في السياسة، نادراً ما تروى القصص كاملة. فالكثير من الأوراق تُترك تحت الطاولة، والقرارات المصيرية غالباً ما تُصنع في غرف بعيدة عن الأضواء. هنا يظل السؤال الأهم: ما الذي يجري حقًا خلف المشهد السوداني؟
الأيام الأخيرة شهدت زيارة لقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى الرياض، بدت في ظاهرها زيارة عادية ضمن إطار العلاقات الثنائية. لكنها سرعان ما فتحت باب التكهنات. فبعد إعلان توجهه إلى مسقط، بدأت الأسئلة تتكاثر حول مكانه الحقيقي، وذهبت بعض الأقاويل إلى القول إن موقعه لم يعد معروفاً بالضبط.
هذا الغموض خلق أرضاً خصبة للإشاعات. من أبرزها ما تردد عن زيارة سرية للإمارات، التقى خلالها البرهان بجهات لم تسم، ونوقش فيها اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار. بعض المعلومات غير المؤكدة تحدثت عن موافقة مبدئية، بينما أشارت أخرى إلى شروط إماراتية صعبة، منها إعادة انتشار الجيش وربما انسحابه من مناطق حساسة مثل النيل الأزرق.
في موازاة ذلك، راحت أحاديث أخرى تتحدث عن احتمال لقاء مباشر بين البرهان وقائد الدعم السريع حميدتي، في محاولة لإنهاء الحرب التي أكلت الأخضر واليابس.
على الأرض، حدثت تحركات لافتة، أبرزها وصول قوات تُعرف بقوات القائد "قبة" إلى الخرطوم وانتشارها في أم درمان. كثيرون فسّروا هذا الانتشار على أنه ترتيب أمني استباقي، تحسباً لأي تمرد من قوى ترفض التسوية، خصوصاً في الأوساط الإسلامية و ما يعرف بالقوات المشتركة.
لكن بين هذا وذاك، ظهر اسم لم نتوقعه. اسم الفريق منور عثمان نقد، الجنرال الذي خرج قبل سنوات في لحظة ثورية حاسمة ليقول ما لا يجرؤ غيره على البوح به داخل المؤسسة العسكرية: الجيش يحمي الوطن لا يحكمه، والاقتصاد ليس من شأن العسكر يوماً .
كان كلامه آنذاك صادماً بالقدر الذي جعله بطلاً عند قوى الثورة، التي رأت فيه الضابط المهني الذي يعرف حدود صلاحياته. لكن هذا الموقف كلفه منصبه، ثم اختفى عن الأنظار، وكأن أحداً أراد محوه من الذاكرة.
واليوم، يعود منور من جديد إلى التداول، لكن هذه المرة كمرشح محتمل لخلافة البرهان في قيادة الجيش، ضمن أي تسوية سياسية مقبلة. الفكرة ليست مؤكدة، لكن تداولها بحد ذاته يكشف حقيقة أعمق: الأزمة في السودان لم تعد مجرد حرب بين جيش وميليشيا، بل صارت بحثاً عن قيادة جديدة، وعن رؤية مختلفة لدور العسكر في الدولة.
في خضم هذا، يبدو التحالف القديم بين الجيش والإسلاميين وكأنه يتصدع. ليس بالضرورة لأن قيادة الجيش ترغب في ذلك، بل بفعل ضغوط خارجية متزايدة تضع خطوطاً حمراء أمام عودة الإسلاميين إلى مقدمة المشهد.
كل هذه الخيوط تتشابك: مفاوضات في السر، تحركات عسكرية في العلن، وجوه قديمة تتصدر المشهد من جديد. والشعب السوداني منهك، لا يملك رفاهية الانتظار أكثر.
ربما بعض هذه الروايات مبالغ فيه، لكن الأكيد أن شيئاً ما يتحضر خلف الستار… وما نراه على السطح ليس سوى جزء صغير من الحقيقة.
الأيام القادمة وحدها ستكشف الحقيقة. وخريف الغضب السوداني لم ينته بعد… لعله يخبئ في جعبته ربيعاً يتنفس فيه السودان وأهله الصعداء، بعد ليل طويل من الحكم العسكري والإسلامي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة