طريد الموت والأموات والغفلة لن تنمو ولن تختار نوع الزاد كيف تمحو بصمة الدم عن شفاهكِ وابتزازك للخراب مثلما كانت براكين الشتاء تراقص الموتى وتضحك دون قاع لن تعجز ثريا عن مناها في الهواء ولا كل الطيور الصابرة ضفيرة مهدنا المبتل أنصاف الدجى الشمطاء صفقات الوداع إليك أبوح يا مجرى الخرافات الدخيلة والبؤر سأرسل قبضةً من جوفِكَ الصخري فوق سحابةٍ مُصفَرَّةٍ عوراء تبحث عن صدى العودة ولن ترتاح خرير النيل ذاك الشاتِم المرتد يوم الفض تقاطَع ظله الخَوَّان بين الرفض لا حُجَّة قوائمه الشحيحة أغرقت ثُوَّار صَدَّت عنهم الصرخة فذابوا ضاقت عنهم الأنوار سنثأر يا عديم الدار خِرافكَ لا عهود لها ستسقطُ في شِراكِكَ لا نبالي قُم لتكتب سِلعة المِشوار أرى الغد من نوافذنا الأبية يرسم الأبراج يحتضن الشموس أيها الطاعون مالكَ والعباد وأجنحة التمهل في حوض التعاسة والنجوس أمسح خرائطنا القديمة عن شظايا حقلِكَ المتيبس الأغلال جَدِّد بَواريك اللئام لن تهرب كل الطرائق ساهرة إنسدًّت الأسباب ستموت محترقًا وحيدًا زائغ الأوتار نبوءة جدنا عبدالوهاب
2026/9/22 عبدالماجد موسى/ لندن
دولة تحت التمرين
حين يصبح الوطن مختبراً للخراب والنبوءة
في قصيدة «دولة تحت التمرين» لا يضع عبدالماجد موسى القارئ أمام دولة مكتملة المعالم، ولا أمام وطن يستعيد صورته المفقودة، وإنما أمام كيان لم يبلغ بعد طور الدولة؛ كيان يتدرّب على وجوده، ويتعلم ـ وسط الدم والخراب والموت ـ كيف يمكن أن يصبح دولة.
وهنا تكمن المفارقة الأولى في العنوان.
فـ«التمرين» في دلالته العادية فعلٌ يسبق الإتقان: تدريب، تجربة، محاولة، تكرار. أما الدولة فمفهوم يرتبط بالاستقرار والسيادة والمؤسسات والذاكرة الجمعية. حين يجمع الشاعر بين الكلمتين، فإنه يضع الدولة في منطقة قلقة بين التكوين والفشل، بين الحلم السياسي والواقع الممزق.
ليست «دولة تحت التمرين» إذن دولة ناشئة بالمعنى التقليدي، بل دولة يجري اختبارها تحت أقسى شروط الوجود: الموت، الخيانة، الخراب، الجوع، انكسار الثورة، وانسداد الطرق.
ومنذ المطلع، يدخل النص مباشرة إلى هذه المنطقة:
««طريد الموت والأموات والغفلة»»
ثلاثية شديدة التكثيف. فالموت هنا ليس حادثاً منفرداً، بل فضاء يحيط بالذات من كل الجهات. والأموات ليسوا مجرد ضحايا، وإنما ذاكرة ثقيلة تتحرك داخل النص. أما «الغفلة» فهي أخطر الثلاثة؛ لأنها تحول الموت من كارثة إلى حالة قابلة للتكرار.
ولذلك يأتي النفي مباشرة:
««لن تنمو ولن تختار نوع الزاد»»
كأن الكائن الذي يخاطبه الشاعر قد فقد شروط النمو والاختيار معاً.
الدولة بوصفها كائناً جريحاً
من أكثر التقنيات حضوراً في النص أن الشاعر لا يتعامل مع الوطن باعتباره جغرافيا محايدة، وإنما يمنحه جسداً.
هناك شفاه عليها بصمة الدم، وجوف صخري، وظل خائن، وقوائم شحيحة، وأوتار، وخرائط، وشظايا، وحقل، وأجنحة.
إنها دولة لها جسد، ولكن جسدها ليس سليماً.
ولعل أكثر الصور دلالة:
««كيف تمحو بصمة الدم عن شفاهكِ»»
فالدم هنا لا يلطخ اليد فقط؛ إنه يصل إلى الشفاه، أي إلى منطقة الكلام والقبلة والشهادة والطعام. وهكذا تصبح اللغة نفسها ملوثة، ويصبح الكلام عن الدولة مشوباً بجريمة لم تُمحَ آثارها.
والسؤال «كيف تمحو» ليس سؤالاً ينتظر جواباً، وإنما هو سؤال اتهامي. إن الشاعر لا يسأل عن طريقة تنظيف الدم بقدر ما يعلن استحالة محوه من الذاكرة.
ثم تأتي العبارة:
««وابتزازك للخراب»»
لتقلب العلاقة المعتادة بين الإنسان والخراب. فالخراب ليس نتيجة سلبية فقط، وإنما يتحول إلى مادة تُستثمر وتُستغل. وهذه من أقسى أفكار القصيدة: أن الخراب قد يتحول من نتيجة للحرب إلى نظام لإنتاج الحرب.
من البركان إلى النيل
تتحرك القصيدة في فضاء جغرافي ووجداني سوداني واضح، لكنها لا تقع في فخ الوصف المباشر.
نجد:
««مثلما كانت براكين الشتاء تراقص الموتى وتضحك دون قاع»»
صورة تجمع بين عناصر متنافرة: البركان، الشتاء، الموتى، الرقص، الضحك.
وهذه المفارقة تمنح الخراب طابعاً عبثياً. فالطبيعة نفسها تبدو وكأنها دخلت في مسرح الموت.
ثم ينتقل النص إلى النيل:
««خرير النيل ذاك الشاتم المرتد»»
وهنا تحدث واحدة من أهم الانزياحات في القصيدة.
النيل في المخيال السوداني ليس مجرد نهر؛ إنه ذاكرة وجغرافيا وهوية واستمرار. لكن الشاعر يسحب منه صورته المطمئنة، ويمنحه فعلاً لغوياً عدوانياً: «الشاتم».
والأشد غرابة كلمة:
««المرتد»»
فالنهر الذي يفترض أن يكون رمزاً للجريان يصبح كأنه ارتدّ عن وظيفته الرمزية، أو خان الصورة التي اعتدنا أن نضعه فيها.
وبذلك يتحول النيل من رمز للحياة إلى شاهد على اختلال الحياة.
لكن الشاعر لا يستخدم هذه المفردات لمجرد صناعة جو سوداوي. إنها تعمل كـمعجم سياسي مضمر.
فالخراب في النص ليس خلفية للأحداث؛ إنه اللغة التي تتكلم بها الدولة عن نفسها.
ولهذا تبدو عبارة العنوان أكثر وضوحاً بعد قراءة القصيدة: الدولة «تحت التمرين» لأنها تتعلم مؤسساتها الأولى من خلال الخراب، وتختبر قدرتها على البقاء في ظروف تكاد تنفي فكرة الدولة نفسها.
الخرائط القديمة وشظايا الحقل
في مقطع بالغ الدلالة يقول الشاعر:
««أمسح خرائطنا القديمة عن شظايا حقلِكَ المتيبس الأغلال»»
هنا تدخل الخريطة لأول مرة بوصفها شيئاً قابلاً للمحو.
والخريطة ليست مجرد حدود جغرافية. إنها الذاكرة السياسية للمكان، والصورة التي يرسم بها الوطن نفسه.
لكن الشاعر لا يقول إنه يرسم خريطة جديدة؛ يقول:
««أمسح خرائطنا القديمة»»
وهذا فرق جوهري.
إنه لا يقدم مشروعاً جاهزاً للاستبدال، وإنما يبدأ من فعل المحو.
وهذا ينسجم تماماً مع عنوان القصيدة: الدولة لم تنتهِ من تشكيل نفسها، لأنها لا تزال تمحو خرائطها السابقة، وتختبر إمكان إنتاج خريطة أخرى.
غير أن الخريطة لا تُمحى من ورقة نظيفة، بل:
««عن شظايا حقلِكَ»»
أي أن عملية إعادة التشكيل تجري فوق أرض محطمة.
وهنا تبلغ القصيدة إحدى أفكارها العميقة: لا يمكن بناء صورة جديدة للوطن من دون مواجهة الشظايا التي أنتجتها الصورة القديمة.
«أيها الطاعون»: حين يصبح المرض استعارة للنظام
تصل القصيدة إلى خطاب مباشر:
««أيها الطاعون مالكَ والعباد»»
وهذه من أكثر العبارات وضوحاً في بناء استعارة المرض.
فالطاعون ليس شخصاً محدداً بالضرورة، ولا ينبغي اختزاله في شخصية واحدة؛ إنه يتحول إلى قوة معدية تنتشر بين الناس.
ومن الناحية الشعرية، هذا الاختيار أكثر اتساعاً من تسمية خصم بعينه، لأنه يجعل «الطاعون» بنية تتجاوز الفرد.
ولهذا تأتي بعده:
««وأجنحة التمهل في حوض التعاسة والنجوس»»
كأن المجتمع عالق في منطقة لا يستطيع فيها أن يندفع إلى المستقبل، ولا أن يتحرر تماماً من ماضيه.
إن «أجنحة التمهل» صورة مفارقة أخرى: الجناح أداة الحركة والتحليق، لكن الشاعر يربطه بالتمهل. وكأن القدرة على الطيران موجودة، إلا أن شيئاً ما يمنعها من التحليق.
المستقبل لا يأتي من خارج الخراب
رغم كثافة السواد، لا تنتهي القصيدة باليأس.
بل يظهر فجأة مشهد مختلف:
««أرى الغد من نوافذنا الأبية يرسم الأبراج يحتضن الشموس»»
هذه من أهم نقاط التحول في النص.
فالقصيدة التي بدأت بـ«الموت» تنتهي تقريباً إلى «الغد».
والنوافذ هنا ليست مجرد فتحات في جدار؛ إنها عضو الرؤية.
الشاعر لا يقول: «أرى الغد» فقط، بل يراه «من نوافذنا». أي أن المستقبل ليس حلماً منفصلاً عن المكان، وإنما رؤية تنشأ من داخل البيت المحطم.
أما «الأبراج» و«الشموس» فتدخل القصيدة في معجم صاعد: البناء، الارتفاع، الضوء، الاحتضان.
لكن اللافت أن الشاعر لا يلغي الخراب كي يصل إلى الأمل. بل يمر عبره.
وهذا يجعل الأمل في القصيدة أقل رومانسية وأكثر مقاومة.
والنبوءة لا تعني بالضرورة التنبؤ بالمستقبل بمعناه الحرفي؛ إنها في بنية القصيدة شكل من أشكال استعادة سلطة الصوت بعد أن انهارت سلطة الدولة.
فحين تعجز المؤسسات عن حماية المعنى، تستعيد القصيدة دورها القديم: أن تقول ما لم يعد ممكناً قوله في الواقع.
و«زائغ الأوتار» خاتمة شديدة الموسيقية؛ فالأوتار تحيل إلى آلة موسيقية، لكنها تحيل أيضاً إلى انتظام داخلي اختلّ.
والشخص الذي «زاغت أوتاره» ليس فقط شخصاً مهزوماً؛ إنه كائن فقد التناغم مع نفسه ومع العالم.
ثم تأتي:
««نبوءة جدنا عبدالوهاب»»
فتفتح القصيدة فجأة على ذاكرة شفوية/عائلية/أسطورية، وتمنح الخاتمة مصدراً آخر للمعرفة غير المعرفة السياسية المباشرة.
كأن الشاعر يقول إن المستقبل لا يُقرأ فقط في المؤسسات والخرائط، بل أيضاً في الذاكرة المتوارثة، وفي الحكاية، وفي صوت الجد.
بنية القصيدة: من الطريد إلى النبوءة
إذا تأملنا المسار الكلي للنص، نجد أنه يتحرك في قوس واضح:
الموت → الدم → الخراب → الثورة → الانسداد → التهديد → الرؤية → المستقبل → النبوءة.
وهذا القوس هو الذي يمنع القصيدة من أن تصبح مجرد قصيدة غضب سياسي.
الغضب موجود، وبقوة، لكنه ليس النهاية.
النهاية الحقيقية هي محاولة استعادة القدرة على الرؤية.
وهنا تكمن أهمية «النوافذ» في المقطع الأخير: بعد كل الخرائط والشظايا والأبواب المسدودة، تظهر نافذة.
اللغة: بين الفصحى والانزياح
لغة القصيدة فصيحة، لكنها ليست فصحى تقريرية.
الشاعر يضغط اللغة حتى تنتج تراكيب غير مألوفة:
«خرير النيل الشاتم المرتد»
«براكين الشتاء»
«أجنحة التمهل»
«شظايا حقل»
«زائغ الأوتار»
وهذا النوع من التركيب هو الذي يمنح النص شخصيته.
لكن هذه القوة نفسها تحمل مخاطرة فنية: بعض المقاطع شديدة الكثافة إلى درجة أن الصورة تتوالد قبل أن تكتمل الصورة السابقة. وهذا قد يمنح القصيدة طاقة حلمية، لكنه قد يجعل بعض المواضع عصية على التلقي من القراءة الأولى.
وفي نص بهذه الكثافة، لا أرى أن الحل هو التفسير أو التخفيف، وإنما مراجعة مواضع قليلة جداً من التراكم بحيث يبقى الغموض منتجاً، لا غموضاً ناتجاً عن ازدحام الصور.
وهذا تمييز مهم.
فالقصيدة الناجحة لا ينبغي أن تكون سهلة، لكنها تحتاج إلى أن تجعل قارئها يشعر بأن وراء الغموض نظاماً داخلياً.
وفي «دولة تحت التمرين» هذا النظام موجود بالفعل.
القصيدة بوصفها وثيقة شعرية للحظة
أهم ما يميز النص، في تقديري، أنه لا يكتب الحرب باعتبارها خبراً.
إنه يحاول تحويل اللحظة السياسية إلى أسطورة شعرية عن وطن لم يكتمل تكوينه.
ولهذا لا نحتاج إلى معرفة كل الإحالات الواقعية كي نفهم جوهر القصيدة. فالخرطوم، والنيل، والثوار، والخرائط، والدم، كلها تتحول داخل النص من علامات واقعية إلى علامات رمزية.
إن السودان هنا ليس مجرد بلد تدور فيه الأحداث، وإنما كائن شعري يحاول أن يولد من بين أنقاض صورته القديمة.
ومن هذه الزاوية تحديداً يصبح عنوان «دولة تحت التمرين» بالغ الذكاء؛ لأنه لا يصف دولة فاشلة فحسب، ولا دولة ناجحة، بل يضعها في حالة انتقال دائم.
دولة تتعلم.
تخطئ.
تنزف.
تمحو خرائطها.
تجرب طرقها.
وتبحث، رغم كل شيء، عن نافذة ترى منها الغد.
خاتمة
«دولة تحت التمرين» قصيدة تنتمي إلى ذلك النوع من الشعر الذي لا يريد أن يكون شاهداً على الكارثة فقط، بل يريد أن يسأل: ماذا تفعل الكارثة بفكرة الوطن نفسها؟
ومن هنا تأتي قوة النص.
إن الشاعر لا يكتفي برثاء الذين ذابوا، ولا يكتفي بمهاجمة الخراب، ولا يقدم وعداً سهلاً بالمستقبل. إنه يضع الوطن كله في مختبر شعري مفتوح، ويختبر عناصره: الدم، النهر، الثورة، الذاكرة، الخريطة، الطاعون، النوافذ، الشمس.
ثم يترك لنا السؤال معلقاً:
هل تستطيع هذه الدولة التي ما زالت «تحت التمرين» أن تتحول من موضوع للخراب إلى مشروع للحياة؟
القصيدة لا تجيب إجابة سياسية.
إنها تفعل شيئاً أكثر شعرية: تفتح نافذة.
ومن تلك النافذة، وسط كل ما احترق، يرى الشاعر الغد.
وهنا تحديداً تكمن مقاومة القصيدة الحقيقية: أنها، رغم كل الموت الذي يسكنها، ترفض أن تجعل المستقبل ميتاً.
09-25-2026, 09:46 PM
عبدالماجد موسى عبدالماجد موسى
تاريخ التسجيل: 10-10-2005
مجموع المشاركات: 760
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة