ليس النقاش الدائر اليوم حول تسوية ما بعد الحرب في السودان مجرد حوار أكاديمي حول تقاسم السلطة، بل هو محاولة وجودية لرسم خريطة لدولة تآكلت معالمها تحت نيران المدفعية، وتفككت مؤسساتها في غضون أشهر المقترحات المطروحة حاليًا — والتي تتضمن مجلس سيادة بنسب تمثيلية، وحكومة تكنوقراط موسعة (29 وزيرًا)، ومجلسًا عسكريًا هجينًا، إلى جانب حصانات للقيادات العسكرية وتحويل حركات الكفاح المسلح إلى أحزاب سياسية — ليست مجرد ترتيبات مؤقتة، بل تعكس محاولة لانتزاع "سلام ضرورة" من أحضان حرب وجودية. لكن السؤال الأعمق: هل هذه الهندسة كافية لإنهاء الأزمة، أم أنها تعيد إنتاجها بصيغة أكثر تعقيدًا؟
أولاً: هندسة التوازن — استقرار مؤقت أم ترحيل منهجي للأزمة؟ الهيكل المقترح يبدو في ظاهره كـ "عقد اجتماعي مؤقت" ، هدفه الأساسي إيقاف النزيف الدموي وإعادة تثبيت حد أدنى من الاستقرار. لكن عند تفكيك مكوناته، تظهر إشكاليات بنيوية
1. الحكومة التنفيذية (29 وزيرًا): محاصصة أم كفاءة؟ التوسع العددي يعكس رغبة في استيعاب أكبر عدد ممكن من القوى السياسية والإقليمية، لكنه يحمل مخاطر واضحة
تحويل الحكومة إلى كعكة محاصصة بدلاً من كونها آلة إنجاز
إفراغ مفهوم "التكنوقراط" من مضمونه، إذ يصبح الوزير ممثلاً لحزبه أو منطقته أولاً، ثم للدولة ثانيًا
صعوبة اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة في ظل هذا العدد الكبير من الأطراف المتناقضة
هذه الحكومة قد تنجح في إدارة الاجتماعات، لكنها ستفشل حتمًا في إدارة الأزمات
2. المجلس العسكري الهجين: من يملك السيادة الفعلية؟ المجلس الهجين هو محاولة لردم الهوة بين المدنيين والعسكر، لكنه يترك سؤالاً معلقًا: من يمتلك القرار النهائي في لحظة الخلاف؟
إذا كان العسكر يمتكون حق الفيتو غير المعلن، فالمجلس مجرد واجهة
وإذا كان المدنيون يمتلكون الغالبية، فالعسكر لن يقبلوا بها
التجارب المقارنة (مثل السودان بعد 2019، أو مصر بعد 2013، أو باكستان في فترات متعددة) تظهر أن المجالس الهجينة غالبًا ما تنهار عند أول اختبار حقيقي للسيادة، ما لم يتم تحديد صلاحيات كل طرف بعناية شديدة وآليات فض نزاع واضحة
3. معضلة الحصانة: ثمن السلام مقابل العدالة منح الحصانات للقيادات العسكرية مقابل انسحابها من المشهد السياسي هو "ثمن باهظ" قد تقبله القوى البراغماتية لوقف الحرب، لكنه يصطدم مباشرة بمبادئ العدالة الانتقالية التي يطالب بها الشارع وضحايا الحرب. هنا تبرز الهوة الكلاسيكية بين
الواقعية السياسية: التي ترى أن دون حصانة لن توقع القيادات العسكرية على أي اتفاق
العدالة الأخلاقية: التي ترى أن تجاوز الانتهاكات يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ويضمن حروبًا مستقبلية
سيناريو محتمل: إذا تم تمرير الحصانات دون أي شكل من أشكال الجبر (تعويضات، كشف للحقيقة، اعتذار رسمي)، فستتحول التسوية إلى قنبلة موقوتة سينفجر الشارع ضدها لاحقًا
ثانيًا: تضارب الرؤى — صراع المشاريع وليس فقط الأطراف كما أوضحت نقاشات "كلوب هاوس" وغيرها من المنصات، السودان يقف اليوم أمام أربع رؤى متباينة، بل متصادمة، حول شكل التسوية المطلوبة
التيار الموقف الجوهري المخاطرة في التسوية الاشتراكيون الثوريون ترفض أي تسوية لا تعالج "بنية الدولة" الطبقية والاستغلالية تعتبر أي هيكل سياسي دون تفكيك النمط الاقتصادي مجرد "ترميم" لبيت آيل للسقوط الحزب الشيوعي وقوى يسارية يخشون من تكرار تجارب التسويات النخبوية التي تلتف على القواعد الشعبية يطالبون بمسار سياسي منظم يضمن جذرية التغيير، ويرون في التسوية الحالية "خديعة" الإسلاميون في حالة "إعادة تموضع" براغماتي، يراقبون المشهد ويستعدون للعودة بشكل مختلف يثيرون مخاوف الآخرين من تسلل نفوذهم عبر ثغرات التسوية، خاصة مع منح حصانات قد تطالهم الكتلة الديمقراطية والبراغماتيون تيار "وقف الحرب بأي ثمن"، ويرى في التسوية الهندسية طوق نجاة أخير خطرهم أنهم قد يقبلون باتفاق غير متوازن فقط لوقف إطلاق النار، مما يخلق سلامًا هشًا الاستنتاج الاستراتيجي: بدون بناء "كتلة حرجة" توافقية توازن بين هذه الرؤى، فإن أي اتفاق سيظل معلقًا في الفراغ، والأرجح أن يتم فرضه بالقوة الخارجية أكثر من كونه نتاج توافق داخلي.
ثالثًا: التحدي الوجودي — هل التاريخ يعيد نفسه؟ إن العبارة المفتاحية التي تكررت في نقاشاتكم — "المشكلة ليست في الحرب، بل في شكل الدولة" — يجب أن تُحوّل إلى سؤال تحليلي مركزي
هل ستكتفي التسوية بهيكلة السلطة (مجلس سيادة، 29 وزيرًا، حصانات) أم ستجيب على الأسئلة البنيوية الثلاثة الكبرى؟
سؤال الموارد: كيف ستُدار الثروة (الذهب، النفط، الأراضي الزراعية) في ظل غياب مؤسسات رقابية قوية؟ هل ستظل الموارد وقودًا للحرب أم تصبح أساسًا للسلام؟
سؤال الجيش: كيف يُعاد بناء المؤسسة العسكرية كجيش وطني واحد، بعيدًا عن الولاءات الشخصية والحزبية، وفي ظل وجود مليشيات مسلحة متعددة؟ هل سيتم دمج قوات الدعم السريع في الجيش، أم ستبقى كيانًا موازيًا؟
سؤال العدالة: كيف سيتم إنصاف الضحايا (مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين) دون تحويل العدالة إلى أداة انتقامية تنسف أي سلام؟
تحذير مقارن: تجارب كولومبيا (اتفاق 2016) ونيبال (اتفاق 2006) وجنوب أفريقيا (لجنة الحقيقة والمصالحة) تظهر أن التسوية الناجحة ليست فقط في توقيع الاتفاق، بل في آليات تنفيذه على مدى عقد كامل. السودان يفتقر حاليًا حتى إلى الحد الأدنى من هذه الآليات
رابعًا: خطر "السلام الفاشل" — لماذا قد تكون التسوية الناقصة أسوأ من استمرار الحرب؟ إحدى المفارقات التي تتجاهلها عادة النقاشات العاجلة: تسوية ناقصة قد تكون أسوأ من لا تسوية. لماذا؟
لأنها تجمّد الصراع بدلاً من حله، وتخلق سلامًا هشًا يمنع الانفجار الآن لكنه يضمن انفجارًا أكبر لاحقًا
لأنها تمنح شرعية دولية لترتيبات غير عادلة، مما يصعّب تغييرها لاحقًا
لأنها تهدئ الشارع مؤقتًا، مما يقلل الضغط الشعبي لتحقيق عدالة حقيقية، ثم تنفجر لاحقًا بعنف أكبر
في حالة السودان، تحويل حاملي السلاح إلى أحزاب سياسية دون استيعاب جذور المظالم التنموية (التهميش الإقليمي، نهب الموارد، غياب الخدمات) يعني ببساطة: عسكرة السياسة بدلاً من مدنية الدولة، وهو خط موارب نحو ديكتاتوريات عسكرية مقنعة بثياب مدنية
خاتمة: بين مطرقة الواقع وسندان التغيير إن هندسة المشهد السياسي السوداني بعد الحرب لا يمكن أن تكون مجرد توزيع مقاعد أو نسب تمثيلية. بل هي، في جوهرها، محاولة لصياغة "عقد تأسيسي جديد" يجيب على سؤال مركزي واحد: على أي أساس تُبنى شرعية الدولة في السودان الجديد؟
إذا لم تتضمن التسوية القادمة:
عدالة انتقالية حقيقية (تتجاوز الحصانة إلى جبر الضرر، كشف الحقيقة، ومحاسبة رمزية على الأقل).
آليات رقابة شعبية (لجان مستقلة، منظمات مجتمع مدني، شفافية في القرارات).
إعادة هيكلة اقتصادية تكسر احتكار النخبة للموارد
فإن هذه التسوية لن تكون أكثر من "استراحة محارب" تسبق جولة جديدة من الصراع، ربما أكثر دموية من سابقتها
سؤال النقاش المفتوح (مطوّر): إذا كانت هذه التسوية الهجينة تمثّل "أهون الشرور" المتاحة حاليًا لإيقاف نزيف الدم في السودان، فما هي الضمانات العملية التي يمكن أن يضعها المدنيون والقوى الإقليمية لضمان: عدم تحويل الحكومة التكنوقراطية إلى واجهة لسلطة عسكرية مقنعة منع إعادة إنتاج النظام القديم (التمييز، الفساد، المركزية) بأدوات جديدة ضمان أن تتحول حركات الكفاح المسلح إلى أحزاب سياسية حقيقية، وليس إلى مليشيات ببطاقات حزبية وهل يمكن أن يكون هناك مسار موازٍ لـ"بناء الدولة من الأسفل" (عبر لجان المقاومة، الإدارات الأهلية، المجالس المحلية) لا يعتمد فقط على التسوية النخبوية في القمة؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة