المكان الذي ينزح إليه السوداني، وذاك الذي يتشبث بالحلم بالعودة إليه، ليس سوى الوطن غير أن هذا الوطن ذاته يظل سؤالاً مفتوحاً أكثر من كونه حقيقة مستقرة: كيف يمكن الوصول إليه، وكيف يمكن استعادته، في ظل صورة متنازع عليها باستمرار بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر وبين الجار الشقيق الذي يتحول أحياناً إلى طرف في الخصومة الرمزية والسياسية؟
تتشكل من هذا التنازع سردية مركّبة لما يمكن تسميته بـ"الدرويش السوداني"؛ ذلك الكائن العالق بين التاريخ والهوية والسلطة، والذي يعيش صراعه الأعمق داخل بنية المجتمع نفسه. إنها سردية لا تتعلق فقط بالسياسة ، بل بسؤال الوجود من نحن في قلب هذا الاشتباك الطويل حول المعنى والانتماء؟ وهل يمثل الانتماء إلى العروبة امتيازاً رمزياً، أم أن رفض الزنوجة يُقدَّم كخروج من دائرة "التخلّف"، رغم أن كليهما لا يخلو من أزماته وتناقضاته الخاصة؟
في هذا السياق، يمتدّ المشهد التاريخي من ما قبل الدولة السنارية، مروراً بتجارب اللجوء وتكوّن أنماط المقاومة، ثم تشكّل فكرة الهوية الوطنية، وصولاً إلى الحرب الأهلية وتداعياتها الممتدة، وانتهاءً بأسئلة المستقبل المفتوح ماذا يمكن أن يكون عليه السودان غداً؟
هذه ليست مجرد وقائع متفرقة، بل بنية سردية يعرفها الجميع، غير أنها لم تُراجع بما يكفي من حيث محطاتها المفصلية، ولا من حيث المفارقات التي أنتجتها، أو حتى السخرية الكامنة في تفاصيلها ومن خلال هذا المسار، يبرز ما يمكن وصفه بأن "الترمومتر العالمي" يعيد وضع السودان في مواجهة مباشرة مع منظومة العولمة المعقّدة وآلياتها الاستعمارية الجديدة، بما يفرض على الفاعل السوداني إعادة تعريف موقعه بوصفه طرفاً في عالم لا يعترف بالهشاشة.
وعليه، يصبح الحديث عن "الكرامة السودانية" – بل الإنسانية في بعدها الأوسع – ليس خطاباً إنشائياً، بل ضرورة وجودية مرتبطة بقدرة هذا الإنسان على البقاء فاعلاً داخل التاريخ، لا مجرد موضوع له فخارج هذا الإطار يتعرض الإنسان السوداني لخطر التهميش بوصفه كائناً "عادياً" في عالم يزداد قسوة وتعقيداً
وفي هذا العمل، تتقدّم محاولة لقراءة جينالوجيا السلطة والمجتمع، لا بوصفها تأريخاً خطياً، بل كشبكة من التحولات المتداخلة بين الدولة والناس، وبين العنف والمعنى، وبين البناء والانهيار (جدل للنشر والتوزيع، عمّان، 2026).
ورغم تعدد زوايا النظر إلى إشكاليات بناء الدولة الحديثة، وما يرافقها من انسحاق الفرد والمجتمع أمام أنظمة فقدت شرعيتها أو تآكلت أدواتها، فإن الخيط التفسيري الأعمق يبدأ من لحظة مفصلية خديعة الطبقة الوسطى في صعودها تلك الطبقة التي وُلد صعودها في سياق تاريخي ملتبس، قبل أن تجد نفسها محاصرة بين استبداد سياسي مهيمن، وإهدار ممنهج لموارد الدولة، واستهانة برصيدها الرمزي، تحت شعارات كبرى تتراوح بين مقاومة الاستعمار ومواجهة "المؤامرات الكونية"
ومن هنا، لا يبدو السؤال متعلقاً بالماضي وحده، بل بقدرة هذا الكيان الاجتماعي والسياسي على إعادة إنتاج نفسه خارج دائرة الخداع التاريخي المتكرر.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة