الانسان مسير ام مخير...؟؟

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-15-2026, 08:21 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-30-2026, 08:27 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
الانسان مسير ام مخير...؟؟

    08:27 PM June, 30 2026

    سودانيز اون لاين
    عمران بابكر بدري-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    الانسان مخير ام مسير
    عمران بدري
    إن اسم الله العليم من الأسماء العظيمة التي تدل على كمال علمه سبحانه وتعالى، فهو علمٌ مطلقٌ لا يحده زمان ولا مكان، أحاط بكل شيء قبل أن يكون، وعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون إلى قيام الساعة، ثم كتب ذلك في أم الكتاب.
    غير أن علم الله السابق لا يعني أن الإنسان مُجبر على أفعاله، بل إن الله علم ما سيختاره العبد بإرادته، فكتب ذلك بعلمه الأزلي، ولم يكتبه لأنه أجبر العبد عليه. ولهذا كان الإنسان مسؤولًا عن أعماله، واستحق الثواب إن أحسن، والعقاب إن أساء.
    وقد دل القرآن الكريم على ذلك في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
    ولذلك فنحن لسنا ممثلين على خشبة مسرح نؤدي أدوارًا مفروضة علينا، بل نعيش حياتنا ونختار أفعالنا بإرادة منحنا الله إياها، والله سبحانه يعلم تلك الاختيارات قبل وقوعها، دون أن يسلبنا حرية الاختيار أو يحملنا على فعل معين.
    وهنا تتجلى عظمة الله جل جلاله؛ فقد أحاط علمه بكل شيء قبل وقوعه، ومع ذلك جعل للإنسان إرادة واختيارًا، وأقام عليه الحجة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل الكتب، ثم يحاسبه بعدلٍ تام على ما اختاره بنفسه. فسبق علم الله لا ينافي اختيار العبد، بل هو من كمال علمه سبحانه وتعالى.
    والله تعالي اعلم






                  

07-01-2026, 07:25 AM

ترهاقا
<aترهاقا
تاريخ التسجيل: 07-04-2003
مجموع المشاركات: 10056

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: عمران بابكر بدري)

    .
    Quote: الانسان مسير ام مخير...؟؟


    ******* مُختار ********
                  

07-01-2026, 12:46 PM

Ali Alkanzi
<aAli Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11448

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: ترهاقا)

    اخ عمران
    حوار عميق قديم ومعاصر
    ان شاء الله ساعود اليه لاحقا
    لك ودي
    ا
    Quote: وهنا تتجلى عظمة الله جل جلاله؛ فقد أحاط علمه بكل شيء قبل وقوعه، ومع ذلك جعل للإنسان إرادة واختيارًا، وأقام عليه الحجة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل الكتب، ثم يحاسبه بعدلٍ تام على ما اختاره بنفسه. فسبق علم الله لا ينافي اختيار العبد، بل هو من كمال علمه سبحانه وتعالى.
    والله تعالي اعلم
                  

07-01-2026, 06:12 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Ali Alkanzi)

    اخي الكنزي


    خالص الود



    في انتظارك
                  

07-03-2026, 05:03 AM

Ali Alkanzi
<aAli Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11448

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: عمران بابكر بدري)

    اجابة على التساؤل المطروح
    ا
                  

07-03-2026, 05:26 AM

Ali Alkanzi
<aAli Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11448

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Ali Alkanzi)

    هذه من المسائل التي تناولتها المذاهب الإسلامية بعمق، وكل مذهب أقام حججه وأدلته في مسألة:
    هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟
    لم أكن مهتمًا بهذا الموضوع بالقدر الذي يجعله محل بحث عندي، لكن وقعت في يدي بعض الكتب التي ناقشته، ومنها:
    كتاب الدكتور مصطفى محمود: «القرآن: محاولة لفهم عصري».
    وردَّ عليه الأستاذ محمود محمد طه في كتاب مستقل بعنوان: «القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري»، الصادر في يناير 1971، وفيه فصل بعنوان «مسير أم مخير؟».
    ولما كانت هذه المسألة من القضايا الفكرية المهمة، وكان لكل من المؤلفين رؤية مختلفة،
    أرجو من الإخوة الجمهوريين، إن تيسر، أن يعرضوا لنا خلاصة ما ذهب إليه الطرفان في هذه القضية،
    وليتهم يبينوا لنا نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما، حتى تعم الفائدة ويكون النقاش قائمًا على النصوص والأفكار الأصلية، لا على الانطباعات أو النقل المجتزأ.
    وأضيف أن من أعمق ما وقفت عنده وعليه في هذه المسألة ما يُنسب إلى الإمام جعفر الصادق، إذ سُئل: أالإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ فأجاب:
    «لا جبر ولا تفويض، ولكن الأمرٌ بين أمرين.»
    وهي عبارة قصيرة، لكنها فتحت بابًا واسعًا من البحث والتأمل،
    ولا تزال محل نقاش عند المدرسة الاثني عشرية في تفسيرها وبيان مقصودها.
                  

07-03-2026, 05:31 AM

Ali Alkanzi
<aAli Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11448

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Ali Alkanzi)

    (عدل بواسطة Ali Alkanzi on 07-03-2026, 05:34 AM)

                  

07-06-2026, 11:05 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Ali Alkanzi)

    الإنسان يجمع بين الأمرين معاً؛ فهو مُسيّر في أمور لا يملك فيها اختياراً (كأهله، زمان وموعد ولادته، وشكل جسده)، ومُخيّر في تصرفاته وأفعاله التي يترتب عليها الثواب والعقاب (كالعمل، الإيمان، والأخلاق). منحك الله العقل والإرادة لتختار طريقك، وتظل كل اختياراتك ضمن دائرة قدره ومشيئته.


    راي اخر




    امل من الاخوه الجمهوريين اثراء النقاش


    خالص الحب

    يا كنزي افدتني كثيرا


    مودتي
                  

07-07-2026, 07:11 AM

ترهاقا
<aترهاقا
تاريخ التسجيل: 07-04-2003
مجموع المشاركات: 10056

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: عمران بابكر بدري)

    وهديناه النجدين
                  

07-07-2026, 11:54 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: ترهاقا)

    قال الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البلد: 10].أي أن الله سبحانه وتعالى بيَّن للإنسان طريقين واضحين مرتفعين كالنجدين: طريق الخير والهدى، وطريق الشر والضلال، ومنحه العقل والفطرة والقدرة على التمييز بينهما، ثم ترك له حرية الاختيار، ليكون مسؤولًا عن عمله وجزاء اختياره.

    سلِمت يا ترهاقا

    (عدل بواسطة عمران بابكر بدري on 07-07-2026, 11:56 PM)

                  

07-08-2026, 01:24 AM

Omer Abdalla Omer
<aOmer Abdalla Omer
تاريخ التسجيل: 03-02-2004
مجموع المشاركات: 4385

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: عمران بابكر بدري)

    هذا رأي الأستاذ محمود و الجمهورين يفيد النقاش:

    الجبر والاختيار

    ومسألة الجبر والاختيار ، أو التسيير والتخيير ، تمثل جماع العلاقة بين الفرد والكون ، وهي مشكلة أعيت دقائقها الفكر البشري في جميع عصوره ، وقد أنى لها أن تبرز من جديد ، وأن تستحوذ على كل اهتمام المفكرين ، ذلك بأن ضرورة فهمها ، فهما دقيقا ، لا تجئ من قبيل الترف الذهني ، كما قد يتبادر إلى بعض العقول ، ولا هي مسألة لا تعنينا في أمر معيشتنا اليومية ، أثناء الكسب والصرف ، كما قد يتبادر إلى بعض العقول الأخرى ، وإنما ضرورة فهمها تجئ من الحاجة إلى المنهاج العملي لتحقيق الحريـة الفرديـة المطلقة ، والحرية الفردية المطلقة هي منـذ اليـوم المركز الذي منـه تتفـرع ، وتشـع الحرية الجماعيـة ، بجميع صورها ، وفي كافـة مستوياتهـا ، تدخل في ذلك معيشتنا اليومية ، أثناء الكسب وأثناء الصرف .
    والسؤال المزمن هو ، هل الإنسان مسير إلى مصير مبرم ؟ أم هل هو مفوض إليه ليختار في أمر مستأنف ؟
    لقد قـرر المعصوم في هـذا تقريرا فيـه لحاجـة المؤمن غناء ، كل الغناء ، وذلك حين قال : (( من آمن فقد آمن بقضاء وقدر ، ومن كفر فقد كفر بقضاء وقدر ، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف )) ولما قال بعض الأصحاب (( ففيم التعب إذن يا رسول الله؟ )) قال (( أعملوا فكل ميسر لما خلق له ! )) فانصرف الأصحاب لعملهم ، واعتصموا بإيمانهم ، فعصمهم ووسعهم . (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ، تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم )) .
    فحاجة المؤمن مكفية بالإيمان نفسه ، ولكن حاجة المسلم هي التي تحتاج إلى مزيد من العلم يدخل بها مداخل اليقين ، ويحرز لها طمأنينة القلب . ألم تر إلى إبراهيم الخليل (( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ، قال أولم تؤمن ؟ قال بلى ! ولكن ليطمئن قلبي ! قال فخذ أربعة من الطير ، فصرهن اليك ، ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ، ثم ادعهن ، يأتينك سعيا ، واعلم أن الله عزيز حكيم . ))
    ولقد خلف من بعد الأصحاب ، خلف لم يسعهم في هذا الأمر ما وسع الأصحاب ، فبدا لبعضهم ، وهم أصحاب الرأي ، أن التسيير المطلق مع العقاب على الخطيئة يشبه قول من قال :
    ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
    وهذا ظلم ، ولما كان الله تبارك وتعالى منزها عن الظلم ، ولما كان العقاب على الخطيئة ثابتا ، في الشريعة وفي الدين ، فلم يبق إلا أن يكون الإنسان متمتعا بشئ من الاختيار ، به يستحق العقاب ، حين يخطئ ، ويستأهل الثواب ، حين يصيب . وكذلك اعتقدوا ، فتورطـوا في الشرك من حيـث أرادوا التنزيه .. ومد لهؤلاء في غيهم أمران : أولهما أن البداهة ، وظاهر الأمر ، توحي بأن للإنسان اختيارا يبدو في حركاته الاختيارية ، فهو يستطيع أن يمشي ، إن شاء ، أو أن يجلس ، أو أن يقف ، هذا إلى جملة حركات أخرى ، وسكنات ، كلها تقع تحت اختياره وإرادته . وثانيهما أن ظواهر القرآن تقر الإنسان على ما أعطته إياه هذه البداهة المعاشة .
    وهناك أصحابنا الصوفيـة ، وهـم ، في عمـومهم ، قـد حاولوا أن يكتفـوا ، من هـذا الأمـر ، بما اكتفى به الأصحاب ، ولكـن حكم الوقت ، وإلحاح الفـرق الأخرى ، قد اضطـر بعضهم أن يقـرر أن الإنسان مسير ، في كل صغيـرة وكبيـرة من أمـوره ، وانه مـع ذلك ، معاقـب بالإساءة ، مجـازى بالإحسان . وليس الله ، في كل أولئـك ، بظالم ، لأنـه لم يتصـرف في ملك غيـره . واضطر البعـض الآخر أن يقـرر التسيير المطلق مع العقوبة ، ثم خرج عن مسألة الظلم هذه بقول الله تعالى ، (( لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون . ))
    وأجمع كبار عارفيهم على أن التوفيق بين التسيير المطلق ، وهو أمر يوجبه التوحيد ، والعقاب ، والعدل الإلهي ، إنما يلتمس في حكمة العقاب . وذهبوا في البيان مذاهب كانت وافية بحاجة عصرهم ، والعصور التي تلته إلى يومنا هذا ، ولكننا ما نرى أنها تكفي حاجة الفكر الحديث ، منذ اليوم .


    القرآن والجبر والإختيار

    ولقد بنى أصحاب الرأي رأيهم على القرآن ، وساقوا منه آيات بينات للتدليل على صدقهم ، ولقد بنى الصوفية ، وهم يقفون من أصحاب الرأي موقف النقيض من النقيض ، مذهبهم على القرآن أيضا ، وساقوا منه آيات بينات للتدليل على صدقهم . ولقد ورطت هذه الظاهرة الغريبة كثيرا من المستشرقين ، ممن عنوا بدراسة القرآن ، في خطأ جسيم ، فظنوا أن بعض القرآن يناقض بعضا ، وأسرفوا في ذلك على أنفسهم ، وعلى مواطنيهم ، والحق ، في هذا الأمر ، أن للقرآن ظاهرا وباطنا ، فظاهره عني بظواهر الأشياء ، وباطنه قام على الحقائق المركوزة وراء الظواهر ، ثم اتخذ ، في نهجه التعليمي ، الظواهر مجازا يعبر منها العارف إلى البواطن ، وهو في ذلك يقول (( سنريهم آياتنا ، في الآفاق ، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق ، أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ؟ )) والظـواهر هنا آيات الآفاق ، والبواطن آيات النفوس . وأبواب العقل على آيات الآفاق هي الحواس ، والحواس قد جاءت كلها مثاني ، من يمين وشمال ، على تفاوت في القوة بينهما ، فينتج عن هذا أن ما تؤديه العين اليمنى ، إلى العقل ، من الشئ المرئي ، يختلف عما تؤديه العين اليسرى منه إليه . وليست صحة الأمر بينهما . وهذا يعني أن تجري غربلة في العقل ، بها يتخلص مما يسمى خداع الحواس ، ويخلص إلى الأمر على ما هو عليه في الحق .
    وكثير من العقول الساذجة لا تملك القدرة على الإنعتاق من أسر الحواس ، والعقول ، على إطلاقها ، شديدة الاعتماد على معطيات الحواس ، ولما كان القرآن كتاب عقيدة ، وشريعة ، وحقيقة ، ولما لم تكن إلى حقيقته من سبيل إلا عن طريق عقيدته ، فشريعته ، ولما لم يكن من مصلحة العقيدة أن تصادم دعوتها ما تعطيه البداهة المشاهدة بالعين ، فإنه جاءنا بظاهر يجاري الوهم الذي أعطتنا إياه الحواس عن عالم الظاهر ، وبباطن يرتكز على الحق الصراح . وهـو ، بمجاراتنا في وهمنا ، إنما أراد أن يدفع عنا المشقة ، حيث لم يكن موجب للمشقة ، ريثما ينقلنا ، على مكث ، إلى الحق . ولنسق على ذلك مثلين : مثلا في مستوى مجاراة وهم الحواس ، وهو وهم غليظ ، ومثلا في مجاراة وهم العقل ، وهو وهم دقيق : فأما المثل الأول ، فإن القرآن عندما جاء يدعو إلى العقيدة قوما يرون بأعينهم أن الأرض مسطحة ، لم يشأ أن يجمع عليهم ، إلى مشقة الدعوة إلى عقيدة في الإله جديدة ، مشقة الدعوة إلى فكرة جديدة، عن الأرض ، تناقض البديهة المرئية بالعين ، فجاء في سياقه بآيات عن الأرض لم تزعج المدعوين عما ألفوا من أمرها ، فقال (( والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم الماهدون )) وقال (( ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا؟ )) وقال (( والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها )) وقال (( والأرض مددناها ، وألقينا فيها رواسي ، وأنبتنا فيها من كل شئ موزون )) ، فإذا دخلوا في العقيدة ، وعملوا بالشريعة ، تبين لهم أن الأرض ليست مسطحة إلا فيما ترى العين ، وليس إلى الحقيقة من سبيل إذا أسقطنا ما تـرى العين ، كل الإسقاط ، من حسابنا ، كما أنه ليـس إلى الحقيقـة وصـول إذا ظللنا أسـرى أوهـام الحواس ، وإنما الـرشد أن نجعـل ما ترى الأبصار مجـازا إلى ما تـرى العقـول ، وما ترى العقـول مجازا إلى ما تـرى القلـوب ، وهو الحـق ، ثم هو الحقيقـة ، في الفينة بعد الفينة .
    والمثل الذي يجاري وهم العقل تعطيه هاتان الآيتان ، (( لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين )) فإن السالك المجود ، وهو في أول الطريق ، إذا قرأهما فهم من أولاهما أن له مشيئة مستقلة تملك أن تستقيم ، كما تملك أن تلتوي ، ولم يفهم من ثانيتهما إلا ما تعطيه اللغة ، فيجتهد في سبيل الاستقامة في تشمير وجد . حتى إذا نضجت تجربته بالمجاهدة ، ومصابرة النفس ، علم يقينا أنه لا يملك مع الله مشيئة ، وأصبح الخطاب في حقه ، ساعتئذ ، قوله تعالى (( وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين )) ويعرف أن قوله تعالى(( لمن شاء منكم أن يستقيم )) قد أصبح في حقه منسوخا ، بعد أن تخلص من وهم عقله . هذا مع الفهم الأكيد للحكمة التي من أجلها جاءت هذه الآية الكريمة .
    فالقرآن ساق معانيه مثاني .. معنى قريبا في مستوى الظاهر ، ومعنى بعيدا في دقائق الباطن ، ولكن أصحاب الرأي لم يفطنوا إلى ذلك ، فجعلوا الآيات التي تجاري أوهام الحواس ، والتي تجاري أوهام العقول ، سندهم ، وبنوا عليها علمهم ، فضلوا كثيرا وأضلوا .
    وأما الصوفية فقد تفطنوا إلى ذلك ، وعلموا أن أوهام الحواس ، وأوهام العقول ، يجب التخلص منها بأساليب العبادة المجودة ، التي تبلغ بهم منازل اليقين المحجبة بحجب الظلمات ، وحجب الأنوار .
                  

07-08-2026, 01:25 AM

Omer Abdalla Omer
<aOmer Abdalla Omer
تاريخ التسجيل: 03-02-2004
مجموع المشاركات: 4385

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Omer Abdalla Omer)

    معذرة! فات علي تحية صاحب البوست و ضيوفه الكرام.
                  

07-08-2026, 03:05 AM

السر عبدالله
<aالسر عبدالله
تاريخ التسجيل: 11-10-2006
مجموع المشاركات: 2553

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Omer Abdalla Omer)

    الانسان مخير يا عمران ومسؤول عن اي عمل يعمله
    ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى هذا الخير يوم القيامة اي يوم البعث
    ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرى عاقبة هذا الشر يوم البعث
                  

07-08-2026, 07:28 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: السر عبدالله)

    الحبيب السر عبدالله

    تحياتي

    قولك إن الإنسان مخير ومسؤول عن عمله صحيح من جهة التكليف، فالقرآن يقول:
    ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ۝ ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾.
    وهذا يثبت المسؤولية والمحاسبة، لكنه لا يحسم وحده مسألة استقلال الإرادة عن إرادة الله؛ لأن القرآن يقول أيضًا:
    ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ (التكوير: 29).
    ويقول:
    ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ (الصافات: 96).
    الأستاذ محمود محمد طه يرى أن هذين النوعين من الآيات ليس بينهما تناقض. فالإنسان في مستوى التكليف يشعر أنه يختار، ولذلك يُخاطَب بالأمر والنهي ويُحاسَب على عمله. أما في مستوى الحقيقة والتوحيد، فلا توجد إرادة مستقلة عن إرادة الله، لأن كل مشيئة داخلة تحت مشيئته.
    لذلك كان يقول إن قوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾ يخاطب الإنسان في بداية الطريق، بينما قوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ يكشف الحقيقة الأعمق لمن ترقى في المعرفة.
    أما مصطفى محمود فكان يقرر أن الإنسان يملك حرية حقيقية، لكنها ليست حرية مطلقة، بل حرية ضمن مشيئة الله. وكان يضرب مثالًا بأن الله منح الإنسان مساحة للاختيار، ثم يحاسبه على ما اختاره، دون أن يخرج ذلك عن علم الله وقدره.
    إذن يختلف الرجلان في زاوية النظر:
    مصطفى محمود يؤكد حرية الإنسان النسبية مع بقاء القضاء والقدر.
    محمود محمد طه يرى أن الإحساس بالاختيار مرحلة لازمة للتكليف، أما الحقيقة النهائية فهي أن مشيئة الإنسان لا تستقل أبدًا عن مشيئة الله.
    فالآيات التي تثبت الحساب والثواب والعقاب لا تنفي قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، وإنما تبين مسؤولية الإنسان في مقام التكليف، بينما تبين الآية الأخرى حقيقة التوحيد في مقام المعرفة


    والله تعالي اعلم
                  

07-09-2026, 12:24 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52869

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: عمران بابكر بدري)

    الأخ الكريم عمران بابكر بدري
    تحية طيبة لك ولضيوفك الكرام

    وأشكر الأخ د. عمر عبد الله عمر لما اقتبسه من كتابة الأستاذ محمود التي توضح مسألة التسيير والتخيير.

    وقد تقدمت للذكاء الاصطناعي بهذا السؤال:
    ماذا كتب الأستاذ محمود في كتبه عن مسألة التسيير والتخيير أو الجبر والاختيار؟





    Quote: فكانت هذه الإجابة التي سوف أوردها أدناه بقليل من التصرف:

    يرى الأستاذ محمود محمد طه (مؤسس الفكرة الجمهورية) في كتبه أن الإنسان مسير وليس مخيراً في نهاية المطاف، معتبراً أن قضية الجبر والاختيار أو التسيير والتخيير هي "جماع العلاقة بين الفرد والكون".
    وقد تناول هذه المسألة بعمق في عدة مؤلفات، أبرزها كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام"، وكتاب "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري".
    ويمكن تلخيص رؤيته لهذه المسألة في النقاط الهيكلية التالية:
    1. أصل التوحيد: الإنسان مسير مطلقاً
    • وحدة الفاعل: يرى الأستاذ محمود أن القول بأن الإنسان مخير اختياراً نافذاً يوقعه في الشرك، لأنه يعني "مشاركة الخالق في فعله".
    • نفي الاختيار الحقيقي: يؤكد أن الخالق واحد، والفاعل وراء كل فعل هو واحد سبحانه.
    • وهم الإرادة: يعتبر أن شعور الإنسان بأنه يملك إرادة مستقلة تماماً هو مجرد "وهم"، طوعته النفس البشرية لنسبة الأفعال إلى غير فاعلها الأصلي.

    2. مفهوم "الحيلة" وعلاقتها بالغفلة
    • اتساع الحيلة: يفسر الأستاذ محمود شعور الإنسان بالاختيار بأنه ناتج عن "سعة الحيلة" في ظروف معينة (كالعيش في البر مقارنة بأهوال البحر).
    • استشعار القدرة: كلما نجحت حيلة الإنسان في حل مشاكله، تمادى في غفلته وظن أنه صاحب إرادة حرة ومختارة.
    • لسان الحال: عندما تضيق حيل الإنسان (مثل ركوب البحر ومواجهة الأمواج)، تظهر قلة حيلته ويعود إلى حقيقة التسيير الإلهي فيخلص الدعاء لله.

    3. التسيير الغائي (من القيد إلى الحرية)
    • حركة صاعدة: لا يرى الأستاذ محمود التسيير كقهر سلبي، بل يراه حركة هادفة ورحيمة.
    • الرحمة فوق العدل: يكتب أن الإنسان "مسير من البعد إلى القرب، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن التعدد إلى الجمعية، ومن الشر إلى الخير، ومن المحدود إلى المطلق، ومن القيد إلى الحرية".
    • التوفيق بين الإرادتين: يرى أن قانون المعاوضة البشري (الشريعة) والجهد الإنساني يستهدف في النهاية محاولة الانطباق والانسجام التام مع القانون القديم (الإرادة الإلهية الأزلية).

    بإيجاز، حسم الأستاذ محمود محمد طه الجدل الفكري حول هذه المسألة بالتأكيد على أن التسيير هو الأصل الكوني والتوحيدي، وأن مساحة التخيير الظاهرة للإنسان ما هي إلا أداة تربوية وسلوكية لترقية عقله ونفسه حتى يفنى وهمه في مشيئة الحق.


    وقد اخترت هذه الكتابة التي جاءت في كتاب "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري" بعنوان "الخلاصة؟؟":

    Quote: الخلاصة؟؟

    إن الله قد سير الإنسان تسييرا تاما.. فأما في منطقة العناصر فقد سيره تسييرا مباشرا، وذلك بالقهر الإرادي الذي انصهرت تحت جبروته جميع الأشياء.. وأما في منطقة الحياة فهو قد سيره تسييرا شبه مباشر، وذلك عن طريق إرادة الحياة، فإن الحي قد فطر عل حب الحياة، ومن ثم، فهو يسعى للاحتفاظ بها، فيفر من كل ما يؤذيه، وإلى كل ما يلذه.. وقانونه، في هذه المرحلة البدائية من مراحل النشأة، السعي الدائب لتحصيل لذة البطن والفرج.. فلما قطع الإنسان هذه المرحلة، ودخل مرحلة البشرية (وهو قد فعل ذلك بعد زمن طويل، ممعن في الطول: "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا؟؟") فقد جرى تسيير الله إياه بصورة غير مباشرة، وذلك عن طريق إرادة الحرية.. فإنه، منذ دخوله هذه المرحلة، قد نما عقله، وبرزت ملكة التعلم فيه بصورة واضحة، وزاد على لذتي البطن والفرج، لذة ثالثة، هي لذة المعرفة.. وأصبح تسيير الله إياه، ههنا، بواسطة عقله.. أصبح الله معلمه، فهو يلقي في عقله، في لطف لطيف، وخفاء بالغ، ما يريد له أن يعلم، وما يريد له أن يعمل.. (اقرأ باسم ربك، الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ.. وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم).. وأصبح الإنسان، في هذه المرحلة، لا يشعر بتدخل إرادة الله في إرادته، وإنما هو يتحرك حركات إرادية، بإرادة يشعر بانبثاقها من عقله، فقام في وهمه أنه مريد.. وهو لما كان في منطقة الحركات الإرادية يتصرف بإرادة مستقلة، فهو يقوم، ويمشي، ويقف ويرفع يده، ويرفع رجله.. ولكنه، مع ذلك، يعجز عن أن يرفع رجليه مثلا، ويستقر في الهواء.. ويعجز عن أن يسيطر على ضربات قلبه، وحركات رئتيه، ورمش عينيه.. فقد قام في وهم بعض العقلاء أن الإنسان مسير، ومخير.. هو مسير إلى أعماله غير الإرادية، مخير في أعماله الإرادية.. والتحقيق الدقيق يقرر أن الإنسان مسير في كلتا حالتيه.. وكل ما هناك من فرق إنما هو في المقدار، لا في النوع، يعني أنه مسير، في أعماله الإرادية، بواسطة عقله الواعي.. مسير، في أعماله غير الإرادية، بواسطة عقله الباطن.. والله من وراء كل أولئك محيط..
    والله لا يسيرنا إلى الخطأ، وإنما هو يسيرنا إلى الصواب.. ولكنه جعل ممارستنا للخطأ وجها من وجوه الصواب، ذلك لأن الجهل إنما هو نسبي.. فليس هناك جهل مطلق، وليس هناك خطأ مطلق.. إن الله خير مطلق.. ليس للشر إلى ذاته سبيل.. وإنما الشر في إرادته.. وإرادته حكمته..
    والله، تبارك، وتعالى، يسيرنا إلى ذاته بإرادته، وذلك عن طريق إرادتنا.. وإرادتنا مخلوقة لنا.. وهو قد قال، تبارك، وتعالى، في ذلك، في حديث قدسي لداؤد: (يا داؤد!! إنك تريد، وأريد.. وإنما يكون ما أريد.. فإن سلمت لما أريد، كفيتك ما تريد.. وإن لم تسلم لما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد..)..
    وإنما دخل الخير والشر في إرادته لحكمة تعليمنا.. فإن عقولنا لا تدرك الأشياء إلا بأضدادها.. وفي ذلك قوله تعالى (ومن كل شيء خلقنا زوجين.. لعلكم تذكرون).. وقوله تعالى: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون).. وقد أمرنا تعالى أن نستعمل إرادتنا في السير إليه.. وقد شرع لنا منهاج السير إليه.. وهو منهاج يقوم على العلم، والعمل بمقتضى العلم.. ويبدأ بالعلم بالشريعة، في الأمر، والنهي، ويوجب أن نسير أنفسنا في طريق أمره، وإن كرهت السير فيه.. قال المعصوم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)، وذلك أخذا من قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم، وأبناؤكم، وإخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم، وأموال إقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، أحب إليكم من الله، ورسوله، وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره.. والله لا يهدي القوم الفاسقين).. فالنهج يقوم، من الوهلة الأولى، على أن نعلم ما عند الله، ونسير أنفسنا في طريقه.. والجهل حاضر، وإنما المجاهدة، كل المجاهدة، في سبيل التخلص منه.. وما السير إلى الله بقطع المسافات، وإنما هو بالتخلص من الرعونات، والجهالات، وبتسيير النفس في هذا الطريق، ليتم تقريب صفاتها من صفاته.. وذلك دائما بالعلم، والعمل بمقتضى العلم.. فليس العلم غاية في ذاته، وإنما العلم وسيلة الحياة.. والحياة الكاملة هي التي تعلم العلم الكامل، وتتخلق بمقتضاه.. وأكمل العلم ما يسوق إلى التخلق بالحرية، وإنما، من أجل الحرية، جعل الله، بحكمته، طريق تعلمنا يمر بمنطقة الاختيار فنحن نتعلم بين الخطأ والصواب.. وهو يعلمنا دائما.. حين نصيب، وحين نخطئ.. وقد جعل تعلمنا عن طريق الخطأ بالعقوبة التي نجدها مترتبة على الخطأ.. فنحن نتمتع بإرادة نشعر بحريتها، ولا نشعر بتوجيه الله إياها.. وقد أمرنا، في الشريعة بأن نسير بحريتنا هذه في اختيار ما يختار هو لنا.. ولما كنا أحرارا، فيما نشعر، فقد قام التكليف على أننا نتحمل مسئولية خطأ تصرفنا، حين نخطئ، أثناء ما نحن ندبر أمر أنفسنا.. فإذا عجزنا عن هذا التدبير، وعظمت علينا مسئولية حرية التصرف، لجأنا إليه، في عجز، وضعف، به نستيقن، بعد الممارسة، أن إرادته حقيقية، وأن إرادتنا متوهمة.. فإذا وقع لنا ذلك أسلمنا له، وانقدنا، ورضينا.. وحين نفعل ذلك نسير خلفه، بتسليم إرادتنا لإرادته.. وفي تلك اللحظة يكون التسيير قد وصل بنا إلى التخيير.. ونكون قد خرجنا من منطقة الخير والشر، ودخلنا منطقة الخير المطلق، حيث لا مكان للشر.. وفي حديث داؤد: (فإن سلمت لما أريد، كفيتك ما تريد).. ثم قال (وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد).. وفي هذا حكمة العذاب.. فإنه هو ثمن حرية التصرف.. فإن الحرية لا بد لها أن تتميز عن الفوضى، وقد تميزت بأن يتحمل الحر مسئولية عمله.. فإنه، عن طريق تحمل مسئولية العمل، يتم التعليم، وتتم التربية.. والعقوبة هي الأمر الوحيد الذي يرسخ العلم، ويجعله علم يقين، بعد أن كان مجرد علم نظري..
    إن العذاب هو ثمن الحرية.. هو مسئولية الحر، الذي يتصرف كرشيد، له ثواب صوابه، وعليه عقوبة خطئه.. وهو قد يتعلم من الخطأ أضعاف ما يتعلم من الصواب، حتى لقد قال ابن عطاء الله السكندري، في حكمه: (رب معصية أورثت ذلا، وانكسارا، خير من طاعة أورثت عزا، واستكبارا)..
    والذي ضلل الناس عن الحكمة وراء العذاب أمران: ظنهم أن الله لا يسيرنا، وظنهم أن العذاب لا ينتهي، وإنما هو دائم، ومستمر، بلا انقطاع.. فأصبح كأنه انتقام، وعن هذه، وتلك، تعالى الله، علوا كبيرا..
    إن العذاب إنما هو كلام الله إيانا بلغة النفس.. ذلك بأنه تعالى يكلمنا بلغة العقل، وبلغة النفس.. فأما كلامه إيانا بلغة العقل فإن اللغات مثل له واضح.. وأما كلامه إيانا بلغة النفس فإنه صور محسوسة، وشكول، والأحلام مثل له واضح.. ويدخل في هذا الباب الألم واللذة.. فإذا قال الله: (كلوا، واشربوا، ولا تسرفوا)، فإن هذا كلام منه واضح، موجه إلى العقول.. فإن نحن خالفناه، وأسرفنا في الأكل، فأصيبت معداتنا بالآلام فإن هذه الآلام هي الكلام الذي تفهمه النفس، لتطيع خطاب العقل في السلوك المقبل، إستفادة من التجربة الماضية..
    فإذا قال: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا، واسجدوا، واعبدوا ربكم، وأفعلوا الخير.. لعلكم تفلحون..)، فإنما هذا كلام منه واضح، وموجه إلى العقول، فإن هي لم تطع يجيء الكلام الموجه إلى النفوس والذي تفهمه النفوس.. وهو محكي هكذا: (يوم يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم، ترهقهم ذلة.. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون).. قوله: (يوم يكشف عن ساق) إشارة إلى يوم العذاب.. وقوله: (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون)، إشارة إلى فرط الآلام التي يجدونها، في مفاصلهم، وفي ظهورهم، مما يجعل السجود مستحيلا.. وقد أشار إلى سبب ذلك: مخالفتهم الأمر الشرعي، حين كانوا يطيقون طاعته: (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون).. وأبلغ صورة، من صور كلام الله إيانا بلغة النفس، محكي هكذا: (اصلوها، اليوم، بما كنتم تكفرون * اليوم نختم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون * ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون * ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم، فما استطاعوا مضيا، ولا يرجعون * ومن نعمره، ننكسه في الخلق، أفلا يعقلون؟؟).. إذا عصت النفس خطاب العقل بالأمر والنهي ظهرت عليها آثار المعصية صورا محسوسة، فكانت جزاءها على المعصية.. وهي ما نسميها العذاب.. ولقد قال تعالى عن الآثار المحسوسة لمعصية الأمر والنهي: (فلما عتوا عما نهوا عنه، قلنا لهم كونوا قردة خاسئين).. فكانوها، بدون أدنى ريب.. فالعذاب، إذن، هو تكليم الله إيانا بلغة النفس.. وهو كلام ضروري لتعليمنا في مرحلة بعينها، فإذا ما قطعناها، وأصبحنا نتعلم بسرعة، وذكاء، رفع عنا أصر العذاب.. قال تعالى، في ذلك: (ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم؟؟ وكان الله شاكرا عليما..)..
    فإن قلت: فلماذا لا يعلمنا بغير حاجة منا إلى العذاب، ما دام هو مسيرنا؟ قلنا: أنه لو علمنا بدون أن يعطينا فرصة الخطأ فإنه يكون قد هزم حريتنا.. والحرية أهم من العلم، إذ ما العلم إلا وسيلة، بها نحسن التصرف في الحرية.. والملائكة مسيرون إلى الصواب تسييرا لا يملكون معه أن يخطئوا: (لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون).. ولكننا، نحن، مع كل ذلك، بل من أجل كل ذلك، أكمل منهم، لأننا نخطئ، ونصيب، ونشعر في خلال ذلك بالحرية التي حرمت عليهم هم.. وهذا هو معنى قول المعصوم: (إن لم تخطئوا، وتستغفروا، فسيأت الله بقوم يخطئون، ويستغفرون، فيغفر لهم).. هذا هو أس كمالنا..
    فإن ظننت أنت: أن الله يسيرنا إلى الخطيئة، وإلى الجهل، فأنت مخطئ.. فإنه لا يسيرنا إلا إلى الصواب، وإلا إلى العلم.. قال تعالى في ذلك: (هو الذي يصلي عليكم، وملائكته، ليخرجكم من الظلمات إلى النور.. وكان بالمؤمنين رحيما).
    هو يسيرنا إلى ذاته في إطلاقها.. ويقول عن نهاية سيرنا إليه: (وإن إلى ربك المنتهى).. ومن ثم فهو يسيرنا إلى العلم المطلق، والكمال المطلق والحرية المطلقة.. ومن أجل هذه دخل الثواب، والعقاب – دخل العذاب – لأن الحرية لا تعلم، وإنما تمارس، وتعاش.. وأدنى الحرية هي حرية الخطأ.. وهي تعني: أن يعمل الإنسان، فيصيب، ويخطئ.. فإذا أخطأ تعلم من خطئه، وذلك إنما يتم بتحمل مسئولية عمله، وفق شريعة رشيدة.. ووفق حقيقة.. (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا، يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا، يره)..
    فإن قلت: فكيف يكون تسيير، وتكون حرية، مع ذلك؟؟ قلنا ههنا سر اللطف الإلهي.. سر إسم الله اللطيف: (إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم)..
    ومن دقائق اللطف الإلهي أنه حين يكلمنا الكلام المتوجه إلى نفوسنا (– كلام الصور المحسوسة، والشكول البارزة – العذاب –) يؤقلمنا أيضا بصورة تلطف العذاب، وتعدنا له من جميع الوجوه.. أقرأ قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين، والمؤمنات، يسعى نورهم، بين أيديهم، وبأيمانهم، بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها.. ذلك هو الفوز العظيم * يوم يقول المنافقون، والمنافقات، للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم.. قيل: ارجعوا وراءكم، فالتمسوا نورا.. فضرب بينهم بسور، له باب.. باطنه فيه الرحمة.. وظاهره من قبله العذاب).. قوله: (قيل: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا)، إشارة إلى تكليم الله النفس.. ولما كان التكليم، ههنا، بلغة الصور فإن فيه إشارة إلى ردهم في سلم الترقي إلى حيوات أحط من الحياة البشرية، وفي هذه المستويات تكون الأقلمة على العذاب قد تمت.. وفي مثل هذا يقول تعالى: (يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا، مصدقا لما معكم، من قبل أن نطمس وجوها، فنردها على أدبارها.. أو نلعنهم، كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا).. قوله: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها) يعني: يردها راجعة في سلم التطور، إلى حيوات بدائية في صورها فتتأقلم على العذاب.. وعن أصحاب السبت قال تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت، فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين * فجعناها نكالا، لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين).. قوله (كونوا قردة خاسئين) ردة في سلم التطور، ولعنة، وبعد عن الله..
    أما بعد، فإن الحديث عن التخيير، والتسيير، حديث طويل، ولا يكاد ينقضي منه الوطر.. وهو أصل التوحيد.. ومهما يكن الرأي، في أمر العذاب، فإن من يقل أن للإنسان تخييرا فهو ناقص في توحيده.. إلا تخييرا يبلغه بالعلم الذي يجعله يسير خلف الله، في رضا بالله تام، واتباع للرضوان بغير اعتراض، ولا تسخط.. (فانقلبوا بنعمة من الله، وفضل، لم يمسسهم سوء.. واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم).. ههنا يكون التخيير.. وهو تخيير نحن إليه، بمحض الفضل الإلهي، مسيرون..
                  

07-08-2026, 07:18 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Omer Abdalla Omer)

    السلام عليكم
    عمر عبدالله
    يا سلام عليك يا عزيزي
    الفكرة الأساسية عند الاستاذ محمود محمد طه كما فهمت هي أن:
    الحقيقة النهائية هي الجبر المطلق؛ فلا إرادة مستقلة للإنسان خارج إرادة الله.
    لكن الإنسان يبدأ حياته وهو يشعر بالاختيار، وهذا الشعور ضروري للتكليف والتربية والسلوك.
    القرآن يخاطب هذا الشعور في البداية، ثم يقود الإنسان تدريجيًا إلى إدراك وحدة الإرادة الإلهية.
    لذلك لا يوجد تعارض بين آيات الاختيار وآيات الجبر، وإنما هي مراحل مختلفة في تعليم الإنسان وترقيه الروحي.
    وبذلك تصبح قضية الجبر والاختيار عنده ليست مسألة منطقية مجردة، بل رحلة معرفية وروحية ينتقل فيها الإنسان من الإحساس باستقلال إرادته إلى شهود أن كل شيء يجري بمشيئة الله، مع بقاء مسؤوليته الأخلاقية أثناء مراحل هذا السير.

    الان انا في قمة روحية علية حقيقة







    مودتي
                  

07-09-2026, 04:00 AM

السر عبدالله
<aالسر عبدالله
تاريخ التسجيل: 11-10-2006
مجموع المشاركات: 2553

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: عمران بابكر بدري)

    شكرا عمران على هذا البوست الرائع والمفيد حقا ...وقد طفت بنا في رحلة معرفية وروحية عميقة
    وكدنا ان نغوص في فلسفة الوجود ..
    وواصل في طرحك المفيد كي نستزيد علما ومعرفة ...
                  

07-09-2026, 12:34 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52869

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: السر عبدالله)

    وضعت مداخلتي في أسفل البوست:

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الأخ الكريم عمران بابكر بدري
    تحية طيبة لك ولضيوفك الكرام

    وأشكر الأخ د. عمر عبد الله عمر لما اقتبسه من كتابة الأستاذ محمود التي توضح مسألة التسيير والتخيير.

    وقد تقدمت للذكاء الاصطناعي بهذا السؤال:
    ماذا كتب الأستاذ محمود في كتبه عن مسألة التسيير والتخيير أو الجبر والاختيار؟





    Quote: فكانت هذه الإجابة التي سوف أوردها أدناه بقليل من التصرف:

    يرى الأستاذ محمود محمد طه (مؤسس الفكرة الجمهورية) في كتبه أن الإنسان مسير وليس مخيراً في نهاية المطاف، معتبراً أن قضية الجبر والاختيار أو التسيير والتخيير هي "جماع العلاقة بين الفرد والكون".
    وقد تناول هذه المسألة بعمق في عدة مؤلفات، أبرزها كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام"، وكتاب "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري".
    ويمكن تلخيص رؤيته لهذه المسألة في النقاط الهيكلية التالية:
    1. أصل التوحيد: الإنسان مسير مطلقاً
    • وحدة الفاعل: يرى الأستاذ محمود أن القول بأن الإنسان مخير اختياراً نافذاً يوقعه في الشرك، لأنه يعني "مشاركة الخالق في فعله".
    • نفي الاختيار الحقيقي: يؤكد أن الخالق واحد، والفاعل وراء كل فعل هو واحد سبحانه.
    • وهم الإرادة: يعتبر أن شعور الإنسان بأنه يملك إرادة مستقلة تماماً هو مجرد "وهم"، طوعته النفس البشرية لنسبة الأفعال إلى غير فاعلها الأصلي.

    2. مفهوم "الحيلة" وعلاقتها بالغفلة
    • اتساع الحيلة: يفسر الأستاذ محمود شعور الإنسان بالاختيار بأنه ناتج عن "سعة الحيلة" في ظروف معينة (كالعيش في البر مقارنة بأهوال البحر).
    • استشعار القدرة: كلما نجحت حيلة الإنسان في حل مشاكله، تمادى في غفلته وظن أنه صاحب إرادة حرة ومختارة.
    • لسان الحال: عندما تضيق حيل الإنسان (مثل ركوب البحر ومواجهة الأمواج)، تظهر قلة حيلته ويعود إلى حقيقة التسيير الإلهي فيخلص الدعاء لله.

    3. التسيير الغائي (من القيد إلى الحرية)
    • حركة صاعدة: لا يرى الأستاذ محمود التسيير كقهر سلبي، بل يراه حركة هادفة ورحيمة.
    • الرحمة فوق العدل: يكتب أن الإنسان "مسير من البعد إلى القرب، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن التعدد إلى الجمعية، ومن الشر إلى الخير، ومن المحدود إلى المطلق، ومن القيد إلى الحرية".
    • التوفيق بين الإرادتين: يرى أن قانون المعاوضة البشري (الشريعة) والجهد الإنساني يستهدف في النهاية محاولة الانطباق والانسجام التام مع القانون القديم (الإرادة الإلهية الأزلية).

    بإيجاز، حسم الأستاذ محمود محمد طه الجدل الفكري حول هذه المسألة بالتأكيد على أن التسيير هو الأصل الكوني والتوحيدي، وأن مساحة التخيير الظاهرة للإنسان ما هي إلا أداة تربوية وسلوكية لترقية عقله ونفسه حتى يفنى وهمه في مشيئة الحق.


    وقد اخترت هذه الكتابة التي جاءت في كتاب "القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري" بعنوان "الخلاصة؟؟":

    Quote: الخلاصة؟؟

    إن الله قد سير الإنسان تسييرا تاما.. فأما في منطقة العناصر فقد سيره تسييرا مباشرا، وذلك بالقهر الإرادي الذي انصهرت تحت جبروته جميع الأشياء.. وأما في منطقة الحياة فهو قد سيره تسييرا شبه مباشر، وذلك عن طريق إرادة الحياة، فإن الحي قد فطر عل حب الحياة، ومن ثم، فهو يسعى للاحتفاظ بها، فيفر من كل ما يؤذيه، وإلى كل ما يلذه.. وقانونه، في هذه المرحلة البدائية من مراحل النشأة، السعي الدائب لتحصيل لذة البطن والفرج.. فلما قطع الإنسان هذه المرحلة، ودخل مرحلة البشرية (وهو قد فعل ذلك بعد زمن طويل، ممعن في الطول: "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا؟؟") فقد جرى تسيير الله إياه بصورة غير مباشرة، وذلك عن طريق إرادة الحرية.. فإنه، منذ دخوله هذه المرحلة، قد نما عقله، وبرزت ملكة التعلم فيه بصورة واضحة، وزاد على لذتي البطن والفرج، لذة ثالثة، هي لذة المعرفة.. وأصبح تسيير الله إياه، ههنا، بواسطة عقله.. أصبح الله معلمه، فهو يلقي في عقله، في لطف لطيف، وخفاء بالغ، ما يريد له أن يعلم، وما يريد له أن يعمل.. (اقرأ باسم ربك، الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ.. وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم).. وأصبح الإنسان، في هذه المرحلة، لا يشعر بتدخل إرادة الله في إرادته، وإنما هو يتحرك حركات إرادية، بإرادة يشعر بانبثاقها من عقله، فقام في وهمه أنه مريد.. وهو لما كان في منطقة الحركات الإرادية يتصرف بإرادة مستقلة، فهو يقوم، ويمشي، ويقف ويرفع يده، ويرفع رجله.. ولكنه، مع ذلك، يعجز عن أن يرفع رجليه مثلا، ويستقر في الهواء.. ويعجز عن أن يسيطر على ضربات قلبه، وحركات رئتيه، ورمش عينيه.. فقد قام في وهم بعض العقلاء أن الإنسان مسير، ومخير.. هو مسير إلى أعماله غير الإرادية، مخير في أعماله الإرادية.. والتحقيق الدقيق يقرر أن الإنسان مسير في كلتا حالتيه.. وكل ما هناك من فرق إنما هو في المقدار، لا في النوع، يعني أنه مسير، في أعماله الإرادية، بواسطة عقله الواعي.. مسير، في أعماله غير الإرادية، بواسطة عقله الباطن.. والله من وراء كل أولئك محيط..
    والله لا يسيرنا إلى الخطأ، وإنما هو يسيرنا إلى الصواب.. ولكنه جعل ممارستنا للخطأ وجها من وجوه الصواب، ذلك لأن الجهل إنما هو نسبي.. فليس هناك جهل مطلق، وليس هناك خطأ مطلق.. إن الله خير مطلق.. ليس للشر إلى ذاته سبيل.. وإنما الشر في إرادته.. وإرادته حكمته..
    والله، تبارك، وتعالى، يسيرنا إلى ذاته بإرادته، وذلك عن طريق إرادتنا.. وإرادتنا مخلوقة لنا.. وهو قد قال، تبارك، وتعالى، في ذلك، في حديث قدسي لداؤد: (يا داؤد!! إنك تريد، وأريد.. وإنما يكون ما أريد.. فإن سلمت لما أريد، كفيتك ما تريد.. وإن لم تسلم لما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد..)..
    وإنما دخل الخير والشر في إرادته لحكمة تعليمنا.. فإن عقولنا لا تدرك الأشياء إلا بأضدادها.. وفي ذلك قوله تعالى (ومن كل شيء خلقنا زوجين.. لعلكم تذكرون).. وقوله تعالى: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون).. وقد أمرنا تعالى أن نستعمل إرادتنا في السير إليه.. وقد شرع لنا منهاج السير إليه.. وهو منهاج يقوم على العلم، والعمل بمقتضى العلم.. ويبدأ بالعلم بالشريعة، في الأمر، والنهي، ويوجب أن نسير أنفسنا في طريق أمره، وإن كرهت السير فيه.. قال المعصوم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)، وذلك أخذا من قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم، وأبناؤكم، وإخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم، وأموال إقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها، أحب إليكم من الله، ورسوله، وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره.. والله لا يهدي القوم الفاسقين).. فالنهج يقوم، من الوهلة الأولى، على أن نعلم ما عند الله، ونسير أنفسنا في طريقه.. والجهل حاضر، وإنما المجاهدة، كل المجاهدة، في سبيل التخلص منه.. وما السير إلى الله بقطع المسافات، وإنما هو بالتخلص من الرعونات، والجهالات، وبتسيير النفس في هذا الطريق، ليتم تقريب صفاتها من صفاته.. وذلك دائما بالعلم، والعمل بمقتضى العلم.. فليس العلم غاية في ذاته، وإنما العلم وسيلة الحياة.. والحياة الكاملة هي التي تعلم العلم الكامل، وتتخلق بمقتضاه.. وأكمل العلم ما يسوق إلى التخلق بالحرية، وإنما، من أجل الحرية، جعل الله، بحكمته، طريق تعلمنا يمر بمنطقة الاختيار فنحن نتعلم بين الخطأ والصواب.. وهو يعلمنا دائما.. حين نصيب، وحين نخطئ.. وقد جعل تعلمنا عن طريق الخطأ بالعقوبة التي نجدها مترتبة على الخطأ.. فنحن نتمتع بإرادة نشعر بحريتها، ولا نشعر بتوجيه الله إياها.. وقد أمرنا، في الشريعة بأن نسير بحريتنا هذه في اختيار ما يختار هو لنا.. ولما كنا أحرارا، فيما نشعر، فقد قام التكليف على أننا نتحمل مسئولية خطأ تصرفنا، حين نخطئ، أثناء ما نحن ندبر أمر أنفسنا.. فإذا عجزنا عن هذا التدبير، وعظمت علينا مسئولية حرية التصرف، لجأنا إليه، في عجز، وضعف، به نستيقن، بعد الممارسة، أن إرادته حقيقية، وأن إرادتنا متوهمة.. فإذا وقع لنا ذلك أسلمنا له، وانقدنا، ورضينا.. وحين نفعل ذلك نسير خلفه، بتسليم إرادتنا لإرادته.. وفي تلك اللحظة يكون التسيير قد وصل بنا إلى التخيير.. ونكون قد خرجنا من منطقة الخير والشر، ودخلنا منطقة الخير المطلق، حيث لا مكان للشر.. وفي حديث داؤد: (فإن سلمت لما أريد، كفيتك ما تريد).. ثم قال (وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد).. وفي هذا حكمة العذاب.. فإنه هو ثمن حرية التصرف.. فإن الحرية لا بد لها أن تتميز عن الفوضى، وقد تميزت بأن يتحمل الحر مسئولية عمله.. فإنه، عن طريق تحمل مسئولية العمل، يتم التعليم، وتتم التربية.. والعقوبة هي الأمر الوحيد الذي يرسخ العلم، ويجعله علم يقين، بعد أن كان مجرد علم نظري..
    إن العذاب هو ثمن الحرية.. هو مسئولية الحر، الذي يتصرف كرشيد، له ثواب صوابه، وعليه عقوبة خطئه.. وهو قد يتعلم من الخطأ أضعاف ما يتعلم من الصواب، حتى لقد قال ابن عطاء الله السكندري، في حكمه: (رب معصية أورثت ذلا، وانكسارا، خير من طاعة أورثت عزا، واستكبارا)..
    والذي ضلل الناس عن الحكمة وراء العذاب أمران: ظنهم أن الله لا يسيرنا، وظنهم أن العذاب لا ينتهي، وإنما هو دائم، ومستمر، بلا انقطاع.. فأصبح كأنه انتقام، وعن هذه، وتلك، تعالى الله، علوا كبيرا..
    إن العذاب إنما هو كلام الله إيانا بلغة النفس.. ذلك بأنه تعالى يكلمنا بلغة العقل، وبلغة النفس.. فأما كلامه إيانا بلغة العقل فإن اللغات مثل له واضح.. وأما كلامه إيانا بلغة النفس فإنه صور محسوسة، وشكول، والأحلام مثل له واضح.. ويدخل في هذا الباب الألم واللذة.. فإذا قال الله: (كلوا، واشربوا، ولا تسرفوا)، فإن هذا كلام منه واضح، موجه إلى العقول.. فإن نحن خالفناه، وأسرفنا في الأكل، فأصيبت معداتنا بالآلام فإن هذه الآلام هي الكلام الذي تفهمه النفس، لتطيع خطاب العقل في السلوك المقبل، إستفادة من التجربة الماضية..
    فإذا قال: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا، واسجدوا، واعبدوا ربكم، وأفعلوا الخير.. لعلكم تفلحون..)، فإنما هذا كلام منه واضح، وموجه إلى العقول، فإن هي لم تطع يجيء الكلام الموجه إلى النفوس والذي تفهمه النفوس.. وهو محكي هكذا: (يوم يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم، ترهقهم ذلة.. وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون).. قوله: (يوم يكشف عن ساق) إشارة إلى يوم العذاب.. وقوله: (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون)، إشارة إلى فرط الآلام التي يجدونها، في مفاصلهم، وفي ظهورهم، مما يجعل السجود مستحيلا.. وقد أشار إلى سبب ذلك: مخالفتهم الأمر الشرعي، حين كانوا يطيقون طاعته: (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون).. وأبلغ صورة، من صور كلام الله إيانا بلغة النفس، محكي هكذا: (اصلوها، اليوم، بما كنتم تكفرون * اليوم نختم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون * ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون * ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم، فما استطاعوا مضيا، ولا يرجعون * ومن نعمره، ننكسه في الخلق، أفلا يعقلون؟؟).. إذا عصت النفس خطاب العقل بالأمر والنهي ظهرت عليها آثار المعصية صورا محسوسة، فكانت جزاءها على المعصية.. وهي ما نسميها العذاب.. ولقد قال تعالى عن الآثار المحسوسة لمعصية الأمر والنهي: (فلما عتوا عما نهوا عنه، قلنا لهم كونوا قردة خاسئين).. فكانوها، بدون أدنى ريب.. فالعذاب، إذن، هو تكليم الله إيانا بلغة النفس.. وهو كلام ضروري لتعليمنا في مرحلة بعينها، فإذا ما قطعناها، وأصبحنا نتعلم بسرعة، وذكاء، رفع عنا أصر العذاب.. قال تعالى، في ذلك: (ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم؟؟ وكان الله شاكرا عليما..)..
    فإن قلت: فلماذا لا يعلمنا بغير حاجة منا إلى العذاب، ما دام هو مسيرنا؟ قلنا: أنه لو علمنا بدون أن يعطينا فرصة الخطأ فإنه يكون قد هزم حريتنا.. والحرية أهم من العلم، إذ ما العلم إلا وسيلة، بها نحسن التصرف في الحرية.. والملائكة مسيرون إلى الصواب تسييرا لا يملكون معه أن يخطئوا: (لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون).. ولكننا، نحن، مع كل ذلك، بل من أجل كل ذلك، أكمل منهم، لأننا نخطئ، ونصيب، ونشعر في خلال ذلك بالحرية التي حرمت عليهم هم.. وهذا هو معنى قول المعصوم: (إن لم تخطئوا، وتستغفروا، فسيأت الله بقوم يخطئون، ويستغفرون، فيغفر لهم).. هذا هو أس كمالنا..
    فإن ظننت أنت: أن الله يسيرنا إلى الخطيئة، وإلى الجهل، فأنت مخطئ.. فإنه لا يسيرنا إلا إلى الصواب، وإلا إلى العلم.. قال تعالى في ذلك: (هو الذي يصلي عليكم، وملائكته، ليخرجكم من الظلمات إلى النور.. وكان بالمؤمنين رحيما).
    هو يسيرنا إلى ذاته في إطلاقها.. ويقول عن نهاية سيرنا إليه: (وإن إلى ربك المنتهى).. ومن ثم فهو يسيرنا إلى العلم المطلق، والكمال المطلق والحرية المطلقة.. ومن أجل هذه دخل الثواب، والعقاب – دخل العذاب – لأن الحرية لا تعلم، وإنما تمارس، وتعاش.. وأدنى الحرية هي حرية الخطأ.. وهي تعني: أن يعمل الإنسان، فيصيب، ويخطئ.. فإذا أخطأ تعلم من خطئه، وذلك إنما يتم بتحمل مسئولية عمله، وفق شريعة رشيدة.. ووفق حقيقة.. (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا، يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا، يره)..
    فإن قلت: فكيف يكون تسيير، وتكون حرية، مع ذلك؟؟ قلنا ههنا سر اللطف الإلهي.. سر إسم الله اللطيف: (إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم)..
    ومن دقائق اللطف الإلهي أنه حين يكلمنا الكلام المتوجه إلى نفوسنا (– كلام الصور المحسوسة، والشكول البارزة – العذاب –) يؤقلمنا أيضا بصورة تلطف العذاب، وتعدنا له من جميع الوجوه.. أقرأ قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين، والمؤمنات، يسعى نورهم، بين أيديهم، وبأيمانهم، بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها.. ذلك هو الفوز العظيم * يوم يقول المنافقون، والمنافقات، للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم.. قيل: ارجعوا وراءكم، فالتمسوا نورا.. فضرب بينهم بسور، له باب.. باطنه فيه الرحمة.. وظاهره من قبله العذاب).. قوله: (قيل: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا)، إشارة إلى تكليم الله النفس.. ولما كان التكليم، ههنا، بلغة الصور فإن فيه إشارة إلى ردهم في سلم الترقي إلى حيوات أحط من الحياة البشرية، وفي هذه المستويات تكون الأقلمة على العذاب قد تمت.. وفي مثل هذا يقول تعالى: (يأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا، مصدقا لما معكم، من قبل أن نطمس وجوها، فنردها على أدبارها.. أو نلعنهم، كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا).. قوله: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها) يعني: يردها راجعة في سلم التطور، إلى حيوات بدائية في صورها فتتأقلم على العذاب.. وعن أصحاب السبت قال تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت، فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين * فجعناها نكالا، لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين).. قوله (كونوا قردة خاسئين) ردة في سلم التطور، ولعنة، وبعد عن الله..
    أما بعد، فإن الحديث عن التخيير، والتسيير، حديث طويل، ولا يكاد ينقضي منه الوطر.. وهو أصل التوحيد.. ومهما يكن الرأي، في أمر العذاب، فإن من يقل أن للإنسان تخييرا فهو ناقص في توحيده.. إلا تخييرا يبلغه بالعلم الذي يجعله يسير خلف الله، في رضا بالله تام، واتباع للرضوان بغير اعتراض، ولا تسخط.. (فانقلبوا بنعمة من الله، وفضل، لم يمسسهم سوء.. واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم).. ههنا يكون التخيير.. وهو تخيير نحن إليه، بمحض الفضل الإلهي، مسيرون..
                  

07-09-2026, 02:20 PM

Ali Alkanzi
<aAli Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11448

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Yasir Elsharif)

    الاخ الدكتور ياسر،
    مع كامل احترامي وتقديري لكم، وللأستاذ عمران بابكر بدري، وللدكتور عمر عبد الله عمر،
    أود أن أسجل ملاحظة تتعلق بالأمانة الأدبية في سياق هذا الحوار الرفيع .
    فالإشارة إلى ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه، وإلى ما أورده الدكتور مصطفى محمود حول هذه المسألة، كانت قد وردت في مداخلتي،
    ومنها انطلقتَم انتم إلى توجيه سؤالك للذكاء الاصطناعي.
    وقد تفضلتم يا دكتور
    بالإشارة إلى الأستاذ عمران وإلى الدكتور عمر، بينما أغفلتم الإشارة إلى المداخلة التي أثارت هذا المسار من النقاش.
    لا اثبت هذا طلبًا للثناء، او الشكر
    وإنما لأن نسبة تطور الحوار إلى أصحابها من تقاليد الحوار الرصين، خاصةً في مثل هذه المناقشات الفكرية الرفيعة.
    مع خالص التقدير والاحترام.
    والي السؤال الازلي :
    هل الانسان مسير ام مخير ؟
                  

07-09-2026, 04:05 PM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52869

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Ali Alkanzi)

    تحية طيبة يا أخي الكريم الأستاذ علي الكنزي

    لك العتبى إن لم أذكر إسمك بالتحديد بصفتك أول من ذكر إسم الدكتور مصطفى محمود الذي تناول مسألة التسيير والتخيير، وِإسم الأستاذ محمود محمد طه الذي كتب كتابا كاملا في الرد على مسألة الفهم العصري، بما في ذلك قضية التسيير والتخيير. لا أعتقد أن هناك تقليلا من شأنك، فقد لاحظت أن صاحب البوست قد ذكر اسمك وشكرك، كما أني ذكرت ضيوف البوست إلى جانب صاحب البوست عمران ودكتور عمر عبد الله عمر الذي كفاني بعض العناء بإيراده قول الأستاذ محمود في المسألة. سوف أستدرك هذا الأمر في مداخلة قادمة إن شاء الله.
    مع خالص التقدير والاحترام


    Quote: الاخ الدكتور ياسر،
    مع كامل احترامي وتقديري لكم، وللأستاذ عمران بابكر بدري، وللدكتور عمر عبد الله عمر،
    أود أن أسجل ملاحظة تتعلق بالأمانة الأدبية في سياق هذا الحوار الرفيع .
    فالإشارة إلى ما كتبه الأستاذ محمود محمد طه، وإلى ما أورده الدكتور مصطفى محمود حول هذه المسألة، كانت قد وردت في مداخلتي،
    ومنها انطلقتَم انتم إلى توجيه سؤالك للذكاء الاصطناعي.
    وقد تفضلتم يا دكتور
    بالإشارة إلى الأستاذ عمران وإلى الدكتور عمر، بينما أغفلتم الإشارة إلى المداخلة التي أثارت هذا المسار من النقاش.
    لا اثبت هذا طلبًا للثناء، او الشكر
    وإنما لأن نسبة تطور الحوار إلى أصحابها من تقاليد الحوار الرصين، خاصةً في مثل هذه المناقشات الفكرية الرفيعة.
    مع خالص التقدير والاحترام.
                  

07-09-2026, 07:29 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Yasir Elsharif)

    الشكر والتقدير لكل الزوار الكرام الذين أثروا هذا النقاش بحضورهم ومشاركاتهم القيّمة.

    تحية خاصة إلى الرجل الراقي الاستاذ: ترهاقا
    صاحب النفحات المفيدة، على ما قدمه من إضافات مميزة.
    والشكر موصول إلى الاستاذ علي الكنزي الذي أثرى البوست بالأدلة والبراهين والفيديوهات، وكانت مشاركاته ذات قيمة كبيرة وأفادتنا جميعًا.


    وللأستاذ: عمر عبدالله خالص التحايا والتقدير، فقد وصلت تحياتك وكانت محل اعتزاز.

    كما أتقدم بالشكر إلى
    الاستاذ ياسر الشريف:
    فقد أفدتنا بالفعل، وأعدتنا إلى أجمل العبادات، وسعدت كثيرًا بجهدك الوفير وطرحك القيّم.
    ...
    للأستاذ: السر عبدالله
    كم أنتم رائعون، ولكم كل التقدير والاحترام.

    ولكل من شارك أو قرأ أو تفاعل، لكم مني جزيل الشكر والامتنان.


    ولا يزال باب الحوار مفتوحًا أمام الجميع، فاختلاف الآراء واحترام وجهات النظر هو ما يثري النقاش ويقود إلى الفائدة. وفي انتظار المزيد من الطرح والمناقشة حول موضوع: الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ بكل موضوعية واحترام متبادل.
                  

07-09-2026, 11:01 PM

السر عبدالله
<aالسر عبدالله
تاريخ التسجيل: 11-10-2006
مجموع المشاركات: 2553

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: عمران بابكر بدري)

    د. ياسر الشريف
    عندي سؤال بسيط ما لاقي ليه اجابة:
    اذا كان الانسان مسير وليس له اي خيار فيما يفعله من خير او شر
    فلماذا يحاسبه الله سبحانه وتعالى يوم القيامة ,,,
    والله سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله وعزيز كتابه في سورة الزمر::

    ..وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه
    سبحانه وتعالى عما يشركون,,

    ..ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله ثم نفخ فيه اخرى
    فاذا هم قيام ينظرون,,

    ..واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجأى بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون,,
    ..ووفيت كل نفس ما عملت وهو اعلم بما يفعلون,,

    ..وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا حتى اذا جاءوها فتحت ابوابها وقال لهم خزنتها ألم ياتكم رسل منكم
    يتلون عليكم ايات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين,,

    ..قيل ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين,,

    ..وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم
    فادخلوها خالدين,,,
                  

07-10-2026, 11:45 AM

Yasir Elsharif
<aYasir Elsharif
تاريخ التسجيل: 12-09-2002
مجموع المشاركات: 52869

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: السر عبدالله)

    سلام للجميع

    هذا استدراك ضروري لإنصاف الأخ الأستاذ علي الكنزي، فقد كان هو المبادر بذكر الدكتور مصطفى محمود والأستاذ محمود محمد طه في بوست الأخ عمران المعنون:
    الانسان مسير ام مخير...؟؟
    كتب الأخ الكنزي:
    Quote:
    هذه من المسائل التي تناولتها المذاهب الإسلامية بعمق، وكل مذهب أقام حججه وأدلته في مسألة:
    هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟
    لم أكن مهتمًا بهذا الموضوع بالقدر الذي يجعله محل بحث عندي، لكن وقعت في يدي بعض الكتب التي ناقشته، ومنها:
    كتاب الدكتور مصطفى محمود: «القرآن: محاولة لفهم عصري».
    وردَّ عليه الأستاذ محمود محمد طه في كتاب مستقل بعنوان: «القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري»، الصادر في يناير 1971، وفيه فصل بعنوان «مسير أم مخير؟».
    ولما كانت هذه المسألة من القضايا الفكرية المهمة، وكان لكل من المؤلفين رؤية مختلفة،
    أرجو من الإخوة الجمهوريين، إن تيسر، أن يعرضوا لنا خلاصة ما ذهب إليه الطرفان في هذه القضية،
    وليتهم يبينوا لنا نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما، حتى تعم الفائدة ويكون النقاش قائمًا على النصوص والأفكار الأصلية، لا على الانطباعات أو النقل المجتزأ.
    وأضيف أن من أعمق ما وقفت عنده وعليه في هذه المسألة ما يُنسب إلى الإمام جعفر الصادق، إذ سُئل: أالإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ فأجاب:
    «لا جبر ولا تفويض، ولكن الأمرٌ بين أمرين.»
    وهي عبارة قصيرة، لكنها فتحت بابًا واسعًا من البحث والتأمل،
    ولا تزال محل نقاش عند المدرسة الاثني عشرية في تفسيرها وبيان مقصودها.


    أبدأ بنبذة قصيرة عن كتاب الدكتور مصطفى محمود جاءت في مقدمة كتاب الأستاذ محمود الذي صدر عام 1971:
    اقتباس: ((أخرج الدكتور مصطفى محمود كتابا أسماه: (القرآن، محاولة لفهم عصري) طبعته (دار الشروق) ببيروت في شهر مايو من عام 1970..))انتهى ......
    اقتباس: ((ولقد نُشرت محتويات هذا الكتاب في مقالات منجمة، على مدى ثلاثة عشر أسبوعا، بمجلة (صباح الخير) الأسبوعية، مبتدئة بعدد الخميس، أول يناير، من هذا العام – عام 1970– وكان العنوان الذي جرى تحته النشر: (محاولة لتفسير عصري للقرآن) وفي أثناء ذلك النشر توجهت إلى مجلة (الأضواء) السودانية بستة أسئلة، كان أولها: (هل يملك الدكتور مصطفى محمود مؤهلات المفسر العصري للقرآن؟؟))).... نهاية الاقتباس
    اقتباس: ((ولقد نُشرت محتويات هذا الكتاب في مقالات منجمة، على مدى ثلاثة عشر أسبوعا، بمجلة (صباح الخير) الأسبوعية، مبتدئة بعدد الخميس، أول يناير، من هذا العام – عام 1970– وكان العنوان الذي جرى تحته النشر: (محاولة لتفسير عصري للقرآن) وفي أثناء ذلك النشر توجهت إلى مجلة (الأضواء) السودانية بستة أسئلة، كان أولها: (هل يملك الدكتور مصطفى محمود مؤهلات المفسر العصري للقرآن؟؟) ولقد نُشرت الإجابة بعدد السبت الموافق 4/4/1970، وكان نصها: (مؤهلات المفسر العصري للقرآن تقوم على أمرين: أن يكون المفسر ملما إلماما صالحا بحاجة العصر، وأن يكون عالما علما وافيا، ودقيقا، بحقيقة القرآن..
    فأما حاجة هذا العصر فإلى الهداية.. فإن البشرية لم تكن يوما في التيه كما هي اليوم.. وسمة هذا العصر هي القلق، والحيرة، والاضطراب.. هذا عصر الثورات: الثورة الثقافية، والثورة الجنسية، وثورة الشباب، وكلها دليل على القلق، والحيرة، والاضطراب.. هذا عصر (الهيبيز).. جماعات من الشباب، من الجنسين، يزيد عددهم كل يوم، ويستطير شرهم كل يوم، حتى لقد عم جميع الأقطار.. يقوم مجتمعهم على الرفض، فهم قد وجدوا مجتمع الحضارة الغربية، الآلية، مجتمع إنتاج واستهلاك، فقد الإنسان المعاصر فيه روحه، وقيمته، وحريته، واستحال إلى آلة تنتج وتستهلك، فرفضوه، ورفضوا معه كل عرف، ودين.. وفزعوا إلى صور من مجتمعات الغابة، فهم يلبسون المرقعات، ويسيرون حفاة، ويرسلون شعورهم، ويبيتون على الأرصفة، والطرقات، ويستبيحون بينهم من العلائق الجنسية ما ظلت البشرية على صيانته حريصة خلال تاريخها الطويل.. هم يبحثون عن حريتهم، وعن إنسانيتهم، وعن فرديتهم، فلا يكادون يجدون غير الضياع، وغير القلق، وغير الإضطراب.. فهل عند مصطفى محمود إدراك واسع لهذه الظاهرة، واهتمام بها، وسعي لإيجاد الهداية لها من القرآن بتفسيره العصري؟؟
    ثم حقيقة القرآن.. ما هي؟؟ هي العلم المطلق.. وعندما تأذن الله أن يسرع الإنسان في معرفة المطلق نزله من الإطلاق إلى القيد، فكانت، في قمة القيد، الإشارة، وفي قاعدة القيد العبارة.. فأما العبارة فهي (الكلمة العربية).. وأما الإشارة فهي (حرف الهجاء العربي) وأما حقيقة القرآن فهي فوق الإشارة، وفوق العبارة.. ولقد قال تعالى في ذلك: (حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا، عربيا، لعلكم تعقلون * وإنه، في أم الكتاب، لدينا، لعلي حكيم) فاما قوله: (حم) فإشارة.. وأما قوله: (والكتاب المبين) فعبارة.. وكذلك قوله: (إنا جعلناه قرآنا، عربيا، لعلكم تعقلون..) فإنه عبارة تفيد العلة وراء تقييد المطلق.. وأما قوله: (وإنه، في أم الكتاب لدينا، لعليّ حكيم..) فإنما هو عبارة، تفيد، بقدر طاقة العبارة، عن حقيقة القرآن.. وحقيقة القرآن لا تُعرف عن طريق القراءة، وإنما تعرف عن طريق الممارسة في تقليد المعصوم، عبادة وسلوكا، وهو ما سُمي، في أخريات الأيام، (بالتصوف)..
    فهل عند مصطفى محمود قدم في التصوف؟؟ لا‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! ولا كرامة‍‍!!
    إن ما أسماه الدكتور مصطفى محمود تفسيرا عصريا للقرآن ليس بتفسير، على الإطلاق، وإنما هو خواطر.. ولو قد كان للدكتور الفاضل قدم في التصوف لمنعه الورع أن يخوض فيما خاض فيه من أمر الدين بهذه الخواطر الفطيرة.. ومهما يكن من الأمر، فإن البشرية اليوم لا تحتاج إلى تفسير القرآن، وإنما تحتاج إلى (تأويله).. وليس ههنا مجال الخوض في هذا الأمر، وإنما موعدنا مع القراء الكرام كتاب، هو الآن تحت الإعداد، في الرد على محاولة الدكتور مصطفى محمود لما أسماه بتفسير عصري للقرآن..) هذا ما جاء في الرد على سؤال مجلة (الأضواء)..
    كلا‍‍!! فليس للدكتور مصطفى محمود قدم في التصوف.. بل هو لم يتفق له أن مارسه.. بل هو لا يقدره حق قدره.. بل هو لا يحفظ له بعض ما ينبغي له من الحرمة.. اسمعه وهو يتحدث عن النبي في صفحة 21 فيقول: (ولو كان محمد مؤلفا لألّف في هاتين السنتين كتابا كاملا. ولكنه لم يكن أكثر من مستمع أمين سمع كما تسمع أنت تلك الكلمات ذات الموسيقى العلوية في لحظة صفاء وجلاء فذُهل كما تذهل وصعقت حواسه أمام هذا التركيب الفريد المضيء.).. فلعمري، لقد كان محمد مستمعا أمينا، ولم يكن أكثر من ذلك، إذا أردنا من قولنا هذا أن القرآن من عند الله، وليس من عند محمد.. فلم يكن لمحمد فيه غير الإستماع، والإتباع: (لا تُحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه، وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه) ولكنه، مع ذلك، لم يكن قد (سمع كما تسمع أنت) لأنه كان قد أُعد إعدادا فريدا، أنفق فيه خمس عشرة سنة بغار حراء، يصوم النهار، ويقوم الليل.. يتحنث، ويتخضّع ويتزلّف.. حتى إذا استعد المكان منه لتلقي القرآن كان من أول ما نزل عليه زيادة في الإعداد برسم طريق الصيام، والقيام، فقال تعالى في ذلك: (يأيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه، أو انقص منه قليلا * أو زد عليه، ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ناشئة الليل هي أشد وطأ، وأقوم قيلا..). يقول تبارك وتعالى لنبيه الكريم: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا).. فلكأنه يطلب منه الاستعداد لسماعه، ولمتابعته، حين يُلقى عليه.. والاستعداد لحفظه، ولفهم ما يفهم منه.. والاستعداد للعمل بما يجب عليه العمل به منه.. والاستعداد لتبيين ما يجب عليه تبيينه منه لأمته، في التشريع، وفي التفسير.. وإنما يكون ذلك الاستعداد بصيام النهار، وبقيام الليل (إلا قليلا، نصفه أو أنقص منه قليلا، أو زد عليه..) ويحضه على القيام بعد النوم، ويرغبّه فيه، وذلك بذكر فضائله: (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا، وأقوم قيلا).. (إن ناشئة الليل)، القيام بعد النوم، في الثلث الأخير من الليل.. (هي أشد وطئا).. مواطأة القلب للسان في الإنصات للقرآن في ساعة يصفو فيها الوقت، باستعداد القلب للتلقي، وبسكون الحركة التي تشغل الأذن، وبتقييد الظلام للنظر الذي يوزع الخاطر.. (وأقوم قيلا) يعني أوضح قولا.. ولقد كانت حياة محمد سمتا عاليا من الاستعداد الدائب لتلقي المزيد من معاني القرآن: (وقل رب زدني علما) فكان صواما، قواما، ساعيا في توصيل الخير للناس، وصادقا في حب الخير للناس.. وكان كلما نزل عليه القرآن استعد به لتلقي المزيد منه: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، وجاءك في هذه الحق، وموعظة، وذكرى للمؤمنين).. وفي موضع آخر: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك، لنثبّت به فؤادك، ورتلناه ترتيلا).. ولقد جعلت هذه الحياة الثرة، الخصبة، العريضة، تجسيدا لمعاني القرآن، في الدم واللحم، فأصبحت مفتاحا لمغاليق معانيه، وهاديا في متاهات غيوبه.. وهذا هو السر في وضع محمد بيننا وبين الله في الكلمة التي هي باب الدخول في حضرة الملة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).. وجاء العُبّاد، من لدن أصحاب محمد، وإلى أشياخ الصوفية، يترسمون هذه الحياة.. يقلّدونها في السيرة، وفي العبادة، ما أسعفهم الوسع، وما أمكنتهم الطاقة.. وهم يتلقون، من واردات الفهم عن الله من القرآن، ما قد جعلت العناية الإلهية بهم إتقانهم لتقليد حياة محمد مقدمة له، ووسيلة إليه.. فإذا جاء الدكتور مصطفى محمود، في آخر الوقت، ليقلل من كل هذه المجاهدات، فيختصرها، فيقول عن محمد: (ولكنه لم يكن أكثر من مستمع أمين، سمع كما تسمع أنت تلك الكلمات ذات الموسيقى العلوية في لحظة صفاء وجلاء، فذُهل كما تذهل، وصعقت حواسه أمام هذا التركيب الفريد المضيء) فإنما يدل ذلك على أن هناك خطأ جسيما، وأساسيا، يتورط فيه الدكتور مصطفى محمود فيما يخص أمر النبي وسيكون لهذا الخطأ الجسيم سود العواقب على كل ما يكتب الدكتور عن القرآن، سواء أكتب من بعيد، أو كتب من قريب.. وأس هذا الخطأ الأساسي الذي يتورط فيه الدكتور إنما هو ظنه أن أسرار القرآن تنالها العقول، ويسبرها الفكر.. والذي عليه من أُوتوا بصرا بهذا الأمر هو أن أسرار القرآن من وراء العقول، وأنه لا يشم شميمها إلا من استطاع أن يرفع عن قلبه حجاب الفكر، وذلك بإتقان العبادة في تقليد محمد، في أسلوب عبادته، وفيما يتيسر من أسلوب عادته.. ذلك بأن العبادة وسيلة إلى الفكر، وأن الفكر وسيلة إلى رفع حجاب الفكر، حيث ينتهي الإدراك الشفعي، الذي أداته العقل، ويبدأ الإدراك الوتري، الذي أداته القلب.. ودقائق أسرار القرآن وترية.. وإنما الشفعية، والتعددية، في ظواهره، وحواشيه..
    إن غفلة الدكتور عن هذه الحقيقة هي التي ورطته في الهلكة التي تورط فيها تورطا موبقا، وذلك بإصدار كتاب يتحدث عن أدق أصول الدين بغير علم.. وهذه الغفلة ليست جديدة على الدكتور مصطفى محمود.. ولقد اتفق لي شرف التنبيه إليها منذ زمن بعيد، وذلك في مقال لي نشر في صحيفة (أنباء السودان)، العدد نمرة 188، بتاريخ السبت، 7 فبراير، عام 1959، على أثر سؤال وردني من أحد الأخوان.. وأحب، في هذا الموضع من المقدمة، أن أورد للقراء الكرام كل ما جرى يومئذ، لأنه شديد الدلالة على طبيعة ظن الدكتور مصطفى بأمر الدين، وأمر القرآن، من ثم..)) نهاية الاقتباس..


    اقتباس: ((إليكم ما نشرته جريدة (أنباء السودان):

    تعالوا إلى كلمة سواء!!
    الله والإنسان – الخوض في أسرار الكون

    عزيزي موسى.. تحية.. وبعد فقد أرسلت إلى صحيفة (أنباء السودان) الغراء الرد على سؤالك الأول، وهأنذا أبعث بالرد على سؤالك الثاني.. يسأل السيد م. ع. أ. الأخ الكريم مصطفى أبوشرف ما هو آت: (أستاذي.. فقد التبس عليّ الأمر في موضوع قرأته في كتاب (الله والإنسان) للكاتب مصطفى محمود، وقد جاء في فقرة من فقراته ما يلي: (إن الله الذي لا يحترم عقلا صنعه بيديه يعطيني العذر في ألا أعبده).. ثم يستطرد السائل فيقول: (ويعلل الكاتب حديثه بحجة أنه أراد بهذه الجملة تحطيم الحجة التي يلجأ إليها الفقهاء للهرب من الجدل.. حجة أن الدين فوق العقل، وأن الله فوق العقل، وأن العقل عاجز، قاصر، عن فض مغاليق الوجود.. ويقول أنه أراد لفت النظر إلى ما في هذه الحجة من تناقض.. فهم، بإساءتهم إلى العقل، يسيئون إلى أشرف ما صنعه الصانع الذي يعبدونه، ويفتحون ثغرة نعتذر بها عن عبادته، ونتمسك بأقوالنا، ومعنا حجة عليهم، وليست لهم.. ثم يستطرد السائل فيقول: (إنني عندما أقرأ هذا الحديث ينتابني الذعر، وتسيطر على الهواجس، وأرى أن الكاتب، في تعليله، وحديثه، قد فنّد كل الحجج، وتحدى الدين، ورجاله، لما في كلامه من حقائق.. ولكن الله، في محكم كتابه يقول: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).. إن الله يأمرنا بألا نبحث في الذات، وما وراء الحياة.. وأريد أن أسأل: (هل أسرار الكون، وما وراء العقل، يمكن أن تخوض العقول للبحث فيه؟؟)
    (هذا هو السؤال.. وقد أوردته برمته حتى يرى القارئ مبلغ الاضطراب الذي في عبارته.. ومهما يكن من أمر، فإن أحدا من الفقهاء، لم يقل: أن العقل لا كرامة له، وأن الله لا يحترم العقل.. بل أن الفقهاء ليقرأون حديث النبي في ذلك، وهو طويل، ويشير إلى أن أول ما خلق الله تعالى العقل، وأنه، تبارك وتعالى، قال: (ما خلقت خلقا هو أكرم عليّ من العقل).. والفقهاء يعلمون أن التكليف الشرعي والإجتماعي، الذي بفضله تميز الإنسان عن الحيوان، مداره العقل.. والفقهاء يقولون مع المتنبئ:
    لولا العقول لكان أدنى ضيــ * *ـــغم أدنى إلى شرف من الإنسان

    فالله، إذن، يحترم العقل، ويكرمه، والفقهاء يعلمون ذلك بالبداهة.. ومن هذا العلم البديهي يبدأون.. وإلا لكان اشتغالهم بالفقه لغوا باطلا.. فإذا صح هذا – وهو صحيح – فليس هناك إذن ما يبررهذه القولة، المتحذلقة، المتعالمة، الجوفاء: (إن الله الذي لا يحترم عقلا صنعه بيديه يعطيني العذر في ألا أعبده)..
    إن الأمور تلبست على صاحبنا فظن أن العقل لا يكون كريما على الله، محترما عنده، إلا إذا خضع الله، سبحانه وتعالى، للعقل.. يدركه، ويحيط به، ويستنفد معانيه، ويفك مغاليقه.. فهو ينكر على الفقهاء قولهم: (إن الدين فوق العقل، وأن الله فوق العقل، وأن العقل عاجز، قاصر، عن فض مغاليق الوجود..) ويرى أن هذا القول لا يستقيم مع احترام العقل..
    إن كل ما عناه الفقهاء هو أن الله لا تحيط به العقول، وأن الدين فوق العقل بمعنى أن العقل إذا عجز عن إدراك أسرار أوامر الدين، ونواهيه، فعليه أن يطيع، وأن يصدّق، وأن يؤمن بما جاء به الدين، لأن أسرار الدين هي حكمة الله، وحكمة الله كلما أدركت العقول طرفا منها، غاب عنها طرف.. ولذلك يقول، عز من قائل: (ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي.. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا..)..
    والعقل ليس صورة ثابتة، وإنما هو نام، مطرد النمو، وما لا يدركه، اليوم، يدركه غدا.. وسبيله إلى إدراك ما لا يدرك، اليوم، التصديق، وحسن النظر، وإطالة الفكر، وارتقاب العرفان.. وهذا هو المقصود بقول الفقهاء (الدين فوق العقل)..
    إن الدين هو الانقياد، والإذعان.. فما لا تذعن له وأنت عارف به، تذعن له وأنت مؤمن به.. لأن الله أرسل رسلا قامت الحجة على صدقهم.. والتصديق بما لا يمتنع عقلا أول مراتب العلم به.. ولذلك كان الإسلام، في طرفه القريب، مجرد تصديق، مع أنه في طرفه البعيد محض علم..
    والعقل يدرك صفات الله، وأفعاله، بالتصديق به، أولا.. ثم بطول الروية، وحسن النظر، ثانيا.. ولذلك فقد دعانا تعالى للنظر في مخلوقاته: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض!!) ولكنه لا يدرك ذات الله، فيحيط بها.. وذلك لأن العقل لا يميز الأمور إلا بأضدادها.. فلا يعرف النور لولا الظلام، ولا يعرف الحلو لولا المر.. وليس لذات الله ضد.. (ولم يكن له كفؤا أحد).. ولصفات الله ضدية، ولأفعاله ضدية، في صفات العباد، وأفعالهم.. وبذلك أصبح ممكنا أن تعرف العقول الله، سبحانه وتعالى، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله.. هذا هو السبب في أننا منهيون عن التفكير في ذات الله، مأمورون بالتفكير في مخلوقاته.. هل نحن منهيون عن التفكير فيما وراء الحياة، كما يظن السائل؟؟ كلا!! بل نحن مأمورون بالنظر في كل شيء، ما عدا ذات الله.. ولقد جاء التوحيد في الدين كوسيلة بها نوحد ذواتنا لنستطيع أن ندرك ذات الله، إدراك يقين، لا إدراك إحاطة.. فإن الإحاطة ممتنعة، لامتناع الوحدة المطلقة على أي ذات مخلوقة.. فالوحدة المطلقة هي حظ ذات الله وحده.. ولا يعرف الواحد إلا الواحد.. ولذلك قيل: (لا يعرف الله، إلا الله..) وقال النبي، صلى الله عليه، وسلم: (لك الحمد كما أنت أهله، لا أحصي ثناءا عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)..
    (هل أسرار الكون، وما وراء العقل، يمكن أن تخوض العقول للبحث فيه؟؟)
    الجواب نعم!! وهذا هو المطلوب، فعلا!! غير أن العقول يجب أن تستعين على اجتلاء غوامض الوجود بالمرانة، وطول الرياضة، والصبر عن نزوات الطبع، ودواعي الجبلة.. وهذا هو غرض المنهاج الذي اختطه الدين، ورسمه بأوامره، ونواهيه.. فإن كنت لا تعرف الحكمة فيما أمرت به، ونهيت عنه، وجب عليك التصديق بذلك، ثم العمل كما أمرت، حتى يكتسب عقلك القدرة على الخوض في أسرار الكون، وحتى يأتيك موعود الله، في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. وإن الله لمع المحسنين..)..
    أرجو أن يكون قد وضح أن كرامة العقل على الله لا تتنافى مع قول الفقهاء: (أن الدين فوق العقل، وأن الله فوق العقل).. هذا وسيظل العقل كريما على الله ما عرف قدر نفسه، فلم ينف وجود كل شيء عجز عن إدراكه..))
    هذه هي نهاية المقالة التي نشرت في يوم السبت 7 فبراير من عام 1959 في الرد على سؤال أثارته عبارة وردت في كتاب الدكتور مصطفى محمود: (الله والإنسان)، ولقد كانت تلك العبارة هي قول الدكتور: (إن الله الذي لا يحترم عقلا صنعه بيديه يعطيني العذرفي ألا أعبده)..
    والإعتماد على العقل في فهم أصول الدين ليس خطأ الدكتور مصطفى محمود وحده، وإنما هو خطأ شائع قامت عليه معاهد الدين جميعها في الأوقات الأخيرة، وآية ذلك إهتمام هذه المعاهد بالتحصيل النظري لقضايا الدين، وتقصيرها في التطبيق، مع أن القاعدة الدينية في فهم الأصول قول الله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله..)، وقول المعصوم: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)..
    يعني من علم بما علم من الشريعة علمه الله علم ما لم يعلم من الحقيقة.. فهذا الدين دين علم، وعمل بمقتضى العلم.. والعلم الواجب فيه يبدأ بعلم ما لا تصح العبادة إلا به من أمور الشرع، ويقترن هذا العلم بالعمل إبتغاء العلم اللدني من الله فيما يخص خفايا أسرار الدين، وأصوله.. يقول تعالى في ذلك: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. وأن الله لمع المحسنين)..
    والعقل كريم عند الله، كل الكرامة.. سواء، أعرف واجبه، أم لم يعرفه.. وهو حين يعرف واجبه يكون في مستوى، وحين يجهل واجبه يكون في مستوى آخر.. ولذلك فقد قال العارفون: العقل عقلان.. عقل معاش، وعقل معاد.. فأما عقل المعاش فهو عقل قد إنشغل بالحياة الدنيا، ووظف نفسه لتحصيلها، ولم يرتفع إلى ما هو أعلى منها.. وهو على صاحبه حجة، وبه وجبت عليه العقوبة على التقصير عن شأو الفهم السليم.. وفي هذا العقل جاء قوله تعالى: (وقالوا: لو كنا نسمع، أو نعقل، ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم، فسحقا لأصحاب السعير) ولقد كانوا يسمعون، وكانوا يعقلون، في أمور دنياهم، ولكنهم لم يكونوا يعبرون من طرف الدنيا إلى بر الآخرة، وإنما كانوا يرتعون كما ترتع السوائم حين تجد المروج الخضر.. وعلم هذه العقول علم لا يغني غناء، ولا يفيد فائدة.. وفي هذا العلم قال تعالى: (وعد الله.. لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون..) نفى تعالى عنهم العلم، فقال: (لا يعلمون).. ثم أثبت لهم العلم فقال: (يعلمون) ولكنه، حين أثبته، لم يثبته حتى قال: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون..) فلكأنه علم لا يغني غناء، ولا يفيد فائدة، وإنما هو أقرب إلى الضرر منه إلى النفع، وكل (علم ظاهر)، لا يتعدى إلى الباطن مضر.. فهو، إن لم يفوّت أصول الأجور، يفوت درجات القرب.. وهذا القول ينطبق حتى على العلم بظاهر القرآن.. و(علم الظاهر) هو علم العقول.. فإن كان هذا العلم في أمور الآخرة فهو مقصر، وإن كان في أمور الدنيا فهو مفرط.. وفي حالة التقصير تفّوت الدرجات، وفي حالة التفريط تفوت أصول الأجور، وتحل العقوبات.. ثم ان علم العقول، إذا كان يهتدي بالإيمان، فإنما هو منزلة من المنازل في طريق السير نحو علم القلوب.. فعلم العقول إيمان، وعلم القلوب إيقان، وبين الإيمان والإيقان إختلاف درجة.. ومهما يكن من الأمر فإن العقول لا تعلم العلم النافع إلا إذا تأدبت بأدب الشريعة، ثم بأدب الحقيقة.. ففي حالة أدبها بأدب الشريعة فهي في حالة عبادة، وتلك أول منازل العبودية.. وفي حالة أدبها بأدب الحقيقة فهي في حالة عبودية.. وإنما من أجل العبودية خلق الله الخلق.. قال تعالى: (وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون) ظاهره عبادة، وباطنه عبودية.. فمن وقف عند الظاهر، ولم يتعده، فهو في خطر من أن يكون عمله باطلا، وفارغا من المحتوى.. فإن لم يكن باطلا، وفارغا من المحتوى، فهو في الدرجات الدنيا من الثواب..
    هذه العقول المؤدبة بأدب الشريعة، وأدب الحقيقة، هي العقول المروضة على الفكر الدقيق، الذي يدق حتى يلغي وجوده، ويرفع حجابه، فيجوز صاحبه من (علم الظاهر) إلى (علم الباطن)، ومن الإدراك (الشفعي)، إلى الإدراك (الوتري)، الذي به يتم العلم بأسرار الألوهية، وبأصول الدين، ذلك العلم الذي ظهر قصور الدكتور مصطفى محمود عن شأوه أشد الظهور في كتابه هذا الذي بين أيدينا..
    ولقد يُلاحظ أن اسم هذا الكتاب كان، أثناء نشره منجما في مجلة (صباح الخير)،: (محاولة لتفسير عصري للقرآن).. فلما لقي الدكتور من المعارضة ما شككه في الثقة التي كان يأنسها من نفسه غير اسم الكتاب إلى (محاولة لفهم عصري للقرآن) وهو اسم أكثر تواضعا من سابقه، من غير أدنى ريب، بيد أنه تواضع لا تزينه فضيلة التواضع، بل إنه لتواضع يكشف عن ظاهرة مؤسفة، وهي أن الأستاذ مصطفى محمود لم يخض فيما خاض فيه من أمر أصول الدين إلا برأي فطير، وإلا بخواطر فجة..
    وإنما بوحي من اسم الكتاب الأول: (محاولة لتفسير عصري للقرآن) جاء سؤال مجلة (الأضواء) السودانية: (هل يملك الدكتور مصطفى محمود مؤهلات المفسر العصري للقرآن؟؟) ولقد أوردت السؤال والإجابة عليه في هذه المقدمة والذي يهمني هنا هو وعد قطعته للقراء لأحدثهم عن التأويل وذلك حين قلت: (ومهما يكن من الأمر، فإن البشرية اليوم لا تحتاج إلى تفسير القرآن، وإنما تحتاج إلى (تأويله).. وليس ههنا مجال الخوض في هذا الأمر، وإنما موعدنا مع القراء الكرام كتاب، هو الآن تحت الإعداد، في الرد على محاولة الدكتور مصطفى محمود لما أسماه بتفسير عصري للقرآن).. هذا هو الوعد.. ولذلك فإن حديثي التالي سيكون عن (التفسير والتأويل).. وبإيجاز، لنفرغ للحديث عن أصل الموضوع..)) نهاية الاقتباس
    ـــــــــــــــــــــــــ
    أما بخصوص قولك يا أخي علي:
    Quote: أرجو من الإخوة الجمهوريين، إن تيسر، أن يعرضوا لنا خلاصة ما ذهب إليه الطرفان في هذه القضية،
    وليتهم يبينوا لنا نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما، حتى تعم الفائدة ويكون النقاش قائمًا على النصوص والأفكار الأصلية، لا على الانطباعات أو النقل المجتزأ.


    أرجو أن أكون قد وفقت في عرض مقدمة أو خلاصة لما ذهب إليه الأستاذ محمود في مسألة التسيير والتخيير ومسألة حدود العقل، وربما أواصل إذا تطلب الأمر مني المزيد.

    أما بخصوص قولك:
    Quote: «لا جبر ولا تفويض، ولكن الأمرٌ بين أمرين.»
    وهي عبارة قصيرة، لكنها فتحت بابًا واسعًا من البحث والتأمل،
    ولا تزال محل نقاش عند المدرسة الاثني عشرية في تفسيرها وبيان مقصودها.

    فسؤالي لك هو: هل تتبنى أنت موقف الشيعة الاثني عشرية «لا جبر ولا تفويض، ولكن الأمرٌ بين أمرين.»؟
    فإذا كان ذلك كذلك، فكيف تبرر بقاء الكفار في النار إلى ما لا نهاية، الذي يؤمن به الشيعة حسب نصوص واضحة؟ إذ يستدلون بآيات القرآن الكريم الصريحة مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا؟

    مع خالص التقدير والاحترام
    ياسر الشريف

                  

07-10-2026, 01:30 PM

Ali Alkanzi
<aAli Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11448

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Yasir Elsharif)

    شكراً للدكتور ياسر على هذه الإطلالة العميقة،
    والشكر موصولٌ أيضاً لصاحب الطرح، ولجميع الإخوة الذين أثروا هذا الحوار بمداخلاتهم.
    وقد أنهى الأخ الدكتور ياسر مداخلته العميقة والمتعمقة بتوجيه تساؤل إلي شخصي، أرى أنه يستحق إجابةً مستقلة ومتأنية، وسأعود إليه في مداخلة لاحقة، حيث قال:
    Quote:
    فسؤالي لك هو: هل تتبنى أنت موقف الشيعة الاثني عشرية: «لا جبر ولا تفويض، ولكن الأمر بين أمرين»؟
    فإذا كان ذلك كذلك، فكيف تبرر بقاء الكفار في النار إلى ما لا نهاية، الذي يؤمن به الشيعة حسب نصوص واضحة؟ إذ يستدلون بآيات القرآن الكريم الصريحة مثل قوله تعالى: **{إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}**؟

    وسأحاول، إن شاء الله، أن أتناول هذا السؤال بما يستحقه من تفصيل، لأنه يفتح باباً مهماً في فهم العلاقة بين التسيير والتخيير، والعدل الإلهي، ومآلات الإنسان.
    وازيد في الشعر بيتاً لماذا اجد في قول الامام جعفر الصادق ترياق لقلقي الداخلي
                  

07-10-2026, 01:32 PM

Ali Alkanzi
<aAli Alkanzi
تاريخ التسجيل: 03-21-2017
مجموع المشاركات: 11448

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Yasir Elsharif)

    شكراً للدكتور ياسر على هذه الإطلالة العميقة،
    والشكر موصولٌ أيضاً لصاحب الطرح، ولجميع الإخوة الذين أثروا هذا الحوار بمداخلاتهم.
    وقد أنهى الأخ الدكتور ياسر مداخلته العميقة والمتعمقة بتوجيه تساؤل إلي شخصي، أرى أنه يستحق إجابةً مستقلة ومتأنية، وسأعود إليه في مداخلة لاحقة، حيث قال:
    Quote:
    فسؤالي لك هو: هل تتبنى أنت موقف الشيعة الاثني عشرية: «لا جبر ولا تفويض، ولكن الأمر بين أمرين»؟
    فإذا كان ذلك كذلك، فكيف تبرر بقاء الكفار في النار إلى ما لا نهاية، الذي يؤمن به الشيعة حسب نصوص واضحة؟ إذ يستدلون بآيات القرآن الكريم الصريحة مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}؟

    وسأحاول، إن شاء الله، أن أتناول هذا السؤال بما يستحقه من تفصيل، لأنه يفتح باباً مهماً في فهم العلاقة بين التسيير والتخيير، والعدل الإلهي، ومآلات الإنسان.
    وازيد في الشعر بيتاً
    لماذا اجد في قول الامام جعفر الصادق ترياق لقلقي الداخلي ؟
                  

07-11-2026, 06:51 PM

عمران بابكر بدري
<aعمران بابكر بدري
تاريخ التسجيل: 05-16-2006
مجموع المشاركات: 1294

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: الانسان مسير ام مخير...؟؟ (Re: Ali Alkanzi)

    فلسفة القضاء والقدر عند شحرور
    الكاتب جوهر فتّاحي
    القضاء والقدر هو واحد من الأركان الإيمانيّة، ليس فقط في الإسلام بل في الأديان الإبراهيميّة كلّها.
    عند كتبة التراث الإسلامي، استقرّ الرأي على أنّ القضاء والقدر هو ما كتبه اللّه للإنسان وغيره من المخلوقات من رزق وصحّة وذريّة ومكانة في الحياة ولن يمنع وقوع ذلك شيء. وهنا يبدو الإنسان مسيّرا، أي سائرا إلى "قدره" المحتوم. والقضاء تقريبا هو القدر لديهم ولو اجتهد البعض في اِبداء بعض الفروق التي لا تعدو أن تكون لغويّة.
    هذا الطرح ينفي عن الإنسان أي دور ذاتي وأي اِختيار من عنده بما أنّه سائر إلى مشيئة الإله لا محالة. وإذا انتفى الاِختيار من المفروض أن ينتفي العقاب والثواب لأنّ الإله لا يمكن أن يحاسب الإنسان على عمل أراده له وعلى مصير حدّده له.
    محمّد شحرور شذّ عن ذلك بعيدا.
    شحرور أعطى تعريفا للقضاء وتعريفا للقدر، وهما تعريفان مختلفان، ولكنّهما يشتركان في كونهما مفهومان دنيويان.
    القدر عند شحرور يأتي بمعنى المقدار والقيمة الموجبة للحساب. فالغرام قدر، والرطل قدر، ودرجة الحرارة قدر، ونصف الشيء قدر، والقوّة قدر، والسرعة قدر، وπ قدر، وكل ما يُحسب قدر.
    نأتي الآن للقضاء.
    القضاء عند شحرور هو القانون الذي يحكم المقدّر. فإذا اجتمع جزيئان من الهيدروجين وجزيء من الأوكسيجين، في حرارة 25 درجة، وبار واحد من الضغط، تكوّن الماء السائل حتما. فهذا قانون طبيعي، إذن هذا قضاء. وبأقدار أخرى يكون القضاء ثلجا، وبأقدار أخرى يكون القضاء سحابا، وهكذا..
    والإنسان بتعريف شحرور للقضاء والقدر له الحريّة المطلقة في التصرّف في المقدّرات وعليه أن يتعلّم القوانين التي تحكمها. وفي هذا التعريف إحالة تامّة إلى العلم. فتعلّم القدر هو ملاحظة الموجودات، وتعلّم القضاء هو تعلّم القوانين التي تحكمها. وبحسب عمل الإنسان في القدر، المحكوم بقضاء قوانينه، يكون الجزاء. فإذا زرع صاعا من القمح في أرض خصبة كان الجزاء قنطارا، وإذا زرع فيها نصف صاع جنى نصف قنطار، وإذا رزع صاعا في أرض مالحة لم يجن شيئا لأنّه لم يتعلّم القضاء الذي يحكم الزراعة.
    وباِختصار غير مخل حوّل شحرور مفهوم القضاء والقدر من معنى الاِستكانة والخنوع والتسليم والسلبيّة إلى معنى العلم والمعرفة والخيار والعمل.
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de