في البدء، لا بد من كلمة حق وتقدير لمنصة "عازة بكشوب" (Azza Bookshop) في تطبيق "كلوب هاوس"، هذه المنارة التي أصبحت رئة يتنفس من خلالها الفكر السوداني في أصعب ظروفه إن شكرنا يمتد لهذا الجهد الاستثنائي في تنظيم المناقشات الفكرية العميقة، واستضافة الأساتذة الكرام الذين ننهل من علمهم وعمق معرفتهم، مما يعيد للندوة السودانية ألقها ودورها في تشكيل الوعي الجمعي ومن وحي إحدى هذه الجلسات الثرية حول تجربة الدكتور عبدالله الفكي البشير، تولدت هذه القراءة
البشير ومحمود في محبة الفكرة وحدود المسافة في سياق الجدل السوداني حول تجديد الفكر الإسلامي، يبرز اسم الدكتور عبدالله الفكي البشير بوصفه واحداً من أكثر الباحثين انشغالاً بإعادة قراءة تجربة المفكر الراحل محمود محمد طه لا يتعامل البشير مع "الأستاذ" كضحية سياسية عابرة، بل كصاحب "فهم جديد" قادر على انتشال الإسلام من أزمته التاريخية
غير أن هذا الاشتغال الكثيف، الذي يصل حد الدفاع المستميت، يطرح سؤالاً جوهرياً هل يقدم البشير قراءة نقدية مفتوحة، أم يؤسس بقصد أو بدونه لمركزية فكرية جديدة، تخرج "الفهم الجديد" من كونه اجتهاداً بشرياً مفتوحاً إلى مرجعية شبه مقدسة؟
ما بين التوثيق والتبني و أين يقع الخط الفاصل؟ هنا يكمن لب الإشكال. فالتوثيق الأكاديمي يقتضي مسافة نقدية، أما التبني الدعوي فيقتضي انحيازاً صريحاً. البشير، في أعماله الضخمة مثل "الذكرى الخمسين للحكم بردة محمود محمد طه"، يخلط بين الدورين بمهارة؛ فهو يوثق بدقة سير المحاكمات وسياقات التكفير، لكنه في الوقت نفسه يدافع عن "صحة" الفهم الجديد وكفايته كحل بديل مطلق
هذا الخلط يبرز مشكلة كبرى عندما يتحول الدفاع إلى "إقصاء ضمني" لكل اجتهاد لا ينتمي إلى شجرة الفكر الجمهوري. وكأن لسان حال هذا الخطاب يقول "هذا هو الطريق، وما سواه تراجع أو تواطؤ"
الإشكال الأعمق هل نكرر خطيئة "المركزية"؟ المفارقة المؤلمة أن خصوم محمود محمد طه كانوا يؤمنون بامتلاكهم "الحقيقة المطلقة"، وبناءً عليه أقصوه. البشير، في دفاعه الشرس، لا يكفّر أحداً طبعاً، لكنه يتبنى منطقاً مشابهاً في البنية "منطق امتلاك الحل النهائي"
الفارق أن المضمون هنا "إنساني وتنويري"، لكن البنية المركزية أي الاعتقاد بأن هناك فهماً واحداً هو الأصح بدرجة مطلقة قد تكون هي ذاتها العائق أمام التطور الفكري. إن نقدنا لمنهج البشير لا ينطلق من رفض قيمة "الفهم الجديد"، بل من الخوف عليه من أن يتحول إلى "أيديولوجيا مغلقة"، تماماً كما تحولت الأفكار الثورية العظيمة في التاريخ إلى أنظمة عقائدية جامدة
نحو "تعددية الوفاء" يبقى عبدالله الفكي البشير صوتاً ضرورياً في ساحة الفكر السوداني، وإنجازاته في كشف فساد خطاب التكفير لا تُنكر. لكن المحبة الحقيقية للفكرة هي أن تتركها حرة، لا أن تحبسها في تابوت من الدفاع المستميت
المطلوب اليوم هو تجاوز "المركزية الضمنية" نحو أفق أوسع، يكون فيه محمود محمد طه واحداً من الآباء المؤسسين لاجتهاد إنساني متعدد، وليس "النبي الأخير" لتجديد الإسلام والسؤال الذي نضعه أمام منصاتنا الفكرية وأمام الأستاذ البشير هو هل يستطيع تلامذة طه أن يكونوا أكثر جرأة من معلمهم، فيفتحوا المشروع على "شركاء" جدد لا على "أتبع" فقط؟
في الإجابة على هذا السؤال، يتحدد مستقبل النقاش حول تجديد الإسلام في السودان هل سيكون مشروعاً تعددياً مفتوحاً، أم مركزية جديدة ترتدي ثياب التنوير؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة