من يقول أمّك غرباء أو أكثر جمالاً بعد سنوت طوال؟ #

نعى اليم الزميل جعفر خضر فى رحمه الله
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-24-2026, 05:28 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
08-11-2026, 10:35 PM

زهير ابو الزهراء
<aزهير ابو الزهراء
تاريخ التسجيل: 08-23-2021
مجموع المشاركات: 13758

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
من يقول أمّك غرباء أو أكثر جمالاً بعد سنوت طوال؟ #

    10:35 PM August, 11 2026

    سودانيز اون لاين
    زهير ابو الزهراء-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر





    تأملات في منظومة العيب والشرف في المجتمع السوداني
    تمهيد: حين يصبح العيب ميراثاً
    ليس العيب في السودان مجرد شعور بالخجل يعتري الإنسان حين يخطئ، بل هو منظومة متكاملة من القيم والأحكام والوصمات، تتخلل النسيج الاجتماعي وتعيد توزيع الهيبة والسلطة والهوية. هو لغة صامتة أحياناً، وصاخبة أحياناً أخرى، ترسم حدود الانتماء والإقصاء، وتحدد من يستحق الاحترام ومن يُستباح وصمه، ومن يُمنح حق "توزيع العار" ومن يُجبر على حمله ثقلاً يورثه للأبناء والأحفاد.

    العنوان الذي اخترته: "من يقول أمّك غرباء أو أكثر جمالاً بعد سنوت طوال؟" – يحمل في طياته سؤالاً وجودياً عميقاً: من يملك حق النظر إلى الآخر وتقييمه وتصنيفه؟ من يمنح نفسه سلطة القول بأن فلاناً "غريب" أو "أقل" أو "منحط"؟ وإذا مرّ الزمن، هل تتغير النظرة، أم تظل الأحكام عالقة كالوشم في الجبين، تنبئ عن أصل الإنسان وماضيه قبل أن تنبئ عن حاضره وفعله؟

    أولاً: العيب كمنظومة اجتماعية – حين يكون العار وراثياً
    في الثقافة السودانية التقليدية، يرتبط العيب ارتباطاً وثيقاً بالشرف الجماعي، أكثر من ارتباطه بالفعل الفردي. لا يُدان الشخص فقط بما فعل، بل بما يُنسب إليه من أصل أو مهنة أو مكان أو نسب. المهن الهامشية، خاصة تلك المرتبطة بالخمر أو الجسد أو الفقر المدقع، تتحول إلى وصمة تنتقل بالدم. عبارات مثل "ولد فدادية" أو "بنت إنداية" ليست مجرد إشارة إلى مصدر رزق، بل استدعاء كامل لمنظومة الهامش والدناءة والعار الموروث. هنا يصبح العار وراثياً، يلتصق بالاسم قبل أن يلتصق بالفعل، ويحكم على الإنسان بماضيه لا بمستقبله، بأسلافه لا بجهده.

    وهنا تبرز المفارقة الجوهرية: المجتمع يحرم السلعة ويحتاج إليها في آن واحد، يدين المنتج ويبرئ المستهلك، يُهان من يصنع الخمر البلدية أو يبيعها، بينما يظل من يشتري ويشرب في الخفاء محمياً، طالما حافظ على واجهة "الاحترام". هذا التناقض ليس عرضياً؛ إنه آلية بارعة لإعادة توزيع العار على الطرف الأضعف، حيث تمنح القوة – سواء كانت قوة سلاح أو رتبة أو مال أو نسب – صاحبها حق تحويل مفردات الأخلاق إلى أدوات ضبط اجتماعي، فيصبح العيب سلاحاً رمزياً موازياً للسلاح المادي، بل وأكثر فاعلية في بعض الأحيان.

    في المجتمع السوداني القديم، كانت الحدود بين المقدس والمدنس أكثر مرونة مما يُصوَّر اليوم. تجاورت الخلوة والإنداية في بعض السياقات، دون أن يعني ذلك قبولاً مطلقاً أو رفضاً مطلقاً. الإنسان لم يكن يُختزل في تصنيف ثابت: طاهر أو نجس، شريف أو دنيء. كان التحول ممكناً، والتجربة الإنسانية معقدة ومتداخلة. لكن هذا التصور المرن اختفى تدريجياً تحت وطأة خطابات أكثر صرامة، سواء كانت دينية أو سلطوية أو طبقية، فتحول العيب من أداة تنظيم اجتماعي نسبي إلى أداة قمع هوياتي يكرس التهميش ويُعيق الحراك الاجتماعي.

    ثانياً: الشرف – الوجه الآخر للعملة
    إذا كان العيب هو الآلية التي توزع العار على الهامش والضعيف، فإن الشرف هو الوجه الآخر للعملة: الآلية التي تمنح الاحترام والحماية لمن يملك القوة أو ينتمي إلى المركز. والشرف في السياق السوداني ليس صفة فردية مجردة، بل نظام اجتماعي رمزي يُنتج القيمة والهيبة ويحميها.

    الشرف رأسمال رمزي جماعي: لا يخص الفرد وحده، بل هو ملك الأسرة أو القبيلة أو الجماعة، ويتراكم أو يتبدد بحسب سلوك أعضائها. الرجل "شريف" ليس لأنه فاضل بالضرورة، بل لأنه قادر على حماية عرض عائلته، والحفاظ على صورتها العامة، ورد أي إهانة. المرأة، في المقابل، غالباً ما تُعامل كحاملة للشرف لا كصاحبة له؛ جسدها وسلوكها يصبحان رمزاً لسمعة الجماعة بأكملها. لذلك يتحول أي خروج عن المعايير – خاصة في المجال الجنسي أو المهني الهامشي – إلى تهديد جماعي يستوجب الوصم أو العقاب. هذا البعد الجماعي يجعل الشرف هشاً وقابلاً للتلف بسرعة، ويحتاج إلى حراسة مستمرة، ومن هنا تنشأ ثقافة الغيرة والحساسية المفرطة تجاه "الكلام" و"الشبهة".

    والأكثر إشكالية أن الشرف والعيب ليسا ضدين منفصلين، بل قطبين في منظومة واحدة. فالشرف يُبنى غالباً بنفي العيب عن الذات وإلقائه على الآخر. من يوصف بـ"ولد فدادية" أو يرتبط بعوالم الهامش يُجرد من الشرف تلقائياً، بينما يحتفظ من يستهلك في الخفاء ويدين في العلن بصورة "الشريف". هنا يتضح البعد السلطوي بوضوح: الشرف ليس نتيجة أخلاقية خالصة، بل نتيجة علاقات قوة. من يملك السلاح أو الرتبة أو المال أو النسب يمنح نفسه حق تعريف الشرف وتوزيعه، تماماً كما يمنح نفسه حق توزيع العار. الضابط الثمل الذي يشتم المعلمين بـ"أولاد فداديات" لم يكن يدافع عن شرف أخلاقي، بل كان يستخدم لغة الشرف ليؤكد تفوقه الرمزي عليهم، ويحوّل ضعفه الأخلاقي إلى تفوق طبقي واجتماعي.

    الأبعاد الجندرية والطبقية: الشرف ذكوري في بنيته الأساسية. الرجل "يفقد شرفه" إذا عجز عن السيطرة أو الحماية، والمرأة "تفقد شرفها" إذا خرجت عن حدود الجسد والعفة المتوقعة. هذا التوزيع غير المتكافئ يجعل المرأة أكثر عرضة للوصم، حتى لو كان الرجل هو المستهلك أو المعتدي. أما الطبقة والمكان، فالشرف التقليدي ارتبط تاريخياً بالنسب والأرض والمهن "المحترمة"، بينما عُوملت المهن الهامشية كملوثات للشرف، وحتى الفقر المدقع يمكن أن يُترجم إلى نقص في الشرف إذا ارتبط بالعجز عن "الحفاظ على الوجه".

    ثالثاً: دور العيب – آليات الضبط وإعادة الإنتاج
    العيب ليس مجرد حكم أخلاقي أو رد فعل عفوي على سلوك مخالف، بل هو آلية اجتماعية فعالة تؤدي وظائف متعددة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، وتُستخدم لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي والهرمية والسلطة.

    الضبط الاجتماعي: من خلال التهديد بالوصم والعار، يُجبر الأفراد على الالتزام بالمعايير السائدة: ما يُقال وما لا يُقال، ما يُفعل وما يُخفى، كيف تتصرف المرأة، كيف يحافظ الرجل على "وجهه"، وما المهن أو الأماكن المقبولة. العيب هنا يعمل كشرطة داخلية صامتة، لا يحتاج دائماً إلى قانون أو عقاب رسمي؛ يكفي أن يُقال "عيب" أو أن تُلصق بالشخص تسمية مثل "ولد فدادية" حتى يرتدع أو يُعزل. بهذا المعنى، العيب أرخص وأسرع أداة للرقابة الاجتماعية.

    توزيع العار وحماية القوة: العيب لا يُوزع بالتساوي. المجتمع يحرّم السلعة ويحتاج إليها، فيدين المنتج ويبرئ المستهلك. الضابط الذي يشتم المعلمين وهو ثمل ومسلح، يستخدم العيب ليحوّل ضعفه الأخلاقي إلى تفوق رمزي. هنا يظهر الدور السلطوي بوضوح: العيب أداة في يد من يملك القوة (سلاح، رتبة، نسب، مال، صوت أعلى) لتجريد الآخر من الاعتبار وإخضاعه. الشرف يُحمى بإلقاء العيب على الهامش.

    بناء الهوية الجماعية والحدود: العيب يرسم الحدود بين "نحن" و"هم"، يحدد من ينتمي إلى دائرة الشرف والاحترام ومن يقع خارجها. المهن الهامشية، الأصول الفقيرة، الأماكن الموصومة، أو حتى السلوك الجنسي أو الجسدي غير المنضبط، كلها تُستخدم لصنع هوية جماعية نقية مقابل هوية ملوثة. هذا الدور يحمي تماسك الجماعة التقليدية، لكنه في الوقت نفسه يُنتج إقصاءً دائماً ويمنع الاندماج أو الاعتراف بتعقيد التجربة الإنسانية.

    التمويه على التناقضات: المجتمع السوداني – كغيره – مليء بالتناقضات: يحرم ويستهلك، يمجد العفة ويمارس الرغبة، يقدس المعرفة ويحتقر حاملها إذا كان ضعيفاً. العيب يقوم بدور التمويه، فبدل مواجهة التناقض داخل الذات أو داخل السلطة، يُلقى اللوم على الطرف الأضعف. بائعة الخمر تُدان، لا من يشتريها في الخفاء. المعلم يُتهم بـ"فقدان التربية"، لا من يحمل السلاح وهو ثمل. بهذا يحافظ النظام على صورته الأخلاقية الظاهرة دون أن يُصلح نفسه.

    الدور المزدوج – الحماية والتدمير: في سياقات معينة، يحمي العيب الأفراد الضعفاء نسبياً من الاستغلال العلني، أو يحافظ على الحد الأدنى من الاحترام داخل الأسرة والجماعة. لكنه في المقابل يدمر حيوات ويكرس الظلم، يحكم على الناس بأصلهم أو مهنة أمهاتهم لا بأفعالهم، ويحول الفقر والهامش إلى عار أبدي، ويمنع النقد الحقيقي للسلطة وللتناقضات الاجتماعية.

    رابعاً: من يقول أمّك غرباء؟ – سؤال السلطة والمعيار
    السؤال الذي يطرحه هذا التحليل بأكمله ليس "ما هو العيب؟" أو "ما هو الشرف؟" بل: من يملك حق تعريفهما؟ ولمصلحة من يُعاد إنتاجهما كل يوم؟

    عندما نقول "ولد فدادية" أو "بنت إنداية"، من الذي يمنح نفسه سلطة هذا التصنيف؟ لماذا يصبح أصل الإنسان أو مهنة أمه مقياساً لقيمته، بينما تُغفل أفعاله وتجاربه وإنسانيته؟ ولماذا يظل هذا الحكم عالقاً به لسنوات، بل لأجيال، وكأن الزمن لا يغير شيئاً؟

    "بعد سنوت طوال" – كما يشير العنوان – هل يمكن للإنسان أن يتحرر من وصمة ولد بها؟ أم أن المجتمع يصر على قراءة ماضيه في حاضره، وكأن الجمال الحقيقي – جمال الروح والفعل والوعي – لا قيمة له أمام وصمة الأصل؟

    في الحقيقة، هذا السؤال ليس عن الآخرين فقط، بل عنا نحن أيضاً. كم مرة نظرنا إلى إنسان فقرأناه من عنوان عائلته أو لون بشرته أو مهنة أبيه؟ كم مرة استخدمنا كلمة "عيب" لتبرير موقف سلطوي أو عنصري، أو لحماية امتيازاتنا الواهية؟ كم مرة ألقينا العار على الضعيف لنشعر نحن بالنقاء؟

    خامساً: نحو مفهوم مغاير للشرف والعيب
    اليوم، يتغير مفهوم الشرف والعيب تحت ضغط التعليم والمدينة والاقتصاد والوسائط. يظهر شرف جديد مرتبط بالنجاح المهني أو التحصيل العلمي أو "السمعة الرقمية". لكن الجوهر القديم لم يختفِ تماماً؛ ما زال العار يُوزع بسهولة على النساء والفقراء والمهمشين، وما زالت لغة "الشرف" تُستخدم لتبرير العنف أو السيطرة أو الإقصاء.

    المشكلة الجوهرية تبقى كما هي: الشرف والعيب ليسا معطيين طبيعيين أو أخلاقيين محايدين، بل هما منتجان اجتماعيان يُعاد رسم حدودهما باستمرار. السؤال الحقيقي ليس "من هو الشريف؟" ولا "ما هو العيب؟" بل:

    من يملك حق تعريف الشرف والعيب؟

    ومن يستفيد من إعادة إنتاجهما بهذه الصورة؟

    وكيف نحرر هذين المفهومين من كونهما أدوات قمع مقنّعة بلغة الأخلاق؟

    الشرف الحقيقي – إن أردنا أن نتجاوز المنظومة التقليدية – يجب أن يرتبط بالفعل والسلوك والمسؤولية، لا بالأصل أو المهنة أو الجسد أو القدرة على إسكات الآخرين. والعيب الحقيقي ينبغي أن يكون في الظلم والاستغلال والتهميش، لا في الفقر أو الهامش أو الاختلاف. أما الشرف الذي يُبنى على توزيع العار على الضعفاء، فهو في جوهره شكل من أشكال القوة المقنّعة بلغة الأخلاق.

    خاتمة: حين يصبح الغريب جميلاً
    ربما يكون السؤال الأجمل في العنوان: "أمّك غرباء أو أكثر جمالاً بعد سنوت طوال؟" – يحمل في طياته دعوة للتأمل في تغير النظرات، وفي قدرة الزمن على كشف زيف الأحكام المسبقة. فكم من إنسان ظللنا ننظر إليه بعين الازدراء لسنوات، ثم اكتشفنا أنه كان أكثر منا وعياً وإنسانية وجمالاً؟ كم من مهنة أو أصل أو مكان ظللنا نعتبره "عيباً"، ثم تبين أنه كان مصدر قوة وإبداع وفخر؟

    ربما تكون رسالة هذا المقال أن نعيد النظر في منظومتنا الأخلاقية والاجتماعية، وألا نتركها أسيرة لأحكام مسبقة تنتقل بالدم، ولغة شرف تخدم الأقوياء، ومفهوم عيب يكرس التهميش. ربما يكون الجمال الحقيقي – بعد سنوت طوال – هو أن نكتشف أن الغريب ليس غريباً، وأن العيب ليس في الهامش، بل في عيون الذين يصرون على رؤية الهامش هامشاً.

    وفي النهاية، يظل السؤال مفتوحاً، ليس للإجابة عنه، بل لمواصلة التفكير فيه: من يقول أمّك غرباء أو أكثر جمالاً بعد سنوت طوال؟ لعله السؤال الذي يفتح الطريق نحو مجتمع أقل وصماً، وأكثر إنسانية، وأجمل بعد سنين من النضج والوعي.






                  

08-11-2026, 10:37 PM

زهير ابو الزهراء
<aزهير ابو الزهراء
تاريخ التسجيل: 08-23-2021
مجموع المشاركات: 13758

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: من يقول أمّك غرباء أو أكثر جمالاً بعد سنو� (Re: زهير ابو الزهراء)

    مقال الدكتور الوليد مادبو

    د. الوليد آدم مادبو
    عرض كل المقالات
    من الفدادية إلى الضبطية: من يملك حق توزيع العار؟
    اخر تحديث: 10 أغسطس, 2026 11:00 مساءً
    شارك

    دكتور الوليد آدم مادبو

    كان المكان مدرسة، والزمان صباحاً يُفترض أن يكون عادياً كغيره من الصباحات. ثم دخل الضابط.

    لم يكن غضبه مرتبطاً بالحادثة بقدر ما كان امتداداً لغضب أقدم، متراكماً كأنه جزء من الزي نفسه. وقف أمام المدرسين ثملاً، رائحة الخمر تسبقه، ولسانه يتعثر، بينما يده ثابتة على قبضة السلاح. قال بصوت قاطع: «أنتم كلكم فاقد تربوي وأولاد فداديات». ثم استل سلاحه.

    والسكر هنا ليس تفصيلاً عابراً؛ فهو لا يخلق ما ليس موجوداً، لكنه يرفع الحاجز بين ما يضمره الإنسان وما يقوله. ولعل ما أفصح عنه لسان الضابط، في تلك اللحظة، كان أعمق من مجرد شتيمة: توتراً بين سلطة السلاح وسلطة المعرفة؛ بين رجل يستمد هيبته من الرتبة، ومعلمين يستمدونها من مهنة تقوم على تشكيل الوعي. هنا لا يعود السؤال أخلاقياً بسيطاً، بل بنيوياً: من يملك حق تعريف الطهر والدناءة، ومن يمنح نفسه سلطة توزيع العار؟


    والفدادية، في الاستعمال الشعبي السوداني، هي المرأة التي تصنع الخمور البلدية، بينما كانت الإنداية هي المكان الذي تُصنع فيه هذه الخمور وتُباع وتُستهلك، أي ما يشبه البار المحلي في صورته الشعبية. ومن ثم فإن وصف شخص بأنه «ولد فدادية» لا يحيل فقط إلى مهنة أمه أو مصدر رزقها، وإنما يستدعي منظومة كاملة من الوصم الاجتماعي المرتبط بالخمر والهامش والفقر، وكأن العار ينتقل بالدم من الفعل إلى صاحبته، ومن صاحبته إلى بنيها.

    والمفارقة أن من يستخدم «الفداديات» كإهانة يقف هو نفسه خارج أي معيار للاستقامة في تلك اللحظة: سلاح في مواجهة معلمين عُزّل، واتهام لهم بفقدان التربية، وكأن التربية رتبة لا ممارسة. وهنا يتضح نمط مألوف في الخطاب السلطوي: تحويل مفردات الأخلاق إلى أدوات ضبط، لا لمساءلة الذات بل لإخضاع الآخر. فالوصم ليس حكماً قيمياً بقدر ما هو امتداد للقوة بلغة أخلاقية.


    والمفارقة لا تتوقف عند الضابط. فالمجتمع قد يحرّم السلعة لكنه لا يلغي الحاجة إليها، فينشأ تناقض يُحل غالباً بإلقاء اللوم على المنتج لا المستهلك. بائعة الخمر تُدان، والراقصة تهان، بينما يظل المستهلك بريئاً ما دام يستهلك في الخفاء ويدين في العلن. وفي هذا السياق، لا تكون الشتيمة مجرد تناقض فردي، بل آلية لإعادة توزيع العار على الطرف الأضعف. فالضابط لا يكتفي بالاستهلاك، بل يحوّل اسم المنتج إلى أداة قمع رمزي موازية لسلاحه. وهكذا تصبح الإدانة شكلاً من أشكال القوة، لا من أشكال الأخلاق.

    وفي هذا السياق تحديداً تكتسب دراسة الطيب محمد الطيب للإنداية أهميتها. ففي كتابه «الإنداية» لم يتعامل مع هذا العالم الشعبي بوصفه موضوع إدانة، بل بوصفه مجالاً للفهم. تنقّل بين البيئات وجمع الروايات كما هي، لا كما يُفترض أن تكون وفق معيار أخلاقي مسبق. والنتيجة لم تكن تبرئة أو إدانة، بل تفكيكاً لصورة جاهزة عن «الإنداية» التي اختُزلت لاحقاً في معنى سلبي.

    فالإنداية، في الكتاب وفي الذاكرة الاجتماعية التي يوثق لها، لم تكن مجرد مكان لشرب الخمر، بل فضاءً اجتماعياً تتقاطع فيه الطبقات والمهن، ويظهر فيه الإنسان في هشاشته وتناقضه، لا في صورة أخلاقية مصنّعة. وبهذا المعنى، نقل الكتاب النقاش من مستوى الحكم إلى مستوى الفهم، ومن الإدانة إلى التحليل الاجتماعي.

    ولعل هذا الفهم يفسر شيئاً من طبيعة المجتمع السوداني القديم، حيث لم تكن الحدود بين الفضاءات الأخلاقية حادة كما صُوّرت لاحقاً. ففي بعض السياقات، جاورت الخلوة ومجالس الذكر فضاءات الإنداية دون أن يعني ذلك تماهياً أو قبولاً.

    كان التجاور يكشف تصوراً أكثر مرونة للإنسان: ليس كائناً منقسماً بين طهر ونجاسة، بل كائناً تتداخل فيه العبادة والخطأ، والرغبة والزهد، في مسار واحد متغير. فالتحول من حال إلى حال كان جزءاً من التجربة الإنسانية، لا خروجاً نهائياً من خانة إلى أخرى. وهنا يلتقي هذا التصور مع منهج الطيب محمد الطيب في رفض اختزال الإنسان في تصنيف ثابت؛ إذ كان يرى في التفاصيل اليومية للناس مادة لفهم المجتمع، لا ذريعة لإصدار الأحكام عليه.

    ومن هنا نعود إلى السؤال الذي فتحتْه الحادثة: من هو «فاقد التربية»؟ من تعمل داخل شروط اجتماعية قاسية لتأمين حياتها، أم من يستخدم القوة لإهانة من لا يملك وسيلة رد؟ ومن يحمل الدناءة فعلاً: من تُنتج الخمر في الهامش، أم من يستهلك ثم يدين، ويعاقب ثم يتفوق بالقوة؟

    المشكلة، في جوهرها، ليست في الأفراد بقدر ما هي في الطريقة التي نوزع بها القيم نفسها. فنحن نميل إلى البحث عن المدنس في الهوية والمهنة والأصل والمكان، لا في الفعل والسلوك. فالإنسان لا يُختزل في أصله ولا في رتبته، والمقدس والمدنس ليسا صفات ثابتة بقدر ما هما نتائج للطريقة التي ننظر بها إلى الأفعال ونحكم عليها.

    لهذا فإن الحدود بينهما ليست معطاة، بل مصنوعة اجتماعياً، وغالباً ما تحرسها علاقات القوة. والسؤال الأعمق ليس: أين يقع الحد بين المقدس والمدنس؟ بل: من يملك حق رسمه، ولمصلحة من يُعاد إنتاجه؟




                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de