*تحقيق استقصائي: تفكيكٌ ممنهجٌ وتدميرٌ متعمّدٌ ومُبَيَّت لمفاصل الاقتصاد السوداني عبر استهدافٍ جويٍ بالغ الدقة.. استناداً إلى تقريرٍ استخباراتي أمريكي صاعق*
يستند هذا التحقيق المسرّب، ذو الأبعاد الزلزالية، إلى تقريرٍ استخباراتي بالغ الخطورة والسرية، صادرٍ عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA، كشف بمهنيةٍ فائقةٍ ودقةٍ متناهيةٍ لا تحتمل ذرة شكٍ واحدة عن تحرّكٍ ميدانيٍ سافرٍ للطيران الحربي المصري في عمق السيادة الجوية للأراضي السودانية. التقرير، الذي اعتمد بشكلٍ احترافيٍ صارم على صور الأقمار الصناعية الحربية الأمريكية ذات القدرات الرصدية الخارقة والعابرة للحدود، وثّق بشكلٍ دامغٍ لا يرقى إليه الطعن، وبالثانية واللحظة والتوقيت العسكري الدقيق، وببراهين مفصّلةٍ لا تقبل التأويل أو المواربة، مسارات الطلعات الجوية العدائية وأعدادها المهولة، والقواعد العسكرية التي انطلقت منها، والمطارات والوجهات الاستراتيجية التي استهدفت بدمٍ باردٍ ومُبيَّت منشآتٍ مدنية اقتصادية ذات طابعٍ سياديٍ مصيري في قلب السودان النابض بالحياة.
ورغم النتائج الكارثية المزلزلة والكلف الباهظة الفادحة التي تجرّعها الاقتصاد السوداني مرغماً ودفعها من دماء شعبه الطاهرة ولقمة عيشه المغموسة بالمعاناة، جراء المشاركة السافرة والمكشوفة للطيران الحربي المصري، تحت ذريعةٍ واهيةٍ ومفضوحة تتمثل في ضرب قدرات قوات الدعم السريع، إلا أن هذا الطيران نفّذ قصفاً إجرامياً ممنهجاً ومُخططاً له بعنايةٍ شيطانيةٍ ودقةٍ جراحيةٍ استهدف في الصميم والعمق مراكز ومحاور أعمدة البنية التحتية السيادية للسودان. لكن قيادة تنظيم الكيزان المتحجرة، المتبلدة الإحساس، غير عابئةٍ بالسودان ولا بكرامة المواطن السوداني ولا بمستقبل أجياله القادمة المسلوب. همّها الأوحد والأوحد في هذه الحرب الوجودية بالنسبة للتنظيم المتهالك هو الاستيلاء على السلطة المُلطخة بدماء الأبرياء فقط، أو استمرار الوضع على ما هو عليه الآن من فوضى مدمّرةٍ وعارمة بدعمٍ مصريٍ مباشرٍ ومكشوفٍ وفاضح، مقابل استنزافٍ وقحٍ ومُذلٍ لثروات البلاد وخيراتها مجاناً لصالح المصريين.
*بل إننا اليوم نقف على أبواب حربٍ ثانيةٍ مُستعرةٍ داخل رحم حرب 15 أبريل 2023 الدامية، حربٌ تُدار بأدواتٍ جديدة وببصماتٍ وأيادٍ استخباراتية مصرية مكشوفةٍ لا تخطئها العين. لقد طفح على السطح، وبشكلٍ فاضحٍ لا يقبل الإنكار، تباينٌ خطيرٌ في خارطة التحالفات فرضته المصالح المشتركة الدنيئة على غنائم البلاد والعباد. وظهر جلياً للعيان اصطفاف "المشتركة" والكيزان في خندقٍ واحد، خندق مصالحٍ ضيقٍ وقذر، توحّدت فيه البنادق على نهب ما تبقى من جسد الوطن المُنهك. في المقابل، يقف البرهان "راقد قفه" مع عيال ود حمدان، في مشهدٍ عبثيٍ مُخزٍ يُلخص مأساة القيادة المُغيّبة عن مصالح شعبها.*
لذلك تسعى مصر سعيَ المذعور المرتعد المتربص، وتُجنّد كل أدواتها الخفية والمعلنة، وأذرعها الاستخباراتية والدبلوماسية، لإفشال أي بادرة سلامٍ حقيقية تُنهي الحرب المشتعلة في السودان وتُعيد للبلاد عافيتها المسلوبة وسيادتها المنتهكة. وليس ذلك من أجل قطع إمدادات الثروات السودانية المنهوبة والمُهرّبة فقط، بل لأن مصر باتت شريكاً أساسياً وأصيلاً وفاعلاً في الجُرم الكيزاني التاريخي الذي لا يغتفر، ما يعني أنهم والكيزان أمام محاكم العدالة الدولية مجرمون مع سبق الإصرار والترصّد المُبيّت، وبالأدلة القاطعة الدامغة التي لا يرقى إليها شكٌ ولا يطالها طعنٌ ولا تشكيك.
كما يكشف تحليل صور الأقمار الصناعية المُحلّلة بدقةٍ ميكروسكوبية وتقارير ميدانية موازية وموثوقةٍ ومتطابقة عن نمطٍ عملياتيٍ مركّزٍ ومُحكمٍ ومُمنهجٍ استهدف شلّ البنية الحيوية للسودان وضربها في مقتلٍ استراتيجي، ويرتكز على ثلاثة محاور رئيسية حوّلت الحرب الداخلية المُفتعلة إلى غطاءٍ مُحكمٍ وساترٍ دخانيٍ لاغتيال مقومات الدولة الاقتصادية ووأد سيادتها الوطنية في مهدها.
*المحور الأول: إخراج منظومة المياه والطاقة الكهرومائية من الخدمة القومية خنقاً وتجفيفاً* تركّزت الضربات الجوية المُوجّهة بدقةٍ جراحيةٍ متناهية ومُرعبة على نقاط التحكم المفصلية والشرايين العصبية الحساسة في السدود والخزانات الاستراتيجية الممتدة على مجرى النيل الخالد شريان الحياة. تم استهداف غرف التشغيل المركزية والبوابات الرئيسية في خزان جبل أولياء الحيوي وسد مروي العملاق درة السدود. إن ضرب هذه النقاط بعينها وبإصرارٍ إجرامي يعني عملياً تعطيل القدرة السيادية للدولة على تنظيم التصريف المائي وإدارة تشغيل التوربينات العملاقة، حتى وإن بقي جسم السد الخرساني سليماً من الناحية الإنشائية الخادعة والمضللة. المحصلة المباشرة والكارثية هي فقدان السيطرة الوطنية الكاملة والمهينة على مليارات الأمتار المكعبة من المياه المتدفقة شمالاً، وتحويل النهر الخالد من شريان حياةٍ وسيادةٍ وكرامةٍ إلى مجرد ممرٍ للعبور بلا إرادةٍ ولا قرارٍ سياديٍ ولا هيبة.
وعلى صعيد الطاقة، استهدفت الضربات الجوية المُخططة والمُدبّرة محولات الربط الرئيسية بالشبكة القومية في سد مروي، وهي قلب المنظومة النابض وشريانها الأبهر. إخراج هذه المحولات الحيوية من الخدمة أدّى إلى انقطاعٍ مُظلمٍ وشاملٍ لمئات الميجاوات من الكهرباء النظيفة والرخيصة والمستدامة. إن التكلفة الفلكية المُعجزة والخيالية لاستبدال هذه المحولات والمدة الزمنية الطويلة والمُميتة لتوريدها تجعل إعادة التشغيل ضرباً من المستحيل المطلق في ظل اشتعال النزاع وتعمّد إطالة أمده وإذكاء نيرانه. هذا الاستهداف المُخطط حوّل السودان من دولةٍ منتجةٍ وواهبةٍ ومصدرةٍ للطاقة الكهرومائية إلى دولةٍ مرتهنةٍ بالكامل ومُكبّلةٍ لمولدات الديزل المستوردة بعملةٍ صعبةٍ ونادرة، ورفع كلفة الكيلووات الواحد إلى سبعة أضعافٍ قاصمةٍ للظهر ومُدمّرةٍ للاقتصاد. الصناعة المحلية، بذلك، فقدت شريان حياتها وأهم ميزةٍ تنافسيةٍ استراتيجية كانت ترتكز عليها وتُراهن عليها للنهوض والانطلاق.
*والأخطر من ذلك والأكثر إيلاماً أن استهداف مواقع الطاقة الكهرومائية في وحدات خزانات السودان لم يكن عبثياً ولا ارتجالياً، بل فتح الباب على مصراعيه أمام منافع ضخمةٍ وشراكات مشبوهةٍ وصفقاتٍ مُريبة بين قطاعات تجار الكيزان النافذين والشركات المصرية العاملة في مجال الطاقة الشمسية. فمع انهيار الشبكة القومية المدوّي وخروج السدود من الخدمة قسراً، تحوّل السوق السوداني إلى فريسةٍ سهلةٍ ومستباحة لمافيا الاستيراد المنظم والعابر للحدود. اليوم يشهد شارع شريان الشمال الحيوي والاستراتيجي تزاحماً خانقاً لآلاف الشاحنات العملاقة المحمّلة بما يختص بأجهزة وأنظمة وألواح الطاقة الشمسية القادمة من مصر، في مشهدٍ تجاريٍ محمومٍ ومسعورٍ يحمل في طياته صفقة القرن المشؤومة: تدمير المجاني النظيف والسيادي لبيع البديل المستورد والمُكلف. وهكذا أصبحت عتمة السودان المُتعمّدة والمُمنهجة هي النور الساطع الذي يُضيء خزائن شركاء الحرب وتجار الدماء.*
*المحور الثاني: الشلل التام والمُتعمد والمُبيّت للقاعدة الصناعية التحويلية* رصدت صور ما بعد القصف المُمنهج والوحشي نمطاً واضحاً ومتعمداً ومُوثقاً بالدليل القاطع في استهداف المناطق الصناعية الكبرى التي تُمثّل رئة الاقتصاد السوداني ومصنع أحلامه. الضربات الجوية لم تكتفِ بتدمير المخازن والمستودعات، بل ركّزت بمنهجيةٍ صارمةٍ وشيطانيةٍ ومدروسة على "نقاط الاختناق" القاتلة التي تستحيل معها إعادة التشغيل: معاصر الزيوت، محالج القطن، مصانع الغزل والنسيج، والغلايات البخارية العملاقة في المصانع الاستراتيجية التي تُعد عصب الإنتاج الوطني وركيزته.
في المناطق الصناعية الممتدة جنوب شارع الهواء وحتى منطقة الباقير الحيوية والاستراتيجية، تم تدمير خطوط الإنتاج بشكلٍ كاملٍ ووحشيٍ ومُتعمّدٍ لمئات المصانع التي كانت تستوعب الصناعات التحويلية للقطن والصمغ العربي والسمسم السوداني ذائع الصيت عالمياً. إن ترك المواد الخام الوفيرة دون قدرةٍ وطنيةٍ على التصنيع يجبر البلاد قسراً وإذلالاً وتركيعاً على تصديرها خاماً بأقل قيمةٍ مضافةٍ ممكنة وبأبخس الأثمان. وضرب الغلايات المركزية في مصنع سكر كنانة العملاق، قلعة الصناعة الغذائية، يعني أن البلاد تزرع القصب وتنتجه بوفرة، لكنها باتت عاجزةً تماماً ومُكبّلةً ومشلولةً عن تكريره، فعادت إلى مربع الاستيراد الكامل والاعتماد المُذل والمُهين والقاتل على الخارج.
*المحور الثالث: قطع الشرايين اللوجستية والتخزينية الحيوية بدمٍ باردٍ وإصرارٍ إجرامي* استهدف النمط العملياتي المُدمّر والمدروس ثلاثة مفاصل لوجستية تشكل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ووجوده وبقائه: 1. *تدميره المُمنهج*: قطع خط الإمداد الوحيد والشريان الاستراتيجي النابض بين مناطق الإنتاج الزراعي الخصبة في القضارف وميناء بورتسودان، وعزل سلاسل الإمداد الزراعي كلياً وبشكلٍ قاتل عن منفذ التصدير الوحيد، في خنقٍ اقتصاديٍ مُكتمل الأركان ومُحكم الحلقات. 2. *تدميرٌ شاملٌ ومُتسلسلٌ لمستودعات البترول الاستراتيجية*: لم يكتفِ القصف المُمنهج بضرب مستودعات الشجرة للبترول في الخرطوم وشلّها، بل امتد ليشمل إبادةً ممنهجةً لسعة التخزين القومية عبر استهدافٍ متزامنٍ ومُدمّرٍ لمستودعات البترول الضخمة في بورتسودان بمنطقة الكيلو 8 الواقعة في الحرم الآمن للميناء الاستراتيجي، ومستودعات البترول الحيوية في كنانة، ومستودعات كوستي التي تُغذي ولايات النيل الأبيض، ومستودعات الأبيض شريان كردفان الكبرى، وصولاً إلى مستودعات بابنوسة في عمق دارفور، وغيرها من نقاط التخزين السيادية. هذه الضربات المُركّزة حوّلت البلاد إلى صحراء قاحلة من الوقود، فشلّت حركة النقل الداخلي والزراعة الآلية في معظم ولايات البلاد، ورفعت تكلفة التشغيل إلى مستوياتٍ تعجيزيةٍ وفلكيةٍ ومستحيلةٍ لأي منشأةٍ صناعيةٍ أو زراعيةٍ نجت بأعجوبةٍ من القصف المباشر والهمجي. 3. *الضغط التشغيلي الخانق على الميناء*: إن رفع كلفة التصدير عبر الميناء الوطني دفع حركة السفن التجارية قسراً وإجباراً نحو موانئ بديلةٍ في الإقليم، ما يعني خنق المنفذ البحري الوحيد للبلاد ودفعه نحو الموت السريري والشلل التام.
*المحصلة الاستراتيجية للنمط العملياتي: اغتيال السيادة الاقتصادية مع سبق الإصرار والترصّد* تحليل الأهداف المُنتقاة بعنايةٍ فائقةٍ وخبثٍ استراتيجيٍ ودقةٍ استخباراتية يُظهر بوضوحٍ ساطعٍ كالشمس أنها لا تستهدف إحداث أضرارٍ عسكريةٍ جانبيةٍ أو تكتيكيةٍ عابرة، بل تسعى إلى إحداث تغييرٍ جذريٍ ودائمٍ ومُدمّر في طبيعة الاقتصاد السوداني وجوهره السيادي واقتلاعه من جذوره التاريخية: 1. *مائياً*: إلغاء القدرة التاريخية والسيادية للسودان على تخزين حصته المائية المصيرية، وتحويل نهر النيل العظيم من مصدرٍ للسيادة والكرامة والقرار إلى مجرد قناة تمريرٍ إقليميةٍ بلا حولٍ ولا قوةٍ ولا إرادة. 2. *طاقياً*: تدمير أرخص مصادر الطاقة وأكثرها استدامةً ونظافةً وسيادية، ورفع كلفة التصنيع المحلي إلى حدودٍ تجعله غير قادرٍ على المنافسة إقليمياً ودولياً، وقتله في مهده خنقاً. وفتح السوق قسراً وإجباراً لصالح بدائل الطاقة الشمسية المستوردة عبر شبكات المصالح المشتركة والمشبوهة بين تجار الكيزان والشركات المصرية، في أكبر عملية إحلال قسري للطاقة عرفها الإقليم في تاريخه الحديث. 3. *صناعياً*: حصر دور السودان المستقبلي قسراً وبالقوة الغاشمة في تصدير المواد الخام مُجرّدةً من أي قيمةٍ مضافة، من ذهبٍ يُستنزف من باطن الأرض، ومعادن استراتيجيةٍ تُنهب نهاراً جهاراً، وثرواتٍ حيوانيةٍ هائلةٍ تُصدّر حيّة، ومحاصيل زراعيةٍ وفيرةٍ كالقطن غير المحلوج والسمسم والصمغ العربي وغيرها، مع تكريس الاعتماد الكامل والمطلق والمُهين والمُذل على الاستيراد للسلع المصنعة والطاقة والدواء. تحويلٌ مُمنهجٌ ومُخططٌ لبلدٍ غنيٍ بموارده وثرواته إلى مُجرّد مخزنٍ إقليميٍ للمواد الأولية، يُفرّغ خيراته ليُعاد استيرادها مُصنّعةً بأضعاف أثمانها الفلكية.
هذا النمط المُمنهج والمُوثق أمريكياً بالصور والتوقيتات والخرائط والإحداثيات، حوّل البنية التحتية السيادية من أدواتٍ للنهضة والاستقلال والكرامة إلى نقاط ضعفٍ قاتلةٍ ومقتلٍ للوطن وخاصرته الرخوة، وربط الأمن الغذائي والمائي والصناعي للبلاد بشكلٍ وثيقٍ ومُذلٍ ومُهين بقراراتٍ وإراداتٍ خارجية، في ظل تواطؤٍ مُخزٍ ومُشين لقيادة تنظيم الكيزان التي ترى في خراب السودان وتمزيقه وتدميره ثمناً مقبولاً ورخيصاً وزهيداً للبقاء في السلطة المُغتصبة والمُلطخة بدماء الشعب.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة