|
|
|
Re: مَلْحَمَة (الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَا� (Re: Abdalla Gaafar)
|
بسم الله الرحمن الرحيم
وطنٌ يُدفع إلى الهاوية بينما تتبدّل الروايات وتُطفأ الحقيقة رسائل في بريد الكل هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تحتاج إلى تحليل طويل، بل تحتاج إلى كلمة واحدة: (كفى) السودان اليوم يقف في قلب هذه اللحظة. بلدٌ يساق إلى الحرب كما تساق الذبيحة، بينما تتبدّل الروايات فوق رؤوس الناس كما تتبدّل الأقنعة في مسرحٍ رديء الإخراج. فالحرب في السودان لا تحتاج إلى تزيين لغوي أو روايات جديدة. لقد استُهلكت كل الشعارات، وتبدّدت كل الوعود، وسقطت كل الأقنعة. وما بقي أمام الناس اليوم هو حقيقة واحدة قاسية: هذه حرب لا تُخاض من أجلهم، ولا تُدار لحمايتهم، ولا تُبرَّر باسمهم، مهما حاول خطابها أن يقول غير ذلك. ففي هذا الزمن المعلّق بين دخان الحرب وغياب اليقين، يبدو السودان كأنه يقف على حافة مرآة مكسورة كل شظية تعكس وجهاً آخر للحقيقة، وكل رواية تقال تخفي وراءها رواية أخرى. لم تعد الحرب حدثاً عسكرياً فحسب، بل أصبحت لغة كاملة، تُكتب بيد السلطة، وتُروَّج بلسان الإعلام، وتُقرأ على أجساد المدنيين. وأصبح السودان وطنٌ يُعاد تأويله كل يوم منذ أن اشتعلت الشرارة الأولى، تغيّر خطاب الحرب كما تتغيّر الفصول: قيل إنها معركة قصيرة لحسم التمرد، ثم أصبحت حرباً لاسترداد الكرامة، ثم تحوّلت إلى مؤامرة خارجية تتربّص بالبلاد. لكن خلف كل هذه العناوين، ظلّ السؤال معلّقاً في الهواء: من يحمي الناس؟ ومن يكتب الحقيقة؟ ومن يملك حقّ تسمية الأشياء؟ يتغير الخطاب، لكن الدم لا يتغيّر، والنزوح لا يتغيّر، والخوف لا يتغيّر. الروايات وحدها كانت تتبدّل، كأنها تصاغ في غرفة مغلقة لا يدخلها ضوء الواقع. وأصبحت الرواية الرسمية مثل قماشٍ يعاد صبغه كلما بهت لونه بينما يبقى القماش نفسه ممزقاً. وفي خضم ذلك لم يعد الخلاف حول الجيش خلافاً سياسياً فقط، بل خلافاً حول معنى الانتماء. فالمؤسسة التي كان يُفترض أن تكون مظلة الوطن، أصبحت في نظر كثيرين ظلاً بعيداً، يظهر حين يشاء ويغيب حين يحتاجه الناس. الانسحابات المتكررة من المدن تركت خلفها أسئلة لا تنام: هل الجيش جيش الدولة أم جيش قيادته؟ هل حماية المدنيين واجب أم خيار؟ ولماذا يجد الناس أنفسهم دائماً في مواجهة الخطر وحدهم؟ إنها أسئلة لا تطرح في السياسة فقط، بل في البيوت، وفي المخيمات، وفي الطرقات التي عبرها النازحون واللاجئون حفاةً من كل شيء إلا من الذاكرة. فالبلاد اليوم تعيش واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية تعقيداً، ليس فقط بسبب الحرب الممتدة، بل بسبب تآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسة العسكرية. فمع كل عمل عسكري، تتجدد الأسئلة حول طبيعة الدور الذي يفترض أن يلعبه الجيش، وحول مدى التزامه بحماية المدنيين، وهي أسئلة لم تعد محصورة في النقاشات السياسية، بل أصبحت جزءاً من الوعي العام. ما عاد الناس يسألون عن التكتيك العسكري، بل عن معنى الحماية. كيف يمكن لمدينة أن تستيقظ على خبر انسحاب، ثم تُترك لقدرها؟ كيف يمكن لمؤسسة يُفترض أنها درع الوطن أن تترك المدنيين في مواجهة الخطر وحدهم؟ هذه ليست أسئلة سياسية، بل أسئلة نجاة. أسئلة يطرحها من حمل أطفاله في الليل، ومن ترك بيته بلا وداع، ومن رأى مدينته تُسلَّم للفراغ وأصبحت المليشيات ظلا للدولة حين غابت الدولة وكل هذه المليشيات لم تولد من فراغ. هي نتاج سنوات طويلة من تفكيك المؤسسات، ومن تحويل السلاح إلى لغة، ومن جعل الولاء الشخصي أعلى من الولاء للوطن. وما نراه اليوم هو حصاد ذلك المسار في بلدٌ تتنازعه القوى (جيش ومليشيات)، وشعبٌ يُسحق بينهما. فأصبح المدنيون رهينة لصراع لا علاقة له بحياتهم ولا بأحلامهم فالمدني هو الذي يخسر حياته وبيته، وعمله، ومدينته، وذكرياته. هو الذي يسمع البيانات العسكرية بينما يبحث عن ماء وخبز. هو الذي يُطلب منه أن يصبر، وأن يصدّق، وأن يتحمّل، بينما لا أحد يتحمّل عنه شيئاً. هو الذي يُترك في منتصف الطريق بين انسحاب هنا وتقدم هناك، كأن حياته فصل صغير في رواية كبيرة كتبها الآخرون بمداد دمه. في هذه الحرب، لا تُطلق الرصاصات نحو صدور المدنيين من البنادق وحدها، بل من الشاشات والأقلام أيضاً فالإعلام بكل أشكاله لم يكن مرآة للواقع، بل كان صانعاً له. فهو الذي ضخّ في الفضاء العام روايات متبدلة، وهو الذي رفع منسوب الغضب، وهو الذي جعل التخوين لغة يومية، وهو الذي حوّل الشائعة إلى حقيقة، والحقيقة إلى شائعة، صور تتكاثر، أخبار تتسابق، أصوات تتصارع، ووعيٌ يُستنزف تحت وطأة الإغراق المعلوماتي. لم يعد الناس يعرفون أين تبدأ الحقيقة وأين ينتهي الظل. جيوش من الشائعات، من التحريض، من التخوين، من الأخبار التي تُصنع كما تُصنع الذخيرة. أصبح إعلام مناصري الحرب سلاحاً. يطلق الوعي المزيّف. يُعيد تدوير الشعارات، يرفع منسوب الغضب، يهاجم كل من يطلب السلام، ويحوّل طلب إيقاف الحرب إلى خيانة، والخوف إلى ضعف، والاعتراض إلى جريمة. أما الحقيقة، فتُدفن تحت طبقات من النعيق. وتبقى الحقيقة الوحيدة التي لا يريد أحد قولها هي أن هذه الحرب ليست قدراً ولا بطولة. ولا معركة كرامة. هي نتيجة خيارات سياسية خاطئة، وإدارة عسكرية مرتبكة، وإعلام مضلّل ومؤسسات لم تعد ترى الناس إلا حين تحتاجهم. والأخطر من الحرب نفسها هو الإصرار على تزيينها، وعلى تقديمها كضرورة، وعلى مطالبة الناس بالصمت بينما تُنهك حياتهم. السودان اليوم يحتاج إلى غضبٍ واعٍ، لا إلى صمتٍ طويل. يحتاج إلى من يقول: إن حماية الناس ليست خياراً. وإن الروايات المتبدلة لا تصنع وطناً. وإن الإعلام الذي يضلّل أخطر من السلاح الذي يقتل. وإن الحرب التي لا تحمي المدنيين ليست حربهم، ولن تكون. رسائل في بريد الكل إلى الذين يمسكون بزمام الحرب (كفى) فالناس ليسوا وقوداً. ولا جداراً تعلَّق عليه الأخطاء. ولا جمهوراً يُطلب منه التصفيق بينما تتهاوى الأخلاق والأماكن لقد سمع الناس كل شيء لكنهم لم يروا شيئاً سوى الخراب. لم يعد في صدور الناس مكانٌ لوعود جديدة. لم يعد في أعينهم طاقة لرؤية شخص يقتل أو شخص يغتصب أو مدينة تُترك، أو حيّ يُفرَّغ، أو أسرة أخرى تُدفع إلى الطريق. لم يعد في قلوبهم مساحة لتصديق رواية تُعاد صياغتها كلما ضاق الموقف. الحرب ليست شعاراً يُرفع على منصة. الحرب حياة تُفقد، ومدن تُترك، ومجتمع يتآكل من الداخل. والسلطة التي لا ترى الناس إلا حين تحتاجهم، والتي لا تسمع أصواتهم إلا حين تريد منهم تأييداً، والتي لا تشعر بآلامهم إلا حين تتحول إلى أرقام… هذه سلطة فقدت بوصلتها الأخلاقية. لقد آن الوقت لقول الحقيقة لكم كما هي، لا كما تُريدون، ولا كما تُصيغون في البيانات، ولا كما تُعاودون تدويرها في الإعلام السودان الآن وطنٌ يختبر أخطر أنواع الهزيمة فالهزيمة الحقيقية هي أن يعتاد الناس الخراب، أن يعتادوا سفك الدماء، أن يعتادوا النزوح واللجوء، أن يعتادوا الأكاذيب، أن يعتادوا الفساد، أن يعتادوا الاحتفال بما لا يستحق الاحتفال. الهزيمة الحقيقية هي أن يصبح الوطن جرحًا ويصبح الجرح نشيدًا ويصبح النشيد كذبة ويصبح الكذب قدرًا. رضيتم أم أبيتم هذه الحرب ليست معركة كرامة. ولا معركة وجود. ولا معركة مؤامرة. كما تروجون الحرب في حقيقتها هي نتيجة سنوات من التراكم، من الفساد، من الصمت، من التبرير، من ترك السلاح يتكاثر، ومن ترك المليشيات تتوالد ومن ترك المؤسسات تتآكل، ومن ترك الحقيقة تُدفن تحت طبقات من الضجيج. ثم إلى الذين يقفون فوق رماد المدن كأنهم لا يرونه، إلى الأقلام الظالمة إلى الذين يكتبون بيانات تزيين الحرب بيدٍ لا ترتجف، إلى الذين يغيّرون الروايات كما تغير الحرباء لونها بسببكم صار الوطن ساحة رماد، وصار الناس وقوداً، وصارت الحقيقة طيراً مذعوراً يبحث عن شجرة لم تُحرق بعد. أنتم تتحدثون عن “الكرامة” بينما تُترك المدن بلا حارس، وتُترك البيوت بلا أبواب، ويُترك الناس في منتصف الطريق بين انسحابٍ وتقدّم، كأن حياتهم صفحة زائدة في دفتر الحرب. والأخطر من الحرب نفسها هو ما تكتبه أقلامكم لتزيينها، وتقديمها كواجب، ومطالبة الناس بأن يحترقوا. أنتم تتحدثون عن الخيانة بينما الخراب الذي يلتهم البلاد يحمل بصمات من خان الثورة ويحمل بصمات كتاباتكم قبل أي يد أخرى. أنتم تتحدثون عن “الصبر” وكأن الصبر لا يحتاج إلى أمان، وكأن الصبر لا يحتاج إلى خبز، وكأن الصبر لا يحتاج إلى وطنٍ يقف على قدميه. وتروجون بأن الحرب مؤامرة خارجية. رغم أن الحرب اشعلوها ونفذوها من في الداخل قبل الخارج. المؤامرة الحقيقية هي أن يُترك الشعب وحده، غائبا عن الوعي وأن يُطلب منه أن يصمت، وأن يُقال له إن الألم واجب، وإن الخوف قدر، وإن الحرب ضرورة. وأسوأ ما فيكم هو إصراركم على تبرير الحرب وتزينيها وتقديمها كقدرٍ مقدّس، ومطالبة الناس بأن يصفّقوا بينما تتساقط حياتهم قطعةً تلو أخرى … فبالله عليكم كفى ثم إلى الذين يبتلعون الخوف كل صباح، إلى الذين يحمّلون أطفالهم على أكتافهم ويهربون من مدينة إلى أخرى، ومن قرية إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى. إلى الذين ينتظرون خبراً يطمئنهم فلا يأتي أبدا. إلى الذين تعبوا حد الإغماء، إلى الذين يصدّقون الروايات لأنهم يريدون أن يصدّقوا شيئاً، إلى الذين يخافون من قول الحقيقة لأن الحقيقة أصبحت تُحاسَب هذه الحرب ليست حربكم. أنتم الذين تدفعون ثمنها، أنتم الذين تفقدون بيوتكم، أنتم الذين تُتركون في منتصف الطريق بين انسحابٍ وتقدم، أنتم الذين يُطلب منكم الصمت باسم الوطنية رغم أن الوطنية ليست صمتاً. ليست أن نُدفن تحت الروايات، ليست أن نُخَوَّن حين نطلب السلام وليست أن نُحمَّل مسؤولية حرب لم نخترها. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن الخوف حكمة وأن الاعتراض خيانة. وأن الحرب قدركم. فالوطن ليس ما يُقال لكم، الوطن ما تشعرون به حين تُغلق الأبواب، حين تبحثون عن الأمان، حين تحملون أطفالكم في الليل، حين تفقدون ما لا يُعوَّض. المجتمع الذي يصمت خوفاً، يستيقظ يوماً ما ليجد أن الخوف أصبح قانوناً. والمجتمع الذي يترك الحقيقة تُدفن، يجد نفسه يعيش في ظلام طويل فلا تسمحوا لأحدٍ أن يتحدث عن الحقيقة نيابة عنكم. الحقيقة التي تقال بالنيابة عنكم، تتحول إلى جرحٍ لا يندمل. فاتخذوا من صوتكم منابرا لأن الصمت يُميت الجميع هذه الحرب ستنتهي يوماً ما وسيكون السؤال: من سيبقى ليحكي ما حدث؟ ومن سيملك الشجاعة ليقول إن الصمت كان خطيئة، وإن الكلام كان واجباً؟ والسودان لن يُبنى إلا حين تُقال الحقيقة كاملة، بلا خوف، بلا تجميل، وبلا انتظار. الوطن لا يُبنى بالصمت. الوطن يُبنى بالوعي، بالسؤال، بالمطالبة بالحق، برفض أن تكونوا مجرد ظلال في رواية لا تعرفون من يكتب نصّها والصوت ليس فوضى. الصوت حياة أنتم لستم سبب الخراب. لستم من صنع المليشيات. لستم من ترك المدن بلا حماية. لستم من بدّل الروايات كلما ضاق الموقف ولستم أرقاماً في نشرات المساء. أنتم الضحايا، لا الفاعلون. أنتم الذين دفعوا الثمن، لا الذين قرروا الثمن. فحين تسقط المؤسسات، وحين تتشقق الدولة، وحين تتبدل الخطابات، يبقى المجتمع هو الجدار الآمن. جدارٌ من التضامن، من الوعي، من الرفض، من القدرة على قول (كفى) وأخيرا إلى الذين يحملون الغد في أيديهم، إلى أنبياء الحلم وصناع الحياة، إلى الذين لم تُفسد أرواحهم الحرب، إلى الذين ما زال في صدورهم ضوءٌ رغم كل هذا الظلام، الذين يمشون فوق الركام ولا يزالون يحلمون إلى الديسمبريين، الحرب ليست قدركم. الحرب ليست هويتكم. الحرب ليست ما سيُعرّفكم حين تكتب الأجيال القادمة تاريخها. أنتم لستم امتداداً للخراب، أنتم امتدادٌ لما يمكن أن يكون، لما يمكن أن يُبنى، لما يمكن أن ينهض من تحت الرماد. أنتم الجيل الذي لم يُستشر، لكنكم الجيل الذي سيُحاسَب على ما لم يصنعه. وهذا وحده يكفي لتعرفوا أن دوركم ليس الصمت، بل الوعي. ليس مطلوباً منكم أن تحملوا البنادق، ولا أن تدخلوا في صدام مع أحد. المطلوب شيء واحد هو أن تفهموا. أن تفهموا من قرر، من خطط، من نفذ، من استفاد، من خسر، ومن ترك في العراء. أن تفهموا أن الروايات تتبدّل، لكن الحقيقة لا تتبدّل. أن تفهموا أن الشعارات تُرفع، لكن حياة الناس هي المعيار الوحيد. أنتم تفهمون أكثر مما يظن الجميع. أنتم ترون ما لا يراه الآخرون. أنتم تشعرون بما لا يشعر الآخرون وأنتم من تعرفون أن الوطن ليس بياناً، بل مستقبل. أنتم الجدار الأخير. جدارٌ من الوعي، من الأسئلة، من الرفض، من القدرة على قول اللا أنتم جيل إعادة المعنى وجيل إعادة تعريف الوطن أنتم من يستطيع أن يقول للآخرين (كفى) ما الذي يبقى بعد كل هذا؟ يبقى سؤال واحد، يطارد الكل ليل نهار: كيف يمكن لبلدٍ أنهكته الحرب، وأربكه الإعلام، وخذلته مؤسساته، أن يجد طريقه إلى السلام؟ الجواب ليس في البنادق، ولا في البيانات، ولا في الروايات المبتذلة، بل في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والشعب، وفي إعادة تعريف الجيش بوصفه حارساً لا خصماً، وفي إعلامٍ لا يبيع الوهم، وفي وعيٍ لا يُخدع بسهولة، وفي سلامٍ لا يُفرض من فوق، بل يُبنى من تحت، من قلوب الناس التي تعبت من الفقد والنزيف
عبد الله جعفر الرياض ابريل 2026
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: مَلْحَمَة (الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَا� (Re: Abdalla Gaafar)
|
كيف يمكن استعادة الوعي في بلدٍ يريد له الكيزان أن ينسى نفسه؟ (البلبسة أو حين يصبح العقل آخر ضحايا الحرب) هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكون الخطر فيها في الرصاص ولا في المدافع، بل في العقول التي يعاد صياغتها. والسودان اليوم يعيش أخطر هذه اللحظات: لحظة يصبح فيها الخراب إنجازًا والانسحاب تكتيكًا وعبور جسر في الخرطوم فتحًا يستحق الهتاف. في لحظات الانهيار الوطني الكبرى، لا تكون المعركة الحقيقية على الأرض فقط، بل على العقل. فالحروب لا تخاض بالسلاح وحده، بل بالدعاية التي تعيد تشكيل الوعي، وتعيد تعريف الهزيمة كنصر، والكارثة كإنجاز، والخراب كضرورة. وما يعيشه السودان اليوم مثال صارخ على هذا التحول الخطير. ما يؤلم السودانيين اليوم ليس فقط الحرب، بل الهوة بين تاريخهم وواقعهم. بلدٌ كان يضرب به المثل في الوعي السياسي، أصبح اليوم ممزقًا بين دعايات متصارعة، وكل طرف يصنع جمهوره الخاص، ويعيد تعريف الوطنية وفق مصالحه. ما يحدث في السودان اليوم ليس حربًا فقط. إنه اغتيالٌ جماعي للوعي، ترتكب جريمته على الهواء مباشرة، وتبث على مواقع التواصل والشاشات، ومنابر النقاش ويطلب من الناس أن يصفقوا للجثة وهي تغسَّل. السوداني الذي كان يومًا يقف في وجه الديكتاتور أعزلًا، أصبح اليوم تحت ضغط الدعاية يصفق لعبور جسر، ويحتفل باستعادة شارع، ويعتبر الخراب تكتيكًا، ويقنع نفسه أن الهزيمة نصر مؤجل. هذه ليست صدفة. هذه هندسة نفسية كاملة. فدعاية الحرب التي قادها الكيزان لا تهدف إلى الإقناع فقط، بل إلى إلغاء القدرة على المقارنة. فحين تنهك الحرب الناس، يصبح أي خبر جيد ولو كان عبور شارع مادة للاحتفال هذه ليست ظاهرة سودانية خالصة، إنها سمة كل الحروب الطويلة. لكن في السودان، أخذت شكلًا أكثر قسوة، لأن الدعاية لم تكتفِ بتجميل الواقع، بل صنعت قطيعًا سياسيًا من البلابسة يرى في كل ما يُقال له حقيقة مطلقة، وفي كل نقد خيانة. الدعاية الكيزانية للحرب لا تأتيك بوجهٍ قبيح. تأتيك بوجهٍ يشبهك. تأتيك بصوتٍ يشبه صوتك. تأتيك بعباراتٍ تحفظها منذ الطفولة. تأتيك بوعودٍ تشبه أحلامك القديمة. ثم تبدأ في العمل، تقصّ أجنحة عقلك، وتطفئ مصابيح ذاكرتك، وتعيد ترتيب الخراب في داخلك حتى يبدو منطقيًا، وتعيد تشكيل الألم حتى يبدو واجبًا” وتعيد تعريف الهزيمة حتى تبدو فتحًا وحين تكتمل العملية، تصبح أنت دون أن تدري جنديا في جيش البلابسة. تبدأ رحلة البلبسة بمرحلة التفرج. ثم يتحول المتفرج إلى مُصفّق، ثم إلى مُبرّر، ثم إلى مُنظّر، ثم إلى جزء من ماكينة الدعاية نفسها. وفي هذه الرحلة يصبح القتل ضرورة، ويصبح النزوح تفصيلًا ويصبح الخراب ثمنًا مقبولًا ويصبح الجيش الذي كان يومًا من أقوى جيوش إفريقيا موضوعًا للاحتفال حين يستعيد شارعًا أو مبنى أو قرية نائية الخطر الأكبر ليس في الكذب، بل في تحول الكذب إلى هوية سياسية وحين حدث ذلك، أصبح البلبوس مستعدًا للدفاع عن الرواية، حتى لو كان يعلم أنها غير صحيحة. أصبح مستعدًا لتبرير الجرائم، وتجميل الهزائم، ومهاجمة كل من يرفض التصفيق. الخطر ليس في أن يصدق الناس رواية مضللة، بل في أن يتحولوا إلى قطيع في خدمة هذه الرواية. أن يدافعوا عنها، ويهاجموا من يشكك فيها، ويعتبروا النقد خيانة. هنا تتجلى أخطر مراحل الدعاية الكيزانية حين يصبح الكذب هوية، ويصبح التصفيق واجبًا، ويصبح العقل عبئًا يجب التخلص منه. البلبسة في الحرب لا تقتل الناس فقط، بل تقتل قدرتهم على التفكير. تقتل قدرتهم على رؤية الصورة كاملة. تقتل قدرتهم على السؤال. وحين يموت السؤال، يولد القطيع. قطيع يصفق. قطيع يهتف. قطيع يبرر. قطيع يحتفل بما لا يستحق الاحتفال. قطيع يرى الخراب ولا يرى نفسه. فالقطيع يُصنع. حين يُقال لك كل يوم لا تفكر… نحن نفكر عنك، لا تسأل… الأسئلة خيانة، لا ترى… الرؤية تضعف الإيمان، لا تقارن… المقارنة تضعف الروح وحين تُصدّق، تبدأ رحلتك من إنسانٍ كامل إلى متفرج، ثم إلى مُصفّق، ثم إلى مُبرّر، ثم إلى بوق، ثم إلى ظلٍّ لا يعرف أين يقف ولا لماذا يقف. الدعاية الكيزانية في السودان لا تحاول إقناعك. هي لا تحتاج إلى ذلك أصلًا. هي تعمل على شيء آخر تمامًا تخديرك، إرهاقك، إغراقك في التفاصيل الصغيرة، منعك من رؤية الصورة الكبيرة، ما يحدث اليوم هو أن الكيزان يحاولن إقناع السوداني بأن الخراب بطولة والنزوح تضحية والجوع صمود واستمرار الحرب كرامة والاحتفال بالفتات وطنية وهذا أخطر من الحرب نفسها. لأن الحرب تقتل الجسد… لكن هذا النوع من الدعاية تقتل الروح. وحين تُنهك، تصبح مستعدًا لتصديق أي شيء. تصبح مستعدًا للاحتفال بأي شيء. تصبح مستعدًا للدفاع عن أي شيء.حتى لو كان هذا الشيء هو هزيمتك أنت. حين يحتفل الناس بعبور جسر، فهذه ليست مشكلة سياسية. هذه علامة انهيار وعي حين يصبح استعادة قرية نائية في ربوع السودان (فتحًا)، فهذه ليست دعاية عابرة. هذه إعادة برمجة كاملة للعقل حين يصبح الخراب (ضرورة)، فهذه ليست رواية رسمية. هذه عملية تطبيع للهزيمة وحين يصبح السؤال (خيانة)، فهذه ليست حالة استقطاب. هذه ولادة القطيع ليس السؤال: لماذا أصبح الناس قطيعًا؟ بل السؤال: كيف يمكن استعادة الوعي في بلدٍ يريد له الكيزان أن ينسى نفسه؟ استعادة الوعي لا يأتي بالدعاية المضادة، بل بالصدق وبكشف آليات التلاعب وبإعادة تعريف الكرامة والمواطنة بعيدًا عن الحرب وبخطاب يرفض تحويل الناس إلى أدوات ومن قبل ذلك محاسبة الذين قادوا هذه الدعاية الكيزانية بأقلام ضالة وأصوات ناعقة ودعم من مال حرام فهذه الحرب لم تُخض بالسلاح وحده، بل بجيوش من الأصوات والأقلام التي تمّ دفعها إلى الساحة لتبرير كل شيء. أصواتٌ تكتب وتصرخ وتهاجم وتخوّن، وتُستخدم كأدوات لإشعال الحرب وإسكات كل من يرفع شعار السلام. هؤلاء لم يكونوا مجرد مؤيدين، بل جزءاً من ماكينة الحرب: يبرّرون، يلمّعون، يشيطنون، ويحوّلون القتل إلى بطولة، والاعتراض إلى خيانة. إن تجاوز آثار الحرب يتطلب إعادة النظر في البنية الإعلامية نفسها، عبر تعزيز استقلالية المؤسسات، وترسيخ معايير المهنية، وتطوير آليات للتحقق من المعلومات، إضافة إلى بناء وعي مجتمعي قادر على مقاومة الخطابات التحريضية. فالإعلام، في نهاية المطاف، يمكن أن يكون أداة لإعادة إنتاج الصراع، كما يمكن أن يكون رافعة للسلام إذا توفرت له البيئة المهنية والأخلاقية المناسبة. فما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد حرب، بل معركة على الوعي. وما لم يستعد السودانيون قدرتهم على التفكير الحر، سيظل قطيع البلابسة يكبر، وستظل الدعاية تنتصر، حتى لو خسر الجميع. السودان اليوم يخسر وعيًا. والوعي حين يهزم، لا تعيده الجيوش ولا تعيده البنادق. تعيده الحقيقة… مهما كانت قاسية.
عبد الله جعفر الرياض 25 ابريل 2026
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: مَلْحَمَة (الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَا� (Re: Abdalla Gaafar)
|
سلام أخوى عبدالله
كلمات تنشر الحقيقة التى يحاول جنرالات الحرب وهتيفتهم
إخفاء نورها فى سيل الأكاذيب والخراب وضياع
الوطن ومستقبل الأجيال مقابل مايكتنزونه من أموال
مغموسة فى دماء ودموع الشعب المغلوب
الشعب الذى تركه الجنرالات وقوداً للحرب
وتخلوا عن واجبهم فى حمايته
ونرجو من الله أن يفرج كربتنا
تحياتى
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: مَلْحَمَة (الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَا� (Re: مهيرة)
|
العزيزة مهيرة شكرا على الحضور والتعليق فعلا مهما فعلوا ستخرج الحقيقة وحدها، عاريةً تتعثّر بين الركام لتبحث عن منبرٍ لا يشترى بلغة ضالة أو مال حرام ونسأل الله، في هذا الليل الطويل، أن يرفع البلاء عن شعبٍ لم يطلب سوى حياةٍ كريمة، وأن يعيد للوطن اسمه، وللناس حقّهم في الأمان، وللأجيال مستقبلاً لا يُكتب بالحرب. تحياتي وتقديري
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: مَلْحَمَة (الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَا� (Re: Abdalla Gaafar)
|
حين ضرب الكيزان للناس أمثالا صنعت بالدم
هناك شعوبٌ تخضعها القوة وشعوبٌ تخضعها الدعاية وشعوبٌ تخضعها الحاجة. لكن السودان كان حالة مختلفة شعبٌ حاولت سلطة الكيزان إخضاعه عبر الأمثال. أمثال تُصنع بالدم، وتدار بالإعلام، وتفرض بالخوف، وتعاد صياغتها كلما احتاجت السلطة إلى تذكير الناس بمن يحكم ومن يُحكم. هذه الأمثال لم تكن رسائل تربوية، بل كانت آليات حكم ولم تكن أحداثاً عابرة فقط، بل كانت سياسة دولة. هذا النمط ليس خاصاً بالسودان وحده، بل يظهر في العديد من الأنظمة السلطوية. إلا أن خصوصية الحالة السودانية تكمن في تراكم الأمثال وتنوعها واتساع نطاقها الجغرافي والاجتماعي وارتباطها بحروب داخلية ممتدة. في تاريخ الشعب السوداني لحظات لم تكتب بل حفرت لحظات تحولت فيها الأحداث إلى أمثال سياسية ضربت للناس لا لتعليمهم الحكمة بل لتذكيرهم بحدود الخوف. والسودان خلال العقود الماضية كان مسرحاً لمثل هذه الأمثال التي صيغت بالقمع وبالدم وبالإعلام وبالاستقطاب حتى أصبح المواطن يعيش داخل معادلة واحدة (إما الخضوع أو الفوضى الشاملة) بهدف جعل المجتمع أكثر استعداداً لقبول الاستقرار القسري هذه الأمثال لم تكن نظريات بل وقائع متتابعة وكل واحدة منها تحمل رسالة واضحة مفادها أن السلطة لا تُنازع وأن الاعتراض ثمنه باهظ جدا فمنذ سنوات حكم الإنقاذ الأولى كان القمع هو اللغة الرسمية. إعدامات، تشريد، اعتقالات، بيوت أشباح، وملاحقات فكانت تلك الأمثلة تقدم للشعب كأنها دروس في الطاعة (هذا هو مصير من يفكر خارج السرب) دارفور كانت المثال الأوضح عنف واسع، تهجير، حرق قرى، وانهيار كامل للمعنى الإنساني حينها فهم العالم ما حدث في دارفور لكن الداخل ظل يتعامل معه كأنه حدث بعيد لا يخصه رغم أنه كان جرس إنذار مبكر لما سيأتي لاحقاً. فدارفور لم تكن مجرد مأساة بل كانت نموذجاً أرادت السلطة أن تعممه مفاده أن الدولة قادرة على الذهاب إلى أقصى درجات العنف دون أن يرف لها جفن. وأن المجتمع يمكن أن يصمت حتى على ما لا يُصمت عليه. ثم جاءت مجازر الطلاب والشباب في المعسكرات والمظاهرات، لتؤكد أن العنف لم يكن استثناءً بل جزءاً من بنية الحكم ثم اندلعت الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وهي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية. كانت بحسب قراءة كثيرين مثالاً جديداً يُضرب للشعب مفاده أن الأمن يمكن أن ينهار في لحظة وأن المدن يمكن أن تُترك بلا حماية وأن المدنيين يمكن أن يصبحوا وقوداً لصراع لا يملكون فيه قراراً. استُبيحت الخرطوم وفُتحت السجون وانهارت الخدمات وتحول الناس إلى فريسة بين قوتين. ثم جاءت ولاية الجزيرة كنموذج إيضاحي حيث تداخل الانسحاب والاستباحة والعودة في مشهد واحد ترك الناس أمام سؤال واحد (من يحمي من؟) وكان الهدف واضحا وهو إظهار أن المواطن يمكن أن يُترك وحيداً في أي لحظة وأن حياته يمكن أن تتحول إلى ورقة في لعبة أكبر منه. وتعتبر ولاية الجزيرة مثالاً تحليلياً مهماً لفهم كيفية استخدام مناطق كاملة كنماذج ردعية. فقد تداخلت فيها الانسحابات المفاجئة والانهيار الأمني والاستباحة ثم العودة العسكرية وهذا التتابع خلق نموذجاً إيضاحياً يعكس هشاشة الوضع المدني ويعيد إنتاج رسالة السلطة بأن الأمن ليس حقاً بل امتيازاً تمنحه السلطة أو تسحبه. واستمرت الحرب والتي كانت المثال الأخير الذي أراد به الكيزان إنهاء النقاش وإخضاع الناس من خلال تطبيع العنف وخفض سقف الإنسانية وتقسيم المجتمع وصناعة خوف يجعل الناس يقبلون بأي سلطة تعدهم بالأمان وتحويل المواطن إلى متلقٍ عاجز أمام مشاهد الخراب واستخدموا في ذلك جيوشا من الأقلام الضالة والأصوات الناعقة كركيزة أساسية في استراتيجية السيطرة لإعادة تشكيل وعي الناس ودفعهم إلى قبول ما لا يُقبل. ولم يكن الإعلام مجرد ناقل للأحداث بل كان أداة لإعادة تفسيرها فخلف كل جريمة كان هناك من يبرر وخلف كل انسحاب كان هناك من يفسر وخلف كل إذلال كان هناك من يشرعن. كان الإعلام يعاد تشغيله مع كل أزمة ومع كل عملية عسكرية أو سياسية فأصبح جزء من ماكينة الحرب. لتبرير كل شيء القتل، الانسحاب، الفوضى، الإذلال، الاستقطاب، التخوين ورغم كل ذلك اتضح للناس أن الحرب بين القوات النظامية والدعم السريع لم تكن مجرد صراع عسكري. بل كانت محاولة لإعادة فرض المعادلة القديمة (إما نحن… أو الفوضى الشاملة.) لكن ما حدث كان عكس ما أرادوا. فقد رأى الناس بأعينهم انهيار الدولة وغياب الحماية واستباحة المدن والقرى وانكشاف المدنيين وتفكك المؤسسات وتحوّل الوطن إلى ساحة مفتوحة للفوضى والقتل والاغتصاب والظلم واتضح للسودانيين أن الأمثال التي ضربت لهم ليست مجرد أحداث بل أدوات هدفت إلى إعادة تشكيل المجتمع لكن هذه الأدوات فقدت فعاليتها عندما تجاوزت قدرتها على الإقناع وعندما أصبح الواقع نفسه دليلاً على فشل السردية الرسمية. ولم يعد بالإمكان إقناع الناس بأن السلطة هي الضامن الوحيد للأمان. فالأمان نفسه انهار تحت أقدام الجميع. ما لم يدركه الكيزان بعد هو أن الشعب السوداني قد تغير وان تغيره لم يكن بسبب وعي هبط عليه فجأة بل لأن التجربة صارت أعمق من كل دعاية وأقسى من أن تُغطّى بشعار أو تُبرر بخطاب وأن الخراب الذي عمّ البلاد لم يعد ممكناً نسبه إلى الآخر والناس اكتشفوا أن الخوف لا يحمي أحداً وأن الصمت لا ينقذ أحداً وأن الدم حين يصبح مثلاً يُضرب لا يُنسى. الشعب السوداني قبل الحرب ليس هو الشعب الذي عاشها ولن يكون هو الشعب الذي سيخرج بعدها. هذا شعب رأى الاغتصاب والقتل والذبح على اللون والهوية وذاق مرارة النزوح واللجوء وحمل في قلبه غبن التجربة لا روايات الإعلام المضللة. . شعب عاش الحرب بكل ما فيها من قسوة، وخرج منها بوعي لا يمكن التلاعب به ولا يمكن إعادته إلى ما قبل الصدمة. فالتجربة التي عاشها السودانيون خلال السنوات الأخيرة لم تكن مجرد أزمة سياسية أو صراع على السلطة، بل كانت زلزالاً اجتماعياً ونفسياً وأخلاقياً أعاد تشكيل الوعي الجمعي من جذوره. هذا التحول لم يأتِ نتيجة خطاب سياسي جديد ولا بسبب حملات توعية بل لأن التجربة نفسها أصبحت أكبر من الدعاية وأقسى من أن تُختزل في روايات جاهزة. ولذلك، لم يعد مقبولاً أن يتحدث الكيزان باسم الشعب أو أن يدّعوا تمثيله أو أن يعيدوا إنتاج خطاب قديم لم يعد يجد مكاناً في واقع جديد. فالسودانيون جرّبوا، ورأوا، وعرفوا من كان سبب الخراب ومن جعل الوطن ساحة مفتوحة للدم ومن حاول أن يختبئ خلف الشعارات بينما كانت البلاد تتهاوى. إن ما حدث في السودان ليس مجرد حرب، بل تحوّل تاريخي في الوعي الجمعي. والشعب الذي عاش التجربة هو وحده من يملك الحق في تحديد مستقبله وهو أيضا من سيقتلع الذين كانوا سبب الحرب والخراب من الجذور كما عرّف محمود محمد طه عن حتمية التغيير حين تنضج شروطه. إن السودان اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة، مرحلة لا يمكن أن تُدار بذات الأدوات القديمة، ولا بذات الخطاب الذي سقط أمام امتحان الواقع. فالشعب تغيّر والوعي تغيّر والتجربة صنعت شعبا لا يقبل العودة إلى الوراء. ومن لا يدرك هذا التحوّل العميق، سيجد نفسه خارج التاريخ ومن لا يفهم ذلك، لا يفهم السودان الجديد الذي يولد من تحت الركام.
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: مَلْحَمَة (الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَا� (Re: Abdalla Gaafar)
|
بالله عليكم الله شوفوا عظمة شاعرية الود دا! "يَجْمَعُنَا اِقْتِسَامُ الْخُبْزِ وَالْآلَاَمِ سِرًّا، وَالْبُكَاءُ عَلَى رَصيفِ الْوَقْتِ فِي تَعَبِ الرَّحِيلِ أَو الْمَجِيء الْحَقُّ كَنَّا طَيِّبَيْنَ وَحَالِمِينَ ولَم نكُنْ نَدْرِي، بأَنّ الْأَرَضَ يَوْمًا مَا سَتَغْرَق فِي دِمَاءِ الْكَادِحِينَ، وأَنّ ضَوْءَ الشَّمْسِ يَوْمًا مَا سَيَفْنَى فِي اِنْحِدَارِ الْأَرَضِ نَاحِيَةَ الْغُرُوبِ"
يا أخي، والله، أنت شاعر عظيم جداً جداً
| |

|
|
|
|
|
|
|
Re: مَلْحَمَة (الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَكَا� (Re: Abdalla Gaafar)
|
في رحلة البحث عن الوطن والسلام
سأظل أكتب لأن الصمت ليس حيادًا، بل دليل إدانة الآن أكتب من منطقة الانكسار لا من منطقة الاحتجاج لا أكتب فضحا لآلة القتل أو اصرخ ضد هذه الحرب الظالمة بل اعترف شخصيًا بالخذلان فقد طال البحث عن وطنٍ لم يعد قادرًا على منحنا الأمان. نعم هو الشعور بالغبن الظالم لأن الوطن لم يعد بيتنا كما كان بل مكانًا يحتاج إلى إذن للدخول. وها نحن نعاني غربة الانتماء إليه. نبحث عن الحياة لا عن الرفاه ولا عن الحلم بل عن الحدّ الأدنى من الوجود ربما هو إعلانً عن الإرهاق الوجودي واعتراف بأن الوطن لم يعد يمنح الراحة وأن الراحة الحقيقية لم تعد ممكنًة إلا في نهاية الطريق فالوطن أصبح مكانًا لا يُنقذ بل يُرهق. وطن حضنه لا يفتح حين نطرق أبوابه سرا. كالغرباء نعم هو لا يطردنا لكنه لا يستقبلنا أيضا وكأن علاقتنا به أصبحت علاقة ستر لا شفاء. نداري الخيبة وأوجاع غربتنا فيه فنتجرع هزيمتنا حد الفجيعة فالسودان لم يعد قادرًا على احتواء الألم بل أصبح مكانًا لإخفائه فقط الوطن ليس أرضًا فقط فهو مجموعة من القيم والذكريات والضحكات والوجوه والروائح والأصوات. وحين يغيب الوطن لا يغيب المكان فقط بل يغيب الإنسان عن نفسه لأنه جزءًا من الذات ومكانا للكرامة وهوية داخلية، هو ليس ما نعيش فيه بل ما يعيش فينا، ليس ملكية هو علاقة بين الذات والعالم وهو علاقة حنين وعلاقة فقد وعلاقة انتماء. وحين يختلّ هذا الارتباط، يشعر الإنسان بأنه منفيّ حتى وهو في بيته. ويصبح المنفى في ليس (خارج الوطن)، بل (خارج الذات) وتفقد الحياة معناها وبفقد الزمن قيمته ويصيبنا الإحساس بأن المستقبل لم يعد ممكنًا ويضحي الموت حدثًا لا يقع في الجسد فقط، بل في اللغة والذاكرة والذات. فما الذي يبقى من الوطن حين يتحول إلى موت؟ وما الذي يبقى من الإنسان حين يفقد وطنه؟ وما الذي يبقى من الذاكرة حين يصبح الماضي أجمل من الحاضر؟ وحين يغيب الوطن الواقعي تصبح الذاكرة وطنًا بديلًا لأنها المكان الوحيد الذي يمكن أن يعود إليه الفقراء والمظلومون دون خوف لأنها الملاذ الأخير
فقراء يموتون ووطن يصادر وموارد تنهب وأحلام تقتل فقد أخذت الحرب أعمق ما يملكه الناس ذلك الإحساس الرائع بالطمأنينة والقدرة على التنفس بلا خوف والشعور بأن الغد ممكن. فالحرب لم تسرق اللحظة فقط، بل سرقت منا المستقبل أيضا فهي ليست حدثًا سياسيًا فقط، بل قوة وجودية تقتلع من الإنسان ما يجعله إنسانًا وهي ليست صراعًا هي في الواقع عملية تفريغ مستمرة للإنسان من ذاته. هي ليست حدثًا خارجيًا بل قوة تآكل داخلي. هذه هي حرب الطغاة وهي في ميزان العدل لا تصنع النصر، بل لا تنتج إلا الهزيمة هي مكيال لا يعرف إلا جهة واحدة من الميزان فالطغاة لا يحلمون بالعدل هم يحلمون فقط بالسيطرة. هي منظومة السلطة الفاسدة عساكر وشيوخ، إعلام، مال، مليشيات، وأحلام طغاة وأصوات شؤم ، ناعقات وناعقون مرتشون، وجوه بلا ملامح، وجماعات بلا ذمة. إدارة من خلف الشاشات ومن فوق المنابر حتى أضحى الفساد وسيلة للعيش، ووسيلة لشراء النفوذ والصوت والشرعية أيضا وأصبحت القوة العسكرية جزءًا من آلة تثبيت الحكم لا بعضا من منظومة حماية المجتمع حد أن اعتاد المدنيون الموت فهم الضحايا الدائمون بحيث يصبح موتهم جزء من النظام. ويضحي موتهم ليس حدثًا، بل وظيفة في معادلة السلطة. فلنتخذ من الجراح طريقا ومن الصوت خلاصا ومن الموت عبورا ومن الشهداء ازدهارا جديدا للحياة في سبيل إرساء سلام عادل وتأسيس رؤية لبناء وطن يقوم على العدالة، والمحاسبة، وحماية الضعفاء فالسلام العادل ليس هو الصمت بعد الحرب ولا هو هدنة بين جولات القتال بل هو فعل بناء يقوم على مواجهة الخراب، ومحاسبة من صنعوه، واستعادة العدالة في جسد الوطن ويجب التعامل مع السلام بوصفه مشروعًا أخلاقيًا، لا مجرد غياب للرصاص. السلام ليس حالة هو مهمة وليس شعورًا بل مشروعًا جماعي وليس هروبًا من الحرب بل مواجهة لنتائجها فالسلام لا يُمنح لأنه يُبنى والبناء يتم من داخل الخراب لا من خارجه. فالحرب قد خلّفت جراحًا لا يمكن تجاهلها. والسلام الحقيقي لا يتجاهل ما حدث، بل يبني فوقه كمشروع لاستعادة الإنسان، لا مجرد إعادة الإعمار. والسلام ليس اتفاقًا بين الأقوياء بل حماية للضعفاء والسلام الحقيقي هو إنهاء الخوف وإنهاء السلطة التي تعمل في الظلام وإعادة الجيش إلى دوره الطبيعي لحماية الوطن لا السيطرة عليه. السلام العادل لا يتحقق دون محاسبة، عدالة، كشف للجرائم، ردّ للحقوق ومساءلة من صنعوا الحرب أو استفادوا منها فالقصاص في السلام ليس انتقامًا بقدر ما هو عدالة تُعيد التوازن إلى جسد الوطن والوطن يحتاج إلى إعادة توازن وإرساء العدالة وإعادة بناء للثقة وإعادة وصل بين أجزائه فالسلام الحقيقي ليس غياب الحرب بل عودة الجسد الوطني إلى صحته.
عبد الله جعفر الرياض مارس 2026
| |
 
|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |