|
|
|
Re: ذاكرة لا تغيب ...حكاية الامير يعقوب ... (Re: Yasir Elsharif)
|
Quote: سلام يا أستاذ علي محمد الخير
وشكرا
رحم الله الفقيد العزيز الأمير يعقوب وأحسن إليه. وجعل بركة فقده فيكم وفينا. |
وعليكم السلام اخى الفاضل / ياسر الشريف ولك الود كله بمرورك الكريم .. ونتوسع فى الدعاء لفقيدنا الغالى الامير يعقوب الحلو .. سائلين الله ان يسكنه اعلى الجنان المقالات بقلم اخونا محمد الطيب ازهر االله قلمه وهو من اصدقاء المرحوم يعقوب المقربين كما هو حال كل سودانيي بلجيكا .. المقال من ثلاثة اجزاء .. ساواصل انزال الجزئين الاخرين لك مره اخرى فائق التقدير
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: ذاكرة لا تغيب ...حكاية الامير يعقوب ... (Re: على محمد الخير)
|
( 2)
اطلاع الأمير الواسع كان يجعل كل من يجالسه يندهش من كثرة وتنوع معارفه، كان مطلعا على ضروب المعرفة الفكرية المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار (بالقدر نفسه)، مما أكسبه الاعتدال في مواقفه، فلم يُعرف عنه تطرف في موقف على الإطلاق، وهذا مكّنه من إجراء مقارنات ومقاربات حصيفة جعلته كيساً فطناً أمام السرديات المعلّبة والحكايات الشفاهية غير المسنودة بأسانيد مادية (وكان جرابَ شورى لكلِّ تائهٍ في أمرٍ خاصٍ أو عام، لا يدلك في مشورته إلا على ما هو صواب 'دائما يقوليك تعمل الصح").
فبقدر ما قرأ لماركس وسميث وميلتون وآخرين من اليمين حول العالم، وفي محيطنا المحلي والإقليمي أيضًاُ تجده ملمّاً بأفكار المودودي وسيد قطب وحسن البنا، وأعرف أنه يكن إعجاباً واحتراماً لشخصية حسن البنا وقد ذكر لماذا لكنني لا أستحضر الان ما قاله.
ومن جهة أخرى، يحدثك عن خلاصة قراءته المتعوب عليها، لأفكار عفلق وإدوارد سعيد ومالك بن نبي وغيرهم من مفكري اليمين واليسار البارزين.
وفي ثقافته الدينية والإسلامية كان يختصر خلاصته في عبارة جامعة (العدل والإحسان)، التي يرى أنها جوهر ما يدعو إليه الدين الحنيف، وكان يقول دائمًا إننا إذا صدقنا في العدل والإحسان قولاً وفعلاً كان كافياً،لنكون أشخاصاً صالحين يبنون أمما تقوم حياتها وحضارتها على المحبة وتحقق القيم الإنسانية .
كان الأمير كثير التلاوة، مواظباً على قراءة سورة الكهف كلَّ جمعة، و كلما تحدثتُ معه يوم الجمعة يحدثك بفرح غامر، عن معنى جديد أو لفتة مختلفة استنبطها خلال تلاوته لها.
كما كان كثير الاستشهاد بالآيات القرآنية التي تكفل للإنسان الحرية وتدعو إلى العدل والمساواة والمحبة بين الناس ونبذ البغضاء والتشاحن.
كان محباً وقارئاً متأمّلاً لراتب المهدي كل صباح منذ عقود طويلة، إذ كان يرى فيه فضائل واذكار قيمة كثيرة، وكان يدعو الناس لقراءتها قبل الحكم عليها.
وكان شديد الإعجاب بعبد الحميد كشك، ويستدل كثيراً بأحاديثه التي يأخذها من خطبه منذ زمن الكاسيت، وقال لي ذات مرة إنه استمع بتكرار لكل خطب كشك في سن مبكرة من عمره، وبالرغم من أن لديه ملاحظات وتحفظات على غلظته، فإنه كان معجباً بالخطاب القوي والبيان الواضح عند كشك حتى وإن اختلف في مضمونه.
لم تقتصر قراءته في السياسة على منصور خالد فحسب، بل كان ملمّاً إلمامًاً تامًّاً بالسياسة السودانية وخباياها، إذ قرأ لجلّ الساسة السودانيين تقريباً، لذا تجد آراءه الشخصية فيهم قاطعة وحاسمة لأنه يحررها بناءً على ما ورد في كتاباتهم ومذكراتهم او قصاصاتهم في وصفه لكتابات بعضهم الفقيرة، هذا بجانب (كسبهم البائس في الواقع الذي يحكي عن نفسه)!
تستغرب أن يبتعد أمثال الأمير يعقوب عن ضروب السياسة ويمارسها هواة لا يملكون الحبة من مطتلباتها، لكن الامير كان ينظر إلى السياسة كمسؤولية أخلاقية وهندسة دقيقة تحتاج إلى أدوات معرفية دقيقة حتى لا تتحول إلى (طق حنك) -تلحق المساكين الأبرياء أمات طه- وانت تعتقد انك تحسن عملاً.
وكانت الحرب الدائرة اليوم مثالاً حياً لفشل السياسين وعبث العسكر، ويصفها بالمشهد العبثي المجنون، وقد انعكست أضرار هذه الحرب المجنونة على صحته النفسية والجسدية في أواخر أيامه، إذ كان مرهف الإحساس بحق، شديد الحساسية تجاه أهله، وقد فقد أعزّة كثُر بسببها بصورة مباشرة وغير مباشرة. ظلّ يحمل همّهم ويشفق عليهم حتى اخر يوم من عمره وهو على فراش المرض.
لم يكن يتردد في ردّ الفشل السياسي في بلادنا إلى أن كثيراً من ساساتنا لا يقرأون التاريخ ولا السياسة ولا الفكر الإنساني المدوَّن في الكتب، مما يعميهم عن فهم تفاصيل الماضي وجغرافيا الحاضر، ويحول دون إعادة تشكيل الواقع على ضوء التجارب السابقة والتحولات الراهنة.
ورغم هذا الإلمام الواسع بالسياسة، فإنه لم يكن يحب الخوض فيها، ولا يتحدث عنها إلا مع خاصته أو في بعض التجمعات السودانية التي يقتصر حديثها على الشأن السياسي، فيضطر إلى المشاركة فيبهر الحضور بمداخلاته العميقة، *(واضعاً النقاط على الحروف)* فيما (يَخِتصِّمُونَ).
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: ذاكرة لا تغيب ...حكاية الامير يعقوب ... (Re: على محمد الخير)
|
(3)
الأمير (اضانه نضيفة)، كناية عن ذائقته الفنية العالية، فقد كان انتقائياً في عملية الاستماع، ولا يحب الأغاني إلا من أصوات أصحابها -سمح الغناء من خشم سيدو-. كان مولعاً بكرومة وبادي محمد الطيب والكابلي وعثمان حسين وإبراهيم عوض، وكانت له طقوسه الخاصة في الاستماع إليهم. وكان يحدثك عن أغنياتهم وشعرائها وملحنيها حديث العارف المحب. وكان عشقه الاكبر لشعراء الحقيبة، عمر البنا، أبو صلاح، عبدالرحمن الريح، عتيق وعبيد عبدالرحمن وغيرهم ممن أثروا الساحة الفنية وشكلوا الوجدان السوداني، وتجد في حديثه عن كل واحدٍ منهم الكثير من الجاذبية والعمق، وهذا لم يمنع اهتمامه بالشعر العربي القديم، من أبي نواس :
يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً
فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ
فَبِمَن يَلُوذُ وَيَستَجيرُ (المُجرِمُ)
كان يحب هذه الأبيات كثيراً وعند قراءتها كان يستبدل كلمة (المجرم) في عجز البيت الأخير بكلمة (الآثم)، ويقول إنها أنسب وألطف معنى.
الى الإمام علي بن أبي طالب:
كُنِ ابنَ مَن شئتَ واكتسِب أدبا يُغنيك محموده عن النَّسَبِ.
وكان يعتبر هذا البيت من ابلغ مافي الشعر من ادب وحكمة.
والمتنبي
ذو العقلِ يشقى في النعيم بعقلهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
يردده كلما استفزه موقفاً غير عقلاني، واحياناً يقول من عنده 'اصحاب العقول في راحة'.
وفي الادب الحديث كان مولعاً باشعار إيليا وحافظ وشوقي، ولاحقاً كان يتلذذ باشعار مظفر النواب والماغوط ونزار قباني، ويضحك ملء شدقيه مع أحمد فؤاد نجم.
كان معجباً جداً ببعض الشخصيات الوطنية السودانية، خاصة الإمام عبدالرحمن المهدي، كان يكن له إعجاباً ومحبةً خاصة، ويرى أنه لم يجد التوثيق الكافي لحياته وتأثيره الضخم في تاريخ السودان ومساره السياسي والاجتماعي والتعليمي والثقافي، وحتى المسار الاقتصادي كان له يد فيه. وهذا دفع الأمير إلى أن يطلب من *الاخ الموقر أبوطالب الحلو* أحد أقربائه المهتمين بالكتابة عن المهدية أن يوثق للإمام عبدالرحمن المهدي ليُعرّف الناس مناقبه الغائبة.
كلُّ من عرف الأمير يعقوب الحلو يدرك يقيناً أنّه إنسانٌ اجتمعت فيه أسمى الخصال، ومثقفٌ من الوزن الثقيل.
ومن غير الممكن عبر هذه المساحة البسيطة أن نُحيط ولو بالقليل مما كان يحمله بين الناس أدباً ومعرفةً وخلقاُ قويماً، حصيلةَ اطلاعٍ عميق وتجاربَ صاغت شخصيّته الفذّة.
والحديث عنه وعن مناقبه لا ينتهي، فهذه نافذة صغيرة نفتحها محبّةً ووفاءً له ولأهله ولكل من عرف فضله.
ونرجو لطفاً من كل من عرفه عن قرب أن يحدّثنا عنه ويضيف إلى سيرته العطرة ما يحمله من ذكريات ومواقف جميلة معه، فذكراه تُشجي الروح الْمَعْنَى.
ومؤلمٌ أننا نكتب عنه اليوم فتسبق كل جملةٍ كلمةُ (كان) بصيغة الماضي لا الحاضر. ولا نقول في ذلك إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى، (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (28) البقرة.
عزائنا أنّه انتقل إلى رحابٍ خيرٍ مما نحن فيه، إلى ربٍّ قديرٍ كريمٍ نثق بأن كرمه يفيض على أمثال الأمير يعقوب. وكما يُقال: (أقلام الحق على ألسنة الخلق)، وفي الحديث الشريف:(أنتم شهداء الله في الأرض)، ونحن نشهد له بحبّ الخير والصلاح ونقاء السريرة.
رحم الله أميرنا بقدر ما عاملنا بلطفٍ وحبٍّ وتقدير، وبقدر ما تعلّمنا منه من كريم السجايا ونبل المعاني.
محمد الطيب _ بروكسل
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: ذاكرة لا تغيب ...حكاية الامير يعقوب ... (Re: على محمد الخير)
|
اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لعبدك يعقوب وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عنْه وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِن دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِن أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِن زَوْجِهِ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ). (اللَّهمَّ اغْفِرْ لحيِّنا وميِّتِنا وشاهدنا وغائِبنا وصَغيرنا وَكبيرنا وذَكرِنا وأُنثانا اللَّهمَّ مَنْ أحييتَه مِنَّا فأحيِه علَى الإسلامِ ومن تَوَفَّيتَه مِنَّا فتَوفَّهُ علَى الإيمانِ اللَّهمَّ لا تحرمنا أجرَه ولا تُضلَّنا بعدَه).
| |

|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |