البروفيسور التيجاني عبد القادر: بين حرمة الموت ومسؤولية التأصيل
ضجّت الأسافير بنعي البروفيسور التيجاني عبد القادر والترحّم عليه، وهذا من طبيعة السودانيين ووفائهم لمن رحل. لكن أن يتحول التأبين إلى إعفاء من النقد، أو إعادة كتابة للتاريخ على حساب الوطن والمواطن، فذلك أمر يجب الوقوف عنده.
فالتيجاني لم يكن مجرد أستاذ جامعي أو مفكر إسلامي وقف بعيدًا عن السلطة، بل كان من قيادات الحركة الإسلامية، ثم تولّى في بدايات الإنقاذ قيادة إدارة التأصيل بوزارة التعليم العالي في دولة «المشروع الحضاري». وهذا لم يكن منصبًا إداريًا محايدًا، وإنما موقعًا فكريًا داخل مشروع أراد إعادة صياغة التعليم، ومن خلاله إعادة صياغة المواطن السوداني ليصبح حاملًا لهوية السلطة ورافعةً لمشروعها.
والأدق أن التأصيل لم يكن سياسة منفصلة جاءت بعد استقرار النظام، بل كان الوجه الفكري لـ«ضربة البداية». فقد بدأ التخريب الأيديولوجي بالقوات النظامية، وفي مقدمتها الجيش، لأن السيطرة على مؤسسة القوة كانت شرطًا لبقاء الانقلاب. جرى إبعاد الضباط غير الموالين، وإحلال الولاء التنظيمي محل المهنية، وتحويل عقيدة الجيش من حماية الوطن والدستور إلى حماية النظام ومشروعه، ثم أُنشئت إلى جانبه تشكيلات عقائدية وموازية.
ومن الجيش امتدت إعادة الصياغة إلى الشرطة والخدمة المدنية والقضاء والإعلام، ثم إلى الجامعات والتعليم تحت اسم «التأصيل». وهكذا تكامل التمكين مع التأصيل: الأول يعيد توزيع السلطة والوظائف والموارد على أهل الولاء، والثاني يعيد تشكيل الوعي ويمنح الإقصاء غطاءً دينيًا وأخلاقيًا.
هنا يمكن استصحاب تصور يوري بيزمنوف للتخريب الأيديولوجي بمراحله الأربع: هدم المرجعيات والقيم، ثم زعزعة المؤسسات، فالأزمة، وأخيرًا تطبيع الواقع الجديد حتى يصبح ما كان مستنكرًا أمرًا مألوفًا. ولا يعني ذلك أن الإنقاذ طبّقت نموذج بيزمنوف حرفيًا أو بالترتيب نفسه؛ فهي بدأت بالانقلاب والاستيلاء على الدولة، ثم استخدمت الدولة في عملية طويلة لإعادة صياغة المجتمع. لكن النموذج يساعدنا على فهم ما يحدث حين تُنتزع من المؤسسات معاييرها المهنية والوطنية، ويُحل الولاء العقائدي مكانها.
أخطر ما في التخريب الأيديولوجي ليس تغيير بعض المناهج أو إضافة مقررات دينية، وإنما تغيير وظيفة التعليم نفسها. فالجامعة التي يُفترض أن تكون فضاءً للمعرفة والسؤال والنقد تحولت إلى أداة لإنتاج «الإنسان الرسالي» الذي حددت السلطة صفاته سلفًا. لم يعد المطلوب مواطنًا حرًا ينتمي إلى وطن متعدد، بل تابعًا يحمل هوية المشروع ويدافع عنها.
من هنا تأتي أهمية المنصب الذي شغله التيجاني عبد القادر. المسألة ليست تحميل رجل واحد مسؤولية ثلاثين عامًا من الحكم، وإنما مساءلة المسؤولية الفكرية لمن شاركوا في صياغة المشروع، وبناء مؤسساته، ومنحه لغته ومشروعيته.
صحيح أن التيجاني ابتعد لاحقًا عن المؤتمر الوطني، وانتقد سيطرة العسكريين وأصحاب المصالح، ثم طالب البشير بالرحيل. وهذا موقف يُحسب له ولا ينبغي إنكاره. لكن السؤال الذي تجاوزته المراثي هو: هل راجع أصل المشروع، أم اكتفى بنقد الذين استولوا عليه وأفسدوه؟ هل كانت المشكلة عنده في التطبيق والرجال وحدهم، أم في الفكرة التي جمعت بين الدعوة والتنظيم والانقلاب والدولة، وجعلت التعليم وسيلة لإنتاج مواطن على مقاس السلطة؟
الترحّم على الميت أمر طبيعي، لكنه لا يمنح تجربته العامة حصانة من النقد. للراحل حرمته، ولأسرته ومحبيه حق الحزن عليه، ولكن للوطن والمواطن حقًا لا يقل حرمة: معرفة من صنع السياسات التي أعادت تشكيل الجيش والتعليم والدولة والمجتمع.
ذكر محاسن الموتى لا ينبغي أن يكون على حساب ذاكرة الأحياء؛ فالمدح لا يفيد الميت، بينما تعطيل النقد يضر بقضية الوطن. والبشرية لم تتقدم بتقديس الأشخاص والتجارب، وإنما بالنقد، ثم النقض، ثم التجاوز.
رحم الله البروفيسور التيجاني عبد القادر، وتبقى تجربته الفكرية والسياسية حقًا عامًا لا يُغلق باب النظر فيه بموته.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة