدر واجه المشروع من خارجه وفي وقت مبكر، بينما شارك التيجاني في بعض بداياته المؤسسية، ثم ابتعد عنه وانتقد نتائجه. وهذا لا يبطل قيمة مراجعات التيجاني، لكنه يمنع تحويلها إلى موقف سابق على التجربة أو قطيعة مكتملة مع أصلها.
إذا استعرنا نماذج جوليان بندا وإدوارد سعيد وأنطونيو غرامشي، بدا الفرق أكثر وضوحًا.
حيدر أقرب إلى مثقف بندا الذي يجعل ولاءه للقيم العامة، لا لعصبية الحزب والتنظيم. وهو أقرب كذلك إلى مثقف إدوارد سعيد الذي يعيش المنفى بوصفه مسافة نقدية، ويرفض الراحة داخل الإجماع، ويجعل مهمته قول ما لا ترغب السلطة والجماعة في سماعه. وقد خاطب حيدر السودانيين باعتبارهم مواطنين، لا أعضاء محتملين في تنظيم، وجعل موضوعه الدولة والمجتمع والحرية والحداثة.
أما التيجاني، في مرحلته الأولى، فكان أقرب إلى المثقف العضوي عند غرامشي: المثقف الذي ينشأ داخل جماعة سياسية، ويصوغ رؤيتها، وينظم وعيها، ويساعدها على تحويل أفكارها إلى نفوذ وهيمنة داخل المجتمع والدولة. لكن مثقفه العضوي كان مرتبطًا بالحركة الإسلامية أكثر من ارتباطه بالمجتمع السوداني بتعدده واختلافاته.
وليس كل مثقف عضوي مثقفًا للشعب؛ فالعبرة بالجهة التي ينتج وعيها ويخدم مشروعها. قد يكون المثقف عضويًا للعمال أو الفئات المهمشة، وقد يكون عضويًا لتنظيم يسعى إلى احتكار الدولة. والتيجاني، في جانب أساسي من مسيرته، كان مثقفًا عضويًا للحركة الإسلامية قبل أن يصبح ناقدًا لها.
أما حيدر، فعلى الرغم من انحيازاته الفكرية، كان أقرب إلى مثقف المجال العام السوداني. لم يكتب لاستعادة نقاء تنظيم، بل لتوسيع مساحة الحرية والنقد والمواطنة. كما لم يكتف بالكتابة، بل أسس مركز الدراسات السودانية، محاولًا إنشاء مؤسسة معرفة مستقلة عن الدولة والتنظيم، ومفتوحة أمام تعدد الأصوات والقضايا.
ولا يعني ذلك أن حيدر كان ممثلًا مطلقًا للشعب، فالشعب ليس كتلة واحدة، ولا يملك أي مثقف حق التحدث باسمه كاملًا. المقصود أنه وجّه خطابه إلى المجتمع السوداني في مجموعه، وجعل المصلحة العامة معيارًا لنقد السلطة والتنظيمات، بينما ظل التيجاني، حتى في نقده المتأخر، منشغلًا إلى حد بعيد بمصير الحركة الإسلامية وفكرتها وإمكان إصلاحها.
لقد حاول التيجاني الانتقال من مثقف التنظيم إلى المثقف الناقد، وامتلك شجاعة في نقد فساد النخبة الإسلامية وتحالف السلطة والثروة وسيطرة العسكريين والأمنيين. لكنه لم يترك، في حدود ما هو متاح من كتاباته، قطيعة صريحة تقول إن أصل الاستيلاء على السلطة بالقوة، وإخضاع الدولة لتنظيم عقائدي، وفرض التأصيل على الجامعة والمعرفة، كان خطأً منذ البداية. ولذلك بقي نقده أقرب إلى مراجعة المشروع من داخله منه إلى مغادرته فكريًا.
أما حيدر فلم يكن مطالبًا بمراجعة مشاركة في مشروع الإنقاذ، لأنه لم يكن جزءًا منه. وكانت مسؤوليته من نوع آخر: أن يحافظ على استقلاله، وألا يتحول نقده إلى تعصب مضاد، وأن يبقى قادرًا على مساءلة القوى التي يقترب منها فكريًا. وفي جوانب كثيرة من مسيرته فعل ذلك؛ فقد كان ناقدًا للإسلاميين والعسكر والطائفية، ولم يوفر النخب المدنية من النقد.
يمثل الرجلان، إذن، صورتين مختلفتين للمثقف السوداني. حيدر هو المفكر الذي جعل المجتمع موضوعه والمواطن مخاطبه، وحافظ على مسافة من السلطة والتنظيم. والتيجاني هو المفكر الذي نشأ داخل مشروع عقائدي، وأسهم في صياغة بعض رؤاه، ثم شهد تحوله إلى سلطة وحاول نقد انحرافاته.
كان حيدر شاهدًا على المشروع من الخارج ومفككًا لبنيته، وكان التيجاني شاهدًا عليه من الداخل وناقدًا لمآلاته. الأول سأل عن الخلل الكامن في الفكرة عندما تحتكر الدولة، والثاني سأل عن اللحظة التي خانت فيها الحركة فكرتها.
وكلا السؤالين مهم، لكنهما لا يحملان الوزن الأخلاقي نفسه. فالمثقف الذي يقف مع المجتمع في وجه السلطة ليس كالمثقف الذي يمنح مشروع السلطة لغته ثم يراجعه بعد أن تظهر نتائجه.
رحم الله حيدر إبراهيم علي والتيجاني عبد القادر. فقد السودان برحيلهما عقلين كبيرين وتجربتين جديرتين بالدراسة. لكن الإنصاف لا يعني التسوية بين الموقعين، بل الاعتراف بأن حيدر كان أقرب إلى مثقف الشعب والمجال العام، بينما ظل التيجاني، في جزء مؤثر من مسيرته، مثقفًا للحركة الإسلامية، ثم واحدًا من أهم شهودها وناقديها من الداخل.
09-27-2026, 08:25 AM
jini jini
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 30813
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة