|
|
Re: ازمة الإيمان/الفكر الديني في عالم اليوم (Re: محمد عبد الله الحسين)
|
#عرض #كتاب "مفارقة الإيمان": عندما يصبح الإيمان صوتًا يبحث عن مكانه في عالم ما بعد الحقيقة مقدمة: في كتابه اللافت "La paradoja de la fe"، يخوض الفيلسوف واللاهوتي البلجيكي أدولف غيشيه مغامرة فكرية جريئة يحاول من خلالها إعادة طرح الإيمان كقضية فلسفية وجودية في عالم بات ينزع إلى العلمانية، النسبية، والعقلانية المُطلقة. الإيمان، الذي كان يومًا ما مرجعًا للوجود والمعنى، يجد نفسه اليوم غريبًا وسط صخب الحداثة، كمن يتحدث بلغة قديمة في زمن لا يصغي إلا إلى التكنولوجيا والمصلحة. الكتاب لا يقدم دفاعًا أعمى عن العقيدة، ولا يدعو إلى انسحاب الإيمان من الحياة الحديثة، بل يطرح معضلة عميقة: كيف يمكن للإيمان أن يبقى صادقًا مع نفسه، وفي ذات الوقت، أن يكون مفهومًا ومسموعًا في العصر الراهن؟ هذه هي مفارقة الإيمان التي يعالجها غيشيه: أن يكون الإيمان أمينًا لجوهره وفي ذات الوقت منفتحًا على الآخر. --- أولًا: من هو صاحب الكلمة؟ – إعادة تأهيل الإيمان كموقف إنساني يبدأ غيشيه من فرضية جوهرية: أن الإيمان ليس انحرافًا عن العقل، ولا طارئًا ثقافيًا، بل هو بُعد أنطولوجي أصيل في الكائن البشري. الإنسان كائن يؤمن لأنه كائن لا يملك كل شيء، يتجاوز ذاته باستمرار، ويطلب المعنى. وما يعمق هذا الطرح هو تفريقه بين "الإيمان كممارسة دينية" و"الإيمان كفعل وجودي"، أي أن الإيمان لا يعني التصديق الأعمى بمقولات، بل هو فعل ثقة، موقف انفتاح، وتوقٌ إلى معنى متجاوز. يستعرض غيشيه كيف أن لغتنا اليومية مليئة بكلمات مثل "الثقة"، "الوفاء"، "التصديق"، وكلها تعبيرات إيمانية قبل أن تكون لاهوتية. فالإنسان لا يستطيع العيش دون إيمان ما، حتى لو كان إيمانه بالعلم، أو بالذات، أو بالتقدم. --- ثانيًا: مأزق الحداثة – حين تهمس الحقيقة ولا يُصغى إليها من هنا، ينقلنا الكاتب إلى المرحلة المحورية: ما الذي حدث حتى بات الإيمان معزولًا، متهمًا، أو ساخرًا منه؟ يحلل غيشيه ببراعة المراحل التي مرّ بها الإيمان منذ العصر الرسولي حتى العلمانية الحديثة، مرورًا بالمسيحية الإمبراطورية، والإصلاح، والتنوير، وانفجار العلم. في قلب هذا التاريخ الطويل نشأت المفارقة: إذا حافظ الإيمان على ذاته الصافية، غدا غير مسموع. وإذا تكيّف مع العالم الحديث، ذاب وتلاشى جوهره. وهنا يتحدث غيشيه عن الخطرين التوأمين: 1. الانغلاق الهووي (fundamentalismo) 2. الذوبان الثقافي (secularización sin identidad) ويقترح تجاوزهما من خلال خيار ثالث: أن ينخرط الإيمان في العالم ليس لينافسه أو يذوب فيه، بل ليحاوره باسم حقيقته الخاصة. --- ثالثًا: الإيمان والحقيقة – من "امتلاك الحقيقة" إلى "صناعة الحقيقة" في لحظة فلسفية فارقة، يقلب غيشيه الطرح التقليدي رأسًا على عقب. فبدل أن يسأل: هل الإيمان صحيح؟ يسأل: ما هي الحقيقة التي يكشفها الإيمان؟ الحقيقة، كما يقول، ليست سلعة معرفية نمتلكها، بل هي رحلة إنسانية نعيشها. يرفض غيشيه النزعة الدوغمائية التي تجعل الحقيقة وثنًا يُضحى بالناس من أجله، لكنه يرفض في نفس الوقت النسبية العبثية. ويتبنى تصورًا جديدًا للحقيقة يربطها بـ: الحياة: ما يساعد على الحياة ويُنتج معنى هو الأقرب إلى الحقيقة. الإنسان: الحقيقة ليست ما يتجاوز الإنسان، بل ما يعيده إلى ذاته، ويجعله أوفى لكرامته. الانفتاح: الحقيقة ليست في "نقطة" بل في "مسار". --- رابعًا: الإيمان كقوة نبوية – لا تعارض بين الله والإنسان أحد أعمق عناصر الكتاب هو رفض غيشيه لثنائية "الله أم الإنسان؟". يؤكد أنه لا حاجة لأن يموت الله ليحيا الإنسان، كما زعم نيتشه أو فرويد أو فويرباخ. بل العكس: الإيمان بالله لا يعني إنكار الإنسان، بل تأسيسه على أعمق معنى ممكن. يدافع الكاتب عن فكرة أن "الكلمة الإلهية" ليست ضد الحرية، بل هي شرط أعمق لها. لذا فإن الإيمان لا يجب أن يُقدّم كـ "سقف فوق الإنسان"، بل كـ "أفق له"، يحرره من الانغلاق على الحاضر، ويمنحه الجرأة على الأمل، والقدرة على الحب، والسلطة على قول "لا" للعبودية أو للعبث. --- خاتمة: نداء لا يخجل من ذاته ينتهي غيشيه بنداء واضح: لا تخجلوا من الإيمان. لا تفرضوه، ولا تعتذروا عنه، بل أظهروه كخدمة للإنسان. الإيمان لا يعود إلى ساحة التاريخ بوصفه قوة هيمنة، بل ككلمة رجاء في زمن تصعب فيه الكلمات، وكصوت يحمل شذى اللامرئي في عالم اختزل كل شيء إلى منظور نفعي. الإيمان، إذًا، ليس تراجعًا نحو الماضي، بل قفزة شجاعة نحو المستقبل، حيث **الحق لا يُعرّف فقط بما نعرفه، بل بما نرجوه، ونصنعه، ونعيشه معًا ككائنات منفتحة على المعنى. ------
| |
 
|
|
|
|