يا عرمان، متى قال التيجاني «لا»؟

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 10-10-2026, 10:56 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
09-23-2026, 12:49 PM

jini
<ajini
تاريخ التسجيل: 02-05-2002
مجموع المشاركات: 30813

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
يا عرمان، متى قال التيجاني «لا»؟

    12:49 PM September, 23 2026

    سودانيز اون لاين
    jini-أم طرقا عراض
    مكتبتى
    رابط مختصر



    يا عرمان، متى قال التيجاني «لا»؟

    المشاركة في التعزية عند رحيل شخصيات النخبة المؤثرة ليست مجرد «مواجبة» بالمعنى المتعارف عليه عند عامة الناس. فمن أراد أداء واجب العزاء فحسب، كفاه أن يترحم على الراحل ويواسي أهله ومحبيه. أما من اختار الكتابة عن مسيرته العامة ودوره في تاريخ الوطن، فقد انتقل من مقام التعزية إلى مقام التقييم وعندئذ عليه أن يذكر ما للشخصية وما عليها. فالنعي الإنساني شيء، وكتابة التاريخ شيء آخر، والخلط بينهما قد يحوّل الوفاء إلى انتقاء والتأبين إلى إعادة كتابة للسيرة.

    كتب ياسر عرمان في نعي الدكتور التيجاني عبد القادر أنه «عاف طعام الاستبداد وعصى انقلاب الجماعة»، وأنه «قال لا في وجه انقلاب الجماعة ولم يمضِ مع القطيع». وهي عبارة مؤثرة، لكنها تحتاج إلى ما يسندها حين تنتقل من الوفاء الإنساني إلى إصدار حكم تاريخي.

    فمتى قال التيجاني «لا»؟
    وهل كان اعتراضه على أصل انقلاب 30 يونيو 1989، أم على ما آل إليه حكم الإنقاذ لاحقًا؟

    لا يتوافر دليل يثبت أن التيجاني شارك في التخطيط العسكري للانقلاب أو تنفيذه، ولذلك لا يجوز أن ننسب إليه ما لا دليل عليه. لكن ذلك لا يلغي مسؤوليته الفكرية والتنظيمية والمؤسسية؛ فقد كان من قيادات الحركة الإسلامية، وعضوًا في مجلس شوراها، ثم تولى إدارة التأصيل بوزارة التعليم العالي في الدولة التي أقامها الانقلاب.

    ولم تكن إدارة التأصيل وظيفة إدارية عادية تتعلق بالقبول أو المباني أو الميزانيات، بل كانت جهازًا فكريًا هدفه إعادة توجيه التعليم العالي والمعرفة الجامعية وفق رؤية الحركة الإسلامية.

    وقد قال التيجاني نفسه في حديثه عن تلك التجربة:

    «أنا كنت في إدارة التأصيل، وكانت الإدارة صغيرة، وفترتي كانت قصيرة، والعمليات التي بدأنا بها كانت عمليات افتتاحية وتبشيرية بالمشروع».

    وقصر المدة قد يحد من مسؤوليته التنفيذية عما فعلته الإدارة بعد مغادرته، لكنه لا يلغي مسؤوليته عن قبول المنصب والمشاركة في افتتاح المشروع والتبشير به. فالمفكر لا يُقاس دوره بعدد السنوات التي قضاها في المكتب؛ إذ قد تتمثل مهمته الاستراتيجية في وضع الإطار، وصياغة المفاهيم، وتحديد الموجهات والخطوط العامة، ومنح المشروع لغته ومشروعيته الفكرية، ثم يتولى الموظفون تنفيذ ذلك لسنوات.

    بل إن قبول مفكر إدارة تحمل اسم «التأصيل» في ظل دولة انقلابية يمثل موقفًا فكريًا وسياسيًا في ذاته. فالتأصيل، حين يتحول إلى جهاز رسمي داخل وزارة التعليم العالي، لا يعود اجتهادًا أكاديميًا حرًا، بل يصبح سلطة فوق الجامعة والمعرفة، تحدد المقبول والمرفوض، وتخضع البحث العلمي لمرجعية أيديولوجية تضعها السلطة.

    فكيف يكون التيجاني قد عصى مشروع الجماعة منذ بدايته، بينما وصف عمله فيه بأنه «افتتاحي وتبشيري»؟

    قد يعاف الإنسان طعام السلطة بمعنى المال والامتيازات، ويبتعد عن موائد السلطان، لكنه يظل مشاركًا في إعداد مائدتها الفكرية. فالأنظمة الاستبدادية لا تقوم بالعسكريين وأجهزة الأمن وحدهم؛ بل تحتاج إلى مفكرين يمنحونها اللغة، وفقهاء يمدونها بالمشروعية، ومؤسسات تعليمية تعيد إنتاج رؤيتها داخل عقول الأجيال.

    لقد جاء انقلاب 30 يونيو ليستبق مسارًا سياسيًا كان يمكن أن يقود إلى وقف الحرب. فقد فتحت مبادرة الميرغني–قرنق عام 1988 طريقًا نحو وقف إطلاق النار وعقد مؤتمر دستوري يناقش قضايا الحرب والدين والدولة داخل النظام الديمقراطي.

    ولا يمكن الجزم بأن المبادرة كانت ستمنع انفصال الجنوب حتمًا، لكنها كانت فرصة جادة للسلام وبناء عقد اجتماعي جديد. ثم جاء الانقلاب فقطع ذلك الطريق، وألغى حق السودانيين في تطوير تجربتهم الديمقراطية وتداول السلطة سلميًا.

    وكان حسن الترابي، عراب الانقلاب ومنظّره، فقيهًا في القانون الدستوري، يدرك أن الدستور هو الصياغة القانونية والمؤسسية للعقد الاجتماعي، وأن شرعية السلطة تستمد من إرادة المواطنين. لكنه انقلب على دولة المواطنة، واستبدل بها تصورًا تنظيميًا صفويًا يجعل جماعة بعينها وصية على المجتمع.

    تحولت الشورى من حق للمواطنين إلى آلية داخل التنظيم، وتحولت الدولة من مؤسسة عامة إلى أداة لتمكين الجماعة. وحُلّت الأحزاب والنقابات، وصودرت الصحف، وفُصل الآلاف من الخدمة العامة، وأقيمت بيوت الأشباح، وتحولت الحرب الأهلية إلى «جهاد» يُدفع إليه الشباب تحت رايات التعبئة الدينية.

    فأين كان صوت مفكري الحركة الإسلامية حين وقع ذلك كله؟

    لا يكفي القول إن التيجاني لم يكن يعلم بكل التجاوزات؛ فقد أقر لاحقًا بأن أعضاءً في الحركة كانوا لا يأبهون بالمخالفات إذا نُسبت إلى «الهدف العام»، ثم قال إنه «كان ينبغي أن تكون هناك وقفة أشد قوة في مثل هذه المخالفات، وفي وقتها».

    وهنا بيت القصيد: في وقتها.

    الموقف الأخلاقي لا يُقاس فقط بصحة النقد بعد انكشاف الكارثة، وإنما بقدرة المفكر على مواجهة جماعته وهي في أوج قوتها. فالخطر في التنظيمات العقائدية يبدأ حين يتحول المشروع إلى غاية مقدسة يُضحّى من أجلها بالقيم، ويُبرر باسمها الكذب والإقصاء، وقد تُسفك الدماء لحمايتها. عندئذ يصبح «حفظ التنظيم» هو المقصد الأعلى الذي تُهدر تحته مقاصد حفظ النفس والعقل والمال والكرامة.

    لقد انتقد التيجاني لاحقًا فساد النخبة الإسلامية، وتحالف السلطة والمال، وسيطرة العسكريين والأمنيين، وابتعد عن المؤتمر الوطني وطالب البشير بالرحيل. وهذا موقف مهم يُذكر له ولا يجوز إنكاره. لكن السؤال هو: هل وصل نقده إلى أصل المشروع، أم توقف عند انحرافاته ونتائجه؟

    لم نقرأ له، في حدود ما توفر من كتاباته، مراجعة مكتملة تقول بوضوح: أخطأنا حين انقلبنا على الديمقراطية، وحين أغلقنا طريق اتفاق الميرغني–قرنق، وحين جعلنا التنظيم وصيًا على الدولة، وحين أخضعنا الجامعة للتأصيل والخدمة العامة للتمكين، وقبلنا انتهاك الحقوق باسم «الهدف العام».

    وهذا لا يخص التيجاني وحده، بل ينطبق على غالبية مفكري الحركة الإسلامية، بمن فيهم الترابي نفسه، الذي لم يبدأ نقد الحكم إلا بعد أن وقع الصدام بينه وبين تلاميذه، فأقصوه من السلطة وأذاقوه من سجون الدولة التي أسسها.

    ثم جاءت المفاصلة عام 1999، فانقسم المشروع إلى مؤتمر وطني احتفظ بالدولة ومؤتمر شعبي خرج إلى المعارضة. ومن بيئة هذا الانقسام خرجت كوادر أسهم بعضها في العمل المسلح، بينما واجه النظام التمرد بتسليح المليشيات القبلية، ثم أعاد تنظيم أجزاء من الجنجويد في قوات الدعم السريع.

    وهكذا تكاثرت البنادق وتعددت مراكز القرار، حتى ورث السودان جيشًا رسميًا وقوة موازية له، لكل منهما قيادته واقتصاده وعلاقاته. وانتهى المسار إلى حرب 15 أبريل، التي يدفع المواطن ثمنها وطنًا ممزقًا ومدنًا مدمرة وملايين النازحين واللاجئين.

    هذه الحرب ليست نتيجة عامل واحد، لكنها ثمرة مسار طويل بدأ بإلغاء السياسة، وإضعاف المؤسسات، وإدارة الحروب بالمليشيات، وتقديم الولاء على الكفاءة والقانون.

    يا ياسر عرمان، لسنا في حاجة إلى شيطنة التيجاني عبد القادر، ولا إلى إنكار شجاعته في نقد النخبة الحاكمة. لكن الإنصاف لا يسمح بتحويل نقده المتأخر إلى بطولة مبكرة.

    العبارة الأدق ليست أنه كان من منفذي الانقلاب، فلا دليل على ذلك، وليست أنه «عصى انقلاب الجماعة»، لأن مسيرته المؤسسية لا تسند هذا الحكم. الأدق أنه كان مفكرًا من أبناء الحركة الإسلامية، شارك في إحدى مؤسسات مشروعها وأسهم في افتتاحها والتبشير بها، ثم ابتعد عن السلطة ووجه نقدًا مهمًا إلى انحرافاتها ونتائجها، من دون أن يترك لنا قطيعة فكرية واضحة مع الجذر الذي أنبت تلك النتائج.

    رحم الله الدكتور التيجاني عبد القادر وأحسن إليه. لكن المفكر لا يُكرم بإعفائه من المساءلة، والموت يوجب الرحمة، لكنه لا يمحو المسؤولية ولا يعيد كتابة التاريخ.






                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de