|
|
|
Re: بين الندي والرماد ...قصص قصيرة (Re: عمران بابكر بدري)
|
بعد الغياب
عمران بدري
الخوف من الفقد شعور إنساني عميق، وربما يكون أثقل ما فيه أنه يضعنا دائمًا أمام احتمال الغياب. ومع ذلك، يبقى الأمل في عودة من أحببنا أهون على النفس من مواجهة الفقد بوصفه نهايةً مطلقة. فحين يبتعد شخص عن مسار حياتنا، لا يغادر تمامًا إذ يظل جزء منه مقيمًا في الذاكرة، وصورة منه تسكن الخيال، وحلمًا صغيرًا يراودنا بين حين وآخر. وقد لا يكون هذا الحلم مجرد تعلق بالماضي بل مساحة رحبة تمنح الروح فرصة للتأمل في معنى اللقاء والافتراق وفي قيمة الأشياء التي لا ندرك أهميتها إلا عندما تبتعد عنا الأمل مهما بدا هشًا، يفتح في النفس نوافذ كثيرة. ومن خلال تلك النوافذ يدخل الضوء إلى زوايا كانت معتمة بالخوف والحزن. إنه لا يغير الواقع دائمًا، لكنه يغير طريقتنا في النظر إليه. ولذلك نجد أنفسنا، ونحن ننتظر أو نتذكر أو نتمنى، نمارس الصبر دون أن نشعر، ونتعلم التأمل في تفاصيل الحياة، ونحسن الظن بما يخبئه القدر لنا. ومع مرور الأيام، تتبدل مشاعرنا من حالة التعلق المضطرب إلى حالة أكثر نضجًا واتزانًا، حتى نصل إلى مرحلة من الرضا تشبه الزهد ليس الزهد في الحب نفسه، بل الزهد في محاولة فرض إرادتنا على ما لا نملك التحكم فيه. وفي هذه المرحلة يتجلى معنى التسليم لحكمة الخالق. فالحياة لا تسير وفق رغباتنا وحدها، بل وفق سنن كونية أوسع وأعمق من أحلامنا الصغيرة. وما نظنه نهاية قد يكون بداية لشيء آخر، وما نحسبه خسارة قد يكون طريقًا إلى نضج لم نكن لنبلغه بغير ذلك الألم. لذلك فإن الرضا بالقضاء والقدر لا يعني الاستسلام للحزن، بل يعني الثقة بأن لكل شيء موعده، ولكل غياب حكمته، ولكل لقاء توقيته الذي لا يتقدم ولا يتأخر. وحين نتأمل الطبيعة من حولنا، نجد أنها تروي لنا القصة ذاتها في كل موسم. فالوردة التي كانت يومًا متفتحةً يانعة لا تظل على حالها. تذبل أوراقها، وتجف، وتتحول إلى بذرة صغيرة تسقط في الأرض. وللوهلة الأولى يبدو الأمر وكأنه نهاية كاملة، لكن الحقيقة أن دورة الحياة لم تنتهِ، بل بدأت فصلًا جديدًا. تمكث البذرة في ظلمات التربة زمنًا، ثم تشق طريقها نحو الضوء، وتعود من جديد في صورة مختلفة، وتحت ظروف مختلفة، لكنها تحمل الجوهر نفسه الذي كان في الزهرة الأولى. وكذلك الحب. قد يغيب، وقد يمر بمواسم من الجفاف والبعد والصمت، لكنه لا يفنى بالضرورة. أحيانًا يحتاج إلى زمن يعيد تشكيله، وإلى مسافة تنقيه من شوائب كثيرة علقت به. وما إن تتوافر له أسباب الحياة من جديد حتى يعود بصورة أكثر نضجًا وهدوءًا وصدقًا. ليس بالضرورة أن يعود كما كان، فالأشياء الناضجة لا تعود إلى صورتها الأولى، لكنها تحتفظ بروحها وجمالها الأساسي. ولهذا فإن عودة الحب بعد الغياب ليست مجرد استعادة لما مضى، بل ولادة جديدة لمعنى أعمق. إنها فرصة ليرى كل طرف الآخر بعين مختلفة، بعيدًا عن اندفاع البدايات وضجيج التوقعات. ففي الغياب نتعلم قيمة الحضور، وفي الفقد المؤقت ندرك حجم النعمة التي كانت بين أيدينا. وربما لهذا السبب تبدو بعض اللقاءات المتأخرة أكثر دفئًا من اللقاءات الأولى؛ لأنها تأتي بعد اختبار طويل للزمن وللمشاعر. ومهما اشتدت الظروف، ومهما تكاثرت العوائق، تبقى الحياة ماضية في دورتها التي لا تتوقف. وقد تبدو الطرق أحيانًا مغلقة، لكن الطبيعة تعلمنا أن لكل شتاء ربيعًا ينتظره، ولكل ليل فجرًا يتبعه. وما دام القلب قادرًا على الحب، فإن جذوة المشاعر لا تنطفئ تمامًا، بل تبقى كامنة في الأعماق، تنتظر لحظة مناسبة لتتوهج من جديد. فالحب يشبه شرارة صغيرة؛ قد تخبو تحت الرماد زمنًا طويلًا، وقد يظن الجميع أنها انتهت، لكنها ما إن تجد الهواء الذي يغذيها والدفء الذي يوقظها حتى تستعيد وهجها من جديد. وهكذا يبقى الحب جزءًا أصيلًا من طبيعة الإنسان، لا تلغيه المسافات، ولا تمحوه السنوات، ولا تقوى عليه الأوهام العابرة. قد يختبئ، وقد يصمت، وقد يتراجع إلى الظل، لكنه يظل حاضرًا في مكان ما من الروح، ينتظر لحظته المناسبة للعودة. ويبقى الحب ما بقيت الحياة حقيقة تتجدد في كل زمان ومكان. وإن أنكرناه أحيانًا، أو أقنعنا أنفسنا بأنه انتهى، فإن القلب يعرف ما تعجز الكلمات عن قوله. فكما تعود الورود إلى أغصانها بعد مواسم الذبول، وكما تعود الأرض إلى الاخضرار بعد طول الجفاف، يعود الحب حين يأذن الله له بالعودة، في ثوب جديد، وبروح أكثر صفاءً، ليؤكد أن أجمل ما في الحياة ليس ما يبقى دون تغيير، بل ما يعود إلينا بعد الغياب أكثر عمقًا وجمالًا مما كان.
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: بين الندي والرماد ...قصص قصيرة (Re: عمران بابكر بدري)
|
ما وراء المشهد
عمران بدري
البحر عميقٌ إلى حدٍّ لا تدركه الأبصار، وتعيش في أغواره أعدادٌ لا تُحصى من المخلوقات والكائنات. وما نراه على السطح ليس إلا جزءًا ضئيلًا من الحقيقة؛ مجرد انعكاس لما يجري في الأعماق البعيدة. فالموج يرتفع وينخفض أمام أعيننا، والمدّ والجزر يتعاقبان في مشهدٍ مألوف، لكن ما الذي يصنع هذه الحركة؟ وما الذي يدفع هذا السطح إلى الاضطراب أو السكون؟ إن القوى الحقيقية لا تسكن فوق الماء، بل تكمن في الأعماق التي لا تراها العيون. نحن لا نرى ما تحت المياه، لكننا نرى آثار ما يجري هناك. نرى الموجة حين تعلو، ونشهدها حين تنكسر، ونراقب الزبد وهو ينتشر فوق السطح. غير أن الزبد، مهما بدا كثيفًا ومهيمنًا للحظة، سرعان ما يتبدد ويذهب بلا أثر. أما الماء الذي يحمل الخير والنفع والحياة، فيبقى ويستمر. وهكذا هي سنن الحياة؛ فليست كل الظواهر حقائق، وليست كل الأصوات المؤثرة هي التي تصنع الأحداث بالفعل. إذا أردنا فهم حركة البحر، فلن يكفي أن نراقب الأمواج. وإذا أردنا توجيهها أو التأثير فيها، فلن يكون ذلك بملاحقة الزبد أو الانشغال بما يطفو على السطح. إن الطريق إلى التأثير يبدأ من فهم الأعماق، من معرفة القوى الكامنة التي تحرك المشهد من وراء الستار. فالموجة ليست إلا نتيجة، أما الأسباب الحقيقية فتقبع في مكان آخر. وفي واقع الناس كذلك، كثيرًا ما تنشغل الأبصار بالأسماء الظاهرة والشخصيات المتصدرة للمشهد، ويظن البعض أن هؤلاء هم صانعو الأحداث ومحركو الوقائع. غير أن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا. فكم من وجهٍ يتصدر المشهد بينما القرار يصنعه غيره، وكم من شخصية تبدو فاعلة ومؤثرة بينما هي في الحقيقة مجرد أداة في يد قوة أكبر، أو جزء من لعبة أوسع لا تظهر تفاصيلها للناس. إن بعض الأسماء التي تتردد على الألسنة وتملأ المساحات الإعلامية قد لا تكون سوى شخصيات تتحرك داخل إطار رسمه غيرها. تبدو وكأنها تمسك بالخيوط، بينما هي في واقع الأمر خيوطٌ تتحرك بفعل يدٍ خفية. والناس بطبيعتهم ينجذبون إلى ما يرونه، فيتعلقون بالواجهة وينشغلون بالقشرة، بينما تبقى الجذور الحقيقية بعيدة عن الأنظار. وكما تتغير أحوال البحر، تتغير أحوال هؤلاء. فمرةً تبدو سطوتهم عاتية كالأمواج الهائجة التي تضرب الشواطئ بقوة، ومرةً أخرى يبدون هادئين أو مترددين أو متراجعين. قد يظن الرائي أن قوتهم دائمة، وأن حضورهم باقٍ لا يزول، لكن التاريخ يعلمنا أن كل ما يعتمد على الظاهر وحده مصيره إلى التبدل والانقضاء. فلا موجة تبقى معلقة في السماء، ولا عاصفة تدوم إلى الأبد. لقد مرّت على البشرية أسماء كثيرة ظن أصحابها أو ظن الناس أنها ستظل خالدة، وأن سلطانها لن يتغير، ثم ما لبثت أن أصبحت مجرد سطور في كتب التاريخ أو ذكريات تتناقلها الأجيال. ذهبوا كما تذهب الأمواج بعد أن تضرب الشاطئ، وكما يختفي الزبد حين تنقشع الرياح. أما ما كان نافعًا وصادقًا ومتجذرًا في مصالح الناس وقيمهم، فقد بقي واستمر وأثمر. إن العبرة ليست في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة الظهور، ولا في حجم الضجيج الذي يرافق الأشخاص والأحداث. العبرة في الأثر الحقيقي الذي يتركه الإنسان أو الفكرة أو المشروع. فالزبد يملأ الأبصار للحظات، لكنه لا يروي عطشًا ولا ينبت زرعًا. أما الماء الصافي الذي قد لا يلفت الأنظار بنفس القدر، فهو الذي يمنح الحياة ويصنع الاستمرار. ولذلك فإن قراءة الواقع بعين الحكمة تقتضي ألا ننخدع بما يطفو على السطح، وألا نحصر فهمنا في الظواهر العابرة. فخلف كل موجة قصة، وخلف كل حركة أسباب، وخلف كل مشهد قوى ودوافع ومصالح تعمل بصمت. ومن أراد أن يفهم حقًا، فعليه أن يبحث عما وراء الموج، لا أن يكتفي بتأمل الزبد. وغدًا، كما حدث مرارًا عبر التاريخ، ستتغير الوجوه وتتبدل الأسماء، وسيذهب كثير ممن شغلوا الناس وضجّت بهم المنابر أدراج الرياح. وستبقى السنن كما هي؛ يذهب ما لا يحمل قيمة حقيقية، ويبقى ما ينفع الناس. يبقى الفكر النافع، والعمل الصالح، والأثر الصادق، والقيم التي تخدم الإنسان وتبني الحياة. أما الضجيج العابر، مهما علا واشتد، فمصيره أن يخبو ويختفي. وهكذا يظل البحر درسًا مفتوحًا لمن أراد أن يتأمل: لا تنخدع بالموج، ولا تلاحق الزبد، وابحث دائمًا عن الأعماق؛ فهناك تبدأ الحكاية، وهناك تكمن القوى التي تصنع المشهد، وهناك تُفهم الحقيقة على وجهها الصحيح.
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: بين الندي والرماد ...قصص قصيرة (Re: عمران بابكر بدري)
|
حطات اللقاء الأبدي
"لوكس" ٢
عمران بدري
حين نقرأ كتابًا فنشعر كأنه يروي حكايتنا نحن، ويكشف أسرار أرواحنا بين السطور، أو نتأمل لوحةً فنيةً فتغمرنا بدهشتها ونجد في ألوانها سكينةً تشبه الوطن؛ وحين نصغي إلى مقطوعة موسيقية فتترقرق الدموع في أعيننا دون استئذان، أو نسمع أغنيةً تخاطب أعماقنا، فتوقظ أشواقنا وأوجاعنا ولهفتنا وحبنا، وحتى ذلك الألم العذب الذي نعجز عن وصفه... عندها ندرك أن هناك روحًا أخرى تشاركنا الإحساس ذاته، وتعيش ما نعيشه بالدقة نفسها؛ لا تزيد عنه ولا تنقص. روحٌ تفهم ارتعاشات القلب الخفية، وتقرأ ما تعجز الكلمات عن قوله. ولعل هذا هو المعنى الأعمق للنصف الآخر؛ ليس مجرد لقاء عابر أو توافق مؤقت، بل انسجام فطري عريق، كأن الأرواح تحمل منذ نشأتها بصمتها الخاصة، فتتعارف حين تلتقي، وتأنس حين تجد ما يشبهها. وكأن في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ إشارةً إلى ذلك التلاقي الأزلي بين الأرواح المتشابهة، التي تمضي في رحلة الحياة بحثًا عمّن يكتمل به صداها، وتستريح عنده بعد طول اغتراب.
الي ان نلتقي خاطرة
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: بين الندي والرماد ...قصص قصيرة (Re: عمران بابكر بدري)
|
مودة
عمران بدري
كانت مودة تؤمن أن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام الهادئة التي نعيشها، بل بعدد العواصف التي نعبرها دون أن نفقد قدرتنا على الحب. لكنها لم تكن تعرف أن نصيبها من العواصف سيكون أكبر مما تخيلت يومًا. في عامها الجامعي الأول، كانت تجلس في قاعة المحاضرات، تحمل دفاترها وأحلامها الصغيرة. كانت تتخيل نفسها بعد سنوات وقد حصلت على شهادتها، تعمل في وظيفة تحبها، وتبني حياة مستقرة. في تلك الأيام تعرّفت إلى الرجل الذي أحبته. لم يكن كاملًا، ولم تكن حياتهما سهلة، لكن قلبها اختاره دون تردد. عندما طلب منها الزواج، وقفت أمام مفترق طرق. الجامعة من جهة، والحب من جهة أخرى. اختارت الحب. تركت مقاعد الدراسة وهي تعلم أن كثيرين سيعتبرون قرارها مخاطرة، لكنها كانت ترى فيه بداية بيت جديد وحياة تشاركها مع من أحبّت. مرت السنوات الأولى بسرعة. كانت تظن أن أصعب ما يمكن أن تواجهه هو ضيق المعيشة أو متاعب الحياة اليومية، لكن القدر كان يخبئ لها امتحانات أخرى. أصيب زوجها بداء السكري، وفي البداية حاول الجميع التخفيف من وقع الخبر. قالوا إن المرض يمكن التعايش معه، وإن الأمور ستكون بخير. لكن المرض لم يكن رحيمًا. تدهورت حالته الصحية تدريجيًا، حتى جاء اليوم الذي اضطر فيه الأطباء إلى بتر جزء من رجله. يومها شعرت مودة أن الأرض تميد تحت قدميها. رأت الرجل الذي عرفته قويًا عاجزًا عن الوقوف، ورأت الحزن في عينيه وهو يحاول إخفاء ألمه عنها. لكنها لم تتركه للحظة. كانت تساعده على الحركة، وترافقه إلى المواعيد الطبية، وتخفي دموعها كلما رأت انكساره. كانت تؤمن أن الزواج ليس مجرد أيام جميلة، بل عهدٌ يُختبر في أوقات الشدة. ومع مرور الوقت، لم يكتفِ المرض بما أخذه. أصيب زوجها بالفشل الكلوي، وأصبحت جلسات الغسيل جزءًا من تفاصيل حياتهما. كانت تستيقظ قبل الفجر أحيانًا لتجهز احتياجاته، وتنتظر معه ساعات طويلة في المستشفى. هناك، بين رائحة الأدوية وصوت الأجهزة، تعلمت معنى الصبر الحقيقي. وفي الوقت الذي كانت تقاوم فيه من أجل زوجها، جاءها خبر وفاة والدها. كان والدها سندها الأول، والوجه الذي تلجأ إليه كلما ضاقت بها الدنيا. رحل فجأة، تاركًا في قلبها فراغًا لم يملأه شيء. يوم دفنه شعرت أنها فقدت جزءًا من نفسها، لكنها لم تملك رفاهية الانهيار. كان هناك زوج يحتاجها، وبيت يحتاجها، وحياة يجب أن تستمر. ثم جاء اختبار آخر. وُلدت ابنتها وهي تحمل مرض السكري منذ أيامها الأولى. لم تكن طفلة مثل بقية الأطفال. كانت مودة تراقب مستوى السكر في دمها أكثر مما تراقب ألعابها وضحكاتها. كانت تخاف من كل وعكة صحية، ومن كل ارتفاع أو انخفاض مفاجئ. كبرت الطفلة، وكبرت معها مخاوف أمها. كانت مودة تقول لنفسها كل ليلة: "ليكن المرض لي أنا، واتركوا طفلتي بخير." لكن الأقدار لا تستأذن أحدًا. اندلعت الحرب، وتحولت الأيام إلى خوف وانتظار. وفي إحدى لحظاتها القاسية أصيبت مودة، وفقدت جزءًا من نظرها. منذ ذلك اليوم لم تعد ترى العالم كما كانت تراه سابقًا. صار الضوء مختلفًا، وصارت الأشياء ناقصة في عينها كما لو أن الحرب سرقت قطعة من الصورة. ورغم كل ذلك، استمرت. كانت تمسك بيد ابنتها، وتساند زوجها، وتحمل أحزانها بصمت يشبه صمت الجبال. في إحدى الليالي قرأت قصة امرأة اسمها سلمى. امرأة واجهت الألم بصبر نادر، وضحت كثيرًا من أجل من تحب. كلما قرأت سطرًا من حكاية سلمى شعرت وكأنها تقرأ أجزاءً من حياتها الخاصة. لم تكن التفاصيل متطابقة، لكن الوجع كان متشابهًا، والتضحية كانت تتحدث باللغة نفسها. أغلقت الكتاب وبقيت تحدق طويلًا في الفراغ. همست لنفسها: "كم تشبهني هذه المرأة..." لم تكن سلمى مجرد شخصية في قصة. كانت مرآة رأت فيها مودة سنواتها كلها؛ الجامعة التي تركتها، والزوج الذي اعتنت به، والأب الذي رحل، والطفلة المريضة، والعين التي أطفأت الحرب جزءًا من نورها. وفي منتصف هذا الشهر، وقفت مودة أمام القرار الأصعب في حياتها. كانت الفحوصات قد أثبتت أن بإمكانها التبرع بإحدى كليتيها لزوجها. سألها كثيرون إن كانت خائفة. نعم، كانت خائفة. سألها آخرون إن كانت مترددة. نعم، كانت مترددة أحيانًا. فهي أم، ولها ابنة تحتاجها، ولها جسد أنهكته السنوات والأحزان. لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا. أن الرجل الذي تجلس إلى جواره اليوم هو نفسه الرجل الذي اختارته منذ سنوات طويلة، وهو نفسه الذي شاركته أحلام الشباب وأيام الفقر والمرض والخوف. وقبل موعد العملية بأيام، جلست قرب نافذتها في المساء. كان الضوء يتسلل إلى عينها المتعبة، وكانت ابنتها تلعب بالقرب منها، بينما كان زوجها يراقبها بصمت. ابتسمت. للمرة الأولى منذ زمن طويل شعرت أن كل ما مرّت به لم يكن مجرد سلسلة من الخسارات، بل كان رحلة طويلة علّمتها معنى المودة الحقيقي. فالمودة ليست كلمة تُكتب في عقود الزواج، ولا وعدًا يُقال في لحظة فرح. المودة هي أن تبقى حين يرحل الآخرون. أن تعطي حين تصبح الحياة كلها أخذًا. أن تحب حين يصبح الحب نفسه تضحية. ولهذا كان اسمها مودة. ولأنها كانت مودة، اختارت مرة أخرى أن تهب جزءًا من نفسها لمن تحب، غير عابئة بما أخذته منها الحياة، مؤمنة أن القلب الذي تعلّم العطاء لا يعرف طريقًا آخر. وفي صباح العملية، سارت نحو باب المستشفى بخطوات هادئة. لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها بعد ذلك. لكنها كانت تعرف أنها، مهما أثقلتها الجراح، ستظل امرأة صنعت من الألم حبًا، ومن الخسارات نورًا، ومن المودة حياة كاملة
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: بين الندي والرماد ...قصص قصيرة (Re: عمران بابكر بدري)
|
"العيد.. ليس كما كنا نعرفه"
لم تكن فرحة العيد قديمًا تحتاج أكثر من ثوب جديد، وصوت تكبيرات يملأ الأفق. كنا نعدّ العيد عيدًا حين نرتدي حذاءً لم يتّسخ بعد، أو حين نشم رائحة الطهي تنبعث من البيوت المبتهجة. اليوم، رغم امتلاء خزائننا بالملابس، نفتقد تلك النظرة التي تمنح الأشياء معناها، وتلك الكلمة التي تعيد لتهنئة «عيد مبارك» دفئها وأمنياتها.
العيد ليس مجرد مناسبة تتكرر، بل هو طقس عميق في الوجدان، يحمل جذور الفرح الأولى، وذكريات الروح حين كانت تحتفل لأبسط الأسباب. عيد الأضحى، هو عودة سنوية محملة بالرمز والتضحية، وهدية السماء بعد الطاعة والإيمان.
وغدًا العيد، وأنت لم تشترِ بعد أضحيةً تفرح بها أولادك أو تكرم بها جارك.
تتردد على لسانك عبارة: "يفتح الله، يفتح الله"، كأنها رجاء وأمل وهمس مستتر بالعجز. " مثل شيخ محجوب في رواية الاديب الطيب صالح"
"عشرون جنيهًا يا رجل! تحلّ بها دينك، وتصلح بها حالك، وغدًا العيد وأنت لم تشترِ بعد الكبش. والله، لولا أنني أريد مساعدتك، ما عرضت هذه النخلة بهذا الثمن، فهي لا تساوي عشرة!"
لكن شيخ محجوب لم يردّ على حسين التاجر إلا بكلمة واحدة: "يفتح الله." خاطرة
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: بين الندي والرماد ...قصص قصيرة (Re: عمران بابكر بدري)
|
طابت المحمود.. حين يصير الشعر في الطرقات
عمران بدري
في تلك الليلة، كان المطر يهطل فوق "طابت" بإيقاع يشبه أصوات المداحين في حلقات الذكر، وكانت رائحة الأرض المبتلة تصعد إلى السماء كدعاء خافت تحفظه القلوب قبل الألسن. النسيم البارد ينساب بين الأزقة الطينية، والمدينة تغفو على مهل تحت غلالة من المطر والحنين. تقع طابت في قلب الجزيرة، مدينة صغيرة ببيوت من الطوب الأحمر والأخضر، متواضعة الملامح، لكنها غنية بالناس والحكايات. وكان القادم إليها يشعر منذ خطواته الأولى أنه يدخل مكانا مختلفا؛ مدينة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الروح. ومن خلفها يمتد الحفير، ساكنا نهارا، غامضا ليلا، كأنه شاهد قديم على أفراح المدينة وأسرارها. ولطابت ثلاثة مداخل؛ ترعة عفانة من جهة الكتير، بمحاذاة مدرسة طابت الثانوية العليا. وترعة أم دبيب من ناحية ود بلل وأم دليبة. أما مدخل كبري الهوى، فهو يمر بمحاذاة ترعة عفانة وبجوار مستشفى طابت متجها إلى قرية أم طرفاية، وهو طريق الحصاحيصا القديم، يمر بصرار ود بهاي والقيزان وأبو جولي ودسلفاب حتى يصل إلى كبري بخيت، مدخل الحصاحيصا. وبعد الكبري تجد على يمينك المدرسة الصناعية، وعلى يسارك الجزء الآخر من المدرسة الصناعية، ومن بعدهما مستشفى الحصاحيصا. طابت أهلها طيبون، يعيشون من التجارة والزراعة والأسواق التي لا تهدأ؛ سوق العيش، وسوق الخضار، وسوق الماشية والجزارة، حيث تختلط أصوات الباعة برائحة التراب والذرة والبهائم، فتتشكل ملامح الحياة اليومية بطابع لا يشبه إلا طابت. وفي الصباحات، كانت رائحة الشاي باللبن المقنن تتسلل من البيوت والدكاكين الصغيرة، بينما يبدأ الناس يومهم على مهل؛ هذا يفتح متجره، وذاك يقود حماره نحو السوق، وآخر يجلس أمام دكانه يتبادل الأخبار والتحايا مع المارة. وكان الجميع يعرف الجميع، حتى الوجوه العابرة تجد من يسألها: "الغريب منو؟ وداير منو؟" وفي المساءات، تمتلئ الأندية؛ الهلال والعمال والأهلي، بالشباب والضحكات والكرة والغناء. فطابت لم تكن مدينة تجارة وذكر فقط، بل كانت أيضا منبعا للفن والشعر والصوت الجميل. خرج من رحمها مطربون حملوا دفء الجزيرة في حناجرهم، وأشعلوا لياليها بالأغنيات؛ أحمد طيب خلف الله، وعماد، وعادل، وقرض، وفتحي، وعبده،ود الشريف وكثيرون غيرهم ممن لم تسعف الذاكرة بذكر أسمائهم، لكن أصواتهم ما زالت عالقة في وجدان الناس، تتردد في الأفراح والسهرات وعلى ضفاف الترع. وكان الشعر فيها يسير بين الناس كما يسير الماء في الجداول؛ مدينة ولادة للكلمة، تحفظ القصيد كما تحفظ المدائح. ومن شعرائها ومشايخها برز الشيخ الفاتح محي الدين، وأزهري أبشام، وغيرهم من أبناء الطيبية الذين جمعوا بين العلم والتصوف والشعر، فصاروا جزءا من ذاكرة المكان وروحه. أما قلب طابت الحقيقي فكان "المسيد". هناك ترتفع قباب الشيخ الحفايان وشيخ أحمد والخليفة الشيخ الجيلي أبو التيمان، شامخة كأنها تحرس المدينة بالدعوات والبركات. وكانت تكية الطريقة السمانية عامرة بالزائرين وأهل الذكر، لا ينقطع فيها الطعام ولا المديح، خاصة في الأعياد والمواسم الدينية. يفد الناس من القرى المجاورة طلبا للبركة؛ امرأة ترجو الذرية، ورجل يبحث عن السكينة، وشاب يحفظ القرآن، وآخر يذوب في حلقات الذكر والنوبة حتى تدمع عيناه من الشوق. ومن كبري طابت الجوه، تتجه مباشرة إلى الأمام في اتجاه شارع الزلط، والطريق هناك يبدأ واسعًا ثم يهدأ شيئًا فشيئًا مع اقترابك من داخل الحي. عند أول لفة في زلط طابت، يظهر لك مسجد الشيخ متوكل ود شيخ سرور، واقفًا بهدوء يحدد بداية الدروب الداخلية للمنطقة. من عند المسجد تنزل إلى الأمام وتدخل أول شارع أمامك، شارع بسيط تحفه البيوت من الجانبين، وتسمع فيه فقط وقع الخطوات وصوت الحياة الهادئ داخل البيوت. تستمر في السير حتى نهاية الشارع، وهناك يظهر دكان محمد موسى من ود العتمانة كنقطة نهاية لهذا الممر الأول وبداية الاتجاه الأعمق داخل الحي. ومن عند الدكان تواصل في نفس الامتداد، لكن الطريق يصبح أضيق وأهدأ، كأن الضوضاء تبتعد تدريجيًا. تمشي في دروب صغيرة متتابعة، وكل ما تتقدم تحس أن المكان يتحول من حي عادي إلى ممرات أكثر هدوءًا وعمقًا. وفي نهاية هذا الامتداد، يصل الطريق مباشرة إلى عمق طابت معني السكينة والحب والامل، وسط السكون، كأنه نهاية هذا المسار كله داخل الحي، حيث تنتهي الأزقة ويبدأ حضور هادئ وثابت. بينما يمتد خلف الحفير وجه آخر للمدينة؛ عالم تعلو فيه أصوات العربدة والسكر ولهو الرجال والشباب، كأن طابت تحمل في داخلها تناقض الحياة كلها؛ النور والظل، الطهر والخطيئة، الذكر والغناء. وهكذا بقيت طابت… مدينة من طين ومطر ومديح وأغان، من صوت: "عيان يا بلبل" إلى لقاء. الذكريات
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: بين الندي والرماد ...قصص قصيرة (Re: عمران بابكر بدري)
|
ين انتظار الرنين ونداء القلب
عمران بدري
هناك رسائل لا نفتح الهاتف لأجلها… بل نفتح قلوبنا. نمرّر أصابعنا فوق الشاشة عشرات المرات، لا بحثًا عن حديث عابر، بل عن ذلك الاسم الذي إذا ظهر، تبدّل إيقاع اليوم كله. رسالة واحدة فقط قادرة أن تُعيد ترتيب الفوضى داخلنا، أن تزرع الطمأنينة في أكثر الأماكن تعبًا، وأن توقظ شيئًا خافتًا كدنا نظن أنه مات منذ زمن. ذلك الشعور ليس مجرد انتظار… إنه شوق يتخفّى خلف العادة، ورغبة ترتدي ثوب الصمت، وعشم صغير ينمو رغم كل محاولات العقل لاقتلاعه. نحاول أن نقنع أنفسنا بأن الأمر عادي، بأن الحياة لا تتوقف على رسالة، لكن الحقيقة أن الروح أصدق من كل التبريرات. فالإنسان حين يشتاق، يصبح أكثر هشاشة أمام التفاصيل، وأكثر إصغاءً للأشياء الصغيرة. صوت الإشعار لا يعود مجرد نغمة، بل احتمالًا كاملًا للحياة أو الخيبة. أحيانًا ندفن هذا العشم عميقًا، نحاول أن نغلق عليه أبواب القلب حتى لا يؤلمنا، لكن بعض المشاعر لا تموت بالدفن. تبقى حيّة في الأعماق، تتحرك بصمت، ثم تعود فجأة كصدى قويّ يرتطم بجدران الروح. تمامًا كمنبّه الصباح حين يرنّ وأنت غارق في نوم ثقيل… في لحظة واحدة تستيقظ كل حواسك، رغم أنك قبل ثانية فقط كنت في عالم آخر. تفتح عينيك بين رغبتين متناقضتين: راحة البقاء حيث أنت، أو شجاعة النهوض لمواجهة يوم جديد لا تعرف ماذا يخفي لك. وهكذا هي بعض العلاقات… تضعنا دائمًا في تلك المنطقة المربكة بين التراجع والتقدّم، بين التعلّق والانسحاب، بين أن نحافظ على ما تبقّى منّا أو نغامر بما بقي داخل القلب. لحظات قصيرة، لكنها حاسمة بما يكفي لتغيّر مسار أيام كاملة. لحظات يصبح فيها القرار أثقل من الكلام نفسه، لأنك تدرك أن خطوة واحدة قد تعني استمرار الحكاية… أو نهايتها للأبد. في تلك اللحظات لا وجود للرمادي. إما أن تواصل السير بكل ما فيك من خوف وأمل، وإما أن تتوقّف وتخسر أشياء لن يعوّضها الزمن بسهولة. فالانسحاب لا يعني دائمًا النجاة، أحيانًا يعني أن تعود إلى نفسك غريبًا، أن تبدأ رحلة بحث جديدة عن معنى آخر، عن دفء آخر، عن نسخة أخرى منك كنت قد فقدتها في الطريق. والبدايات الجديدة ليست سهلة كما تبدو. البدء من الصفر مرهق، ليس لأن الطرق مجهولة فقط، بل لأن القلب يكون قد استُهلك في محاولات سابقة. تصبح أكثر حذرًا، أقل اندفاعًا، وتتعامل مع المشاعر كما لو أنك تمشي فوق زجاج مكسور. تخاف أن تمنح الثقة كاملة، لأنك تعرف جيدًا كيف يمكن لرسالة لم تصل أن تهدم يومًا كاملًا، وكيف يمكن لغياب بسيط أن يوقظ داخلك كل مخاوف الفقد القديمة. لكن رغم ذلك… يبقى في الإنسان جزء عنيد لا يتوقف عن الأمل. جزء يفتح الهاتف كل مرة وكأنه يفتح نافذة على احتمالات النجاة، جزء يصدّق أن هناك رسالة ما ستأتي يومًا لتقول إن كل هذا الانتظار لم يكن عبثًا. وربما لهذا السبب نستمر… ليس لأننا أقوياء دائمًا، بل لأن القلب بطبيعته لا يعرف الاستسلام الكامل. نحن لا نبحث عن الكلمات فقط، بل عمّا وراءها. عن الشعور الذي يجعلنا مطمئنين وسط هذا الضجيج، وعن الحضور الذي يخفف وحشة الأيام، وعن شخص إذا جاء صوته شعرنا أن العالم عاد إلى مكانه الصحيح. وفي النهاية، كل إنسان يحمل داخله رسالة لم تصل بعد… رسالة يعلّق عليها جزءًا من روحه، وينتظرها بصمت طويل، حتى وإن ادّعى أمام الجميع أنه لم يعد ينتظر شيئًا.
خاطرة
| |

|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |