لم تكن تحولات الدكتورة مريم الصادق المهدي مواقف عابرة، بل كانت مرآة لأزمة النخبة المدنية السودانية قبل الحرب وبعدها، ومصدراً للارتباك الذي طارد قوى الحرية والتغيير أمام الرأي العام.
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، وقفت مريم في صف مساندة قوات الدعم السريع سياسياً. اتجه خطابها إلى تبرئة المليشيا وتحميل الجيش مسؤولية إشعال القتال، وامتنعت عن تجريم الدعم السريع كطرف متورط في الانتهاكات.
هذا الاصطفاف وضعها في خندق واحد مع الجناح المدني الداعم للاتفاق الإطاري. ولم يكن الأمر رمزياً، فاسمها كابنة للإمام الصادق المهدي ونائبة رئيس حزب الأمة القومي منح الدعم السريع غطاءً سياسياً وشرعية كان يسعى إليها
بعد تكوين تحالف “صمود” جرى تداول اسمها إعلامياً ضمن قياداته البارزة، لكنها لم تعلن انضمامها الرسمي. وتحدثت تقارير في 2025 عن ترتيبات لعودتها إلى الخرطوم مع عمر الدقير وخالد سلك وصديق المهدي. إلا أنها نفت ذلك صراحة وقالت إن الأنباء غير دقيقة وتفتقر للتحري، ونفت مشاركتها أو تيارها في أي مشاورات مع التحالف.
وكان الخط المعلن لصمود حينها هو وقف الحرب فوراً ورفض الحل العسكري والتمسك بالتفاوض الشامل. لكن التحالف دفع ثمن الالتباس، إذ اختلط في ذهن الناس بين كونه كياناً مدنياً رافضاً للحرب وبين مواقف بعض قياداته السابقة الداعمة للدعم السريع. فصار ذلك مادة جاهزة لخصومه لتصويره كواجهة سياسية للمليشيا.
لاحقاً أعلنت مريم اصطفافها مع القوات المسلحة في الحرب الحالية. قالت إنها تدعم الجيش السوداني ووصفته بالجيش الوطني، واعتبرت أن ميزان المعركة مال لصالحه. وحددت أولويتها في وقف الحرب بشكل عاجل وتحقيق سلام شامل وتهيئة المناخ لانتقال مدني ديمقراطي.
جاء هذا التغير بعد الخسائر الميدانية التي مني بها الدعم السريع وتحرير الخرطوم.
ولأن مريم ليست شخصية عادية فإن تبدل موقفها يحدث أثراً يتجاوز غيرها. فاصطفافها الأول مع الدعم السريع رسّخ صورة الحرية والتغيير كحاضنة سياسية له. ولاحقاً عز تداول اسمها في سياق “صمود” الانطباع بأنه امتداد للخط نفسه. أما اصطفافها الأخير مع الجيش فرسم صورة عن “صمود” ككيان متصدع تتغير قراءات قياداته مع تغير موازين الميدان.
وكانت الحصيلة خسارة الحرية والتغيير و”صمود” معاً لمصداقية الحياد أمام مؤيدي الجيش، وفقدان ثقة جزء من جمهور الثورة الذي يرى أن وضوح الموقف أهم من الحسابات السياسية.
هذا النمط من التقلب لم يكن غريباً على بيت المهدي السياسي. فوالدها الإمام الصادق المهدي ظل عبر عقود عنواناً لإعادة تموضع المواقف بتغير المعادلة. دخل في مصالحة مع نظام مايو ثم عاد لمعارضته. ووصل إلى رئاسة الوزراء في الديمقراطية الثالثة فتراجع عن اتفاق السلام مع الحركة الشعبية تحت ضغط الواقع ثم عاد ليتبناه. وبعد الإنقاذ تقلب بين المعارضة الصلبة والاتفاق مع البشير في وثيقة الحوار الوطني قبل أن يعود للاصطفاف مع قوى التغيير.
وعليه جاء تغير مسار مريم امتداداً لإرث سياسي قائم على إعادة قراءة المشهد بتغير موازين القوة. لكن في زمن الحرب والانتهاكات الجسيمة، يفقد هذا التقلب مساحة المناورة، ويصبح كل تبدل مكلفاً على مستوى المصداقية والشرعية الشعبية.
في المحصلة تكشف مسيرة مريم الصادق المهدي أزمة قيادة مدنية لم تحسم موقفها الأخلاقي من الحرب منذ بدايتها. فمسارها بدأ باصطفاف مع المليشيا، ومر بمرحلة أربكت تحالفاً بأكمله، وانتهى باصطفاف مع الجيش في الحرب الحالية. ويؤكد التاريخ أن المواقف في لحظة الحرب لا تُجمّل، وأن من يسعى إلى اللعب على الحبلين ينتهي إلى السقوط من الطرفين.
8****هل تصدق ما قيل ان قيمة هذا المقال مليار جنيه سوداني دفعت للكاتبة ما أرخص قيمتها
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة