|
|
|
Re: مصرع حميدتي امس الجمعة ... (Re: عبداللطيف حسن علي)
|
هذا الأسلوب يُعتبر النموذج الصريح لما يُعرف بـ "مصيدة النقرات" (Clickbait)، أو الصحافة القائمة على "فجوة الفضول" (Curiosity Gap)، وهي ظاهرة تعكس الأزمة التمويلية والتنافسية التي تعيشها المواقع الإخبارية الرقمية اليوم. 1. تجارة "الإثارة الرخيصة" والاقتصاد الرقمي المواقع الإخبارية اليوم لا تبيع محتوى أو خبراً دقيقاً بقدر ما تبيع "انتباه القارئ" لشركات الإعلانات. المعيار هو "الزيارات" (Traffic): خوارزميات الإعلانات تمنح المال بناءً على عدد النقرات (Cost Per Click). بالنسبة لإدارة هذه المواقع، انخفاض جودة المحتوى لا يهم طالما أن النقرة قد تمت بالفعل. استغلال الأسماء الشائعة: استخدام الألقاب أو الأسماء التي تتقاطع مع شخصيات سياسية أو عسكرية بارزة (مثل تشابه الأسماء مع قادة أو مسؤولين) حيلة قديمة تُستغل اليوم رقمياً لإيهام القارئ بأن الخبر يتناول الحدث الأكبر. 2. آليات التضليل اللغوي في العناوين تعتمد هذه العناوين على تقنيات صياغة خبيثة عمداً: الإبهام التعمدي (Ambiguation): كتابة الاسم مجرداً من الصفة (مثل اكتفاء العنوان بـ "حميدتي" بدلاً من "المواطن الصادق حميدتي"). الصدمة المؤقتة: العبث بمشاعر القارئ وقلقه بشأن الأحداث الجارية لدفعه للنقر في كسور من الثانية قبل أن يعمل عقله النقدي. 3. ظاهرة "الكاسد يفتش في دفاتره" تعبيرك عن أن المواقع أصبحت "بايرة" (تفتقر للمحتوى والمصداقية) دقيق جداً؛ فهذه الأساليب تدل على: إفلاس صحفي وغياب المصادر الحصرية. فقدان الاحترام للمتلقي وتضحية بالسمعة طويلة المدى مقابل ربح سريع ومؤقت. غياب الرقابة والضوابط الأخلاقية في الصحافة الرقمية السائدة. خلاصة القول: هذه المواقع تتعامل مع القارئ كمجرد "رقم في عداد الإعلانات"، ولا يهمها إن خرج القارئ ساخطاً أو خائب الأمل طالما تم تسجيل الزيارة بنجاح. هل تعتقد أن القارئ الرقمي اليوم أصبح يمتلك مناعة كافية لتجاهل هذه العناوين، أم أن غياب البديل الإخباري الموثوق يجعله يقع في الفخ مراراً؟
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: مصرع حميدتي امس الجمعة ... (Re: عبداللطيف حسن علي)
|
لنقارن بالصحف الورقية زمان وهي ذاتها تقع في اختبار المقارنات مع غيرها تلك المقارنة تكشف الفارق الجوهري بين عصر "صناعة الجريدة" وعصر "تجميع النقرات". الصحافة الورقية لم تكن معصومة من المبالغة أو البحث عن التوزيع، لكن طبيعة الوسيط الفيزيائي وقواعد المهنة فرضت عليها قيوداً أخلاقية وفنية تجعل ممارسات اليوم تبدو كأنها من عالم آخر: 1. الكلمة المطبعية مقابل "العنوان القابل للتعديل" في الصحيفة الورقية: الخبر عندما يُطبع على الورق ويدخل المكبس، يصبح مسجلاً في التاريخ ولا يمكن تعديله. هذا الخوف الأزلي من "المسؤولية" كان يجبر هيئة التحرير (من المحرر، لمدير التحرير، لرئيس التحرير) على مراجعة العنوان عشرات المرات للتأكد من دقته. في الصحافة الرقمية: العنوان يُكتب في ثوانٍ، وإذا تبين أنه مضلل أو واجه موجة غضب، يتم تعديله بضغطة زر دون أي حسيب. سهولة التعديل ألغت كلفة الخطأ، فشجعت على الاستهتار. 2. ميكانيكية "المانشيت" الورقي الصحف الورقية كانت تستخدم العناوين العريضة (المانشيتات) لجذب القارئ من أمام أكشاك الجرائد، لكن الفرق كان كالتالي: الإثارة المعنوية وليس الخداع الصريح: المانشيت الورقي قد يبالغ في وصف حادثة أو يختار زاوية حادة، لكنه نادراً ما يكذب في صلب المبتدأ والخبر. إذا كتب المانشيت "رحيل قامة كبرى"، فهو يقصد بالفعل شخصية عامة معروفة، لأن خيبة أمل القارئ بعد دفع ثمن الجريدة تعني خسارة مشترٍ دائم. العلاقة طويلة المدى: الجريدة كانت تبني "علامة تجارية" (Brand) تعتمد على الولاء اليومي. أما موقع "Clickbait" الرقمي فلا يهمه أن تعود إليه غداً، بل يهمه أن تنقر الآن فقط، حتى لو شتمته بعد القراءة. 3. اختبار المقارنة: الصحف الوطنية مقابل صحف "الرصيف" (التابلويد) حتى داخل العصر الورقي نفسه، كان هناك فرز واضح للمستويات: صحف الرصيف / التابلويد (Tabloids): هي الابن الشرعي لصحافة الإثارة الرقمية اليوم. كانت تعتمد على فضائح المشاهير، والشائعات، والعناوين الصادمة لبيع الأعداد. الصحف الجادة / الرصينة (Broadsheets): كانت تأنف من هذه الأساليب وتعتبرها انتحاراً لسمعتها المهنية، وتعتمد على التحليل، والسبق الصحفي الحقيقي، والتقارير الميدانية. الفارق الحاسم اليوم: في العصر الورقي، كان القارئ يعرف الفرق بمجرد النظر إلى شكل الجريدة وحجمها وطريقة عرضها في الكشك. اليوم، استطاعت المواقع الرقمية أن تخلط الأوراق؛ فأصبح الموقع "المحترم" والموقع "الباير" يتشاركان نفس الصفحة ونفس المظهر على شاشة الهاتف، ولا يفصل بينهما سوى درجة احترام عقل القارئ. هل ترى أن فقدان الصحافة لـ "المحرر الديسك" (Gatekeeper) التقليدي لصالح خوارزميات الانتشار هو السبب الأساسي في هذا التردي، أم أن الجمهور نفسه هو من فرض هذه القواعد بقلة صبره ورغبته في الإثارة السريعة؟
الجمهور نفسه سبب ، كانت صحيفة الوان وحسين خوجلي المعبرة عن لسان الكيزان تجيد التهريج والعناوين الصارخة وحلمنتيش والاستهزاء بالشعر المسؤول وكانت تخلص من ارفف المكتبات وكذلك كاتب الحور العين والمعجزات الكاذبة في جريدة الانتباهة بينما جريدة الايام تبور في المكتبات لصاحبها محجوب محمد صالح...انه الجهل الشعبي بامتياز
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: مصرع حميدتي امس الجمعة ... (Re: عبداللطيف حسن علي)
|
تشخيص دقيق يضع اليد على الجرح مباشرة، ويتجاوز المثالية الأخلاقية التي تُبرئ الجمهور وتُلقي باللائمة على "الصحفي" أو "الموقع" وحده. ما ذكرته هو النموذج الشارح لما يُعرف في علم الاجتماع والإعلام بـ "اقتصاد الرغبة والغرائز" مقابل "اقتصاد العقل والمعرفة". تجربة صحافة "ألوان" و"الانتباهة" في السودان تُقدّم دراسة حالة مثالية لكيفية انتصار "التهريج الإيديولوجي" والمبالغة الفاقعة على الصحافة الرصينة، وذلك لعدة أسباب تُفسّر هذا "الجهل الشعبي" أو الانحياز للجودة المنخفضة: 1. إثارة العاطفة مقابل إجهاد العقل مدرسة "ألوان" و"حسين خوجلي": اعتمدت على أدوات شعبوية تُدغدغ المشاعر مباشرة: التهكم، استخدام الحلمنتيش، السخرية من الخصوم السياسيّين، واللغة الشارعياتية القريبة من الشفاهية. القارئ هنا لا يبذل جهداً ذهنياً، بل يستمتع بـ "فرجة" أو سيرك كلامي يُلبي غريزة التشفي أو التسلية. مدرسة "الأيام" و"محجوب محمد صالح": كانت تقدم تحليلاً رزيناتً، ولغة رصينة، وتفكيكاً هادئاً للأزمات. هذا النوع من الصحافة يتطلب قارئاً يفكر، يحلل، ويقارن؛ وهو مجهود فكري يأنف منه الجمهور العريض المائل للتسلية السريعة والتجييش العاطفي. 2. خرافات "الانتباهة" والاستثمار في الخوف والدين ما كانت تفعله "الانتباهة" من العزف على نغمة "المعجزات"، و"قصص حور العين"، والشحن العرقي والديني، هو استخدام لأعتى أدوات التجييش الجماعي: تزييف الوعي باسم المقدّس: الإثارة الغيبية والمفارقات العجائبية تبيع دائماً في المجتمعات التي يعشعش فيها الجهل أو المظلومية المركبة، لأنها تمنح القارئ حلاً سحرياً أو شعوراً زائفاً بالاستعلاء الأخلاقي دون حاجة للمواجهة الموضوعية للواقع. 3. العرض والطلب: الصحافة كمرآة للمجتمع القول بأن "المواقع أو الصحف بايرة" يغفل حقيقة أن الوسائل الإعلامية هي نتاج البيئة التي تخرج منها: الصحفي أو الناشر التجاري لا يخلق الرغبة من الفراغ، بل يستكشف "سوق الغرائز". عندما وجد حسين خوجلي أو غيره أن المانشيت الصارخ والساخر يبيع الأعداد وتنفد به الطبعات، حوّل الصحافة إلى "صناعة ترفيه إيديولوجي". وبالمقابل، عندما زهد الجمهور في رزانة "الأيام" أو "الميدان" أو "الصحافة" في عصورها الذهبية، بادت هذه الصحف أو انكمشت، لأن "الزبون" اختار السلعة الأسهل هضماً والأشد إثارة. 4. من الورق إلى الشاشة: استمرار نفس الجين الثقافي ما نراه اليوم في "جرائم العناوين" (Clickbait) وتلفيق الأسماء على شبكة الإنترنت هو مجرد تحديث رقمي (Digital Upgrade) للأسلوب نفسه الذي كانت تمارسه "ألوان" و"الانتباهة": قديماً: عنوان صارخ على الورق يُباع في الكشك لجمهور يبحث عن الإثارة. اليوم: عنوان مضلل على الشاشة يُنقر عليه لجمهور يبحث عن الصدمة. الرابط بينهما: جمهور يفضل "الدراما والتهريج" على "الحقيقة والمعرفة". خلاصة القول: وسائل الإعلام لا تفسد المجتمعات من الفراغ، بل تمنح المجتمعات المأزومة ثقافياً "المرآة" التي تحب أن ترى نفسها فيها. وطالما أن الطلب على "الثرثرة والإثارة" أعلى من الطلب على "الفكر والتحليل"، فستظل العناوين المضللة والصحافة الهابطة هي السلعة الأكثر رواجاً.
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: مصرع حميدتي امس الجمعة ... (Re: عبداللطيف حسن علي)
|
حماية المثقف لنفسه من التضليل ليست مجرد امتلاك "معلومات متراكمة"، بل هي ممارسة أبتسمولوجية (معرفية) ونفسية مستمرة. في عالم أصبح فيه التضليل خوارزمية مدفوعة الأجر وجماهير تبحث عن الإثارة (كما ناقشنا)، يجد المثقف نفسه عرضة للفخاخ المعرفية إن لم يبنِ لنفسه خطوط دفاع متينة. إليك أبرز الآليات التي يحمي بها المثقف وعيه من التفكيك والتضليل: 1. التفكيك البنيوي للتأطير (De-framing) التضليل الحديث نادراً ما يكون كذباً صريحاً بنسبة 100%؛ بل يعتمد على "التأطير" (Framing)، أي وضع جزء من الحقيقة داخل إطار يخدم غرضاً محاطاً بالإثارة. فك الارتباط بين "الحدث" و"الحدس": المثقف يعلم أن الانطباع الأول أو "الشعور بالصدمة" عقب قراءة خبر ما هو رد فعل بيولوجي تسعى لغة التضليل لاستفزازه. أول خطوة لحماية النفس هي فرض "هدنة انفعالية" بين استهلاك النص وتشكيل الموقف. مساءلة الإطار: طرح أسئلة السوسيولوجيا والسياسة: من صاحب المنصة؟ ما هي بنية التمويل؟ ما الذي يُقال بين السطور، وما الذي تم تغييبه عمداً؟ 2. مقاومة "الانحياز التأكيدي" (Confirmation Bias) أخطر أنواع التضليل ليس ذاك الذي يأتيك من خصومك الفكريين، بل الذي يغذّي رغباتك وانحيازاتك الأيديولوجية أو السياسية. الشك في الأخبار التي تُرضيك: عندما يقرأ المثقف خبراً يُسعده أو يؤكد نظريته السابقة عن خصمه، يجب أن تتضاعف لديه درجة الشك. قراءة الأدبيات المتقاطعة: الانفتاح المنظم على الروايات المناقضة، ليس من باب التسليم بها، بل لفهم كيفية بناء الحجة الطرف الآخر واكتشاف المناطق المظلمة في روايته وروايتك على حد سواء. 3. العودة إلى المنهج التاريخي والتحليل البنيوي الصحافة الرقمية والإثارة تعتمد على "فصل الأحداث عن سياقها" لجعل كل حدث يبدو كأنه صدمة مفاجئة أو معجزة خارقة. ربط الظاهرة بصيرورتها: المثقف لا يقرأ الحدث كـ "نقطة معزولة" (معركة، تصريح، خبر موت مواطن متشابه الاسم)، بل يربطه بالمسار التاريخي، والبنية الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجته. تفعيل أدوات النقد الأدبي والفلسفي: التعامل مع الخطاب الإعلامي بوصفه "نصاً يتضمن مجازات وأغراضاً مضمرة"، وليس مجرد "نقل محايد للواقع". 4. الفرز الصارم للمصادر (الانتقائية المعرفية) في ظل سيادة "صحافة الرصيف الرقمية"، تصبح حماية الذهن قائمة على تقليل المساحة المتاحة للضوضاء: تخفيض منسوب "الأنباء العاجلة": التدفق المستمر للأنباء السريعة مصمم لتشتيت الوعي. المثقف يحمي نفسه بالابتعاد عن متابعة "الخبر لحظة بلحظة" والانتظار حتى تهدأ الفورة الإعلامية وتظهر القراءات التحليلية الرصينة. الهجرة إلى المصادر الأولية والدراسات: الاعتماد على الوثائق، البيانات الخام، والأبحاث الأكاديمية بدلاً من وسائط "الوساطة التحريرية" المضللة أو المواقع البحثية المشبوهة. 5. التواضع المعرفي (Epistemic Humility) أخيراً، الشاطئ الأهم لوقاية المثقف هو الاعتراف بمحدودية المعرفة: شجاعة قول "لا ألمّ بالمعطيات الكافية": التضليل يزدهر عندما يشعر الفرد (حتى لو كان معلماً أو مفكراً) بالضغط المجتمعي ليكون له رأي في كل حقيقة أو شائعة طارئة. امتلاك القدرة على تعليق الحكم (Epoché) لحين استكمال الرؤية هو ما يفصل الوعي النقدي عن الاندفاع الجماهيري. خلاصة القول: حماية المثقف لنفسه من التضليل لا تتطلب امتلاك أجهزة كشف الكذب، بل تتطلب "حساً نقدياً صارماً" يجعل العقل حصناً لا يدخله الخبر إلا بعد المرور عبر فلاتر المنطق، السياق التاريخي، ومساءلة الدوافع.
| |

|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |