ظلّ عطر «الأسمر القديم» عالقًا بكتفي كظلال خفيفة، معلّقًا بين جدران بيت أبي الذي كان يرى في حبّي له طعنةً في هيبة الأبوة. لثلاثة أعوام كاملة، كنّا ننسج سقفًا من الأحلام فوق عتبة خطوبة ينهشها صمت أبي ونظراته الحارقة، حتى انفرط العقد حين سئم «هو» ثقل المعركة، وتركني وحدي في منتصف الطريق ألملم رفات وعدٍ تآكل، متوهمةً أن صدى صوته المتباعد عبر الهاتف كافٍ لترميم جرح الهروب. حين باغَتني أبي بترشيح الغريب، كنت كمن يُدفع نحو حافة بئر مظلمة؛ فاستللتُ شروطاً تعجيزية طامحةً في الرفض، متخذةً من الزواج السريع ورقة انتقام خاسرة من ذلك الذي باع الودّ برخص التراب. لكن الأقدار ساقت لي رجلاً هادئًا، برائحة الأرض الطيبة، رضي بكل قيودي، وتحمل نوبات غضبي كأب حنون يُدلل مراهقة جامحة
كان يعود في كل مساء ليمسح غبار أيامي، يغدق عليّ بالحب والاعتذار دون ذنب، فيما كنتُ أمعن في قسوستي، غارقةً في صنمي القديم، مترقبةً فرصة الخلاص. انكسر صمت حياتنا برحيل أبي، ثم بقرار الطلاق الهادئ الذي منحني حريتي، وترك طليقي ينسحب في سلام، محتفظاً بنبل نبيل حتى في لحظة الوداع
لم تمضِ عدة أشهر على انقضاء عدتي، حتى انزلق قلبي مجددًا نحو الباب القديم. عاد الحب الأول، أو هكذا ظننْتُ، وكأنّ الموت قد أزاح السدّ الوحيد في وجهه. واجهتُ إخوتي بجرأة واكتفيتُ بموافقتهم الباهتة. لكن، ما إن عادت الحلقات تلتئم، حتى تآكل السحر؛ وبدلاً من لهفة اللقاء، وجدتُ نفسي أمام رجل آخر، يتفنن في إذلالي بطلب المال، ويطيل أمد الخطوبة، ويصرّ على استجوابي بتلذذ عن تفاصيل زواجی الراحل، وكأنه يثأر لكرامته الجريحة من جسدي وقلبي معًا.
هناك، تحت سقف ذلك السراب المرتد، انقشعت الغشاوة دفعة واحدة. أدركتُ بمرارة أن ما ظننته "حبًا أزليًّا" لم يكن سوى وهمٍ كليل، ضيّعتُ من أجله بيتاً آمنًا ورجلاً ما رأيتُ منه إلا الجميل.
فضضتُ الخطبة بضربة يدٍ واحدة، ووجدتُ نفسي في العراء؛ أهلي يحيطون بي بسياط اللوم والتخويف من محاولة الاقتراب ممن أكرمني، فيما يعتصرني شعور ثقيل بالذنب يكبّل أنفاسي. لستُ أبتغي سوى بابٍ مرتدّ، ويدٍ رحيمة تأخذني إلى حيث تركته، طليقي الذي لم يزل صدى طيبته يتردد في روحي، أبحث عن طريق أفكّ به أغلال خطيئتي، قبل أن يبتلع الندم ما تبقى من عمري.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة