تركيا والسودان: حيادٌ محسوب وانتظارٌ لما بعد الحرب… وأين يقف الإسلاميون؟
في خريطةٍ إقليميةٍ تعجّ بالفاعلين الصاخبين، تبدو Turkey كأنها اختارت موقعاً مختلفاً في الحرب السودانية: حضورٌ بلا ضجيج، وتأثيرٌ بلا إعلان. هذا التموضع ليس ارتباكاً، بل أقرب إلى استراتيجية واعية تُوازن بين تجنّب الكلفة الآن وحجز موقعٍ متقدم في ترتيبات ما بعد الحرب. حيادٌ ليس سلبياً منذ اندلاع القتال، حرصت أنقرة على إبقاء قنواتها مفتوحة مع أطراف متعددة: المؤسسة العسكرية، بعض الفاعلين المدنيين، وشركاء إقليميين نافذين. هذا ما يمكن وصفه بـ“الحياد النشط”: لا اصطفاف علني، ولا انخراط مباشر، لكن حضور دبلوماسي مستمر يضمن عدم الخروج من المعادلة. مقارنةً بتجارب سابقة في الإقليم—حيث اختارت أنقرة التدخل الصريح—يبدو الدرس واضحاً: السودان أكثر تعقيداً، وتوازناته الإقليمية لا تسمح بمغامرة مكلفة. لذلك يفضّل صانع القرار التركي إدارة الملف بهدوء، وتفادي الاصطدام مع عواصم مؤثرة خصوصاً في ظل مرحلة تهدئة مع الخليج. الاقتصاد كمدخل للنفوذ إذا كان الصوت التركي منخفضاً سياسياً، فهو أعلى في حسابات الاقتصاد. السودان، بما يملكه من موارد وموقع على البحر الأحمر، يمثل فرصة استثمارية واستراتيجية لتركيا في مرحلة إعادة الإعمار. الرهان هنا ليس على من يكسب المعركة، بل على من سيحتاج إلى شريكٍ سريع الحركة بعد توقفها: في الموانئ، والزراعة، والبنية التحتية، والتعليم. بهذا المعنى، فإن الحضور التركي اليوم هو استثمار في الغد؛ انتظارٌ محسوب لساعةٍ تتطلب شركاتٍ، لا بيانات. الدبلوماسية بلا قيادة رغم دعمها العلني لوقف إطلاق النار والحل السياسي، لم تسعَ أنقرة إلى قيادة مبادرة كبرى، تاركة هذا الدور لعواصم أخرى. هذا الخيار يعكس إدراكاً بأن القيادة في هذه اللحظة مكلفة سياسياً، وأن الأفضل هو البقاء ضمن شبكة الوساطات، لا على رأسها. الإسلاميون السودانيون في تركيا: بين الماضي والاحتمال يطرح هذا التموضع سؤالاً موازياً: ما موقع الإسلاميين السودانيين الموجودين في تركيا من أي تسوية سياسية قادمة؟ الواقع هنا أكثر تعقيداً مما يبدو: 1) وجودٌ غير موحّد لا يوجد “مركز” واحد للإسلاميين السودانيين في تركيا. بل هناك:
أفراد وشخصيات أكاديمية وإعلامية
شبكات اجتماعية متفرقة
تيارات بمرجعيات مختلفة
هذا التشتت يجعل تأثيرهم السياسي المباشر محدوداً وغير منسّق. 2) هامش قانوني… بلا دور سياسي مباشر تركيا تستضيف عدداً من الشخصيات ذات الخلفيات الإسلامية لأسباب إنسانية/إجرائية، لكن ذلك لا يعني تبنّيها سياسياً. في السنوات الأخيرة، اتجهت أنقرة إلى تقليص مساحة العمل السياسي العابر للحدود على أراضيها، تماشياً مع سياسات إقليمية أكثر براغماتية. النتيجة: وجودٌ آمن نسبياً على المستوى الشخصي، لكن دون منصة سياسية فاعلة تُدار من الداخل التركي. 3) حسابات أنقرة في التسوية في أي تسوية سودانية مقبلة، ستحكم تركيا ثلاثة اعتبارات:
العلاقة مع السلطة القائمة أو التي ستنشأ في الخرطوم
التوازن مع شركاء إقليميين لا يفضلون صعود الإسلاميين
مصالحها الاقتصادية طويلة الأمد
بناءً على ذلك، من غير المرجّح أن تدفع أنقرة باتجاه تمكين الإسلاميين كتيار. الأرجح أنها ستتعامل معهم كجزء من مشهد أوسع إذا فُتح المجال، لا كحليف مركزي. 4) سيناريوهات الدور المحتمل
سيناريو الإدماج المحدود: مشاركة أفراد أو تيارات بصفات شخصية ضمن عملية سياسية أوسع، دون استعادة الهيمنة.
سيناريو التهميش المرحلي: استمرار الإقصاء الفعلي من مراكز القرار خلال الفترة الانتقالية، مع بقاء قنوات غير مباشرة.
سيناريو العودة المشروطة: في حال تغيّرت موازين القوى داخلياً، قد يظهر دورٌ أكبر، لكن بشروط داخلية وإقليمية صارمة.
بين الحاضر والغد المفارقة أن ضعف الصوت التركي الآن هو جزء من قوته لاحقاً. فأنقرة لا تحرق أوراقها، ولا تُستنزف في معركةٍ معقّدة، بل تُراكم علاقات وتنتظر لحظة إعادة البناء—حيث تتحول السياسة إلى عقود، والنفوذ إلى مشاريع. أما الإسلاميون السودانيون في تركيا، فهم اليوم في منطقة رمادية: لا نفوذ منظّم، ولا إقصاء كامل؛ حضورٌ فردي ينتظر ما ستفرزه الخرائط الجديدة في الداخل السوداني قبل أن يجد لنفسه موطئ قدم.
تركيا لا تلعب دور المتفرّج، لكنها أيضاً لا تتقدم إلى المسرح. إنها تدير حضورها كـ“مستثمر سياسي” يراهن على ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، لن تكون ورقة الإسلاميين محور سياستها، بل جزءاً من معادلة أوسع تُحدّدها توازنات السودان أولاً ثم حسابات الإقليم.
في النهاية، السؤال ليس أين تقف أنقرة اليوم، بل أين تريد أن تكون عندما يتوقف إطلاق النار—وهناك تحديداً تتضح ملامح الدور الحقيقي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة