كما لو أنني أفتح درجاً قديماً في قلبي درجاً امتلأ بالأغنيات التي لم تكن موسيقى فقط بقدر ما هي ذاكرة كاملة تمشي على قدمين. الحزن القديم، أقابلك، شجن، الحب والظروف، ذات الشجون، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، الى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، يا أعز الناس، الذكريات، قصتنا، ضنين الوعد، حبيبة عمري، حسنك أمر، ليلة السبت، الذكريات، والله مشتاقين، كلمة، الزول الوسيم، وكت الليل يفلل، في سكون الليل، عذارى الحي، من زمن، سيد الاسم، في الليلة ديك، قف تأمل، شن طعم الدروس، الطير الخداري، كسلا، هل تدري يا نعسان، خداري، هوج الرياح، أغنيات من ذكريات ارتبطت بمكان ما وزمان ما وحبيب ما وأخرى بفرح ما وأخرى بأحزان وجراح هذه ليست قائمة أغنيات لكنها خريطة حياة فكل أغنية منها تحمل مكانا، زمنا، وجها، لحظة، جرحا، فرحا، طريقا مشيته، ونافذة وقفت عندها ذات مساء هذه الأغاني ليست صوتاً وليست ذكريات فقط هي جسر معلّق بين ضفتين داخل الروح ضفة يسكنها الذي كنتَه. ذلك الذي كان يمشي بخفة ويحلم دون خوف ويحب دون حساب ويغضب بسرعة ويسامح بسرعة أكبر ويظن أن العالم قابل للترميم مهما انكسر وضفة أخرى يسكنها الذي أنتَه الآن. هذا الذي يعرف معنى الفقد ويحمل في صدره طبقات من الصمت ويخاف على قلبه أكثر مما يخاف منه في الغربة يصيبك الضعف في لحظات استماعك لتلك الأغاني التي ارتبطت بأفراحك واحزانك وارتبطت أيضا بأزمان العمر المختلفة. يصيبك الضعف ويأخذك الخيال بعيدا حد ان تحس بصعود الغصة اعلى الروح وتحس بانقباضات الخلايا داخل الجسد المرهق والمثقل بحمل ذكريات تداهمك كالحمى ليست مجرد أغنيات إنها أرشيف الروح وهي الصندوق السري الذي يفتح نفسه عليك كلما ظننت أنك تجاوزت ما كان وهي الشيء الوحيد الذي يذكرك بأنك لم تفقد كل شيء وأن جزءاً منك ما زال سليما وما زال قادرا على أن يحب وأن يتذكر وأن يعود والأغاني التي ترتبط بأفراحك وأحزانك لا تعود كصوت فقط لكنها تعود كـزمن كامل ينهض من بين خلايا الذكرة وكأن العمر نفسه يضغط على صدرك ليذكرك بأنك كنت هناك وأنك ما زلت تحمل ذلك المكان وذلك الزمان وتلك اللحظة في قلبك مهما ابتعدت. هي شكل آخر من أشكال العودة حين تستمع لـشجن، الحب والظروف، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، إلى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، ذات الشجون، قصتنا فأنت تسمع روعة ضحكة كانت على مقعد ما وارتباك خطوة في شارع تعرفه جيداً ووجه حبيب لم يعد في الصورة لكنه ما زال في الذاكرة وعشرة ونسة كنت فيها أقرب إلى نفسك مما أنت عليه الآن ونزف جرح لم يلتئم لكنه صار جزءاً من حكمتك هذه الأغنيات ليست موسيقى إنها أطراف الروح التي تركتها في أماكن بعيدة والتي ما فتئت تعود إليك كلما حاولت أن تكون قوياً أكثر مما ينبغي. والغربة لا تربكنا بالأغاني فقط ولكنها تعيد ترتيبنا بها حد ان نحس بأن الغربة ليست المكان فقط بل هي أن تسمع أغنية كانت تشبهك فتكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كان يغني معها ولا الشخص الذي كان يبكي بسببها ولكنها ما زالت قادرة على أن تهزك من الداخل كأنك تعود للحظة لم تعشها كاملة. فالأغاني التي ترتبط بـمكان ما وزمان ما وحبيب ما أو جرح ما هي في الحقيقة تفاصيل فصل صغير من حلم العودة. ليس لأن هذه الأغنيات جميلة فحسب بل لأنها تحمل الطريق الذي خرجت منه والطريق الذي تحاول أن تعود إليه ولو في الخيال. هي فصل من حلم العودة الى تفاصيل ازمان العمر المختلفة فصل ينهض كلما سمعت صوتاً يشبه شبابك أو نبرة تشبه نساء الوطن أو حزناً يشبه رجال الطرقات القديمة في اقصى شمال القلب. هي ليست مجرد أصوات تعبر الأذن ثم تمضي إنها أرشيف حي ومستودع للزمن ومخزن للوجوه التي عبرت حياتك ثم تركت ظلالها معلّقة على مراجيح الذاكرة. فكل أغنية هي باب صغير تفتحه فينهض أمامك المكان الذي ظننت أنك نسيته شارع عبرته في ظهيرة بعيدة أو ركن بيت كان يضج بالضحك أو حبيبة كانت ترفع شعرها بطريقةٍ عفوية تشبه بداية ترنيمة طار أو أصدقاء تفرقوا لكن أصواتهم ما زالت داخلك حين تسمع أغنية ارتبطت بفرحٍ قديم تشعر أن قلبك ينهض من سبات طويل وحين تسمع أغنية ارتبطت بحزنٍ ما تتسلل إليك تلك الانقباضات التي تشبه الحمى وكأن الروح تتذكر فجأة أنها كانت مكسورة في يوم ما وأن الكسر ما زال هناك متمسك بخلايا جسدك حد ان صار جزءاً من جمال مدارك الذي تتحرك فيه كل تفاصيلك القديمة طفولتك وارتباكك الأول وخوفك الأول وحبك الأول وجرحك الأول وحزنك الأول الأغنية هي رحلة العودة الوحيدة التي لا تحتاج فيها إلى جواز سفر فالأغاني التي ترتبط بمكان ما تعيدك إلى ذلك المكان دون أن تتحرك خطوة. تسمع كسلا فتشمّ رائحة التراب بعد المطر وتسمع إلى مسافرة فتشعر بارتباك الوداع تسمع الطيف فتتذكّر وجه من رحل وتسمع خاف من الله فتتذكّر حبيبا سقط اسمك من ذاكرته دون أن يقصد. هناك أغنيات لا نسمعها فقط ولكن نعيشها من جديد. أغنيات تنهض فينا حياة كاملة وضحكة كنت قد نسيتها أو دمعة لم تكن تعرف أنها ما زالت موجودة أو حلما صغيرا كنت قد خبأته في جيبك ثم نسيته هناك. أغنيات تمنحك حياةً ثانية حياة تعاش في القلب حيث لا أحد يراك ولا أحد يحاسبك ولا أحد يعرف كم أنت هش حين يبدأ اللحن. الأغنية ذاكرة لا تشفى والأغاني هي الطريقة التي نتذكر بها دون أن ننهار ونبكي دون أن نهزم ونعود دون أن نغادر والأغنية التي أحببتها في لحظة عشق ما تعود إليك كـامرأةٍ كاملة بضحكتها وبمزاجها وبغضبها الجميل وبتلك العيون التي لا تشبه عيون الآخرين. الأغنية التي ترتبط بحبيبٍ ما لا تموت ولكن تتحول إلى حضور خفيف يمرّ في صدرك كلما مرّ اللحن وتربّت على روحك حين تتعب فحين تسمع ضنين الوعد تنهض ابتسامتها القديمة وتسمع الحب والظروف فتعود إلى تلك اللحظة التي وقفت فيها على حافة الوداع وتسمع الذكريات فتشعر بأن قلبك يعود إلى مكان لم يعد موجوداً إلا فيك وتسمع قصتنا فتتذكر أن الحكاية لم تنته بل توقفت في منتصف جملة لم تكتب فالأغنية التي ترتبط بحبيب تصبح مرآة للروح ترى فيها ما فقدته وما احتفظت به وما تمنيت لو بقي. فجأة تكتشف بان أغنيات مثل ذات الشجون والحزن القديم والود ونظرة يا لسمحة ام عجن وبرضي ليك المولى الموالي ويا النازلة وحنيني اليك والحزن القديم وقلت أرحل أصبحت جزءاً من تكوينك ومن طريقة مشيك ومن طريقة صمتك ومن طريقة حزنك ومن طريقة انتظارك. في الغربة لا أحد ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا أحد يفهم لماذا ترتجف عند نغمة معينة ولا أحد يدرك أن هذا اللحن ليس لحن فقط هو ماضيك الذي يمشي معك في الطرقات البعيدة وهو فرحك وحزنك الذي يعاودك من حين لآخر الأغنية في الغربة تصبح وطناً صغيراً وحبيباً كبيراً ومسافة تختصر كل المسافات والأغاني التي تحمل رائحة البلاد لا تسمع فقط ولكن تعاش فحين تبدأ الأغنية تنهض في صدرك أرض كاملة وتراب تعرفه وسماء كنت ترفع رأسك إليها في لحظات الحاجة والحمد وأشجار وبيوت كانت تلوح لك في طريق المدرسة ونساء مثل قمر 14 كن يملأن الشوارع بضحكات تشبه بدايات القصائد وشباك يفتح فجأة على بيت كنت تظن أنك نسيته أو على شارع كنت تمشي فيه بلا خوف وعلى طفولة لم تكن تعرف أنها ستصبح أغلى ما تملك. تسمع طال علينا فراقكم فتشم رائحة الدعاش في المغارب وتسمع غاية الآمال فتشعر بأن يد الوطن يربّت على كتفك. تسمع سفري السبب لي ازاي فتتذكر أن السفر لم يكن خياراً وأن العودة كانت دائماً حلمك الأول تسمع الرحيل فتنهض وجوه الذين رحلوا عنك وكأنهم يقفون عند باب البيت ينتظرونك. فالوطن ليس المكان فقط هو الطريقة التي يخفق بها قلبك حين تسمع أغنية تشبهه فالأغنية تحفظ تفاصيله الصغيرة في رائحة شاي الصباح وفي صوت المؤذن وفي رنة الطمبور وفي ضحك الجيران وفي ذلك الضوء الذي كان يدخل من نافذة البيت ويجعل كل شيء يبدو ممكناً. تسمع أنا سوداني فتشعر بأن الوطن يقترب ويدنو حتى يصبح في صدرك وحتى يصبح في دمك ثم يمضي الى تلك المنطقة الصغيرة التي لا يراها أحد. الأغنية تعيدك إلى الوطن حتى لو كنت في أبعد نقطة من العالم تعيدك إلى أمّك وإلى اهلك وإلى أصدقائك وإلى طفولتك وإلى نفسك التي تركتها هناك. هناك نسخ منا لا تموت لكنها تختبئ خلف ارهاق العمل وخلف التزام المسؤوليات وخلف خيبات الحياة وخلف المدن التي عبرناها دون أن نحبها. والأغنية هي المرآة التي تعيد تلك النسخ إلى الضوء فتريك نفسك كما كنت لا كما أصبح وتريك قلبك قبل أن يتعلم قراءة الخسارات وخطواتك قبل أن تثقلها الطرق الطويلة. وفي الغربة لا شيء يرافقك كما ترافقك الأغنية ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا شيء يفتح باب الوطن لك كما تفعل الأغنية فالأغنية تصبح وطناً صغيراً تحمله في جيبك وتفتحه حين يضيق صدرك وتغلقه حين تستطيع التنفس
ذات الشجون ليست مجرد ذكرى ولكن هي ارتجافه كاملة للروح حين تلامسها أغنية حملت في داخلها وجهاً وامرأة وخميساً من زمن بقي بذاكرتك كبروق تومض حين يشتد الليل ويحتلك الحنين في الغربة حين يهبط صوت محمد الأمين بذات الشجون على صدرك لا يعود صوتاً فقط يعود خميساً كاملاً في كلية الطب بجامعة الخرطوم يعود المسرح ويعود محمد الأمين واقفاً كأنه يرفع الليل بيده ويعود الليل منصتاً ويعود ذلك الضوء الذي كان يلمع في عيون البت البن يعود كل شيء كأن الزمن لم يمضِ. تسمع الأغنية فتتحرك الخلايا كأنها تتذكر فجأة أنها كانت حية أكثر مما هي الآن وتتذكر ذلك الإرهاق الجميل إرهاق الشباب حين يكون القلب ممتلئاً حدّ الوجع وحين تكون الأحلام بلون الحليب دافئة وخجولة ومشتعلة في الوقت نفسه. كان ذلك اللقاء بعد أسبوعين من الفراق وكانت الصدفة أنيقة وكان عتابها أكثر اناقة ورقة من أن يحتمل. كانت تنظر إليك بعينين عاشقتين وأنت لا تملك سوى الاستماع تستمع لها وتستمع لأبو الأمين وتستمع لنبضك الذي كان يركض نحوها دون إذن منك. ذلك اليوم لم يكن يوماً عاديا كان امتدادا لعشقك لأمدرمان ولضحكاتها ولصوتها الذي ينساب إلى الأعماق فيوقظ فيك الحاجة إلى الغرق ولضفيرتين يلتقيان في حدائق البرتقال ولذلك المزج الغريب بين قرية ومدينة وبين اختلاف الطبع واتساع الود وبين قلبين لا يعرفان الفوارق. جامعة الخرطوم يومها كانت عروسا وكان وردي قد ترك في الهواء شيئاً من الحزن القديم ثم جاء محمد الأمين ليكمل ما بدأه الليل. وكانت هي كالقمر حين يكتمل بدراً جميلة ومضيئة تجلس قربك كأنها وعد لا يقال بصوت عال كانت البت البن وكانت ذات الشجون ومن يومها ومنذ تلك اللحظة ارتبطت ذات الشجون بكل ما لا ينسى بذلك اللقاء وبتلك النظرة وبذلك المسرح بكلية الطب وبتلك المدينة وبذلك العشق الذي ضاع دون أن ينتبه أحد. بقيت الأغنية وبقيت البت البن وبقيت أنت وبقيت الغربة تفتح عليك ذلك الدرج كلما سمعت ذات الشجون. ذات الشجون عندك هي استدعاء لامرأة كانت جزءاً من تكوينك ومن شبابك ومن تلك اللحظة التي صار فيها الصوت طريقاً إلى القلب وصارت أيضا مرآة لوجه لا ينسى امرأة تشبه الأشياء التي لا تقال بسهولة وتشبه أول رشفة قهوة في صباح بارد وتشبه ضحكة تأتيك من بعيد فتغير مزاج يومك كله وتشبه تلك النظرة التي لا تنسى كانت البت البن تعرف كيف تحب دون أن تقول وكيف تعاتب دون أن تجرح وكيف تقترب دون أن تطلب وكيف تبتعد دون أن تغلق الباب. وكانت ضفيرتاها حكاية أخرى تلتقيان كأنهما طريقان يعودان لبعضهما بعد سفر طويل. ضحكتها كانت ضحكة امدرمانية كاملة ضحكة تجعل قلبك يركض دون أن يستأذنك. تلك هي ذات الشجون وتلك هي البت البن لحظة من العمر لو استطاع الزمن أن يحتفظ بها لفعل ولو استطاعت الأغنية أن تحميها لفعلت ولو استطعت أنت أن تبقيها لربما بقيت. لكنها رحلت كما ترحل الأشياء التي تأتي من الصدفة وتغادر من الصدفة وبقيت ذات الشجون شاهدة وبقيت الذكرى حية وبقيت أنت تحملها في قلبك كلما سمعت ذات الشجون.
بالفعل، عندما تتحول الأغنية إلى وطن، فإنها تكف عن كونها مجرد موسيقى ، خاصة لمن يغالبهم الحنين إلى الوطن. الأغنية ذات الكلمات العذبة والألحان العبقرية لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا تأشيرة دخول، تتحكر في الوجدان مباشرة دون استئذان، وتلامس المشاعر بلا تكلف أو تعقيد.
08-21-2026, 06:19 PM
osama elkhawad osama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 21926
الشعور بالغربة "خشم بيوت". ومع التطور التكنلوجي الفائق يمكن ان يتلاشى ذلك الشعور . الغربة تختلف حسب خبرة الاشخاص. قرأت مرة ردّاً لميلان كونديرا عن الغربة في فرنسا. قال صادماً لتوقّعي: "أنا في غاية السعادة هنا".
لو ُسئلت انا عن غربتي في امريكا، ربما اتبنّى إجابة كونديرا، حين اقارن غربتي هنا بغربتي في ليبيا واليمن. فالاثنان: "ضياع زمن".
نحن في اشد الاختلاف في ما يتعلق بالترقيم. فبينما انا مهووس به مثلما كان بولا كذلك، فانت يا دكتور لا تعبأ به في كثير من الاحيان.
القارئ الحريف يمكنه ان يعالج ذلك . لكن القارئ العادي، ليست له القدرة على معافرة اللغة بترقيم قليل او بدونه.
عزيزي المشاء تحيات وشكر على الحضور الأنيق والمفيد ايضا طبعا هو اختلاف مشروع فانت وبولا وأيضا الطيب صالح كتاب محترفون تكتبون النص السوداني الطويل المتوتر والمليء بالطبقات وهذه المدرسة تعتمد على الإيقاع الداخلي وعلى اللغة متحركة الإيقاع وهذه كلها تحتاج إلى ترقيم دقيق حتى لا يضيع القارئ في المتاهة وأنت محق في اهتمامك بالترقيم لأنه يخدم مشروعك الأدبي ويجعل نصوصك أكثر وضوحاً وموسيقية وربما انا من مدرسة كاملة ترى أن الترقيم تدخّل زائد رغم علمي أن الكتابة التي تحمل طبقات فكرية وشعورية يكون الترقيم ضرورة لا رفاهية. انا من مدرسة ترى أن اللغة العربية بطبيعتها لغة معربة وأن القارئ يستطيع أن يستنتج الوقف والابتداء من السياق خاصة في المنابر التي يرتادها الأدباء الا أنني أيضا اعترف لدي مشكلة مزمنة مع الترقيم وهي واحدة من أعمق العقد التي اواجهها خاصة وانا أحيانا أكتب نصوصاً طويلة الا أنني أحاول ما استطعت معالجة مشكلة الترقيم والتشكيل حتى لا يفقد النص جزء من موسيقاه خاصة في النصوص التي تعتمد على التراكيب الطويلة والاستطراد الا أنني لا أعبا به كثيرا كما قلت أما عن الشعور بالغربة فسأعود لذلك بي مزاج لاحقا ان شاء الله تحيات وتقدير
العزيز أحمد خليل هي فعلاً أغنية زاد الشجون كما أوضحت انت وليست ذات الشجون وهي الأغنية التي ارتبطت بذكرتي بذات الشجون التي تعود فراق شكرا على التصحيح ولك شكري وتقديري
عزيزي المشاء عجبتني جدا (الغربة خشم بيوت) لأنها جملة تفتح لنا أكثر من نافذة للكتابة ودعوة لفهم عميق جدا عن الغربة وكأنك تقول: الغربة ليست مكاناً بقدر ماهي طبقات من التجربة وكل طبقة لها معنى مختلف وما قلته عن ليبيا واليمن وأمريكا ليس مقارنة بين بلدان بقدر ما هو مقارنة بين أنواع الفقد. هناك غربة تشبه التيه وغربة تشبه النجاة وغربة أخرى تشبه الاستراحة وغربة تشبه الهروب وغربة ليبيا واليمن عندك لم تكن غربة مكان ولكنها كان غربة زمن ضاع زمن لم تستطع أن تعيشه كما ينبغي ولم تستطع أن تهرب منه كما تريد ولم تستطع أن تحفظه كما يستحق. ولهذا حين تقول إن غربتك في أمريكا ربما تشبه إجابة كونديرا (نا في غاية السعادة هنا) فأنت لا تمدح المكان بل تقارن نوع الألم (طبعا هذا تفسيري أنا) وأمريكا ليست وطناً لكنها غربة يمكن أن تُعاش وغربة يمكن أن تُظَّم ويمكن أن تفهم ويمكن أن تخفّفها التكنولوجيا والخيارات والقدرة على الحركة (دا برضو تفسيري أنا) حين تقول إنك سعيد هنا فأنت تقول إنك أخيراً في مكان لا يسرق زمنك وكأنك تقول ان الغربة التي تؤلم ليست الغربة التي تبعدك عن الوطن بل الغربة التي تبعدك عن نفسك ولهذا ليبيا واليمن كانتا غربة قاسية لأنهما أخذتا منك وقتا لا يعود أما أمريكا فهي غربة يمكن أن تعاش دون أن تعاقبك. فهل تحولت الغربة عندنا من مكان إلى زمن فالغربة التي تتحدث عنها ليست جغرافيا بقدر ماهي سيرة حياة أنت لا تتحدث عن البلدان بل عن الزمن الذي خذلك في بعضها وأنصفك في بعضها. والتكنولوجيا يا مشاء لا تُلغي الغربة بل تغيّر شكلها فالغربة قديما كانت عزلة كاملة رسالة تصل بعد شهر وصوت لا يُسمع وصورة لا تُرى وذاكرةٌ تتآكل لأن لا شيء يربطها بالعالم. الغربة الحديثة ليست عزلة بقدر ماهي تشتّ فانت ترى كل شيء وتسمع كل شيء وتتواصل مع الجميع لكنّك لا تنتمي إلى أي شيء. التكنولوجيا تخفف الغربة نعم لكنها أيضاً تعريها فتريك كم أنت بعيد وكم تغير العالم من دونك وكم تغيّرت أنت من دون العالم. كتب صديقي أيوذر يوم ما: لم تعد الغربة سؤالاً عن الخرائط ولا عن خطوط الطيران ولا عن المدن التي تشبهك أو لا تشبهك. الغربة حين تنضج في الوعي تتحوّل إلى شيءٍ آخر تمام (تصبح طريقةً لقياس الزمن لا لقياس المسافة) في بدايات العمر يا مشاء كنا نظن أن الغربة هي أن تبتعد عن الوطن لكننا اكتشفنا لاحقاً أن الوطن قد يكون أقرب من يدك ومع ذلك تشعر بأنك بعيد عنه آلاف السنين واكتشفنا أيضاً أن مدينة بعيدة جداً قد تمنحك زمناً صافيا فتشعر أنك أقرب إلى نفسك من أي وقت مضى. يا مشاء الغربة التي تُؤلم ليست تلك التي تبعدك عن أهلك بل تلك التي تبعدك عن نسختك التي كنت تريد أن تكونها. الغربة التي تعاقب ليست غربة المكان بقدر ما هي غربة الزمن الذي لا يعمل لصالحك. الغربة التي تعاقب هي الزمن الذي تحس فيه أنك تستهلك عمرك مقابل توفير الخبز ولهذا كانت ليبيا واليمن بالنسبة لك والصومال بالنسبة لي ليست بلداناً، بل حقبتين من العمر ضاعتا دون أن تكتمل فيهما الحياة. لم تكن المشكلة في الشوارع ولا في الناس ولا في اللغة بل في الزمن الذي كان يمشي ضدنا والزمن الذي لم يسمح لك ولي أن تتنفس وأن نختبر أنفسنا كما يجب. الغربة هناك كانت سجناً زمنيا نستيقظ في اليوم نفسه ونعيش الوجع نفسه ونحمل الأسئلة نفسها وننتظر شيئاً لا يأتي ذلك الانتظار الطويل هو الغربة الحقيقية لا المسافة. الغربة ليست أن تكون بعيداً، الغربة أن تكون خارج زمنك والغربة حين تتحوّل من مكان إلى زمن تصبح رحلة داخل العمر لا داخل الجغرافيا وتصبح أنت لا المكان، من يقرر أين يبدأ الوطن وأين ينتهي المنفى. نحن يا مشاء جربنا وخبرنا كيف يمكن ان يعيش الإنسان خارج عمره وهو داخل بلده فعرفنا أن ليس كل منفى يحتاج إلى حدود أو مطارا ت وعرفنا أن هناك منفى أشد قسوة و أعمق وأكثر خفاءً: هو المنفى الذي يحدث داخل الوطن نفسه. ذلك النوع من الغربة لا يرى ولا يُكتب في الأوراق ولا يعلن في نشرات الأخبار أنها غربة يعيشها الإنسان وهو يمشي في شوارع يعرفها ويصافح وجوهاً يعرفها ويتنفس هواءً يعرفه لكنّه يشعر في داخله أنه خارج زمنه. الغربة داخل الوطن تبدأ حين يتوقف الزمن حولك وحين يصبح يومك نسخة من اليوم الذي قبله وحين تتحوّل الحياة إلى تكرار بلا معنى وحين تشعر أن عمرك يمضي في مكان لا يمنحك فرصة واحدة لتكون نفسك. الوطن يا مشاء حين يصادر زمنك يتحول إلى منفى فانت لا تحتاج أن تغادره كي تشعر بالغربة يكفي أن تستيقظ كل صباحٍ وأنت تقول في داخلك: هذا اليوم ليس لي. وتحس أن المنفى الحقيقي هو أن تعيش في بلدك لكنّك تعيش حياةً لم تخترها وتحمل هموماً لم تصنعها وتنتظر خلاصاً لا يأتي وتشعر أن الزمن يمر عليك لا معك. هو أن ترى الآخرين يعيشون أعمارهم بينما أنت تعيش انتظاراً طويلاً. انتظار أن يتغيّر شيء وأن تُفتح نافذة وأن يعاد ترتيب القدر وأن يعود الزمن إلى صفّك. في المنفى الداخلي يا مشاء لا يطردك الوطن لكنه يتركك معلّقاً لا يمنعك من البقاء لكنّه يمنعك من الحياة. ولا يغلق الباب في وجهك، لكنّه لا يفتح أي بابٍ آخر لك لتتنفس. ولهذا يكون المنفى الداخلي أقسى من الغربة الجغرافية لأن الغربة في الخارج تعاش وتفهم وتُخفّفها الحركة والخيارات واللغة والتكنولوجيا. المنفى الداخلي هو أن تكون قريباً من كل شيء وبعيداً عن نفسك وأن تكون في قلب الوطن لكنّك تشعر أنك خارج العمر وأن تكون بين أهلك لكنّك تشعر أنك ضيف في حياتك. وحين يهاجر الإنسان بعد هذا النوع من المنفى يكتشف شيئاً صادماً: هو أن الغربة في الخارج أقل ألماً من الغربة في الداخل. لأن الغربة في الخارج ربما تعطيك زمناً جديداً أما المنفى الداخلي فيأخذ منك الزمن القديم دون أن يمنحك شيئاً. وحين يعيش الانسان هذا النوع من الغربة يكتشف أن الوطن الحقيقي ليس الأرض بل الزمن الذي يستطيع أن يعيش فيه دون أن يُعاقَب.
كالعادة شوفك ما اعتيادي. بدا لي جليًا الآن بعد تحليلك المفاجئ لي ، ان ما كنت اعتبره سعادة ، هو ضرب من المعانة الهّنة:، التي لا تُرى بعين القلب المجرّدة: حمّى خفيفة!!
لم تكن غربة ليبيا واليمن "ضياع زمن"، كما تقول اغنية البنات. كانت درسا من دروس العمر التي لا تحصل عليها بالقراءة المثابرة: ان وعود السلفيين والمتدينيين بالخير الكامن وراء حجب المراة والفصل بين الجندرين، وعود كاذبة.
هذه مجتمعات تعيسة: مع كامل التضامن مع شعوبها المكلومة !!
كسلا أغنيات مثل الطير الخداري لعلي إبراهيم وحبيبة عمري للكابلي وحبيت عشانك كسلا للتاج مكي واليوم عدت اليك يا كسلا للطيب عبد الله .... أغنيات تفتح جرح الشوق على ملح الذكريات وهي ليست مجرد أعمال فنية رائعة فقط ولكنها مفاتيح صغيرة تفتح أبواب مدينة كاملة في الذاكرة. هذه الأغنيات تحديدا تحمل شيئًا لا يشبه أي مدينة أخرى ذلك الخليط الغريب من الشجن والضياء من الحنين الذي يشبه الماء ومن الفرح الذي يشبه خفقة جناح في صباح كسلا. هذه الأغنيات هي طقس عودة لباب تدخل منه رائحة البن وصوت المطر ودفء الناس الذين كانوا يصنعون مدينة كسلا من ضحكاتهم وصفاء نفوسهم. أغنيات تعيد اللحظة التي ينفتح فيها جرح الشوق على ملح الذكريات فتصعد إلى قمة الذاكرة كل الوجوه التي كانت يومًا أجمل من الجغرافيا وأصدق من الخرائط وأقرب إلى القلب من أي طريقٍ يفضي إلى عذوبة الشرق ولطف جماله تفتح تلك الأغاني صفحات في كتاب الذاكرة والحنين لكسلا التي هي فصل عن الناس الذين جعلوا المدينة ممكنة. أولئك الذين كانوا يجلسون معا ويحولون الحياة إلى كلام نقي وجميل والكلام إلى دفء والدفء إلى ذاكرة لا تموت. هي الأصدقاء وهم معالمها التي لا تكتب. ليس الجبل ولا القاش ولا الشجر هي الوجوه التي كانت تضيء حين نتحدث والأصوات التي كانت تملأ الليل بطمأنينةٍ دافئة. كسلا تبدأ من ضحكة صديقٍ رفع كوب الشاي وقال شيئًا دافئا وقادرا على تحويل التعب إلى حكاية والحكاية إلى غناء عذب. وكسلا في ذاكرة عشاقها ليست مكانا هي حالة، مزاج، ارتعاشة، وذكرى لا تُقال إلا همسًا. هي أيقونة الشرق الذي يلمع كبرق والقهوة التي تفوح رائحتها من العيون التي تربك والغناء الذي لا يقال إلا لمن يعرف أن الجمال أحيانًا يحتاج إلى أن يحاط بالصمت قبل كتابته على صفحات الدفاتر وكسلا تبدأ في داخلك في تلك الرجفة الخفيفة التي تصيبك حين تسمع تلك الأغنيات فيتجه القلب شرقا وفي تلك الحزمة من البريق التي تظهر في العيون حين يفتح اللحن مواعين الذاكرة فتتذكر أن الجمال يمكن أن يكون بسيطا مثل فنجان قهوة ومعقّدًا مثل امرأة لا تقول كل ما تعرف. تعود اليك كسلا مدينة تفتح أبوابها بالحياء وبالخطوات التي تعرف كيف تمشي على أطراف الجمال حتى لا توقظه. مدينة تستقبل العاشق بصمت وتختبره قبل أن تمنحه سرّها. هي وجوهٌ تبتسم بابتسامة فيها شيء من الماء والقهوة وشيء من الطيبة وشيء من الحزن الذي لا يُقال إلا في آخر الليل. مدينة إذا دخلتها تغيرت وصرت أنت أكثر صدقا وأقلّ قابلية للحزن تصيبك بحالة وجد وارتخاء في الروح فتضع تعبك وتعيد ترتيبك من الداخل لتراها كما رآها إبراهيم الكامل رحمه الله امرأة من شرق السودان إذا نظرت إليك أربكتك وإذا ابتسمت أعادت إليك طفولتك وإذا صمتت صار الشعر كلّه محاولة لفهم هذا الصمت. أو كما أحسها رحمه الله جبال تتوضأ بالندى وعيونٌ تتكلم قبل أن تنطق ومساءات تعرف طريقها إلى القلب من غير دليل. تلك أغنيات تعيد كسلا اليك بكامل بهاء حسنها وزينتها في جلسة ونسة وفي ضحكة خرجت من صدر صديق يعرف كيف يخفّف عن أصدقائه وفي حكاية ناقصة أكملها آخر بالخيال وفي تلك اللحظة التي شعرنا فيها أن الليل صار أوسع من همومنا. كسلا مدينة تعود إلينا وتعيش فينا لتفتح أبوابها على جدران الذاكرة كلما ضحك صديق أو مرّت أغنية أو اشتاق القلب لجلسة ونسة كانت أطول من الليل وأصدق من العالم هي ذكريات أصدقاء الزمن الذي لا ينسى وروعة عشرات الونسة البريئة وأيضا النصف بريئة ود الخليفة، برعي بلة، نجاة حسن، إبراهيم الحسن، جعفر ادريس، عائشة أوشيك، الأمين، فرسان وأسماء وأسماء
Quote: لم تكن غربة ليبيا واليمن "ضياع زمن"، كما تقول اغنية البنات. كانت درسا من دروس العمر التي لا تحصل عليها بالقراءة المثابرة: ان وعود السلفيين والمتدينيين بالخير الكامن وراء حجب المراة والفصل بين الجندرين، وعود كاذبة.
هذه مجتمعات تعيسة: مع كامل التضامن مع شعوبها المكلومة !!
عزيزي المشاء يبدو أن هذا البوست سيسير بنا الى حيث يطلب منا البحث عن معان جديد وعن لغة جديدة وعن فهم أعمق للحياة وربما عن حياة جديدة (بوست ورطة) أحيانا يا صديقي أنا اتحدث من واقع تجربتي الشخصية في الغربة والتي لا زلت اكابد تذوق مرارتها. غربتي كان معظمها بفلندا والصومال والآن بالمملكة العربية السعودية بالإضافة الى الغيابات السريعة في أكثر من خمسين دولة في العالم اسفار هيأها لي عملي ضمن فرق اتفاقية تغير المناخ وعادة تكون تلك الغيابات مؤلمة رغم قصر مدتها ففيها عادة ما أكون قد خلفت ورائي الكثير من الأحزان والوداعات التي كانت أحيانا وداعات أخيرة هذا النوع من الغيايات القصيرة ربما يكون أكثر ألما فهي ليست رحلات عمل ولا سرداً لمدن مررت بها بقدر ما هو تاريخ روحيّ لإنسانٍ ظل يودع أكثر مما يصل ويغادر أكثر مما يستقر ويحمّل حقيبته بما لا تحمّله المطارات من الأحزان والوداعات الأخيرة. تلك الغيابات القصيرة كانت عبار عن مقاطع زمنية كل واحدة منها أخذت مني شيئاً صغيراً وكل واحدة أضافت لي شيئاً آخر لكنّها جميعاً تركت في داخلي ذلك الإحساس بأنني أعيش حياة متقطّعة وأنني أعيش حياة تبنى من أجزاءٍ قصيرة وهي حياة لا تعطيك فرصة لتقول جملة كاملة دون أن يقطعها سفر جديد. وأصعب ما في الغيابات السريعة ليس السفر ولكنها العودة. لأنك تعود دائماً إلى شيء تغير أو إلى شخص لم يعد موجوداً أو إلى وداع كان يجب أن يكون مؤجّلاً لكنه أصبح نهائياً ولهذا كانت تلك الغيابات مؤلمة رغم قصرها لأنها ليست غيابات عن المكان بقدر ما هي غيابات عن الزمن الذي كان يجب أن تعيشه مع من تحب. الغربة الطويلة تغيّر الإنسان لكن الغربة المتقطّعة تلك التي تشبه نبضاً غير منتظم هي التي تعيد تشكيل الروح. فلندا كانت برودة في الخارج وتجربة دافئة في الداخل والصومال كانت برودة في الداخل وتجربة ساخنة في الخارج والرياض الآن ليست برودة ولكنها استراحة بين وداعين. السؤال: هل صنعت منك الغربة انسانا جديدا؟ وهل أحدثت غربة اليمن وليبيا فيك شيئا من التحوّل الروحي أو على الأقل كانت الشرارة الأولى للتحول الروحي؟ وهل كانت غربتك في ليبيا واليمن درساً في الروح؟ بعد أن رأيت كيف يمكن للإنسان أن يعيش في مجتمع مغلق وكيف يمكن للروح أن تختنق حين تحاصر بالقوانين وبالشعارات وبالخوف وبالرقابة فنحن حين نعيش الغربة كزمن روحي تتغير طريقة رؤيتنا للعالم وهذا الزمن الروحي هو ما يصنع الإنسان الجديد زمن تتعلم فيه أن الحقيقة هي ما نراه وان الأخلاق ليست خوفا وان الكرامة شرطا للوجود وان الروح لا تشفى بالانتماء فقط ولكنها تشفى بالصدق مع نفسها وكما عشت انت في ليبيا واليمن عشنا نحن المنفى داخل الوطن حيث لم تكن الغربة مجرد ضياع عمر بقدر ما كانت ضياع يقين وكما رأيت انت رأينا نحن أن الأخلاق التي تفرض بالقوة لا تنتج مجتمعاً فاضلاً ولكن تنتج مجتمعاً خائفاً ورأينا أن الحجب لا يصنع احتراماً بقدر ما يصنع توتراً ورأينا أن الفصل بين الجنسين لا يصنع عفة بقدر ما يصنع هشاشة في العلاقات الإنسانية. رأينا كيف تسقط الوعود الأخلاقية أمام الواقع الاجتماعي فالوعود التي تقدّم باسم الحجاب والفصل بين الجنسين لحماية المجتمع من الفتنة تبدو نظرياً كأنها طريق إلى مجتمع فاضل الا انها حين تطبق هذه الوعود بالقمع لا يظهر مجتمع فاضل بل مجتمع خائف ومكبوت ومثقل بالتناقضات وذلك ليس لأن الناس سيئون ولكن لأن القمع لا يصنع السعادة ولا يصنع الطمأنينة ولا يصنع الأخلاق ولا يصنع مجتمعاً متوازناً. وهذا درس لا يكتسب من الكتب ولا من النقاشات النظرية ولا من المقالات ولكن من العيش وسط تلك البنية يوميا ونحن في المنفى الداخلي عشناها بكل تفاصيلها الصغيرة. ورغم كل شيء فقد اعطتنا الغربة في بلاد مثل فلندا بصيرة بأن الأخلاق ليست قوانين وانما هي علاقات وليست حجباً ولكنها ثقة وليست فصلاً بل احتراماً متبادلاً وعلمتنا أن القيم لا تزرع بالمنع لكنها تزرع بالثقة وبالحرية المسؤولة وبالعدالة وبالكرامة الإنسانية. الغربة مهما كان نوعها لا تغيّر ظروفنا فقط لكن تغيّر مقاييسنا فما كنا نعتبره مهما يصبح صغيرا وما كنا نعتبره عاديا يصبح جوهرياً وما كنا تعتبره يقينا يصبح سؤالاً وما كنا تعتبره نهاية يصبح بداية وهذا هو التحول الروحي أن تصبح أكبر من تجربتك وأن تكون أقرب إلى نفسك. في الوطن رأينا كيف أن الأخلاق تمارس غالباً تحت ضغط الجماعة ويحكمها ما سيقوله الناس وما سيحكم به المجتمع وما يعتبر عيبا لكن في الغربة الجماعة تختفي فلا أحد يعرف ولا أحد يراقبك ولا أحد يحكم عليك وهنا يظهر الضمير الحقيقي في سؤال: ماذا تفعل حين لا يراك أحد؟ هذا السؤال يعيد تشكيل الأخلاق من الخارج إلى الداخل حيث تصبح الأخلاق قرارا ذاتيا وليست امتثالا اجتماعياً وتصبح قناعة واختيارا وهذا هو التحول الأخلاقي الذي لا يحدث إلا في الغربة في بلاد كفنلندا وغيرها
الطريف وذكريات حتى الطيف رحل خلاّني كان ذلك في أول الثمانينات وكنت خارجاً من علاقة أنهكت قلبك لسنين وخارجاً من فراق يشبه كسر ضلع ومن خذلان يترك في الروح حفرة لا تردم بسهولة. كل شيء حولك كان يغري بالحزن الليل والذكريات، والوجوه التي غابت والأحبة الذين تركوا في صدرك فراغاً يمشي معك مثل ظل لا يريد أن ينفصل عن روحك على عنقريب هبابي بالعراقي والسروال في قرية على حافة النيل اسمها الطريف تلك القرية التي تشبه بداية الخليقة حيث الماء أقدم من الكلام وحيث الناس يتركون قلوبهم عند باب النيل قبل أن يرحلوا شمالاً (شمال الحلم و شمال القلب) نحو مدن تهبهم الحبيبات والشوق وسهر الليالي والحزن أيضا. هناك وفي تلك اللحظة بدأ صوت محمد كرم الله يتدفق (اما النوم ابى وجافاني) لم يكن صوتاً فقط كان نهرا صغيرا يشق طريقه في صدرك و كان صفاءً نيليا ساحرا وكان حزناً يليق بمن خرج من الحب مكسورا مثل جناح لا يعرف كيف يعود للطيران. هكذا اختبرت نبضك بأغنية طرية الشجن أغنيةٍ لا ترحم أغنيةٍ تعرف كيف تفتح باب الوجع على مصراعيه في صدرك حتى تشعر أن قلبك تحوّل إلى كتلة من أسى. يمسك صوت محمد كرم الله بخمول روحك ويرج صمتك ويوقظ فيك حنيناً هائلاً لأحبابٍ فارقتهم لكنهم ما زالوا يضجون حياة في منتصف الفؤاد. هناك على ذلك العنقريب وجدت نفسك تردد بصدق مع ود كرم الله (قليل يا طيف أقيف أرجاني وين فايتني عابر) في تلك اللحظة، على العنقريب الهبابي بالعراقي والسروال وفي الطريف كنت تشعر أن تلك الأغنية تعرفك وتعرف وجعك وتعرف كيف انكسرت وكيف حاولت أن تتماسك وكيف فشلت في كل مرة فتظل ممكونا بالشوق فتتذكر فجأة وتتعب فجأة وتحن فجأة حتى لو كنت تظن أنك تجاوزت كل شيء. العاشق المهزوم حين يسمع الطيف لا يسمع أغنية لكنه يسمع نفسه ويسمع انكساره ويسمع خيبته ويسمع كل الطرق التي مشاها وهو يجرّ قلبه خلفه مثل ظل ثقيل لا يريد أن ينفصل. صوت ود كرم الله يدخل إلى الروح كما يدخل الماء إلى الشقوق العطشى في الأرض (الكركيات) فيملأها ويفضحها ويوقظها ويجعلها تنزف موسيقى. أغنية حتى الطيف رحل خلاني ليست مجرد شجنٍ هي عندي مرآة يرى فيها كل من رحل وجهه القديم وكل من أحب قلبه الأول وكل من فقد ظلّه الذي كان يمشي أمامه. هي أغنية الذين خرجوا من الطريف ومن القرى التي تشبه بداية العالم وتركوا شيئا لا يمكن حمله شيئاً اسمه (الحنين). أغنية الطيف لا تواسي ولا تربّت على كتفك هي أغنية لا تعرف الكذب فهي تشعلك وتفتح جرحك وتجعلك تبكي وتجعلك تتذكّر من رحلوا ومن ماتوا ومن عبروا إلى الضفة الأخرى ومن تركوك واقفا في منتصف الطريق تحمل قلبا لا يعرف أين يذهب. هي أغنية تعيدك إلى الطريف وإلى النيل وإلى ذاك العنقريب وإلى تلك اللحظة التي كنت فيها إنساناً كاملاً وعاشقا مهزوم. ثم لماذا كل هذا الحزن فيك؟ لأن أغنية الطيف لا تزال تعمل فيك عمل السحر الأسود تفتح فيك باباً كنت تظنه مغلقاً وتوقظ في صدرك عاشقاً ظنّ أنه مات منذ خمسين عاماً. كلما سمعتها يعود ذلك الطيف الذي رحل يعود ليجلس على صدرك ليذكرك بأن الهزيمة ليست في الفقد لكن في أنك لا تزال تنتظر شيئاً تعرف أنه لن يعود. أكثر الأحلام حزناً هي تلك التي يتوسد فيها فقراء العشق قلوبهم قبل النوم وأنت واحد منهم تحمل قلبك كأنه صرة من وجع وتنام على أغنيةٍ تعرف جيداً أنها لا ترحم. ما بينك وبين الحزن تلك الآهة، آهة بطعم الطين ورائحة النيل آهة تشبه صوت محمد كرم الله حين يغني حتى الطيف رحل خلّاني فتشعر أن الأغنية ليست أغنية بل هي يد تمتد إلى صدرك وتضغط عليه حتى يفيض. خمسون عاماً وأنت تحاول التأقلم لكن أغنية واحدة كفيلة بأن تعيدك طفلاً يقف على ضفة النيل ينظر إلى الماء كأنه مرآة تكشف له كل ما حاول نسيانه. لماذا لم يسقط هذا الجزء من ضلال القلب من ذاكرتك؟ ربما لأن بعض الأغنيات لا تُنسى فبعضها يُخزن في العظم وفي النبض وفي تلك المنطقة التي لا يجرؤ أحد على دخولها مهما دعوته إليها. ها هي الطريف تلوح أمامك في الخيال كأنها تفتح ذراعيها لتستقبل عاشقا عاد مهزوماً لكنها لا تسأله لماذا هُزم فالقرى لا تسأل أبناءها والنيل لا يلوم من يعود إليه منكسر القلب. تأخذك أغنية الطيف للانحناءة التي يرتخي فيها النيل ليقبّل قصر كجبي فتشعر أن الماء يعرفك يعرف هزائمك يعرف تلك الليلة التي سمعت فيها الطيف للمرة الأولى بعد الفراق ً. ثم لماذا العودة في خيالك الآن؟ ربما لأن موسم الهزائم الكبرى لا يعالج إلا بالماء ولا يُغسل إلا في حضن النيل ولا يشفى إلا حين يغني القلب أغنيته الأخيرة تلك الأغنية التي لا يسمعها أحد غيرك كما كانت في تلك اللحظة (حتى الطيف رحل خلاني)
09-01-2026, 04:12 AM
osama elkhawad osama elkhawad
تاريخ التسجيل: 12-31-2002
مجموع المشاركات: 21926
بوست شهي خالس خالس كما قال تبارك ذات مرة عايز اضيف حاجة بتحصل لي علي فترات متباعدة مرة اركز مع ود الامين كم شهر كانو مافي فنان غيرو مرة اركز مع ابراهيم عوض بنفس الطريقة الخ احيانا استمع الي اغنية واحدة عدة مرات وبصوت فنان محدد مثل اغنية المصير اداء هاني عابدين او ابراهيم حسين في اغاني محددة له لمدة اسبوع غايتو قصة غريبة
+++ الحاجة التانية اداء الخواجات كاوركسترا لاغانينا تحس بشئ ناقص زي نقل مصنع النبيذ من ايطاليا الي المانيا كاملا وحتي العمال والمهندسين وبعد دا كلو طلع نبيذ ما سمح يعني صعوبة نقل المناخ وهنا صعوبة نقل الحس الوجداني للعازف وحركة اصابعه مع الالة الموسيقية الي ثقافة اخري او صعوبة جسدنة ماهو سوداني الي ماهو لاسوداني
09-01-2026, 07:16 AM
عبداللطيف حسن علي عبداللطيف حسن علي
تاريخ التسجيل: 04-21-2008
مجموع المشاركات: 6860
سلام عبد اللطيف وشكرا على التعليق اللطيف المستمع السوداني خاصة بعد الحرب والحاصل دا ما مستمع هو مسافر. يمشي بين الفنانين كأنهم مدن ويعود منهم محمّل بذاكرة جديدة أو بجرح قديم أو بطمأنينة ما بتجي إلا من صوت اتولد في نفس المناخ الوجداني البنعرفو وحكاية التركيز على فنان واحد لفترات يخيل لي دا حال معظم الناس أحياناً ود الأمين يكون هو المزاج كأنو الصوت الوحيد القادر يشرح لك نفسك. بعدها فجأة إبراهيم عوض يفتح ليك باب تاني باب الفرح القديم أو الشجن المنسي الناس البتسمع كتير بتعرف إنو الفنّان ما بس صوت هو مزاج كامل وطقس داخلي ومناخ وجداني. وإنت بتتنقل بين المناخات حين سماعك للأصوات والألحان المختلفة. مرات الأغنية الواحدة بتكون زي صفحة في كتابك الداخلي بتسمعها عشان تفتح نفس الباب كل مرة وانا من رأيك في أداء الخواجات لأغانينا… ولماذا يبدو ناقصاً . لأنو فعلاً لمناخ ما بنقلوه و الوجدان ما بنقلوه. الموسيقى السودانية ما بس نوتات هي حركة اتولدت في بيئة معينة في طين وفي نيل وفي لهجة وحتى في طريقة مشي الناس والعازف الأجنبي ممكن يتقن النوتة، لكن ما بقدر يتقن الارتعاشة الوجدانية البتخلي ضربة العود تبقى فيها دفء بلد كاملة. زي ما قلت انت صعوبة جسدنة ما هو سوداني في جسد غير سوداني. دي ما مسألة مهارة دي مسألة ذاكرة جماعية واحساس وجداني. نحن السودانيين نسافر بين الفنانين كما نسافر بين المدن نبحث عن ظل يشبهنا أو عن رائحة تعيدنا إلى زمنٍ لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة وكل فنان بلد وكل أغنية طريق وكل استماع هو محاولة لفهم شيءٍ لم نستطع أن نقوله بالكلام. تحيات وتقدير
فى أغنيات كده بتتسرب لأمتعة السفر عنوة ! زى " قصتنا " أنأ شخصيا لمن جيت أغترب لقيت شريط TDK " قصتنا" فى شنطتى دون أن أذكر إنى ختيتو ! قبل كده فى تفتيش مطار الخرطوم إتلقى " قصتنا" فى شنطتى ولما كان المفتش يبحث عن دولارات و وقع الشريط في يدو قلبو كده وقال " ده شنو ده كمان ؟" ورجعو !
Quote: الناس البتسمع كتير بتعرف إنو الفنّان ما بس صوت هو مزاج كامل وطقس داخلي ومناخ وجداني. وإنت بتتنقل بين المناخات حين سماعك للأصوات والألحان المختلفة. مرات الأغنية الواحدة بتكون زي صفحة في كتابك الداخلي بتسمعها عشان تفتح نفس الباب كل مرة
حكى لى يا دكتور واحد صديقنا كان من أوائل العائدين الى الخرطوم بعدما رجعت مشى " عوامة مراسي الشوق" حيث كانت الأغنيات تتربع على ضفة النيل ، وجد اللافتة ممزقة تتلاعب بها الرياح ، وجد عود بدون أوتار و كمان مسكور وجد التتار قد دمروا كل شي و أحالو المكان خرابا
شوف هنا فضل - بالمزاج الكامل - كيف رمم ببراعة فائقة تصدعات الوجدان . أظنو كمان احدث إختراق
09-01-2026, 02:47 PM
walid taha walid taha
تاريخ التسجيل: 01-28-2004
مجموع المشاركات: 4357
العزيز وليد شكرا على الحضور الجميل والتعليق وتزيين البوست بي صوت الرائع فضل الأغنيات التي تدخل أمتعة السفر دون إذن هي نفسها التي تدخل القلب دون استئذان، تختار اللحظة التي نكون فيها على وشك الانهيار وتجلس في منتصف الروح لتهبك الشعور بأنك لم تسقط تماماً. وقصتنا بالذات… هذه ليست أغنية، هذه وثيقة نجاة، جواز سفرٍ صغير يحمله عثمان حسين في جيبه ويعبر به حدود الحزن إلى جهة أخرى جهة يمكن للإنسان أن يتنفس فيها دون أن يخون ذكرياته. صوت عثمان حسين في قصة بازرعة لا يغنّي بل يمشي داخل القلب مثل شخصٍ يعرف البيت جيداً، يفتح باباً كنت قد أغلقته بإحكام، ويعيد لك الحكاية لكن بطريقة لا تكسر قلبك طريقة تخبرك بأنك كنت هناك في ذلك الزمن الجميل الذي لا يعود لكنه لا يموت. حين انهارت عوامة مراسي الشوق لم ينهَر المكان فقط ولكن انهارت ذاكرة كاملة وانهار زمن كان الناس يذهبون إليه ليغسلوا قلوبهم في النيل ويعودوا أخف وأكثر قدرة على الحب. تتار الحرب لم يدمّروا المكان فقط لكن دمّروا ما كان يربطنا به دمروا الحنين والأمان والأغنيات التي كانت تشبه ضحكاتنا القديمة فصار المكان اصمتاً وصار الحنين خوفاً وصارت العودة سؤالاً صعباً (هل يمكن أن نعود بعد الخراب؟ هل يمكن أن يعيد الحنين بناء ما تهدّم؟ أم أن العودة نفسها تحتاج إلى مكان لم يعد موجوداً؟) فضل ليس مجرد مغنٍ جميل فقط لكنه صوت يوقظ الذاكرة صوت دافئ يدخل الحزن من بابه الصحيح ويعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الحرب فينا. أحيانا يخيل لي أننا لا نبحث عن العودة إلى المكان وانما نبحث عن العودة إلى أنفسنا كما كنّا قبل الخراب والأغنيات هي الجسور التي تبقى حين تسقط كل الجسور الأخرى تحيات وتقدير
شمبات: خضر بشير حين يغني برضي ليك المولى الموالي هذا الكتاب يبدأ من هنا من فكرة أن الحنين ليس ذاكرة، ولكنه موسيقى. وأن العودة ليست حركة في الجغرافيا بقدر ماهي حركة في الروح تبدأ حين نسمع الصوت المناسب في اللحظة التي نحتاج فيها أن نعود. وهي الآن العودة إلى كلية الزراعة بشمبات وصوت خضر بشير واغنية برضي ليك المولى الموالي. كلية الزراعة بشمبات ليست مجرد مباني ولا قاعات ولا مجرد منطقة على ضفة النيل أو كلية بجامعة الخرطوم هي الآن طبقة من الذاكرة وطبقة من الطين الذي تعلّم كيف يغنّي قبل أن يتعلّم. وهي المكان الذي إذا مرّ به صوت خضر بشير يصبح الهواء نفسه طرباً وتتحول الضفاف إلى مسرح صغير يصفق فيه الماء والقلوب والشجر. شمبات في حضرة خضر بشير هي المكان الذي يعلّمك أن الوطن ليس حدوداً وانما هو لحظة طرب وصوت مغن يعرف كيف يوقظ ما ظننته مات فيك. وهي المكان الذي إذا مررت به تتذكر أنك لم تفقد كل شيء وأن بعض الأماكن تحفظك أكثر مما تحفظ نفسها. مسرح كلية الزراعة بشمبات وليال الطرب والحضور البهيج والمعتاد لخضر بشير على المسرح وحين يغنّي خضر بشير هناك لا يكون الصوت صوتاً فقط بقدر ما يصبح مناخاً ويصبح تلك الرجفة التي تأتيك حين تتذكر شخصاً أحببته ولم يعد. صوت خضر بشير في شمبات يشبه صلاةً تقال بلا كلمات ويشبه أن يقف الزمن دقيقة احتراماً ويشبه أن يفتح النيل باباً سرياً في الماء ليدخل منه الشجن. خضر بشير على ذألك المسرح يتحول الى درويش في حضرة محراب ضريح من فن وابداع وحين يغني تتغيّر حركة الناس وتهدأ الأنفاس. صوته يسكن في الصدر ويفتح باباً في القلب ليعيد ترتيب الحنين بطريقة لا يفهمها إلا من عاش هناك بشمبات وعلى ضفة النيل. حين يغنّي خضر بشير يتوقّف الزمن قليلاً وتصعد أقصى الروح ذكريات الشلة وجلسات الأمسيات على شاطئ النيل بشمبات حين كانت شمبات تتّسع لنا وكان النيل يقترب منا وكأنه يريد أن يسمع أفضل وكانت الجلسات تتحول إلى وطن كامل من الطين والغناء والونسة. وطن لا يطالبنا بشيء، وطن يكفيه أن نكون معاً ليكتمل. لم تكن الشلة مجرد مجموعة أصدقاء، ولكنها كانت وحدة قياسٍ للفرح وكانت شمبات هي المكان الذي يتسع للشلة كما لو أنه يعرفنا واحداً واحداً. يعرف ضحكة عمر ويعرف صمت كمال حين يفكّر ويعرف طريقة جلوس عميري ويعرف تلك اللمعة في عيون أزهري حين يبدأ الحديث ويعرفني حين أحاول أن أحفظ تلك اللحظة من الضياع ويعرف عبد اللطيف حين يسخر من كل شيء. كنا هناك أنا وعازف العود عمر إبراهيم وكمال ساتي والفاتح العمير وأزهري حسن وعبد اللطيف وجلسات الانس والطرب. شلة الأصدقاء التي كانت لا تحمل في لحظات كتلك هموما أو ضجر. رغم التباين يجمعهم الود وحب الغناء والشعر والضحك البريء ونصف البريء أيضا. ذكريات تقف عارية عند سماع أغاني خضر بشير. أزهري كان اروعنا فغيبه الرحيل عنا ولم يجمعنا عزاؤه بعد ان فرقتنا الدروب، كمال اخذته الغربة منذ امد بعيد وآثر اوجاعها رغم انه كان يأتي من حين لآخر، عبد اللطيف بقي كما هو ولا زال عمر كذلك، عميري وانا اخترنا طريق البقاء بالسودان لفترة واخترنا لاحقا طريق الغربة أيضا. على ضفاف النيل كانت الجلسة تبدأ بلا إعلان يكفي أن يجلس واحدٌ منا حتى يعرف النيل أن الليلة ستكون أطول وأن الطرب سيأخذ دوره وأن الونسة ستفتح أبوابها كما تفتح المدن أبوابها للغرباء. كان عمر إبراهيم يحمل العود كأنه يحمل ذاكرة الجماعة لا يعزف فقط، بل يربط الشلة بخيط من نغم وغناء جماعي يعرف طريقه إلى القلب. وكان كمال ساتي يضحك ضحكةً تشبه السفر، ضحكةٌ فيها شيء من الغربة قبل أن يغترب، وفيها شيء من العودة قبل أن يعود. وكان الفاتح العميري ثابتاً مثل حجر في ضفة النيل لا يتغيّر ولا يتبدّل وكأنه جزءٌ من المكان نفسه. أما أزهري حسن فكان أجملنا حضوراً وكان الضوء الذي يسبق الكلام وكانت غيبته لاحقاً فجوةً لم يملأها إلا صوت ذكرياتنا معه. رحل أزهري لكن بقيت ضحكته معلّقة في الهواء وبقيت قصصه تمشي بيننا كأنها لم تفقد صاحبها بعد. كنا نصنع وطناً صغيراً على ضفة النيل، وطناً لا يحتاج إلى علم ولا إلى نشيد فقط يكفيه أن يجلس عمر على الرمل وأن يمدّ كمال رجليه نحو الماء وأن يضحك أزهري وأن يصمت عميري وأن يسخر عبد اللطيف وأن أرفع انا رأسي نحو النيل تفرقنا وبقي صوت خضر بشير يوقظ فينا تلك الذكريات ويعيدنا لزمان احببناه واخترناه وعشناه كما نهوى ثم لماذا أغنية برضي ليك المولى الموالي دون بقية الأغنيات التي يلبسها صوت خضر بشير ثوبا صوفيا من البهج المريح والبهاء تلك أمسية لا تشبه بقية الأمسيات، هي حكاية امرأةٍ وعاشقٍ وأغنيةٍ واحدةٍ كانت أكبر من قلبيهما وأكبر من الفراق وأكبر من تلك الأمسية التي مرّت كأنها لم تمرّ لكنها بقيت. بقيت في برضي ليك المولى الموالي وجعلت من تلك الأغنية قدرا صغيرا يمرّ في حياة العاشقين ثم يترك أثراً لا يزول. كانت امرأةً تعلّمت أن تُخفي قلبها كما تُخفي النساء جرحاً قديماً في طرف القلب. في تلك الليلة وحين صعد خضر بشير إلى المسرح لم تكن تبحث عن شيء لكن الأغنية بحثت عنها. وحين وجدتها فتحت فيها نافذةً صغيرةً على الضوء، نافذةً لم تكن تريد فتحها، ولكن الصوت كان أقوى من إرادتها. كانت واقفةً كأنها تستعيد جزءاً من نفسها وجزءاً لم تعد تعرف أين وضعته وجزءاً يشبه ابتسامة قديمة لم تعد تستخدمها. أما هو، فكان يحمل فراقه بطريقةٍ مختلفة لم يكن يخفيه، ولكن كان يبتسم به ابتسامة يعرف أنها ليست شجاعة بل هي محاولةٌ أنيقةٌ للنجاة. حين رآها في تلك الأمسية لم يفكّر في العودة ولم يفكّر في الماضي فكّر فقط في تلك اللحظة التي مرّت بينهما كأنها آخر ما تبقّى من علاقةٍ لم تستطع أن تعيش خارج الأغنية. وحين غنى خضر بشير: برضي ليك المولى الموالي حدث ما لا يحدث إلا مرةً واحدة في العمر. تغيّر الهواء وتبدّل المسرح وصارت شمبات مناخاً داخلياً ورطوبةٌ خفيفة في القلب ورجفة تأتيك حين تتذكر من رحل وصلاة بلا كلمات وصمت يقف احتراماً لصوتٍ يعرف كيف يعيد ترتيبك من الداخل. التقت عيناهما فابتسمت ابتسامة من تعرف أنها لا تملك الغد ولكنها تملك تلك الدقيقة التي مرّت بينهما كأنها هدية من القدر قبل أن يغلق الباب نهائياً ثم غادرت تاركة خلفها الأسئلة التي لا جواب لها أو تلك التي لا نريد سماع جوابها. بعد عشرين عاماً وحين حكت له عن تلك اللحظة وهي تضحك، لم تكن تحكي عن أغنية، ولكنها كانت تحكي عن نفسها وكانت تحكي عن قلب توقّف عن النشر ثم عاد قليلاً وعن فراق لم يلتئم وعن رجل ابتسم لها رغم أن الطريق بينهما كان مغلقاً. كانت عيناها مشبعتان بذلك البريق القديم ذلك البريق الذي لا يعود إلا حين يمر صوت خضر بشير في الذاكرة مثل نسمة تعرف اسمك وخصوصا جدا حين تسمع برضي ليك المولى الموالي.
09-02-2026, 12:38 PM
walid taha walid taha
تاريخ التسجيل: 01-28-2004
مجموع المشاركات: 4357
في طريقي العين ابوظبي وحتي لا يداعب جفني النعاس الودود أخذت أتلمس جهاز الآيباد المعلق بالسيارة كالستارة رابطاً جأشه بوثاقة النت وجدت الأستاذ الفنان محمد الأمين يبكي ويمسح دموعة المنهمرة وسط شلال متدفق من أغنية ذات الشجون عبر سيمفونية مترعة بالحزن أغنية ذات الشجون أغنية كتب في المقابر مترفة بالحزن العميق كأغنية الأطلال لكوكب الشرق أم كلثوم دموع منهمرة ولوعة وشجن مر كالحنظل وشوق وحنين يقرح الأجفان وبكاء مر يقف غصة في الحلق سألت نفسي التواقة لماذا يبكي الأستاذ ود الأمين ؟؟؟؟ سرحت بعيدا عبر ضباب الأغنية الساحرة فوجدت عيني تنهمر دمعاً وبكاءاً يصعد رويداً بصوت منخفض ورجفة في الأوصال حتي ترنحت السيارة وخرجت من المطاف والبنت البن ترمقني بنظرة فأخذت أبكي وأقفذ بالمقعد كالطفل الجريح ،،،،،،،
سلااااام الدكتور Abdalla Gaafar بوست في قمة الإبداع تحياتي لكل المتداخلين ليتني أجد الوقت الكافي لأنهمل من معينكم الطيب
حبيبنا عز الدين الفحل السلام مليون والمحبة ما لم أكتبه كتبته انت يا عز الدين لأن زاد الشجون عندي حقيقة هي لحظة انكساري الداخلي حين تتقاطع الأغنية مع الذاكرة، ويتحوّل الطريق إلى مسرح تعرض عليه حياتك كلها دفعة واحدة هي قصة الغياب ا الأخير للبت البن وهي سيرة البكاء الذي لا يعرف الآخرون سببه وما حدث لك هو ما يحدث حين يلتقي صوت محمد الأمين في زاد الشجون بجرح لم يشفَ بعد. حين بكى ود الأمين وهو يغنّي ذات الشجون، كان بكاء رجلٍ يعرف أن هذه الأغنية ليست أغنية فقط بقدر ما هي مقبرة مفتوحة دفن فيها أصدقاء وأيام ومدن وأحلام ووجوه عبرت حياته ثم غابت. زاد الشجون كل مرة تسمعها تعود إلى مكان فقدته أو زمن لم يعد أو شخصٍ احببته رحل دون وداع. آمل أن تعود فلحرفك طعم البهار
العزيز وليد شكرا على غاية الآمال وود الحاوي ود الحاوي هو واحد من الملحنين القلائل الذين صنعوا هوية لحنية كاملة، يمكن تمييزها من الاستماع اليها من أول مرة هو ملحن يعرف كيف يوازن بين البساطة والعمق وكيف يصنع مزاج الأغنية قبل أن يصنع لحنها (كما حكى هو) الأغنيات التي لحنها ود الحاوي صنعت في الابداع السوداني ذاكرة كاملة كل أغنية لحنها هي علامة في تاريخ الغناء السوداني وكل منها كانت علامة فارقة في تاريخ من غناها وكلها تشترك في شيء واحد بصمة ود الحاوي اللحنية الجميلة جدا التي لا تخطئ. ثنائية ود الحاوي وإبراهيم عوض مدرسة كاملة. أكتر من 25 أغنية… أبقى ظالم، غاية الآمال، المصير، يا زمن، قلبك حجر وسيم الطلعة، لو داير تسيبنا وأخريات كلها أغنيات صنعت شكل الغناء الحديث في السودان. ود الحاوي لحن للكثير من الفنانين منهم محمد الأمين وعثمان حسين والجابري وزيدان إبراهيم وعثمان مصطفى وإسماعيل حسب الدائم الأمين عبد الغفار وعبد العزيز المبارك وإبراهيم موسى أبا ونجم الدين الفاضل وثنائي الجزيرة وللفنانين الشباب محمود عبد العزيز ومعنز صباحي وعاصم البنا وطه سليمان ود الحاوي: الملحن، العازف، الصوت، هو ملحن متمكن للغاية وصوت حنين وعازف أكورديون ممتاز وعازف عود ممتاز وهو أيضا مؤلف لأكثر من ثلاثين مقطوعة موسيقية لما نقول أجمل الأغاني السودانية كثير منها يمر عبر بوابة ود الحاوي. لأنه كان يعرف كيف يصنع لحن يشبه البلد والناس والحنين والذكريات والوجدان السوداني. تحيات وتقدير
الأغنيات التي أنقذت أرواحنا .... أو حين اتخذنا من الأغنيات بيوتا لا تقصف في زمن الحرب والخراب مصطفى سيد أحمد… الرجل الذي حمل الوطن في صوته في اللحظة التي بدأ فيها الخراب يلتهم المدن، كانت الأغنيات هي البيوت التي لم تستطع الحرب الوصول إليها. بيوت صغيرة مصنوعة من صوت وذاكرة ودمعة لا تخون. كنا نخرج من آلامنا وجراحنا وهمومنا وبيوتنا المهدمة ونعود إلى بيوتٍ أخرى تفتحها لنا الأغنيات دون مفاتيح: بيت مصطفى سيد أحمد وحميد والقدال وبيوت أخرى كثيرة كانت تبنى في صدورنا كلما غنّى أحدهم شيئاً يشبه الوطن. هذه الأغنيات لم تكن ترفاً ولكن كانت ملاجئ وأدوية وكانت خرائط نجاة لمن فقدوا الطريق. عندما تهدمت بيوتنا واحلامنا لم تسقط الجدران وحدها بقدر ما سقطت ذاكرة كاملة. سقطت ليالٍ كانت تُغنّى فيها الحياة وسقطت أماكن كانت تداوى فيها القلوب بالنيل والصوت لكن الأغنيات لم تسقط. الأغنيات لم تخنّا ولم تتركنا وحدنا كانت معنا في السفر وفي الغربة وفي الخوف وفي لحظات الهزيمة ولحظات الانكسار ولحظات الغبن. كانت معنا في النزوح وفي اللجوء وفي الغياب وفي العودة التي لم تحدث بعد. الأغنيات أنقذت أرواحنا لأنها كانت آخر ما تبقّى لنا حين فقدنا كل شيء. مصطفى لم يكن يغنّي فقط ولكن كان يحمل الوطن على كتفه ويعبر به إلى قلوب الناس كما يعبر المهاجر بآخر ما تبقّى له من بلاده. صوته في حكايات حميد والقدال تحديداً كان يشبه يدًا تربّت على قلب مكسور لتخبره بأنه لم يهزم وأنه فقط متعب فصوته يعيد ترتيب الوجع ويجعل الحكاية محتملة ويجعل الذكرى أقل حدة ويجعل العودة ممكنة ولو في الخيال. وحميد والقدال هم من كتبوا الحنين كأنهم يعرفون نهاياتنا لم يكتبوا كلمات ولكن كتبوا أسباب البقاء وكتبوا ما يجعل الإنسان السوداني يقاوم وما يجعل الحنين يتحول من ألم إلى عزاءٍ جميل. كلماتهم صارت في زمن الخراب مثل مصابيح صغيرة تضاء في قلوبنا لتخبرنا أن فينا شيءٌ يستحق أن يُنقذ. ومصطفى سيد أحمد ليس مغنياً فقط بقدر ما هو عامل ترميم يبني في الروح ما تهدم ويرتق الشقوق التي تركتها الحرب وعمقها الخراب ويعيد للذاكرة لونها الأول. صوته دافئ، يمشي في القلب كما يمشي الضوء في الغرف والقلوب المظلمة يفتح نافذة تخبرنا بأنه لا زال فينا شيءٌ صالح للحب وصالح للعودة وصالح للحياة. مصطفى من الأصوات التي لا تغنّي فوق الخراب بل تغنّي من داخله لتصنع لنا طريقاً للخروج. مصطفى بنى لنا وطناً من الهدوء من تلك الطبقة الصوتية التي لا تصرخ ولا تتوسّل. صوته يشبه غرفة قديمة في بيتٍ طفولي تعود إليها كلما ضاقت الدنيا وتجلس فيها لتتذكّر أننا كنا سعداء ًذات يوم مصطفى بنى لنا غرفا لنا من الطمأنينة ومن الحنان ومن ذلك النوع من الحنين الذي لا يبكيك بقدر ما يرمّمك. حين تسمع اغانيه تشعر أن الخراب يتراجع قليلاً وأن الذاكرة تستعيد لونها وأن العودة ممكنة ولو بصوتٍ فقط. صوته يدخل الحزن من بابه الصحيح لا ليزيده ولكن ليعيد ترتيبه وليجعل الوجع قابلاً للحياة. مصطفى بنى لنا وطناً من الدف ومن الصدق ومن تلك القدرة النادرة على تحويل الألم والخوف والحزن إلى جمال. أغنيات مصطفى سيد أحمد كانت الوطن حين غاب الوطن وكانت الحياة حين ضاقت الحياة وكانت نحن حين لم نعد نعرف أنفسنا. هي في الحقيقة سيرة أصواتٍ بنت لنا وطناً من الحنين. أبداكي من وين، ادفقي، أخوان الإنسانية، اقراك مرة صاح، الحاج ود عجبنا، الشوق، الواسوق، الجالوص، حلبوه في ليلة المولد، سافر، شوك الشوق، طيبة، صابرين، عم عبد الرحيم، جمة حشا المغبون، ما طال بحرك في مي، نورة، واقف براك، غناء العزلة، شهيق، رجعلك قليبي المهضلم وغيرها من الأغنيات التي تجعلنا نحس بأن مصطفى لم يكن يغنّي لنا بل كان يغنّي منّا وعنا. كان يعرف تلك المنطقة العميقة التي تعاش في زمن الحرب والخراب والظلم، منطقة الخوف والخذلان والانتظار الطويل والكرامة المجروحة والفرح الذي لا يأتي الا بالهروب. هذه الأغنيات كانت بديلاً عن الخرائط وعن البيوت التي تهدمت وعن الأصدقاء الذين تفرّقوا وعن المدن التي لم تعد كما كانت. في زمن الحرب وحين تشققت المدن وضاعت الأزقة وُقصفت البيوت والذاكرة، تأتي أغنيات مصطفى لتعيد لك القدرة على أن تكون وحيداً دون أن تكون مهزوماً. مصطفى بنى لنا وطناً من اللغة العادلة ووطنا من الصدق ووطناً من الوجع النظيف الذي لا يخجل من نفسه. مصطفي وحميد والقدال هم أصوات لا تخون لأنها أصوات تعرفنا ولأنها أصوات تأتي من المكان الذي فقدنا وأنها أصوات تعيد ترتيب الفوضى التي تركتها الحرب فينا. هذه الأصوات لم تبنِ لنا وطناً بديلاً ولكن أعادت بناء الوطن الذي كان في داخلنا حين سقط الوطن الذي كان خارجنا. الأصوات التي بنت لنا وطنا من الحنين هي نفسها الأصوات التي حملتنا حين لم نستطع أن نحمل أنفسنا وهي الجغرافيا التي لم تقصف والذاكرة التي لم تنهب والبيت الذي لم يسقط هي نحن حين لم نعد نعرف من نكون. الله اغفر لهم وارحمهم واسكنهم فسيح جناتك يا رب
09-06-2026, 10:53 AM
walid taha walid taha
تاريخ التسجيل: 01-28-2004
مجموع المشاركات: 4357
** أهلنا فى أقاصي الشمال - وبسبب حاجز اللغة - غنوا بـ "الأنداندي " و إنحصر ذلك فى حدود أفراحهم الصغيرة والكبيرة ولم يعرفوا الكثير من الغناء . ولما سخر الله لهم هذا الفضاء الواسع وصارت الترجمة ممكنة إنداحو هكذا دفعة وأحدة علهم يلحقو ما قد فاتهم . فكانت ⲇⲉⲥⲥⲉ بكامل رونقها و أقفة كالطود العظيم ، كالقسيبات فى دار فافاأنقي
هذا يا دكتور أعادني الى قولك
Quote: هذه الأغنيات ليست موسيقى إنها أطراف الروح التي تركتها في أماكن بعيدة والتي ما فتئت تعود إليك كلما حاولت أن تكون قوياً أكثر مما ينبغي
العزيز وليدشكرا على الحضور الأنيق وعلى الإضافات الجميلة والمنتقاة لهذا البوست فعلا الوجدان النوبي ظل طويلًا محبوسا في لغة لا يفهمها المركز ولا الآخرون ولا تترجم رسميا ولا تدرَّس، الغناء بالأنداندية جعلهم يحافظون على إيقاعهم الخاص داخل أفراحهم الصغيرة فظل الغناء النوبي مرتبطًا بالطقوس ان كان زواج او عودة غائب او ميلاد . هذا الارتباط جعل الأغنية حمّالة معنى اجتماعي أكثر من كونها منتجًا فنيًا متداولًا فبقيت جزء من نسيج الحياة اليومية لا من سوق الفن. مع انفتاح الفضاء الرقمي وظهور منصات تسمح بالنشر والترجمة حدث تحوّل جوهري في انتقال الأغنية من الفضاء المغلق إلى الفضاء العام. وكمان إمكانية شرح المعنى لا الاكتفاء بالصوت. هنا بالضبط يظهر ما وصفته بـاندياحهم دفعة واحدة الآن جيل كامل من النوبيين شعر أن صوته الذي ظل حبيس الأفراح صار قادرا على أن يسمع وأن يفهم، وأن يُترجم وأن يكتب عنه.أنا أفضل سماع الغناء بدون الترجمة والاحساس بالنغمات والايقاع يكفي حتى ان لم تكن تعرف المعنى وهذه كحال أن تطربك الألحان والأغاني خاصة حين يكون صوت المغني جميلا وكذلك الإيقاع تطربني الأغاني الاثيوبية رغم عدم معرفتي باللغة ومحمد وردي كان يطربنا حين يغني بالنوبية بل كنا نحظ مفردات الاغنية بدون ان نعرف معناها انا اعتقد انو الغناء النوبي حفظه الإيقاع والألحان الجميلة وحفظته تلك الطبقة في صوت المغني النوبي البتخليك تحس إنو في تاريخ كامل واقف وراه تحيات وتقدير
Quote: هي فصل من حلم العودة الى تفاصيل ازمان العمر المختلفة فصل ينهض كلما سمعت صوتاً يشبه شبابك أو نبرة تشبه نساء الوطن أو حزناً يشبه رجال الطرقات القديمة في اقصى شمال القلب.
يُقال أن الموسيقار محمد عبد الوهاب قد سُئل عن رأيه فى صوت أحد المغنيين الكبار فكان دره : " و الله هو صوتو حِلو بس ما بيجرحش" !
على كثرة الأغنيات التى تنكأ الجروح ، إلا الأصوات "المابتجرحش" عندنا يرضو كتيرة! الحاصل شنو !
أهلين وليد حكاية الصوت البجرح دي فتحت باب لي ربط مقولة عبد الوهاب بالحاصل علينا الآن في رأيي أن الصوتٌ الذي لا يجرح هو الصوت الذي لا يكشف ولا يعرّي ولا يهز الدواخل ولا يفتح باباً مغلقاً في الروح. أو في القلب أو في الحياة. والمجتمعات حين تمرّ بمرحلة خوف أو اضطراب طويل عادة تميل إلى الأصوات التي تسكّن لا التي توقظ. في زمن عبد الوهاب، كان الصوت الجارح هو الصوت الذي يفتح جرحاً قديماً ويذكّرك بمن رحل ويضع يدك على مكان الألم أما اليوم فالغناء في كثير من الحالات تحوّل إلى خلفية صوتية ومنتج سريع وإيقاع للسيارة وموسيقى للمقاهي وأماكن الترفيه ومحتوى للمنصّات الصوت الجارح يحتاج مستمعاً مستعدا بينما الصوت الما بيجرحش يناسب الجميع بلا مقاومة. عارف يا وليد في السودان المجتمع نفسه أصبح يهرب من الألم فبعد الحروب والانهيارات والفقد والنزوح والهجرة والتشتت الناس أصبحت تبحث عن شيء لا يذكّرها بما فقدته ولا يوقظ ذاكرة موجعة ولا ما يفتح باباً مغلقاً الصوت الجارح يا وليد يحتاج مجتمعاً يحتمل الحقيقة والحقيقة الآن ثقيلة ولذلك تنتشر الأصوات الما بتجرحش لأنها تقدّم راحة سريعة زيها وزي أي مسكّن خفيف. عشان كدا يا وليد الأصوات الما بتجرح ليست قليلة… ربما لأنها أصبحت هي المطلوبة اجتماعياً موضوع الأصوات البتجرح موضوع يفتح باب للكتابة خلينا سوا نكتب عنو ونشوف امثلة عندنا في السودان تحيتي وتقديري
عدى فات ..... حين تبكي الروح فراق الأحبة عدى فات هي واحد من أجمل قصائد صلاح حاج سعيد التي غناها مصطفى سيد احمد (رحمهما الله وادخلهما فسيج جناته) وهي اغنية تفتح في دواخلي كل منابع الحزن والشجن والذكريات التي كانت يوما ما هناك. أغنية تفتح أبواب الدموع وتجعل من البكاء علاجا للروح التي فقدت احبتها. عدى فات زمن العيون الالفة والحضن الملاذ ورهافة الحس البلون ضحكة الناس العزاز بعد الحنان الكان زمان إستوطن المطر الحراز روح زماني وفي رجاك عانيت قساوة الانتظار في ضل شبابيك السفر صادقت ليلات المواني الساكنة في بحر الاماسي...بتنتظر لو يوم طيوف لحظك تقوت تعبر خيآلاتك تمر قلق المواعيد الضجر سحر العيون والإحتراق واتعزز النوم الخزاز واتمدد الشقي في العمر مليت تبآريح الجراحات البقت بعدك اسي وزمانا قسا وحالا أسيف ومشيت افتش عن خطاويك القبيل واضاري من زمنا وراك ملاني خوف إحتجت ارتاح في عيون فيهن ملامحك ذاتا من غير اي زيف وإشتقت لي ضحكه صباحك والدعاش عطر رزاز مطر الخريف انا وانت والدنيا الأمان والناس وفا وخـــــوة صفا ودفء المشاعر الشاتية صيف انا وانت والدنيا الزمان زمن الغناوي الطالعه من قلبا رضى وحسا ندى وزوقآ رهيــــــف انا وانت والدنيا الأمان ما العمر شتان بين اوان زمنا حبيتو وعمر ما بتقدر بتعرف بكره يصبح حالو كيف كل حرف في هذه الأغنية يأخذك الى حيث الفقد. عدّى فات أغنية تفتح بوّابة في الروح كانت مغلقة هي ليست أغنية تسمَع هي أغنية تُسكَن. أغنية إذا مرّت على القلب لا تتركه كما كان ولكن تعيد ترتيب حزنه وتعيد تعريف وحدته وتعيد إحياء ووجوه رحلت ولم تترك لنا سوى ظلّها. هي أغنية عن الغياب حين يصبح قدراً والفقد حين يتجاوز حدود الجسد ويستقر في العظم وهي تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن الذين أحببتهم رحلوا فعلاً وأنك بقيت بعدهم في مواجهة ذاكرة لا ترحم. عدّى فات أغنية تشبه بكاء الروح تفعل شيئاً لا يفعله غيرها تأخذك إلى اللحظة التي تغير فيها كل شيء الضحكة التي كانت سهلة صارت بعيدة والابتسامة التي كانت تلقائية صارت تحتاج شجاعة والأماكن التي كانت عامرة صارت أطلالاً والأحبة الذين كانوا يملؤون المكان صاروا ذكرى تداهمك كالحمّى. مصطفى حين يغنّي عدّى فات لا يغنّي نصاً بقدر ما يغني الزمن الذي خذلك والأحبة الذين غابوا والأمان الذي كان والحضن الذي كان ملاذاً والعيون الألفة التي كانت تعرفك قبل أن تتكلم. كل حرف في هذه الأغنية يشبه يدًا تربّت على كتفك وتخبرك أنهم رحلوا ولن يعودوا أبدا وأن بكاءك عليهم ليس ضعفاً فقط ولكنه طريقة الروح في أن تبقى حيّة. تلك الوحدة التي تعتريك حين تسمع عدى فات ليست وحدة المكان ولكن هي وحدة القلب حين يفقد من كان يضيئه وهي تلك اللحظة التي لا يعود فيها الضحك ممكناً ولا يعود فيها الفرح كما كان ولا يعود فيها الزمن كما عرفته. الصبر حين يطول يتحوّل إلى حملٍ ثقيل يضغط على القلب حتى ترى وجوه من رحلوا عنك في كل انحاء هذه الأغنية ، في صوت مصطفى وفي رائحة المطر وفي شبابيك السفر وفي ليلات المواني وفي قلق المواعيد وفي سحر العيون وفي الاحتراق وفي النوم الخزاز وفي الشقي المتمدد في العمر. هذه الأغنية لا تعيدك إلى الماضي فقط هي تعيدك إلى اللحظة التي أدركت فيها أن الفقد أكبر من حدود خلاياك. هي اغنية تواجهنا بحقيقة أننا نعيش على أطلال زمنٍ أحببناه ولن يعود، أغنية تمنحنا إذناً بالبكاء والذي هو آخر ما تبقّى لنا من الأحبة. عدّى فات ليست أغنية حزينة فقط هي وثيقة الفقد وهي سيرة الذين رحلوا وسيرة الذين بقوا يحملونهم في القلب وسيرة الذين لم يجدوا ملاذاً إلا الدموع. لم أكن أظن أنني سأكتب يوماً بهذه الطريقة وبهذا الانكسار الذي لا يختبئ وبهذا الصوت الذي فقد نصف قوّته حين فقدت أحبة كانوا هناك. عدى فات هي اغنية تجبرني على الاعتراف بأنني لم أعد ذلك الشخص الذي كان يضحك بسهولة ولا ذلك الذي كان يظن أن الزمن مهما قسا سيترك له شيئاً يتكئ عليه. تجعلني أعترف أن الأغنية التي كنت أسمعها لأتذكّرهم صارت الآن تسمعني لأتذكّر نفسي لأعرف كم تغيّرت وكم انكسرت وكم بقيت واقفاً فقط لأن الوقوف كان آخر ما أستطيع فعله. تجعلني أعترف أن الذين رحلوا أخذوا معهم شيئاً لا يستعاد ولا يسمّى وأعترف أنني اشتقت إليهم بطريقة لا تشبه الشوق ولكن بطريقة تشبه العجز… عجز اليد حين تمتد ولا تجد كتفاً وعجز القلب حين ينادي ولا يسمع أحداً وعجز الروح حين تبحث عن ظل كان يرافقها فاختفى. هي أغنية تجعلني أعترف بأنني لم أعد أخاف من الفقد ولكني أخاف من أن أتعود عليه وأخاف من أن يصبح الغياب جزءاً من يومي وأن يصبح الصمت لغةً ثانية وأخاف من أن يصبح الحنين عادةً لا شفاء منها. وتجعلني أعترف أيضا بأنني كلما سمعت مصطفى يغنّيها أشعر أن الأغنية تعرفني أكثر مما يعرفني الناس فهي تعرف وجعي وتعرف وحدتي وتعرف أنني بقيت هنا وحدي أحمل أسماء من فقدت في صدري كشيء مقدس.
09-07-2026, 07:11 PM
عزالدين عباس الفحل عزالدين عباس الفحل
تاريخ التسجيل: 09-26-2009
مجموع المشاركات: 9620
العزيز عز الدين وكأنه تجسيد كامل لحزن لا يورث إلا مزيداً من العتمة ، حزن يبتلع الزمن وهو الفقد الذي يضرب في العمق . هو بكاء بلا صوت حزن لا يفال لكنه يجرح الدواخل لك الله يا صاحبي حتى العمر يتحول إلى آهة وإلى صوت طويل من التعب حين يطوي عسر الزمن الأيام كما تطوى الخرائط القديمة يا صاحبي هناك بكاءٌ لا صوت له بكاءٌ يمرّ في الحنجرة كسكين بطيء ويتركنا نجرّ أعمارنا خلفه لكن الفقد ليس نهاية الأشياء والرحيل ليس آخر الطريق والحزن العقيم مهما اشتدّ لا يلد إلا خرابًا نعرف كيف نرتّبه بالكتابة، كيف نضعه في جملةٍ، كيف نعلّقه على حبال الصبر حتى نستطيع أن نقف من جديد. فأكتب عنهم وعنك وعن تلك الذكريات التي تجعل الحزن حملا خفيفا على القلب والذاكرة تحياتي وتقدير
برنامج ما يطلبه المستمعون.. أو حين كانت الأغنيات أوطاناً صغيرة لعموم السودانيين كأنني أقف الآن أمام مرآة العمر فاتحا اقصى خلايا الذاكرة لأكتب تلك الأيام بمداد الروح التي كانت هناك في انتظار أحد يهديها اغنية ترتب الأحلام وتشعرها بأن شخص ما يحبها أو ينتظرها. كنت واحداً من أولئك الذين ينتظرون البرنامج كمن ينتظر رسالة من الحياة نفسها، رسالة تقول إن أحداً ما في مكانٍ ما ما زال يحب وما زال يشتاق وما زال يرسل أغنية إلى من رحل أو إلى من سافر أو إلى من لم يفهمه الزمن. برنامج ما يطلبه المستمعون في إذاعة امدرمان لم يكن مجرد مساحة للترفيه بقدر ما كان باروميتر اجتماعي يقيس حرارة العاطفة في المجتمع السوداني. ففي مجتمع محافظ ومحدود الموارد وقليل المساحات الخاصة كانت الأغنية تقوم بوظائف اجتماعية كاملة فهي تعوّض غياب الرسائل المكتوبة وتعوّض صعوبة اللقاءات وتعوّض الخجل الاجتماعي وتعوّض المسافة بين المدن والقرى تلك الأغنيات المختارة كانت سيرة أجيال كاملة وجزءاً من تكوينها ومن طريقة حزنها ومن طريقة انتظارها ومن تلك اللحظة التي كانت تلك الأجيال تستمع للبرنامج كأنها تنتظر رسالة من الحياة نفسها كان البرنامج هو المقياس الحقيقي للأغاني التي يفضلها السودانيون وكأنها منافسة يضع الشعب معاييرها لتحديد الأفضل من الغناء ومن المطربين، فيطلب من هجرته الحبيبة اغنية في الليلة ديك فتعتلي الليلة ديك عرش الأغاني وكأن نصف الشعب من الرجال هجرته حبيباته ونصفه من النساء كذلك أو ان معظم الشعب فارق احبابه حين تعتلي أغنيات الحب والظروف والى مسافرة المراتب الأولى في برنامج ما يطلبه المستمعون. ثم يحتل العشاق ساحة البرنامج حين تقفز الى المراتب الأولى أغنيات حسنك امر, الزمان زمانك, يا سليم الذوق وغيره. ثم عتاب العشاق واحزان الفراق واغاني الوداع واغاني السفر كل اغنية تصعد الى الأعلى تعكس الحالة المزاجية والاجتماعية لغالبية الشعب السوداني في ذلك الزمان البهيج وكأنما الأغنيات كانت اوطانا لعامة الناس في مجتمعٍ لم تكن فيه استطلاعات رأي ولا منصات تواصل كان ما يطلبه المستمعون أقرب ما يكون إلى استفتاء شعبي على الذوق الفني فالشعب يقرّر عملياً أي الأغنيات تعيش وأيها تتراجع عبر كثافة الطلب. هذا يمنح الناس سلطة غير مباشرة على المشهد الغنائي. وكان البرنامج أيضا يلعب دورا في صياغة تعريف النجومية فالمطرب الذي تطلب أغنياته بكثافة لا يصبح نجماً فقط فنياً بل نجماً عاطفياً واجتماعياً لأنه يمثّل حالة شعورية واسعة لا مجرد نجاح تجاري. في ذلك الزمان، كانت الأغنية تقوم بوظائف تتجاوز الفن منها وظيفة نفسية لتخفيف القلق وتنظيم الحزن ومنح شرعية للبكاء والحنين. ووظيفة اجتماعية لربط المدن بالقرى والداخل بالخارج والباقين بالراحلين. فمن يطلب أغنية لمسافر يعلن أن العلاقة لم تنقطع رغم المسافة. ووظيفة رمزية حيث تتحول الأغنية إلى وطن صغير لمن لا يستطيع العودة إلى مكانه كي يعود إلى أغنيته. أغنيات مثل الحب والظروف، حسنك أمر، إلى مسافرة، في الليلة ديك، الرحيل، الود، ربيع الدنيا، يا أعز الناس، حبيت عشانك كسلا، السنين، تمد الايد ونتسالم، لون المنقة، يا زاهية، خداري، الطير الخداري، الأوصفوك، ما قلنا ليك، لم تكن أغنياتي طلبها المستمعون فقط لكنها كانت محاولات للتمسّك بما تبقّى منّ الاحلام وكانت أصواتاً توضع على الجرح لئلا ينزف أكثر. كأن الناس كلهم يعيشون نفس الحكاية، نصفهم هجرته حبيباته ونصفهم ينتظر عودة أحدٍ ما والكل يكتب رسائل طويلة لا تصل ويرسل أغنيات قصيرة تصل دائماً. ذلك الزمن كان غضّاً والأحلام ندية وكان يمكن للأغنية أن تغيّر مصير يومٍ كامل ويمكن أن تعيد إلينا شخصاً فقدناه أو على الأقل تعيد إلينا القدرة على الانتظار. كان السودانيون يكتبون رسائلهم إلى الإذاعة كما لو أنهم يكتبون اعترافاتهم الأخيرة. يرسلون طلب أغنية ويهدونها لمن يحبون ويتركون للبرنامج مهمة أن يقول ما لا يستطيعون قوله مباشرة. كان البرنامج في جوهره مرآة المجتمع وكانت الأغنية مقياساً للحالة النفسية العامة كان ترتيب الأغنيات في برنامج ما يطلبه المستمعون يشبه قراءة تقرير أسبوعي عن نبض السودانيين، إذا صعدت أغنيات السفر والرحيل والوداع فالسودان يودّع أبناءه (الاغتراب) وإذا صعدت أغنيات العتاب فالسودان يفتّش عن صوته في الليل وإذا صعدت أغنيات الحب فالسودان يحاول أن يتذكّر أنه ما زال حيّاً وإذا صعدت أغنيات الفراق فالسودان يضمّد جرحاً لم يلتئم. كان الناس ينتظرون الحلقة الأسبوعية كما ينتظر العاشق رسالة من بعيد. كل رسالة تقرأ على الهواء كانت تمثّل شخصاً ما في مكانٍ ما يحاول أن يقول شيئا يخصه ويخص شخص آخر في مكان ما. كانت الأغنية هي الجسر الوحيد بين القلوب وكان الناس يطلبون أغنية ويرسلونها إلى من رحل وإلى من سافر وإلى من لم يفهمهم وإلى من لم يعودوا قادرين على الوصول إليه. كانت الأغنيات أوطاناً مؤقتة يسكنها الناس حين تضيق الحياة ويغادرونها حين يكذبون على أنفسهم ويقولون إنهم تجاوزوا ما كان. لم يكن السودانيون يعبّرون عن أنفسهم في السياسة أو الصحافة لكنهم كانوا يفعلون ذلك في الأغنية فقد كان البرنامج يكشف ما لا يُقال كان يكشف من يحب ومن ينتظر ومن يشتاق ومن فقد ومن يحاول أن يبدأ من جديد. لم يكن هناك غني وفقير ولا مدينة وقرية ولا قبيلة وأخرى فقط كان هناك أغنية تُطلب وقلب ينتظر وزمن جميل يمرّ مثل بخور مقدّس. برنامج ما يطلبه المستمعون، في عمقه الاجتماعي، لم يكن مجرد مساحة لسماع الأغاني فقط بقدر ما كان آلية بدائية وعبقرية في آن واحد لقياس الحالة النفسية والاجتماعية للسودانيين في زمن محدّد من خلاله يمكن قراءة المجتمع كما تُقرأ البيانات في الدراسات الاجتماعية اليوم ولكن بلغة العاطفة لا بلغة الأرقام. فالأغنيات المطلوبة لم تكن عشوائية؛ بل كانت مؤشرات للمزاج الجمعي للسودانيين فهيمنة أغنيات السفر والرحيل والوداع ديك تعكس مجتمعاً يعيش توتراً بين الاستقرار والرحيل وبين التعلّق والانفصال وبين السفر والهجرة والاغتراب صعود أغنيات العتاب والفراق يشير إلى حالة واسعة من الخيبات الصغيرة كخيبة في العلاقات وخيبة في الوعود وخيبة في الواقع نفسه. وكأنما العتاب كان بين الإنسان وزمنه. بهذا المعنى، كان البرنامج مؤشراً أسبوعياً للمزاج العام فكل حلقة تقول شيئاً عن مستوى الأمل وعن مستوى الحزن وعن مستوى التعلّق وعن ومستوى الفقد في المجتمع. كما أن ارسال إرسال طلبات الأغاني عبر رسالة بريدية إلى الإذاعة كانت تحمل دلالات اجتماعية عميقة، فالكتابة نفسها فعل اعتراف فالشخص يدوّن اسم الأغنية واسم المُهدى إليه وربما عبارة قصيرة، فيمارس شكلاً من البوح المؤجل. هذا يخلق ثقافة اعتراف غير مباشرة، حيث المجتمع يتعلّم أن يقول مشاعره عبر وسيط (الأغنية والإذاعة). وهنا يأتي دور البريد أيضا كمسافة زمنية بين لحظة كتابة الرسالة ولحظة إذاعة الأغنية ولحظات الانتظار الذي يعمّق معنى الأغنية ويحوّلها من ترفيه إلى حدث عاطفي واجتماعي. ختاما، لو تخيّلنا أن كل طلب أغنية كان يُحفظ في أرشيف الإذاعة لكان لدينا اليوم خريطة وجدانية للسودان في ذلك الزمن ترينا متى ارتفع منسوب أغاني السفر؟ ومتى طغت أغاني العتاب؟ ومتى انتصرت أغاني الفرح؟ هذا الأرشيف وإن لم يكتب عاش في ذاكرة الناس ولهذا حين نستعيد البرنامج اليوم نستعيد معه زمن الأحلام الندية وزمن كان فيه المجتمع يعبّر عن نفسه عبر الأغنية أكثر مما يعبّر عبر الخطابة. ولو أراد باحث أن يفهم المجتمع السوداني بين الستينيات والتسعينيات، فإن أفضل وثيقة ليست أرشيف الدولة ولا الصحف ولا الكتب بل قائمة الأغاني التي طُلبت في برنامج ما يطلبه المستمعون. هناك سيجد مزاج الأمة وجراحها وأحلامها وعلاقاتها ووحدتها وفراقها وذاكرتها التي لا تزال تمشي على قدمين. في هذا العمر الذي لم يعد غضّاً نفتقد تلك الرسائل ونفتقد ذلك الانتظار ونفتقد تلك الأغنيات التي كانت أوطاناً صغيرة نحملها في جيوبنا ونفتحها حين يضيق القلب ونغلقها حين نكذب على أنفسنا ونقول إننا تجاوزنا ما كان.
ا النازلة ماشة على البحر – حين تتحوّل الأغنية إلى ذاكرة تمشي على قدمين هو لقاء السحاب، التقاء حدربي محمد سعيد… شاعر الترابلة والمعوزين البسطاء كما وصفه حسن الجزولي، شاعر الذين يمشون حفاةً على الأرض ويعرفون أسماء الشجر والحجر كما يعرفون أسماء أبنائهم وحسن بابكر… زكريا أحمد السودان، الملحن الذي يعرف كيف يجعل النيل آلة موسيقية ومحمد ميرغني… الصوت الذي يشبه ظلّ نخلة باذخة الطول، رحل جسده وبقي صوته يلمع في ذاكرة الناس. هؤلاء الثلاثة لم يصنعوا أغنية فقط بقدر ما صنعوا لوحةً من حياةٍ كاملة. لوحة فيها النيل والبنات والقماري، وفيها اعراس الشمال ورائحة اللوبيا والليمون… وفيها أنا وكل من كان هناك النازلة هنّ البنات اللاتي كنّ يردن الماء في العصريات بفساتينهنّ الملوّنة كأنها قطع من الغروب، وطرحهنّ فوق رؤوسهنّ كتيجانٍ صغيرة، يمشين في طريقٍ يعرفهنّ ويحفظ أسرارهنّ، طريقٍ يزلن منه جريد النخل ليفسحن لأنوثتهنّ طريقاً نحو النيل. يمشين على القرمصيص المصنوع من أزهار الطلح، المعطّر برائحة اللوبيا المتشابكة في جروف النيل وكأن الأرض نفسها تتزيّن لمرورهنّ. يتدلّى لهنّ سبيط التمر وتألفهنّ أسراب القماري وطيور الدندريس وكأن الطبيعة كلّها تعرفهنّ بالاسم وتعرف خطواتهنّ وتعرف أنهنّ يحملن الماء ليصنعن حياة البيوت. أغنية النازلة ليست مجرد كلماتٍ تغنّى… إنها ذاكرة تمشي، ذاكرة لها جسد ورائحةٌ وخطوات على الرمل، ذاكرةٌ لها لون فستانٍ وطرحةٍ تُرفع قليلاً حين تهب نسمة من جهة النيل. وحدربي لم يكتب عن فتاةٍ واحدة لكنه كتب عن القرية كلّها وهي تنزل إلى النيل. كتب عن ذلك الطقس اليومي الذي يشبه الصلاة، حين تمشي الفتيات في الصباح لحلب الأغنام أو في العصريات نحو النيل لجلب الماء، يحملن جرارهن وتحيط بهن رائحة الليمون واللوبيا والبرسيم، كان حدربي يرى ما لا يراه الآخرون، يرى أشعة الشمس الذهبية وهي تتسلل بين الغصون ويرى الندى وهو يلمع على خضرة الدرب ويرى أشجار الطلح وهي تفرش زهرها قرمصيص تحت الأقدام كأنه بساطٌ من ذهبٍ أخضر، ويرى السبيط وهو يتدلّى على رؤوس النازلات كأنه تاجٌ من ضياء. حدربي كان ابن تلك الأرض وابن ذلك النسيم وابن تلك الخطوات التي يعرفها الدرب كما يعرف اسم صاحبتها. لذلك استطاع أن يكتب الأغنية كأنها مشهدٌ يُرى لا يُتخيّل. النازلة هي لحظة الانحدار نحو الماء، لحظة التقاء الجمال بالضرورة، لحظة أن تحمل الفتاة جرّتها على رأسها كأنها تحمل حياة البيت كلّه. هي لحظة أن يفسح الجريد الطريق وأن يبتسم السبيط وأن يوشوش اللوبيا وأن يرقص الضوء على الندى. هي لحظة أن يصبح النيل أباً والجروف أماً والطريق ذاكرةً تحفظ أسرار البنات. وتبقى اللوحة باذخة البهاء حين يصف لحظة شرود النيل من ضفافه حين ينسحب النيل قليلاً، تاركاً وراءه جزر الرمل التي تتخللها المياه كأنها كبة عسل في صينية فطور العريس. هذا التشبيه وحده يكفي ليقول إن حدربي لم يكن يكتب شعراً… ولكن كان يكتب حياةً، كان يكتب طقس الصبحية وطقس الفرح وطقس الضحك من الأعماق وطقس الأكل الذي يُرسل كعربون محبة وطقس الزغاريد التي تفتح الصباح مثل نافذةٍ على الفرح. هكذا وجدت نفسي أكتب ليس عن الأغنية ولكن اكتب عن طفولتي وعن مكاني هناك وعن النسيم الذي لا يزال يسكنني وعن الأزهار في موسم الازهار وعن القماري وعن الطرحة الملونة التي رأيتها ولم تغادر ذاكرتي. نعم وجدت نفسي أكتب عن الزمن الذي مضى وبقيت رائحته. هو ذلك الشعور الرائع بأن الحياة كلها تمشي أمامي بخطواتٍ هادئة وأن الجمال ليس فكرة بل هو امرأة تمشي نحو النيل. أغنية النازلة ماشّة على البحر ليست أغنية فقط بقدر ماهي ذاكرة وطنٍ صغيرٍ على ضفة النيل. هي لوحةٌ من الضوء والندى والقماري والناس. هي حياة كاملة كانت هناك… وبقيت في قلب من عاشوها يعودون اليها كلما ضاق بهم العالم القرى في الشمالية تتذكّر النازلة كما تتذكّر النيل. تتذكّر لون فستانها وتتذكّر طرحتها، وتتذكّر طريقة قدلتها وتتذكّر كيف كانت تزيح الجريد بيدها وكيف كانت الطيور تألفها فلا تطير من عشّها حين تمرّ. النازلة كانت جزءاً من طقس يومي، طقس يشبه الصلاة فيعرفه الدرب ويحفظه مثل سرٍّ قديم.كل بيتٍ في تلك القرى كان يعرف النازلة ويعرف صوت خطواتها ويعرف وقت نزولها ويعرف الطريق الذي تسلكه ويعرف كيف يعود الماء معها ليملأ الأزيار. في تلك القرى كانت المرأة هي التي تحفظ الماء واللبن وهي التي تحفظ البيت وتحفظ الإيقاع اليومي للحياة.النازلة كانت رمزاً لأنوثة تتزيّن بعلاقتها بالأرض والماء.كانت لا تمشي نحو النيل فقط لكن كانت تمشي أيضاً نحو دورها الأعمق، دور التي تحمل الحياة على رأسها ويديها وتعيدها إلى البيت. مضى الزمان… رحل حدربي ورحل حسن بابكر ورحل محمد ميرغني، لكن اللوحة بقيت في ذاكرة الذين عاشوا تلك اللحظة، بقيت في صدور الناس. لحظة تعود إليهم كلما سمعوا تلك الأغنية، تعود كنسيمٍ محمّل برائحة أزهار الليمون، ورائحة البراسيم، ورائحة اللوبيا التي كانت تتدلّى على جروف النيل مثل ابتسامةٍ على شفاه طفلة. كل حرف في هذه الأغنية يعيدني إلى هناك… إلى النيل والأرض وإلى الطفولة التي كانت تمشي على الأرض المفروشة بأزهار الطلح والسنط واللوبيا، إلى ذلك النسيم الذي لا يشبه أي نسيم آخر، إلى المكان الذي لا يغادر القلب مهما ابتعد الجسد.
الدنيا ليل غربة ومطر ...مصطفى سيد احمد وعبد العال السيد وليلة العيد وهلسنكي ذات شتاء استثنائي إلى أمين محمود زوربا
لم يكن في هلسنكي ما يشبه العيد، إلا ذلك الضوء الخافت الذي ينعكس على الجليد كأنه يحاول أن يتذكّر لون الشمس. كنت واقفاً أمام محطة السكة الحديد في انتظار بص الساعة الحادية عشرة. ذلك المكان الذي لا يَعِدُ أحداً بالبقاء ولا يعتذر لأحدٍ عن الرحيل. وهلسنكي صامتة لكن صمتها لم يكن فراغاً … صمتها كان ممتلئ بي وبالحنين والشوق الحارق ثلاثون درجة تحت الصفر والبرد يلتف حولي كما لو أنه يعرف اسمي ويعرف تاريخي ويعرف تلك الليلة التي لم يكن فيها أحدٌ غيري. كنت وحدي المؤلف والمخرج والممثل والجمهور الذي يصفّق لنفسه كي لا ينهار. وصوت مصطفى سيد أحمد في الدنيا ليل غربة ومطر. ذلك الصوت لم يكن يأتي من السماعة كأنه يأتي من غرفةٍ قديمةٍ في القلب لم أغلق بابها منذ أول مرة سمعت فيها الدنيا ليل غربة ومطر كان صوته مبللاً بالدعاش، كأنما عبر آلاف الكيلومترات ليصل إليّ دون أن يفقد رطوبته ودون أن يفقد قدرته على أن يوقظ في دواخلي شيئاً كنت أحاول أن يظل نائماً. السماء كانت تمطر جليداً، وكأنها كانت تبكي عني. وكأنها كانت تؤدي دور ي وأنا أحاول أن أكون صلباً بما يكفي لأنجو من تلك الليلة، ولم أنج في خضم كل ذلك أتى صوت مصطفى وكأنه خيط رفيع بيني وبين النجاة، كان نصف حزن ونصف دفء وكان أيضا نصف محاولة للخروج من العمق. كنت أقبض على نبراته كما يقبض الغريق على أي شيءٍ يطفو، لا ليتشبث بالحياة، بل ليتشبث بما تبقى من نفسه. كان صوت مصطفى يدخلني كما يدخل الضوء من شقٍ صغير في نافذةٍ مغلقة. لا يستأذن ولا يعتذر ولا يخفف من حدة وقعه كانت بيدي بوجهٍ معكّر وبخصرٍ بين الأشقر والأسود وكأنها تحاول أن تكون شيئاً ثابتاً في ليلةٍ لا ثبات فيها. القهوة صديقة نعم، لكنها ليست وطناً بقدر ما هي مجرد هدنة قصيرة بيني وبين الصداع وبيني وبين الحنين الذي ينهشني كما لو أنه يعرف نقاط ضعفي كلها. تلك القهوة هي أيضاً غريبة. وأنا أيضاً غريب وصوت مصطفي غريب في مدينة كتلك والغرباء لا يصنعون وطناً، يصنعون لحظةً دافئة فقط… لحظة تكفي لتأجيل الانهيار لا لمنعه. هو الحزن… ذلك الكائن الذي لا يقبل القسمة على أي شيء ...قالتها الأيوبية في عتابها الحزين (ليست للقسمة دخل في غيابك وانت لم تحدد للحزن في غيابك عمقاً ثابتاً، فصار يتنقّل فيك وفينا كما يشاء، مرةً في القلب و مرةً في الذاكرة) وصوت مصطفى جرح في شتاء وصمت هلسنكي حين تمطر جليداً. تلك اللحظة كانت قدراً، وكان القدر أكبر من كلمةٍ تُقال في لحظات محاولة يائسة للهروب. ترُى هل كان من الممكن تفادي كل ذلك قبل النوم؟ لا أظن لأن ما كان في قلبي ليس شوقاً عابرا ولا حنيناً مؤقتاً ولا حزناً يمكن التفاوض معه، ما كان فيه كان ذاكرة كاملة ومدينة كاملة وأغنية كاملة وصوتٌ كامل لمصطفي، صوت كان يعرف كيف تخترق نبراته قلبي لم يكن الليل تلك اللحظة في هلسنكي يرحم أحداً ولكن تلك الليلة، ليلة العيد، كانت أكثر قسوة مما ينبغي. المدينة تمطر جليداً وأنا أمطر حنينا وذكريات وصوت مصطفى، ذلك الصوت الذي يعرف طريقه إلى أعماقي دون أن يضل، كان يواصل انحداره في القلب كأنه يؤدي مراسم حضوره الأخير. في البص مددت يدي نحو مشغل الأسطوانة لأخفض الصوت قليلا لأتنفس. اسمع صوت الجليد وهو يرتطم بنافذة البص لكن ارتطامه لم يعد يشبه البكاء، صار يشبه وجعا يمكن احتماله. عدت وعادني الصدى وهاجمتني الذكريات في لحظةٍ كانت كل الأشياء فيها تميل نحو الانهيار. تذكرت أمي والأيوبية وأطفالي وصوت مصطفى لا ينطفئ، لكنه يبتعد قليلا لكنه لا يغادر ... يتخللني أشعر بأن الحنين ما زال هناك ولكن حدّته لم تعد كسكين ولكن صارت كذكرى دافئة، ذكرى يمكن أن تحمل دون أن تجرح. كنا أربعة انا وارهاق الحنين ووجع الغربة وصوت مصطفى سيد أحمد في الدنيا ليل غربة ومطر، الحنين ذلك الذي لا ينام.. هو ذاكرةٌ لها قدمان. يمشي نحوك كلما حاولت أن تهرب ويجلس قربك كلما حاولت أن تنام ويضع رأسه على صدرك كلما حاولت أن تكون قوياً. وجع الغربة… ذلك الذي لا يتقن الرحمة هو امتحان طويل في الصبر وهو أن تستيقظ في مدينة لا تعرف اسمك وتحاول أن تقنع قلبك بأنك بخير بينما كل شيءٍ فيك يقول العكس. هو أن تمشي في شوارع لا تحفظ خطواتك وتجلس في مقاهي لا تحفظ وجهك وتكتب نصوصاً لا يحفظها إلا أنت. هو أن تحمل وطنك كجرح لا يلتئم وتحمل نفسك كحقيبة لا تغلق في سفر ولا تفتح في وصول وصوت مصطفى… ذلك الذي لا يتركك ...هو ليس صوتاً فقط هو ذاكرة موسيقية لزمنٍ لم يعد. حين يغني الدنيا ليل غربة ومطر هو لا يغني عنك ولكن يغني فيك ومنك ويدخل إلى خلاياك كما يدخل الضوء إلى الماء، يوقظ ما ظننته مات ويعيد ترتيب حزنك كما يعيد الموج ترتيب الرمل. صوته ليس عزاء ولا مواساة ولا بكاء، صوته حقيقة أنك ما زلت تحب وما زلت تشتاق وما زلت غريباً رغم كل السنوات. صوته يذكّرك بأنك لم تنسَ ولم تتجاوز ولم تتصالح وأنك مهما حاولت ما زلت ذلك الواقف أمام محطة السكة الحديد في هلسنكي، والسماء تمطر جليدا والقلب يمطر حنيناً وذكريات وفي النهاية…تغلق عينيك. لا لأنك جاهز للنوم لكن لأنك جاهز للاعتراف بأن الحنين جزءٌ منك وأن الغربة ليست عدواً وأن صوت مصطفى ليس عبئاً ولكن هو رفيق يمشي معك نحو نفسك. تغلق عينيك وتترك الصوت يخفف عنك ويتخللك وتترك القلب يعبر على صدى الدنيا ليل غربة ومطر الدنيا ليل غربة ومطر حين أسمعها الآن تسحبني من يومي كما يُسحب الضوء من آخر النهار وتعيد ترتيب الزمن أمامي هلسنكي: الجليد الذي كان يسقط ومحطة السكة الحديد وذلك الوقوف الطويل الذي لم يكن وقوفاً بل اعترافاً بأنني غريب وممتلئ بالحنين حتى النخاع. صوت مصطفى في الدنيا ليل غربة ومطر … ذلك الذي لا يسمح للذاكرة أن تنام لا يعود بي إلى هلسنكي فقط ولكن يعود بي إلى الرجل الذي كنتَه هناك ذات شتاء استثنائي. يعيدني إلى نفسي وإلى ذلك الجزء الذي لم يغادر السودان رغم كل الرحيل، إلى ذلك الجزء الذي لم يتصالح مع الغربة لكنه تعلّم أن يمشي معها دون أن ينهار.
Quote: كنت ساكون في غاية السعادة لو أتيحت لي تلك "الغيابات السريعة"...
الكثير من نصوصي الشعرية المتواضعة كان عن أماكن.
المكان الوحيد الذي لم أفرد له نصا كاملا كان "ليبيا".
صديقي المشاء أدهشني أنك تمنيت لو امتلكتَ تلك الغيابات السريعة بينما كنت أنا دائماً أرى في بطء خطواتك حكمة لا تشترى وخطوات تمشي على الأرض لتبحث عن تفاصيلها وتكتب المدن كما لو أنها تسكنك من الداخل وتحكي عن الناس كما لو أنهم جزء من حكايتك الكاملة هو الفرق بين ابن المكان وابن العبور. أنت تكتب المدن كحياةٍ كاملة بكل تفاصيلها الصغيرة بأبوابها وبأصواتها وبوجوه أهلها حين يبتسمون وحين يغضبون وحين يرحلون وحين يخطؤون. أما أنا في الغيابات القصيرة فأمرّ بها كما يمرّ طيف على زجاج نافذة فأكتبها كخاطرة عابرة أو كلمحة من ضوء أو كلقاء سريع بين قلبي والمكان وبين نظرة خاطفة وحنين يولد في لحظة واحدة. أنت تكتب الناس بمعاشرتك لهم وبمعرفتهم وربما بأسمائهم التي تحفظها وبحكاياتهم التي تمشي معك. أما أنا في الغيابات السريعة فأكتبهم في لحظة التقائي بهم في تلك الومضة الأولى التي تلمع ثم تختفي يا مشاء تلك الغيابات السريعة التي تراها نعمة هي في حقيقتها وداعٌ أكثر وشوقٌ أكثر وأحياناً حزنٌ أكثر.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة