أعادت التقارير الميدانية الأخيرة التي تحدثت عن تجدد الاشتباكات في إقليم تيغراي، وتصاعد المؤشرات حول اهتزاز اتفاق بريتوريا للسلام، هواجس الحرب الواسعة لتطل من جديد على شمال إثيوبيا. هذا التطور لا يمثل مجرد شأن داخلي أديس أبابا وحدها، بل يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات استراتيجية ملحة: هل تعيد معارك تيغراي المحتملة تشكيل توازنات القرن الإفريقي؟ والأهم من ذلك، ما هو الكُلفة المباشرة التي يتحملها السودان إذا اشتعلت هذه الجبهة من جديد؟
ما الذي تغير؟: بين المواجهة المحدودة وشبح الحرب الشاملة لم يعد المشهد في إقليم تيغراي كما كان عليه عقب توقيع اتفاق السلام؛ فقد طرأت تحولات عميقة تعقّد قراءة الموقف وتجعل احتمال العودة إلى المربع الأول واردًا:
الانقسامات الداخلية في تيغراي: تشهد القيادة والصف السياسي والعسكري في الإقليم تجاذبات وانقسامات متزايدة، مما يضعف الجبهة الداخلية ويقلل من قدرة القيادة الموحدة على ضبط الإيقاع الميداني أو الالتزام بالتفاهمات السابقة.
موقف الحكومة الفيدرالية: تواجه أديس أبابا ضغوطاً سياسية واقتصادية ضخمة، وسط اتهامات متبادلة بشأن تنفيذ بنود اتفاق بريتوريا، مما يجعل الحكومة الفيدرالية تتعامل بحذر شديد مع أي تحركات عسكرية قد تهدد وحدة الدولة.
دور إريتريا وإقليم الأمهرة: تظل الحدود الإقليمية حقل ألغام؛ فموقف أسمرة ووجود قوات إقليم الأمهرة في المناطق المتנוزع عليها يمثلان عاملي تعقيد رئيسيين يرفعان من احتمالات الاحتكاك المباشر ويفاقمان حساسية الجبهة الشمالية.
لماذا يهم السودان؟ (قراءة في التداعيات الاستراتيجية) بعيدًا عن سرد الأخبار العسكرية، فإن أي تصعيد في شمال إثيوبيا ينعكس بشكل مباشر على الأمن القومي السوداني عبر مسارات عدة:
1. الحدود الشرقية والضغط الأمني أي اضطراب عسكري واسع في تيغراي ينعكس فوراً على شريط الحدود السودانية الشرقية، محفزًا لحالة من التوتر الميداني، ومضاعفًا للعبء الأمني في ضبط الحدود وسط تعقيدات جغرافية وعسكرية قائمة.
2. أزمة اللجوء المضاعفة يعاني السودان أصلاً من أكبر أزمة نزوح داخلي ولجوء في تاريخه الحديث جراء حرب أبريل. إن اندلاع موجات نزوح جديدة من إقليم تيغراي نحو الحدود الشرقية للسودان سيشكل ضغطًا إنسانيًا واجتماعيًا واقتصاديًا هائلاً على مجتمعات الاستضافة والبنى التحتية المنهكة أصلًا.
3. انشغال أديس أبابا وتغير توازنات الإقليم إذا اتسعت رقعة الحرب، ستضطر أديس أبابا إلى توجيه القسم الأكبر من مواردها وقدراتها نحو الجبهة الداخلية. هذا التحول سيقلل من الحضور الدبلوماسي والأمني لإثيوبيا في ملفات الإقليم الحساسة، ويخل بالتوازنات الهشة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر
4. التحولات الإقليمية الكبرى إن أي تفكك جديد في الاستقرار الإثيوبيي يغري قوى إقليمية ودولية بإعادة ترتيب تحالفاتها، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على مسار الأزمات المتداخلة في دول الجوار، وفي مقدمتها السودان
هل يستفيد أي طرف سوداني؟ تتداول بعض التحليلات السطحية فرضية وجود أطراف سودانية قد تستفيد من انشغال إثيوبيا بأزماتها الداخلية. لكن القراءة الموضوعية تؤكد أن أي استنتاجات حول استفادة مباشرة لأي طرف تفتقر إلى الأدلة والواقعية.
فالمؤكد استراتيجياً أن تعدد بؤر الصراع وتداخل الأزمات في القرن الإفريقي لا ينتج سوى بيئة أمنية وسياسية أكثر هشاشة وتعقيداً، مما يضعف فرص الاستقرار والحلول السياسية الشاملة في المنطقة بأسرها.
إن السودان وإثيوبيا لم يعودا دولتين تواجه كل منهما أزماتها بمعزل عن الأخرى. فكل تطور عسكري على الحدود الإثيوبية يعيد رسم معادلات الأمن والاقتصاد وهندسة الهجرة في الإقليم. وإذا كان اتفاق بريتوريا قد أوقف واحدة من أكثر الحروب دموية في إفريقيا، فإن أي انهيار محتمل له لن يكون مجرد شأن إثيوبي داخلي، بل سيكون اختبارًا قاسيًا جديدًا لاستقرار القرن الإفريقي بأسره، وضربة إضافية لأمن السودان واستقراره.
08-03-2026, 08:42 AM
اسماعيل عبد الله محمد اسماعيل عبد الله محمد
تاريخ التسجيل: 08-26-2007
مجموع المشاركات: 3762
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة