|
|
حين يعود الإنسان من الطريق الوعر
|
09:46 PM September, 24 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
هناك منطقة في حياة الإنسان، إذا عبرها، لا يعود بعدها يكتب بالحبر وحده, يكتب بما تبقى من روحه لا اريد ان أحكي عن حزن العمر وضياع العشق والتشرد الطويل في الدنيا ليست المسألة أن السنوات كثرت، أو أن التجارب تراكمت حتى صار الماضي أثقل من الحاضر. المسألة أن الإنسان، في لحظة ما، يكتشف أن بعض الطرق لا تعلّمه كيف يصل، وإنما تعلّمه كيف يمشي وهو يعرف أن الوصول ليس مضمونًا عبرتُ في السنوات الأخيرة شيئًا من هذه المنطقة الوعرة؛ منطقة لا يمكن اختصارها في سجن أو منفى أو خصومة أو خذلان. فقد كانت التجربة أوسع من ذلك كله كانت امتحانًا طويلًا للعلاقة بين الإنسان وفكرته، وبين الإنسان ورفاقه، وبين الإنسان ووطنه، وأخيرًا بين الإنسان ونفسه وهنا تكمن المعادلة الصعبة ولعل أقسى ما في الطريق أن الذين يظن المرء أنهم سيكونون علامات الطريق قد يتحولون أحيانًا إلى أكثر أجزائه غموضًا حين يختلف الإنسان مع البيت الذي ظنه مأوى هناك خذلان من الخصوم يمكن احتماله؛ فالخصم لا يعدك بشيء لكن خذلان الذين ظننت أنهم أهلك الفكريون شيء آخر أعني قبيلتي الفكرية هنا حين ينتمي الإنسان إلى فكرة، لا ينتمي إليها بقدميه فقط و يسكنها و يمنحها جزءًا من شبابه، ووقته، وقلقه، وربما أفضل سنوات عمره ولذلك فإن خروجه منها، أو اختلافه مع حراسها، لا يكون مجرد انتقال فكري بسيط إنه يشبه اكتشاف أن البيت الذي قضيت فيه سنوات طويلة كان له باب آخر لم تكن تعرفه انك تحاول أن تمسح كل شيء لا تريده في مشوارك وليس أصعب على صاحب الفكرة من أن يكتشف أن الاختلاف الذي كان يظنه جزءًا طبيعيًا من حياة الفكر قد يتحول، في بعض البيئات، إلى تهمة وأن السؤال الذي يبدأ بوصفه بحثًا عن الحقيقة قد ينتهي باعتباره خروجًا عن الجماعة عندها يتعلم الإنسان درسًا مؤلمًا- الفكرة الكبيرة لا تضمن بالضرورة كِبَر الذين يتحدثون باسمها وقد يكون من أكثر الأشياء قسوة أن تجد نفسك مضطرًا إلى الدفاع عن حقك في الاختلاف أمام الذين كنت تظن أن الاختلاف عندهم قيمة لكنني تعلمت أن الفكرة التي تحتاج إلى إسكات أسئلتك لكي تبقى متماسكة ليست فكرة انتهت صلاحيتها بالضرورة؛ لكنها بالتأكيد فكرة تحتاج إلى مراجعة حراسها
حين يصبح الخوف أقوى من الرفقة , ثم يأتي امتحان آخر، أكثر قسوة , وفيه من الغبن والخذلان ما لايطاق امتحان الرفاق هناك لحظات لا يحتاج فيها الإنسان إلى خطاب طويل كي يعرف حقيقة الذين حوله. يكفي أن تضيق المساحة، وأن يقترب الخطر، وأن يصبح الصمت نفسه موقفًا في تلك اللحظة يسقط كثير من الكلام تكتشف أن بعض الذين جلسوا معك طويلًا تحت سقف القضية يمكن أن ينسحبوا عندما تهتز النوافذ أو تحت تهديد السلاح بالرغم من ذلك بدات مرة اخري اناضل من الداخل الان ولا أقول هذا من موقع الغضب، فقد تعلمت أن الغضب نفسه قد يكون سجنًا آخر , مشواري مع الاعتقال والتنكيل طويل وكذلك التشرد في الدينا ابكي ليال طوال مشتاق لتراب لبلدي لزيارة قبر ابي أقول فقط إن الخوف البشري مفهوم. كل إنسان يريد النجاة، وكل إنسان لديه حساباته وحدوده لكن ما يؤلم هو أن يتحول الخوف إلى مبرر للتخلي عن إنسان لم يطلب منك بطولة، وإنما طلب منك ألا تتعامل معه بوصفه عبئًا يجب التخلص منه هناك نوع من الوحدة لا يصنعه غياب الناس بل مواقفهم منك واو موقفك انت منهم تصنعه معرفتك بأن بعض الناس كانوا قريبين منك ما دامت المسافة آمنة وعندما اقتربت النار، اكتشفت أن المسافة كانت هي التي تحمل العلاقة، لا العلاقة نفسها ولعل هذا أحد أثقل دروس الطريق - ليس كل من سار معك في الطريق كان يسير معك إلى الوجهة نفسها
المنفى ليس مكانًا فقط - ثم يأتي المنفى , والمنفى في حياة الإنسان ليس دائمًا جغرافيا قد يكون غرفة لا يعرف فيها أحد ما يدور في رأسك. وقد يكون مدينة تمشي في شوارعها دون أن يشعر بك أحد وقد يكون بلدًا آمنًا نسبيًا، لكنك تظل تحمل داخلك سؤالًا لا يتركك--- ماذا أفعل بكل هذا العمر إذا لم أعد قادرًا على أن أكون حيث ينبغي أن أكون؟ المنفى يجعل الإنسان يكتشف أن الوطن ليس فقط مكانًا تسكن فيه الوطن ذاكرة، وعلاقات، ولغة، ووجوه، ومقابر، وأخطاء، وحتى خلافات لم تجد لها نهاية
ولهذا فإن العودة لا تعني دائمًا أن الطريق انتهى أحيانًا تكون العودة هي بداية السؤال الأصعب أن تعود إلى مكان تغيّر كثيرًا، بينما تعود أنت أيضًا وقد تغيرت أن تدخل البيت القديم بعين جديدة، فتجد أن الجدران هي نفسها تقريبًا، لكن الرجل الذي يقف أمامها لم يعد الرجل الذي خرج ذات يوم السخرية حين يصبح الضجيج أكبر من الفكرة , ربما لهذا السبب أصبحت السخرية عندي أكثر حضورًا ليست السخرية هروبًا من الألم، كما قد يظن البعض أحيانًا تكون طريقة الإنسان في ألا يسمح للألم بأن يحتل اللغة كلها حين ترى بعض المعارك الفكرية تتحول إلى مباراة في الشتائم، وبعض المتحدثين يتعاملون مع السياسة كما لو أنها مسابقة في رفع الصوت، يصبح الضحك وسيلة للاحتفاظ بالعقل أنا لا أسخر لأنني أظن أنني فوق الآخرين , أسخر لأنني أعرف أن الإنسان الذي عاش شيئًا من الحريق لا يستطيع أن يتعامل مع دخان الاستوديوهات بالطريقة نفسها التي يتعامل بها من لم يرَ النار هناك فرق بين من يتحدث عن الخطر، ومن اضطر ذات يوم إلى أن يحسب خطواته لأن الطريق نفسه لم يعد آمنًا
ولهذا فإن بعض الضجيج السياسي يبدو، بعد تجربة طويلة، أقل أهمية مما كان يبدو من قبل تتضاءل الكلمات، وتكبر الأفعال ويصبح السؤال البسيط أكثر قسوة- ماذا فعلت عندما جاء وقت الفعل؟ بين الضعف والجسارة ومع ذلك، لا أريد أن أكتب عن نفسي كما لو أنني خرجت من هذه التجربة تمثالًا من حجر لم أخرج كاملًا, ولا أعتقد أن الإنسان يخرج كاملًا من مثل هذه الطرق خرجت بضعفي، بخوفي، بترددي أحيانًا، وبحاجتي إلى الآخرين، وبأشياء كثيرة في داخلي لم أجد لها حتى الآن اسمًا مناسبًا لكنني خرجت أيضًا بشيء آخر- قدرة أكبر على التمييز بين ما يستحق أن نخاف منه وما لا يستحق، وبين ما يستحق أن ندافع عنه وما ينبغي أن نتركه يمضي لقد اكتشفت أن الجسارة ليست غياب الخوف , الجسارة أن تعرف أن الخوف موجود، ثم تحاول ألا تمنحه حق اختيار الطريق كله ولذلك لا أرى في الضعف عارًا , العار الحقيقي أن يتحول الضعف إلى خيانة للذات أما أن يخاف الإنسان ثم يستمر، وأن يتعب ثم ينهض، وأن يُخذل ثم لا يتحول إلى نسخة من الذين خذلوه، فربما يكون هذا هو المعنى الأكثر تواضعًا للجسارة.
ما الذي يبقى بعد كل هذا؟ بعد أن تهدأ الضوضاء، وتسقط بعض الأقنعة، وتصبح المسافة بينك وبين الماضي أكبر، يبقى سؤال واحد - ماذا فعلت بك الرحلة؟ لا أستطيع القول إنها جعلتني أكثر قسوة -ربما جعلتني أكثر حذرًا , ولا أستطيع القول إنها جعلتني أقل ثقة بالناس ,ربما جعلتني أكثر قدرة على معرفة حدود الثقة أما الأفكار، فقد أصبحت بالنسبة إليّ أقل شبهًا بالبيوت المغلقة وأكثر شبهًا بالطرق الطريق يمكن أن تسلكه، وتختلف معه، وتعود إليه، وتتركه، ثم تكتشف بعد سنوات أنك لم تكن تبحث عن الطريق أصلًا، وإنما كنت تبحث عن نفسك ولهذا، حين أنظر إلى الوراء، لا أرى سلسلة من الهزائم والانتصارات
أرى آثار أقدام , بعضها كان سريعًا، وبعضها مترددًا، وبعضها توقف طويلًا أمام أبواب لم تُفتح لكنني ما زلت أرى شيئًا واحدًا لم يختف - الأثر - وربما لهذا أكتب وأغضب وابكي والعن كل شيء ليس لكي أثبت أنني كنت على حق دائمًا, ولا لكي أحاكم الذين عبروا الطريق معي ثم تركوه
أكتب لأن التجربة، مهما كانت قاسية، تصبح أقل عبثًا عندما تتحول إلى معرفة , فالإنسان لا يملك دائمًا أن يختار الطريق الذي يمشي فيه لكنه يستطيع، في نهاية المطاف، أن يختار ما الذي يحمله معه من الطريق , وأنا، بعد كل ما مررت به، لا أريد أن أحمل معي الكراهية أريد أن أحمل الذاكرة , ولا أريد أن أحمل أسماء الذين أغلقوا الأبواب , وأريد أن أتذكر فقط أنني تعلمت المشي حتى عندما أُغلقت الأبواب فالطريق الوعر لا يمنحنا دائمًا مكانًا أفضل , لكنه، في أحيان كثيرة، يمنحنا عينًا أفضل لرؤية الأشياء وربما لهذا السبب، حين أعود إلى الكتابة، لا أشعر أنني أكتب من نهاية الحكاية أكتب من مكان أبعد قليلًا عن بدايتها , وأهدأ قليلًا أمام نهايتها
لكنني، رغم كل شيء، ما زلت أمشي والي أين لا اعلم صدقوني .
|
|
 
|
|
|
|