|
|
قصة عبد الرافع بقلم العوض مصطفى العوض
|
12:00 PM May, 29 2026 سودانيز اون لاين Yasir Elsharif-Germany مكتبتى رابط مختصر
نقلا من الفيسبوك
Quote:
العوض مصطفى العوض [22 مايو 2026] بسم الله الرحمن الرحيم عبد الرافع.. الجزء الأول سحت دمعة من عينيه .. تحسّسها بيده ، وهمّ أن يتذوّقها بلسانه ، ليرى هل يطابق طعمها طعم الأيّام التي عاش جلّها في الحبس .. طيّبٌ ما قصد إلا أن يفعل طيّباً..لم يكن بيده أن يحاكم نفسه ، فالحكم دائماً عند آخرين ، يهمّهم تنفيذ ما حصّلوه من المعرفة القانونيّة .. لم يشفع له أنّه كان دون السّن القانونيّة حين انتقل والده .. يذكر يوم تشييعه حين كان طالباً بالمرحلة المتوسّطة ، وحين كان أميز طلاب صفّه ، يومها علم أنّه أمام أحد خيارين : أن يختار نفسه ويواصل دراسته ، أو أن يختار إخوته وأمّه ويخرج للعمل ..فكّر في الخيار الأوّل ووجد أنّه غير ممكن فأيقن أنّ الخيار الثّاني هو قدره المقدور.. خرج إلى العمل ولم يشتد عوده ، ولم تجد الأيّام بدّاً ولا مقاومة فهصرته دون رحمة .. فإلى أين المفر ؟ لم تمهل الأيّام والده بعض وقت يكمل فيه هو دراسته حتّى المرحلة الجامعيّة ..ها هي قد انتزعته من مقاعد الدّرس بعد أن أمهلته حتّى الجلوس للامتحان من المرحلة المتوسّطة للمرحلة الثانويّة .. حتّى هذه الأيّام القليلة كانت بسبب التّكافل الذي كان يعيشه مجتمع القرية في تلك الفترة , فقد هبّوا لمؤازرة الأسرة في أيّام الماتم ، ثم أنّ هذا الحماس فتر بعد أيّام قلائل من خروج والدتهم من الحبس .. هكذا النّاس يتحمّسون حين وقوع الحدث ثم تفتر همّتهم بعد ذلك ويبدأ هذا الحماس في التّناقص مع تقادم الأيّام ..كان يتقلّب في فراشه ، ينظر إلى النّجوم ، يعدّها الواحدة بعد الأخرى حتّى تميل إيذانا منها بالذّهاب .. شعر بأنّ حصًى بعينيه .. وحين بلغ جسده غاية الإجهاد نام.. كان والده عليه الرّحمة يملك أرضاً ولكن لم تكن له القدرة على فلاحتها ، إنّما كان مثل كثير من أهل البلد يقوم بالزّراعة مناصفةً مع صاحب الوابورالزّراعي , ثم ما يصله من حقّ الأرض ( الكرِج).. وقد كان مستور الحال ، فقد تمرّس على مهنة الزّراعة منذ شبابه الباكر , ففيها كان يكدّ ويكدح حتّى يوفّر لأمّه لقمة العيش .. كان هو الآخر يتيماً ، رحل عنه أبوه وهو ابن أربع سنوات وقامت أمّه على تربيته من القليل الذي توفّره من عمل البروش والسِّلال من سعف الدّوم .. حمدت الله أن والده حينما توفِّي تركه وحده فربّ مصيبة أهون من أخرى .. كانت ترسل هذه البروش والسِّلال مع جارها إلى سوق الأحد والذي يبعد عنهم خمسة عشر كيلومتراً ..فكم من المرّات تزعزع إيمانها ، فقد كان الجار يأتي بعض الأحيان بالسِّلال والبروش التي حملها في الصَّباح إلى السُّوق ليخبرها أنّ أهل السّوق اليوم لم يقبلوا شيئاً منها .. وكم كانت العناية الإلهيَّة تسعفها حين يأتيها رزقها من حيث لا تحتسب، فيبدِّد تلك الوساوس والظّنون.. إلا أنّها كانت واحدة من الذين يستطيعون أن يقسموا دون شك أنّها لم تطعم إبنها غير اللّقمة الحلال وكانت بذلك راضية ..تمتلئ عيونها بدموع الحزن يوماً حين تنسدّ الدّروب في وجهها ، وبدموع الفرح أيّاماً كثيرة فقد عوّدها الرزّاق أنّه ( ما شقّالُه حنكاً ضيَّعه) إلا أنّها ذرفت دموع الفرح غزيرة يوم زواج إبنها ، ودعت له ما فتح الله عليها به من الدُّعاء، أن يرزقه الله من الأبناء الصّالحين، وقد نسيت في غمرة فرحها أن تدعو له بأن يرزقه الله من البنات أصلحهن..استجاب الله لها فرزق إبنها ستّة من الأولاد الذّكور كان عبدالرافع أكبرهم.. وأراد الله أن ينزل صلاحه في هذه الشخصيَّة المعقّدة، والتي ما حاول أحد فكّ رموزها إلا أعيته الحيلة.. كان ابنها استثناءً في الرّجال فقد بدأ زواجه بكارثةٍ يذكرها أهل القرية وهم يحمدون الله أن سلّم في ذلك اليوم ، فقد كان موكب الفرح يعبر النِّيل للضّفّة الأخرى في مركب احتشد وغصّ بالفرح ولم ينس العريس ان يأخذ معه حصان العمدة الذي أوكل إليه أمره سائساً .. فكم يزيده طولاً في ذلك اليوم أن يعتلي صهوة الحصان في يوم عرسه ، وكم للخيل من ألقٍ في مثل هذا اليوم ..فسيتقدّم موكب السَّيرة ويا للبهاء .. فارق المركب الشاطئ و ضربت الدّفوف، وردّد الصّدى صوت المغنِّي من كلِّ الأركان ( حليل الزّول الهجر وطنو السُّهاد والنّوح في العيون سكنُوا) وعلت الصّفقة ..وفي غمرة الفرح نسي الجميع أنّ للخيل كلفاً بالإيقاع والدّفوف.. اهتزّ الحصان طرباً وضرب على أرضيّة المركب برجلين وحافرين من القوّة بحيث انخرقت أرضيّة المركب ، فانفجر الماء وصمت كلُّ شيءٍ لبرهة ..لا الدُّف أزّ ولا صوت المغنِّي.. ثم علا صراخ الأطفال والنِّساء وتلاحم القوم في مشهد غريب ، فإمّا النّجاة جميعاً وإمّا الغرق الذي لا يغادر أحداً إلا أحصاه .. وجاء دور الذين يتماسكون في مثل هذه الحالات ولحظات الضِّيق، ومن لها غير العريس فقد فكّرفي أن يقلب المركب رأسا على عقب ، وقد كان له ما أراد.. وتمسّك القوم بحطب المركب ، وبدأ التّيّار يجرف المركب شمالا والنّاس ممسكون به ، وقد رفعوا الأطفال على الألواح .. شاهد النّاس على الضّفّتين ما حدث فهرعوا نحوهم بالمراكب ، والبعض قطع المسافة سباحة .. حمداً لله فقد سلِم الجميع .. وحين هدأت الأنفس ، تلفّت القوم فلم يجدوا شيئاً ، فقد ابتلع النّيل ( الشّيلة ) ..لقد كانت الشّيلة استثناءً هي الأخرى فقد جاءت من المدينة التي ما رآها العريس طوال حياته إلا لهذا الغرض.. ألم أقل لكم إن عرسه كان استثناءً، فقد أتاح له فرصة الذّهاب إلى المدينة والرّجوع بالدهشة كلّها والذّكريات التي ستكون زاده في هذه الدُّنيا .. نعم ابتلع النّيل الشّيلة وجلست أمّ العريس تضع رأسها بين يديها وقد ضاع كل شيء وعاودتها الوساوس القديمة .. لماذا يحدث كل هذا في هذا اليوم بالذّات ؟ هل هذا هو ما انتظرته السِّنين الطِّوال ؟ لم تفق إلا ووالد العروس يربت على كتفها .. سألها عن حالها وكيف أنّ الله سلّم الأرواح وأخبرها أنَّهم من جانبهم قرّروا أن يتم العرس ، ما دامت الأرواح قد سلمت..وتشاورالقوم وجمعوا ما يسّر الله لهم في تلك اللّحظة واشتروا من متجرٍ في القرية بعض الملابس للعروسين وبعض الأغراض التي تكفي لوليمة العرس.. جلست الأم قرب شنطة الملابس ،وجاءت النساء يعرضن الملابس ولا يكففن عن التعليق ( سمحات والله ..سمحات والله) فكانت أم العريس ترد عليهن في أسى ( السّمحات في الطّين إلا مخيّر الله ) وكان يخفّف عليها في غمرة أساها أنّ الآرواح قد سلمت، وأنّه برغم كل هذا فقد جاء اليوم الذي انتظرته طويلا .. وفي انتظاره صار وجهها أخاديد رسمها الكدح الطّويل والممض وآن لأساريرها أن تنفرج وتنفض عنها غبار الزّمن ..محبّتها للنّاس كانت زادها في ذلك اليوم فقد هبّ الجميع لمؤازرتها ووقفوا يداً واحدة وكان الفرح يومها جماعيّاً حتّى تمّ عقد الزّواج ،وتناول النّاس الطّعام واستمتعوا به على بساطته ، وفي عصر ذلك اليوم خرجت السَّيرة إلى المقابر لزيارة الوليِّ الصَّالح المدفون هناك .. أقاموا عند المقابر زهاء السَّاعة فما أعجب القوم يقيمون أفراحهم عند المقابر.. كان العريس يصول ويجول فقد كان أرشق الشَّباب تقافزاً في (العرضة) في أفراح القرية ، فكيف واليوم يوم تقافزه هو..اقفز فهذا يوم لايتكرّر في حياة الفرد.. جمّل العرضة ما شئت فأنت معجون بفنـِّك ومفتون بقوامك الممشوق ، فجلُّ هؤلاء لم يحضروا لطعامٍ يطعمونه وإنَّما جاؤوا ليشهدوك في يوم عرسك وأنت تتقافز مثل غزالٍ برِّيٍِّ يقذف بالحصى وراءه.. لا ذلك الجسد النَّاحل المنهوك كان يقوى ولا العمر كان يناسب ، عقدت الدّهشة لسان الجميع وهم يرونها تنزل إلى ( الدّارة ) ترقص، كما لم ترقص من قبل ..أرادت أن تجرتق ابنها في يوم لا يتكرّر..أهي محقّة في ذلك وهي في هذا العمر ..هذا السّؤال الذي حيّر القوم فانقسموا فهل أزعجتها تلك الآراء..كلا وحاشا..فما دام اليوم يوم تلاقي الأضّداد فليكن لها من ذلك نصيب..غرق في يوم العرس ، وفرح عند المقابر ، وعرس يخرج كأجمل ما تشهد القرية من أعراس..رغم الفقر ورغم الذي حدث في ذلك اليوم من أحداث , فلماذا لا تتوِّج هي هذا التّناقض ؟ فكم من الأبناء بقي لها وكم من أيّام العمر ستعيش .. اذاً فانزعي عنك هذا الحياء الزَّائف ، روّحي عن نفسك ساعة من زمان ، فقد يشحذ هذا المغنِّي ، فيغنِّي كما لم يفعل من قبل .. وهل خاب ظنُّها؟ الصّعقة التي ذهل عنّها النّاس جميعاً يومها لم تكن مشاركة الحاجّة بالرّقص ، فقد حدث في القرية حدث لن يتكرّر وظلّ سرّاً مكتوماً عند القليلات منهن ، فقد كانت العروس بلحمها ودمها في تلك السَّيرة ..شاهدت كل ما حدث في ذلك اليوم مختبئة وراء ( بُلامها ) وهي التي في خلد الجميع أنَّها ( مدسوسة ) في مكان ما بالقرية وحولها من يدرِّبنها على الرَّقص.. وهي في حقيقة الأمر لم تكن في حاجة لهذا التّدريب فقد كانت ضمن العديد من الفتيات حين يذهبن لجلب الحطب من الجزيرة كن يرقصن حتّى تفرغ الأخريات من جمع الحطب والحليب ..كانت معجبة بتقافز العريس ، يتقافز قلبها معه ..الآن صارت تملك شيئاً سوف لا ينازعها فيه أحد ، وهي أوّل مرّة في حياتها تشعر فيها بالاستقلال ، وغداً ستخرج إلى دارها وسيكون لها بيت غضّ النّظر عن نوعه.. وستكون لها معزة أو معزتين ..ستقوم برشِّ أرضيّة الحوش وكنسه وستجمع الحصى في ركن قصيٍّ من الحوش إيذاناً بنقله إلى الخارج.. وستحمل بعض الأواني تجلب رملا من الخارج تفرشه حتّى لا تتعرّى أرضيَّة الحوش.. وحتّى تكون حياتها تعبيراً عن قيمة بأن تترك الشّيء أحسن من الحال التي وجدته عليها.. كادت في غمرة تلك الأحلام أن يفتضح أمرها لولا أنَّ زغاريد النِّساء حولها نبّهنها إلى الموقف .. تحسّست بلامها وضربات قلبها تكاد تخرج من فوق ثوبها حين وجدت أنَّها أقرب لطرف الجمع منها إلى عمقه .. فدسّت رأسها بين النِّساء تفجُّ لها مكاناً في عمق الجمع كصغير دجاجةٍ حاول أن يندسّ تحت أمِّه ، حين رأى حدأة تحلِّق في الجو فوقه .. وقف العيال للسّوط يلهب ظهورهم ، فللعريس عندهم شأن ودين لا يمكن قضاؤه إلا بتلك الوقفة وإذا كانت ظروفهم قد شاءت أن يحرموا من المساهمة الماديَّة فإنّ ظهورهم مبذولة لأخيهم في ذلك اليوم .. لم يمر العام إلا وقد رزقه الله بعبد الرّافع فاحتفل به قدر حاله وعزم أن يعلِّمه حتّى لا يكون حظُّه مثله .. وحين بلغ السّنة الخامسة من عمره , أخذه معه إلى سوق الأحد ليبيع بعض الخضروات , فأردفه وراءه على الحمار وكان بصحبتهم بعض التُّجار .. وحين اقتربوا من السُّوق التفت أحد التجار لعبد الرافع وقال له : إذا لم تنهق كالحمار من هنا حتّى السُّوق فسوف لن يكون إفطارك بالفول والرَّغيف .. فشرع ينهق حتّى دخل السُّوق .. تذكّر هذه الحادثة يوم أن قبلوه بالمرحلة المتوسِّطة في نفس البلدة .. ولم يكن يدري أنّه سيخرج من هذه البلدة ليحمل أضعاف ما يحمله الحمار.. اصطفّ أهل القرية على الشّاطئ، يلوِّحون للمسافرين في ذلك اليوم ، بينهم من هو ذاهب في مهمّةٍ تستغرق يوماً أو يومين،ومنهم من خبر السَّفر حتّى صار عنده شيئاً عاديّاً إلا أنّ صاحبنا يومها قد غرق في دمعه فكان يرى المودِّعين وكأنّهم وراء زجاج مخشّن .. وسأل نفسه في تلك اللّحظات إلى متى سيلازمه غبش الرُّؤية؟ عبرالمركب النِّيل وخرج الجميع في الضَّفة الشرقيَّة ، ألقى نظرةً من الشّاطئ الآخر على القرية فخيِّل إليه أنّ أطول نخلات القرية تقول له : الآن أرتاح منك وستكون أنت آخر المتسلِّقين فقد كان مثل (الزَّبادة) في تسلُّق النّخيل جلس قبالة شريط السِّكة الحديد ينتظر القطار الذي سيصل السَّاعة الثّانية صباحاً.. شعر بأنَّه في حاجة للأكل , فذهب للمطعم الوحيد حاملا شنطة الصَّفيح ، وبعد أن تناول الفول المصري مع الخبز ، رجع إلى مكانه قرب الشّريط الحديدي وجلس بعيداً عنه قليلا.. غلبه النّعاس فنام وحينما جاء ريّس المركب لإيقاظ أولئك الذين أنزلهم القطار ليلا أيقظه ضمن من أيقظ ..هبّ مذعوراً وسأل الرَّيِّس متى يأتي القطار ؟ فأجابه الرَّيِّس دون اكتراث : (دور الليلة)..تمنى أن يكون ذلك حلماً ، ولكنّ الله كتب له أيّاماً أخر، في القرية ، فلقمته في القرية لم تنقطع والإرادة نافذة..رجع إلى القرية مع من رجعوا وهو خجلان فهذه إشارة سالبة بحساب تحمّل المسؤوليّة .. الآن , و بعد أسبوع , صارت له خبرة في كيف يسلك من ينتظر قطاراً يأتي في الثّانية صباحاً.. وحين انطلقت صافرة القطار تشقُّ ليل القرية , كانت أمّه في الجانب ألآخر من النّيل تحسب النّجوم وهوهنا في القطار , ومن خلال ضوء عرباته , يحسب تلك الحجارة المكتوبة عليها المسافات بالكيلومتر ، والحساب كان أمراً غريباً فكلّما مرّ كيلومتر نقصت الأرقام المكتوبة على الحجارة .. وعند الكيلو الحادي والأربعين بعد الأربعمائة توقّف القطار لدقيقتين .. قرأ اسم السّندة وتذكّر أنّه كان يأتي إلى القرية المقابلة لها غرب النِّيل راكباً على حماره قاصداً طاحونتها حين تتعطّل طاحونة قريته ، وتذكّر كم من المرّات رجع فيها وهو يعاني من شدٍّ عصبيٍّ بسبب ميلانه إلى الجانب الآخر في محاولة للمحافظة على توازن كيس الدَّقيق حين يميل مع حركة السَّير الطويلة.. فقد يسقط الكيس ولا يكون في مقدوره رفعه على الحمار مرة أخرى ولا يجد من يعينه على ذلك ، والمكان قفر.. ثم يجيئ نوع من الصّرير في بعض المنحنيات حين تلامس عجلات القطار حافّة القضيب ثم تبدأ الحركة تقلّ .. وقبل أن تتوقّف حركة القطار سمع صوت أحد الباعة ينادي ..حَبِل..حَبِل.. الحبال الجميلة .. سأل نفسه ما حاجة الرُّّّّكاب للحبال وهل هناك حبال جميلة وأخرى قبيحة ؟ وكان بين الحين والآخر يشعر بـأنّّ قلبه يدقُّ بسرعة فقد كان رغم كل هذا يتراءى له طيف أمِّه وإخوته .. وانسلّ القطار من المحطة كالثّعبان .. وبعد قليل تسلّلت خطوط الفجرالأولى إلى الأفق، توقّف القطار وعلت أصوات الباعة ..شاي سادة الشّاي ..جناجداد مستوي ..جبنة بسكر .. بُرتكان .. أيوه الليمون.. فكّر في هذا الكم الهائل من المعروضات مقارنة بالحبال الجميلة.. افتح ذهنك فالمعروض من أحوال الدُّنيا كما رأيت و بتعدُّد الألوان التي عرفت وأكثر.. وفي الصّباح لاحت لهم معالم (أم نيران) .. دخان يعلو في الأفق ومآذن وبعض المباني العالية التي لم يتعوّد على رؤيتها في القرية ..لأول مرّة يدرك أن لبعض المدن رائحة .. فتذكّر أنّ لقريته رائحة في موسم لقاح النّخيل وأخرى في موسم إزهار الطّلح والسّنط وثالثة في موسم ( الدّنانين ) وهي تقرض صفق الشّجيرات الصّغيرة .. هنا رائحة الفلنكة والدّيزل .. دخل القطار المحطّة وحشود من النّاس على الرّصيف..مستقبلون ومسافرون..دار حديث بين رجلين من أهل قريته حضرا معه ، في نفس القطار، لزيارة قريب لهما طريح الفراش في مستشفى عطبرة ، وحين رأيا تلك الحشود في المحطة ..قال أحدهما للآخر وقد أنزل جلبابه من على كتفه ولبسه: يا الحسن ما يكون حاج أحمد مات ؟ الله يكضّب الشّينة .. فردّ عليه الآخر: والله اللمّة دي ما عجبتني.. مدّ عبدالرافع عنقه طويلةً حتّى يراه ابن خاله بشير الذي يعمل في الورشة .. لاح له بين الجموع ..نزل يحمل شنطة الصّفيح بيده وظلَّ ممسكاً بها وهو يعانق بشير فقد استوعب الدّروس التي كان يسمعها من العائدين إلى القرية ( أنّ العفش في المدينة على مسؤوليّة أربابه )..أخبره بشير أنّه وجد صعوبة في الاستئذان فقد استأذن في الأسبوع الماضي لاستقباله ولم يحضر ، ولولا ثقة رئيسه فيه ومعرفته بأنّه لا يكذب لما سمح له للمرّة الثّانية ..على كلِّ حال الحمد لله أنّك وصلت بالسّلامة سأوصلك المنزل ثمّ أعود إلى عملي .. كان بشير على علم أنّ مكتب التّوظيف بالسّكة حديد يحتاج إلى عدد من ( المحولجيّة) وكان قد تقدّم قبل اسبوعين نيابة عنه ، وكادت المعاينة أن ينقضي وقتها بسبب تأخّره إلا أنّ الله سلّم .. حين دخل المعاينة نظرإليه أعضاء اللّجنة في ازدراء ولكن إجاباته الذكيّة على الأسئلة , جعلت أعضاء اللّجنة يخافون من أن يفتح صاحبنا أربعة خطوط في وقت واحد فتشهد عطبرة (أوبو) لم يسبق لها مثيل ..خرج من المعاينة وفي داخله زهو ولسان حاله يسخر من نوع الأسئلة التي طرحت عليه ..أكثر ما استفزه في الأسئلة حين كان السّؤال في جداول الضرب ، عن جدول خمسة .. فقال لأعضاء اللّجنة أنّه لمن لا يحفظه ، فهناك قاعدة فيه ، وهي أن العدد المضروب في خمسة ، إذا كان زوجيّاً قسمته على اثنين ووضعت أمامه صفراً ، وإذا كان فرديّاً أنقصت منه واحداً وقسمت الباقي على اثنين ووضعت أمامه العدد خمسة.. كان أكثر ما أعانه على الالتزام بمواعيد العمل حين استلم الوظيفة ابن خاله بشير الذي كان يحثّه على النّوم مبكراً والصّحو مبكراً .. مرّت الأيّام واستلم أوّل راتب له فكان يعدّ الأوراق الماليّة التي استلمها وكأنّه يسلخها يتأكّد من كلّ ورقة فيضعها عن يمينه حتّى إذا اكتمل العد أعاد عدّها ووضعها عن شماله .. كتب خطاباً إلى أمِّه وإخوته ودسّ فيه بعض الجنيهات معتذراً عن قلـّة المبلغ شارحاً ظروف عدم الاستقرار في البداية ..تناول الغداء في ذلك اليوم في المحطة ، فالوقت بين نهاية العمل ووصول القطار لا يكفي للذّهاب للبيت وأخْذِ قسطٍ من الرّاحة والعودة ..قبل وصول القطار بقليل التقى أحد جيرانهم بالقرية فأعطاه الخطاب وأوصاه أن يبلِّغهم سلامه .. انتشر خبر الخطاب والمبلغ والوظيفة في القرية فكان هذا كافياً لأن يكون صاحبنا مقصدا للأقارب حين حضورهم للمدينة.. وعلى وجه التّحديد أولئك الذين يقتربون منه في العمر.. بدأت المسؤوليّة تكبر والعود ليِّن رطب .. وبدأ الهصر ولم يكن من ذلك بد فالشّهامة والرّجولة تقتضي أن ( يرْكِز) وهو ما لم يكن يحسب له حساباً.. وهنا بدأ بشير يحسّ بالخطر فقد كان يسكن في ركن قصيٍّ من المدينة .. جلّ وقته بين ثالوث الورشة والدّراجة والمنزل .. فإذا جاءت مناسبة تخصّ أهل قريته فإنّه يذهب إليها وينصرف بأسرع ما يمكن ، فكلّ الذي يهمه أن يقولوا أنّه حضر .. الآن بدأ بعض النّاس يتوافدون على منزل لم يحسب لهم حساباً ، فلا الأسِرّة في البيت بالعدد الذي يكفي , ولا المساحة تكفي لزيادة تلك الأسِرّة ..بدأ صاحبنا في أغلب اللّيالي ينام على الأرض ، ولم يكن يهمه .. أمّا أن يمتد الأمر لسرير ابن خاله فهذا إيذان باقتراب ( هذا فراق بيني وبينك ) لمّّح له ابن خاله كثيراً أن اقسط ، فنحن لسنا قدر هذه الأريحيّة ، ولو كنّا نريد أن تلاحقنا الدّيون لجلسنا هناك في القرية فارتحنا وأرحنا ..أم أنّك تحسب أن الغربة أمر نستلذّه .. لا ياصاحبي فوالله لولا الأمَرّ لما جرّبنا المر.. مرت الأيّام واتسع الخرق على الراتق ، لم يحقّّق يوماَ ما وعد أسرته به يوم أن أرسل خطابه الأوّل , معتذراً فيه بعدم الاستقرار في أيّامه الأولى , وحتّى ذلك المبلغ صار يقصِّر عنه في بعض الشّهور , وعمله في المحطّة زاد الطّين بلّة..صبرت أمّه عليه في بادئ الأمر ثم بدأت تلاحقه بالوصايا عبر أهل القرية القادمين إلى مدينة عطبرة , وكان كلّ من حمل إليه وصيّة من أمّه أدخله في واجب إكرامه .. حتّى حكى حاله قصّة أرنب الصّمغ التي مرّت عليه في دروس المرحلة الابتدائيّة.. والأم تتزعزع ثقتها يوماً بعد يوم ولا يطيّب خاطرها غير ما ينقله لها أهل القرية من شهامته وإكرامه لهم .. ثم لا يمرّ عليها طويل وقت حتّى تتذكّر أنّ الحال يزيد سوءاً وسوء الحال يولِّد الوساوس.. وبدأ الوضع لا يحتمل فقد ظهرت بعض أعراض الدَّين على صاحبنا ..إذاً تبخّر الأمل الذي كان قد جاء من أجله .. الوظيفة الحاليّة لا تكفي فإمّا البحث عن وظيفة أخرى أو مفارقة مدينة عطبرة ..وكيف يفارق عطبرة وقد تعرّف على كثير من معالمها وصارت له علاقات بالنّاس؟ فالأماكن النّائية ملل دائم ووحدة ومجتمع محدود وهذا ما لم يعتد عليه في حياته فهو نبته لا تعيش بعيداً عن الماء .. اقترب أوّل عيد منذ مفارقته للقرية، لم يكن قد مرّ عليه عيد بعيداً عن القرية فكان لابدّ من الذّهاب للقرية ..وهذا يقتضي أن يحمل معه بعض الملابس لأمِّه وإخوته وبعض الحلوى والسّكر من احتياجات العيد , فالأشياء حتّى ولو كانت موجودة في القرية فلأشياء المدينة مذاق خاص.. فقد تذكّر بقية الزّوادة ، ونكهة الموز وقد استوى وكان قريباً من مرحلة التّلف..كيف يكون كل هذا وأنت لا خيل عندك تهديها ولا مال؟ فليذهب إلى صاحب الدّكان القريب منهم ويستدين منه مبلغاً من المال فهو حتّى الآن على الأقل موضع ثقته وأكثر النّاس شراءً منه .. ذهب إليه وفاتحه في الأمر فلم يظهر صاحب الدّكان أي نوع من التردّد .. ولكن الحصيف يقرأ في عيني الرّجل بعض الشّك وبعض قراءة للمستقبل.. اشترى صاحبنا وفصّل لنفسه ثلاث جلابيّات من أفخر الأقمشة ومن النّوع الذي يشف عما تحته ففي جيب هذه الجلابيّات سيضع صندوق السّجائر البنسون بلونه الذّهبي والولاعة الحمراء وبعض الأوراق النقديّة من الفئات الكبيرة فقد تذكّر بعض الذين سبقوه للسّفر من أبناء القرية وكيف كانوا محطّ أنظار الجميع في ملابسهم البيضاء النّاصعة والشّفافة والتي كانت تستخدم للعرض أكثر من كونها ملابس وتذكّر إعجابه الشّديد بهم وكيف أنّه يتمنّى حالهم .. نزل من القطارمنتصف اللّيل ، وانتظر حتّى اقترب وقت الصّبح ليأخذهم الرّيِّس للضّفة الغربيّة، فيكونوا مع أهلهم موعد شاي الصّباح.. استقبلته أمّه وإخوانه بالفرح كلّه ..لم ينتظر إخوانه حتّى يخرج ما بالشّنطة فقد أحضروا الشّنطة ووضعوها أمامه مطالبين بفتحها وصاروا يتقافزون أمامها كلّما أخرج لأحدهم أشياءه..عموماً انتهى العرض وتذكّر هو كيف يكون الحال بعد العودة.. ولكنّه كتم كلّ ذلك وأظهر كلّ أنواع الجلد حتّى لا يفسد هذه اللّحظة.. كانت في الجانب الآخر تنتظره بعض العزاءات التي لم يكن حاضراً وقتها ، وكان عيباً كبيراً أن تنتظر حتّى ارتفاع الشّمس كثيراً لأدائها .. تناول الشّاي ، ووضعوا له (الطّشت) وجردل الماء وصابونة الفنيك .. أغلق عليه باب الغرفة وأخذ حمّاماً ، وجد فيه بعض الصّعوبة في الوصول إلى ظهره وهو جالس في الطّشت ، أسعفته (ليفة التّمر) بعض الشّيء.. على كلّ حالٍ فقد خرج وارتدى ملابسه ، وتعطّر خفيفاً حتّى لا يستفز ذلك أهل المتوفّين .. مرّ عليهم جميعاً ، وعاد للبيت ، ليأخذ قسطاً من الرّاحة .. كيف ترتاح وأنت قادم لتوِّك من سفر فقد حضر الكثيرون للسّلام عليه ، وليروا أثر الغربة والوظيفة عليه .. أظهر كثيراً من المجاملات وحاول رسم ابتسامة دائمة على وجهه حتّى يغطّي على ما يشعر به من همٍّ عند رجوعه .. وصاحب الدَّين لا ينام .. و جاء العيد ، والعيد في القرية له مذاق خاص ، يعرفه منذ طفولته الباكرة ، ولكن هذه المرّة هو مكلّف بحاجيات لم يكن يضع لها حساباً .. انقضت أيّام العيد ، ورجع لعمله بعطبرة والحال يغني عن السّؤال ، كيف يخرج من عنق الزّجاجة هذا ؟ .. كان له صديق من إحدى ضواحي عطبرة ، وكان يذهب معه أحياناً إلى بيته في نهاية الأسبوع .. وكان صديقه قد تزوّج قبل فترةٍ قصيرةٍ ..صديقه هذا كان شديد الثّقة به ، وكان له شقيق اسمه خضر يملك مزرعة أبقار .. ذهب مع صديقه مرّة للمزرعة ، وقد بدا على خضر عدم الرِّضا حينما علم أنّه رباطابي ، فقد كان في اعتقاده أنّ عين الرّباطاب حارّة ، ولكن المفاجأة أنّ واحدة من أبقار المزرعة كانت مشوّشة عند حليبها دائماً ، فلمّا رأى عبد الرّافع ذلك ، طلب من خضر أن يتيح له فرصة حليبها .. أقترب من البقرة وبدأ يمسح لها على ظهرها ، وقرّب منها عجلها ، أرجعها بعد ذلك قليلا ثم بدأ في الحليب دون (محويب) .. استغرب خضر غاية الاستغراب ، ورأى في عبدالرّافع فتحاً جديداً .. طلب منه الحضور كل نهاية أسبوع فقد فكّر في أن يكلّفه بجزء من أعمال المزرعة .. طلب منه عبدالرّافع أن يعطيه فرصة للتفكير في الأمر ، حتّى يوفّق أوضاعه ، فطبيعة عمله ورديّات , وقد يكون على رأس العمل نهاية الأسبوع.. حاول عبدالرّافع مع أحد زملائه على الأقل أن لا يعمل نهاية الأسبوع ، فوعده زميله خيراً خاصّة وأنّه ليس له شيء يحول بينه وبين العمل يوم الجمعة .. هكذا لاحت لعبد الرّافع فرصة الخروج من عنق الزّجاجة ، ثم أنّ العمل يبدأ مساء الخميس حتّى مساء الجمعة .. حضر حسب الموعد يوم الخميس بعد العمل مع صديقه ، وفي عصر ذلك اليوم بدأ في حلب الأبقار .. مرّت التّجربة بسلام ، وزالت بعض مخاوفه ، وقضى معظم نهاره في المزرعة .. وشعر أنّ البيئة أقرب للبيئة التي جاء منها ، وفي عصر الجمعة قام بنفس العمل ، وقد أتاح بهذا فرصةً للعامل الذي كان يعمل في المزرعة للذّهاب إلى أهله .. لم يقصِّر معه خضر عندما همّ بالعودة إلى عمله ، تمنّع بعض الشّيء ثمّ أخذ ما منحه له الرّجل .. استمرّت الحال حوالي الشّهر , حدث في هذه الفترة بينه وبين المزرعة إلفة , ولكنّ العقبة الوحيدة التي كانت تقف أمامه أنّه لا يريد أن يتسبّب في قطع رزق العامل الموجود بالمزرعة .. وجاءت من العامل نفسه حيث أنّه فاتحه في الأمر دون أن يعلم خضر شيئاً ، ذلك أنّه لا يريد أن يعتذر لخضر بحكم معاملته الكريمة له طوال فترة العمل معه ، ولكنّه يحتاج أن يرجع إلى أهله بسبب حاجتهم له .. طلب عبد الرّافع من العامل أن يمهله ريثما يوفِّق أوضاعه في العمل ، فإذا استطاع , فيمكن أن يفاتح العامل خضر ويطرح له بديلا هو عبد الرّافع ، وأن يحفظ هذا الأمر طي الكتمان .. عاد عبد الرّافع وفاتح زملاءه في حاجته لتثبيت ورديّته في الفترة الصّباحيّة ، فوافقوا على ذلك ، ثم أخبر رئيس العمل بذلك فوافق .. رجع نهاية الأسبوع للمزرعة ، ولم يذكر لخضر شيئاً ، وأخبر العامل بأنَّه قد وفّق أوضاعه في العمل ، وبقي على العامل أن يطرح الأمر على خضر بصورةٍ فيها من الحكمة ما فيها حتّى لا يفسد علاقةً مرّ عليها ما مرّ من الزّمن , دون أن يحدث فيها أيّ شرخٍ ، على أن يعمل هو في الفترة الصّباحيّة التي سيكون عبد الرّافع فيها في عمله بالسّكة الحديد .. فاتح العامل خضر في الأمر واعتذر له بأنّ ظروفاً جدّت في الآسرة يحتاج معها أن يكون في الفترة المسائيّة في البيت ، وأنّه سوف يعمل معه حتّى يجد البديل , و حتّى لا يتركه وهو في حاجة إليه .. شكره خضر و وعده بالبحث عن بديل له في الفترة المسائيّة .. وحينما حضر عبد الرّافع نهاية الآْسبوع ، فاتحه خضر في إمكانيّة العمل معه في الفترة المسائيّة على أنّه يمكن أن يلحق بالعمل مع العربة التي تحمل اللّبن وبعض الخضروات إلى مدينة عطبرة في الصّباح الباكر.. اعتذر له عبد الرّافع بأنّه لا يريد قطع رزق أحد ، فطمأنه الرّجل أنّ العامل له ظروف خاصّة بأسرته وليس في ذلك قطع رزق ، ثمّ أنّه يمكن أن يساعده متى ما احتاج .. طلب منه عبد الرّافع مهلةً حتّى يرى إمكانيّة ذلك مع العمل ، وجاءه نهاية الأسبوع مبدياً استعداده للعمل .. عرض عليه خضر السّكن في غرفةٍ ملحقةٍ بالمزرعة فوافق ، فهي فرصةٌ أن يستقلّ بنفسه دون أن يكلّف أحداً مشقّة السّكن معه ، خاصّة وأنّ بشير ابن خاله وضعه لا يسمح إلا للضرورة.. طرح الأمر على ابن خاله ، الذى تظاهر بأنّه لا يريده أن يبتعد عنه ولكن إذا كان ذلك في مصلحته فهو لا يمانع.. واشترط على ابن خاله أن يظلّ الأمر طي الكتمان.. بدأت الآن تلك الرِّحلة الشاقة ، خروج من العمل ودخول في عملٍ آخر، ليس معه فرصة للرَّاحة .. لم يشأ أن يتّفق مع خضر ، فهو لم ير منه إلا الخير في تعامله السّابق ، ولكنّها على أيّ حال فرصة لزيادة دخله وبعد عن المدينة التي أرهقته ولم تمهله حتّى يستعد لمقابلة متطلباتها.. لم يضع عبد الرّافع وقتاً في أن يستثمر كلّ لحظةٍ من وضعه الجديد .. فكّر أول ما فكّر في أنّ فصل الشّتاء على الأبواب ، وهذه فرصة ليبدأ في مشروع إنتاج دواجن فاشترى بجزء من مرتّبه في السّكة الحديد خمس دجاجات بلديّة وديك ، وأرسل ثلثه للوالدة وإخوته ، كان هذا بعد أن توفّر له السّكن والمأكل من بيت خضر ، ثم بدأ يفكّر في الاستفادة من روث الأبقار بأن يجمعه ويبيعه لأصحاب كمائن الطّوب في الضّاحية ، كل هذا و خضر يراقب حركته ، ويراقب مدى اهتمامه بالمزرعة ، وكان عبد الرّافع كلّ يومٍ يكبر في نظره .. استطاع في هذه الأثناء أن يحلّ جزءاً من دينه عند صاحب الدّكان الذي بدأ يفقد الأمل في استرداد دينه خاصّة بعد أن رحل عبد الرّافع عن المنطقة ..بعدها شرع في تنظيم المزرعة .. فقد حاول أن يبذل بعض الجهد فجعل للعجول حظيرةً منفصلةً أقامها من أعواد الشّجر حول المزرعة .. ثم بعد ذلك أحضر كراسةً وبدأ يرصد انتاج الأبقار واستهلاكها اليومي ، حتّى يتخلّص من الأبقار قليلة الإنتاجيّة بالاتفاق مع خضر واستبدالها بأبقار عالية الإنتاجيّة حتّى ولو كلّف هذا في المرحلة ، التخلّص من بقرتين مقابل استجلاب بقرة واحدة على اعتبار أنّ استهلاك البقرتين تكون فيه خسارة مقارنة باستهلاك البقرة الواحدة.. مرّ عام على دخول عبد الرّافع على المزرعة ، وبدأت تنمو بصورةٍ ملحوظة ، ولكنّه بالمقابل كان يشعر بالتّعب ، وكان دائماً يتذكّر مقولة حبوبته (أحَّي يا ناراً تِحِتَها قـُرَّاصة) ولا بد من التّعب لتعقبه الرّاحة.. وحين استلم راتب الشّهر التّالي اشترى منه خمس دجاجات وديك من سلالة ( الرّد ايلاند رود ) ، وعندما دخل فصل الشّتاء ، بدأ تنفيذ الخطّة التي وضعها وهي أن يأخذ بيض الدّجاجات البلديّات ، يساهم به في البيت الذي احتضنه بكل ترحاب، وياخذ بيض الدّجاجات الأخيرة لتحضنه الدّجاجات البلديّات ، وقد بنى لها في هذه الأثناء مجموعة من البيوت الصّغيرة ، بناها من بقايا الطّوب الذي كان يجمعه من الكمائن ، حتّى يتفادى المعارك التي تقوم بين الدّجاجات حمايةً لصغارها.. وكان ما أن تبلغ الدّجاجة أسبوعين بعد فقس البيض ورعاية الصَّغار حتّى يفصلها عن صغارها ..تحصّل في نهاية فترة الشّتاء على ما يربو على المائة كتكوت ، وحرص على رعايتها كلّ الحرص لأنّه كان يعلم أنّ أىّ خسارة في المشروع سيكون مردودها سلبيّاً عليه .. كلّ هذا وعبد الرّافع يدافع الحياة في كلّ الاتّجاهات .. لم يشأ أن يخبر أمّه بعمله الجديد في المزرعة ، فقد تذكّر أنّ امرأةً من القرية زارت الخرطوم ، وكانت تسأ ل عن النّاس وسكناهم .. فيقولوا لها أنّ فلاناً في الشّجرة , وفلانأً في العُشرة وفلاناً في الطُّندبة ، وفلاناً في الشِّقلة .. فقالت للنّاس : ( انتو وقت دايرين الشّدر والعًشر والطّندب والشِّقل ، الجابكم الخرطوم شنو؟) .. وعن روث البقر تذكّر انّه وهو صغير كان يذهب لحبوبته ، في إحدى جزر النّيل يقضي معها إجازة نهاية الأسبوع ، وكانت بالجزيرة ساحة كبيرة تقضي فيها الأبقار اللّيل حتّى الصّباح ليذهب بها الراعي للمرعى ، وكانت هذه السّاحة مليئة بروث الأبقار ، فكانت هواية الأطفال وقتها أن يرفعوا هذا الروث ليجدوا تحت كلّ واحدة عقرباً يقتلونها ، وهكذا إلى أن تغيب الشّمس .. الأن هو يجمع هذا الروث ليزيد دخله .. كان جلّ تفكيره يصبّ في المخرج من هذه الحال .. كان عبد الرّافع يفكّر في كلّ الاتّجاهات ، فلم يضع فرصة أن يأخذ معه كيس بقايا الطعام التي يجمعها من المطعم للدّواجن ، بعد أن يخرج من العمل الحكومي .. أضاف له المشروع دخلا إضافيّاً بعد أن أصبحت الكتاكيت في عمر الأنتاج ، وكان أيضا يبيع الدّيوك .. نعم الآن تمضي الخطّة في الاتّجاه الذي رسمه ولكن ببطء.. فوضعه لا يحتمل أي إخفاق ، بعد أن دخل جميع إخوته المدرسة .. كان إذا أوى لفراشه ليلا ، تناوبته الوساوس ، وهو لم يزل طري العود ، ولكن لا بدّ من تجاوز كل هذه الصّعاب ما دام قد ضحّى بالمدرسة .. ما كان خضر يقصّر معه خاصّةً وقد وجد فيه إخلاصاً لعمله .. فكّر عبد الرّافع أن يواصل تعليمه ، وقد كان من الطّلاب المميّزين في المدرسة ، ولكن كيف والحياة تحاصره من كلّ اتّجاه .. كيف يكون ذلك ويومه كلّه للعمل .. كانت أمّه في الطّرف الآخر لا تدخّر جهداً في رعاية الصِّغار ومحاولة زيادة الدّخل لمقابلة حاجات الأسرة ، فكانت إذا حضر صغارها من المدرسة أخذتهم معها للزّراعة يجهزون الأحواض والجداول لتقوم هي بالسّقيا في الفترة الصّباحيّة بعد ذهابهم للمدرسة ، قبل أن تعود لتجهِّز لهم الطّعام .. هكذا كانت حياتهم لهثاً لا ينقطع .. في هذه الأثناء كان العامل الذي يعمل في الفترة الصّباحيّة يلاحقه بأنّه سوف يترك العمل بالمزرعة ، وكان عليه أن يقنعه بالاستمرار في العمل ، فشرح له ظروفه التي ما كان يريد أن يشرحها لأحد ، فوعده بأن يعطيه فترة يدبِّر فيها أمره ..الآن الوضع يضغط أكثر ، وعليه أن يسابق الزّمن ليجد مخرجاً .. وفي هذه الأثناء كان خضر يلحّ عليه في أن يتفرّغ للمزرعة وسيعوِّضه عن مرتبه في السّكة الحديد ، فوجد أنّه ما دام سيتحصّل على نفس المبلغ من جهة واحدة فالأفضل له أن يفعلها ، وقد كان القرار صعباً وقتها ، أن تترك وظيفة حكوميّة ، وتعمل في مجال تربية الحيوان ، ولكنّه حسبها فوجد أنّ الوظيفة الحكوميّة مشوارها طويل وربّما نجح في مجال تربية الحيوان أكثر ، خاصّة وأنّ خلفيته زراعيّة رعويّة .. توكّل على الله وقدّم استقالته من العمل الحكومي ، حاول رئيسه في العمل أن يثنيه عن فكرة ترك العمل الحكومي ، وبأنّه رزق ثابت وسيترقّى فيه وسيكون له في النّهاية معاش ، ولكنّه بالمقابل يرى أن رزقه الحقيقى في المخاطرة ، ففعلها وتفرّغ للمزرعة ، وكانت بتوفيق من الله تنمو كلّ يومٍ .. بعد أن شكر العامل الذي كان معه على صبره عليه في الفترة الماضية .. أنت الآن يا عبد الرّافع تقفز في الظّلام ، فكيف إذا تبدّل الحال واستغنى عنك خضر .. كانت قناعته أنّ الرّازق الله ، وهو ما عليه إلا الإخلاص في العمل ، يجوّده ما أمكن ويزيد ، فاللّقمة الحلال لا كفاء لها .. طرح على خضر فكرة إنشاء مشروع للعلف فسيكون بتكلفة أقل من الشِّراء من ألمشاريع الزراعيّة الأخرى .. وافق خضر , خاصة أنّه يملك أرضا كانت المزرعة جزءا منها ، وطرح عليه فكرة الاستغناء عن الجداول بتمرير الماء عبر خراطيش بلاستيكيّة حتّى لا يكون هناك بعض الفقد في الماء قبل أن يصل إلى الأحواض .. أعجب الرّجل بالفكرة وترك له التنفيذ ، قام عبد الرّافع بتركيب الوابور، فقد كان يجلس إلى سائق الوابور في قريتهم يلتقط منه كل ما يقوم به أثناء التّركيب والصّيانة ، واستعان ببعض العاملين في لحام الخراطيش البلاستيكيّة .. مرّت فترة وجيزة وصارت الأرض جاهزة للزّراعة ، فبدأ بزراعة (أبو سبعين) وهومعروف بأنّه علف سريع النّمو ، وعندما بدأ عبد الرّافع في حصاده ، كان خضر في الجانب الآخر يتعجّب من كيف أنّ هذا الشاب قد وهبه الله من الذّكاء والتّصرّف ما يعجز عنه الكثيرون .. نعم الآن من حقّه على خضر أن يحفظ له هذا الجميل وهذا التّفكير نيابة عنه .. وكعادته فكّر أول ما فكّر عبد الرّافع في الاستفادة من بعض مساحة الأرض غير المزروعة واستأذن خضر في أنّه يريد أن يزرع بعض الخضروات يزيد بها دخله ، فلم يكن من الرّجل إلا وأن وافقه وسأله عن نوع البذور التي يريدها فأحضرها له .. زرع عبد الرّافع بعض الخضروات فوفّر بهذا كثيراً على صاحب المزرعة من طلبات البيت من الخضروات ، وصار يبيع لأهل المنطقه حوله بأسعار أقلّ من تلك التي يشترون بها من المدينة .. الآن وجب عليه إخبار أمّه بعمله الجديد شارحاَ لها أنّ الزراعة وتربية الحيوان هنا تختلف عن القرية .. لم تتقبّل أمّه الأمر بسهوله ولكنّها مضطرّة فهو العائل للأسرة ، ولكنّها بالمقابل كتمت هذا السّر في نفسها ولم تبح به لأحد حتّى أبنائها.. كان عبد الرّافع إذا تعرّض الوابور لأيّ عطل يذهب بالقطعة سبب العطل إلى المنطقة الصّناعيّة لإصلاحها أو الإتيان ببديل لها ، وكان يغتنم فرصة وجوده في المنطقة فيتابع الفنّي في كلّ ما يقوم به تجاهه وتجاه الآخرين ، فتجمّعت عنده بهذا فكرة لا باس بها عن الميكانيكا .. كلّ هذا وهو يخزّن هذه المعلومات والتّجارب للقفزة القادمة.. كان أكثر ما يشغله كيفيّة التّوفيق بين العمل ومواصلة الدّراسة وكانت محاولاته تصطدم بظروف العمل الضّاغطة ، أمّا من ناحية الدّخل فقد تحسن كثيراً ولكن ليس بالدّرجة التي تسمح له بالالتحاق بالدّراسة لأنّه يحتاج أكثر ما يحتاج للوقت ينفقه في العمل في المزرعة ، ثم أنّه لا يريد أن يوحي لخضر نيّته في تركه تحت كل الظّروف .. فكّر في المبلغ الذي تحصل عليه كمكافأة من عمله في السّكة الحديد ، فجاءته فكرة أن يشتري وابوراً من المنطقة الصّناعيّة يقوم بتركيبه في أرضهم الزّراعيّة بالقرية بعد أن يقتطع من صاحب المشروع بعض المساحة ، ولكن المبلغ لا يسمح , فاشترى بعض الأغنام بالمبلغ بعد أن استشار خضر ، فوافقه ودعمه في ذلك المنحى .. كان يقابل جمائل خضر بالمزيد من البذل والعطاء وترتيب أعمال المزرعة ومتابعتها بدقّة من يشعر أنّ نجاح المزرعة هو نجاحه .. مضت الآن خمس سنوات منذ أن فارق القرية للعمل بالمدينة ، حدثت تحوّلات في محيط الأسرة فقد بلغ أحد إخوته مرحلة دخول الجامعة بعد أن جلس لامتحان الشّهادة السّودانيّة ، ونجح بدرجة عالية ، ولكن كيف العمل مع هذا التشتّت ، فكر عبد الرّافع في إقناعه بدخول كليّة الهندسة الميكانيكيّة بعطبرة حتّى لا يرتّب عليه مصاريف لا يقدر عليها إذا ذهب للخرطوم ، وقد كان له ما أراد فقد كان شقيقه متفهِّماً للوضع ، ثم أنّه كان مقتنعاً بالتعليم الفنِّي .. نجح الشّقيق في دخول كليّة الهندسة الميكانيكيّة بعطبرة .. الآن بدت في الأفق بوادر حل قضيّة إكمال تعليمه ، فقد فكّر في أن يدخل أخاه في العمل معه بعد نهاية اليوم الدّراسي في الجامعة في الفترة المسائيّة .. فكان إذا عاد من الجامعة بدأ بمساعدة عبد الرّافع في عمليّات جلب العلف للأبقار ، ثم المساعدة في الحلب .. كل هذا وعبد الرّافع لم يطلب من خضر شيئاً .. وكان يشرف على كل صغيرة وكبيرة حتّى لا يتأثّرالعمل سلباً .. قضى في هذه الحال فترة ليست بالقصيرة حتّى اطمأنّ خضر إلى سير العمل .. بعدها فاتحه عبد الرّافع أنّه يريد أن يلتحق باتّحاد المعلّمين لإكمال تعليمه وترك له الرّأي حتّى لا يشعره بأنّه يتخذ خطوة دون موافقته .. وعده خضر خيراً وطلب منه إمهاله بعض الوقت حتّى يرى كيف يسير العمل في المزرعة فلم يكن خضر يريد أن يقف أمامه ولكنّه كان يحتاج وقتاً يطمئن فيه على سير العمل بالمزرعة .. في هذه الأثناء شرع عبد الرّافع في التحضير للمرحلة الجديدة بأن رجع لفائله في السّكة الحديد وأخذ منه شهادة النّجاح من المرحلة المتوسّطة للمرحلة الثّانويّة .. سأله خضر عن كيف سيرتّب الأمر فقال له إن شقيقه سيقوم بعمل اللازم في غيابه بعد أن درّبه فترة كافية وبعد عودته من الجامعة ، وقد هيّأ في هذه الأثناء لشقيقه موضعاً يستذكر دروسه فيه .. ثم أنّه سوف يحاول الخروج من الدراسة مبكراً بعض الشيء .. وافق خضر , ولكنّه كان على شك من أن يقوم الشّقيق بما كان يقوم به عبد الرّافع في غيابه ، ولكنّه آثر أن لا يثبِّط همّته ما دام يريد أن يستزيد أكثر.. ذهب عبد الرّافع للالتحاق باتّحاد المعلّمين ، ولكن واجهته مشكلة أنّ الدّراسة تأخذ الفترة المسائيّة بحيث أنّه لا يستطيع أن يلحق بأخيه يساعده في الفترة المسائيّة , خاصّة وأنّ أخاه لا يملك تجربة كبيرة في إدارة المزرعة .. فكّر كثيراً في أن يجد حلا فلم يهتد لطريق يوفق بها بين العمل والدّراسة ، فكان كالسّائق الذي يسير خلف شاحنة كلّما همّ بالتجاوزأضاء له سائق الشّاحنة الإشارة من ناحية اليسار .. هذا هو قدرك ، وواجبك الآن أن تنهض بأمر إخوتك ، وسيكونون عوضاً لك عن ما فاتك من فرص التّعليم .. لم يسأله خضر عن السّبب الذي جعله يصرف النّظر عن الدّراسة حتّى لا يظهر بمظهر الحريص على عمله أكثر من رغبة عبد الرّافع ، ولكنّه بالقطع كان مرتاحاً لوجود عبد الرّافع يشرف على كلّ صغيرة وكبيرة .. واصل عبد الرّافع في عمله وفي تدريب شقيقه على أعمال المزرعة ، ولكنّه في هذه الأثناء جعل لنفسه ولأخيه مطعماً منفصلا بعد أن بدأ ينسحب تدريجيّاً من مشاركة أهل البيت في إطعامه .. تفهّم خضر هذا المسلك فقد خبره على درجة عالية من المسؤوليّة والإحساس العالي .. هو الآن على أقل تقدير سيكون مطمئنّاً على المزرعة إذا دعاه أيّ طارئ للذّهاب لعطبرة في الفترة المسائيّة . ظلّ عبد الرّافع في بحثٍ دائمٍ عن طريق يمكّنه من التّوفيق بين التزامه للرّجل الذي أكرمه وبين طموحه للزّيادة ، ووضع أسرته ، وهو الذي يعرف إمكانيّاته وقدراته التي لا يريد أن يسجنها دون أن يطلق لها العنان ، أشبهت حاله فأراً يجري مع حيطان غرفةٍ مغلقةٍ يبحث عن جحرٍ ينفذ منه خارجاً .. كيف ، وجبال من العوائق تسدّ أفقه أنّى التفت .. لكنّه رغم كلّ هذا كان يشعر بأنّ كُوَّةً ستنفتح يوماً ما ويأتي الفرج .. الحمد لله أنّ الخضروات التي كان يزرعها زادت من دخله ، وصارت تفي بالكثير من متطلباته التي تزيد كلّ يوم ، وكان التّحدي الذي يواجهه ، بين أن يزيد من دخله وتقليل المنصرفات .. وظلّ يراوح بين قمّةٍ وسفح ، يدخل اللجّة وبعد أن يشعر بدنو غرقه يقذفه اليم للسَّاحل .. و خضر يرقبه من بعيد يهمّ بالتّدخّل لإنقاذه ولكنّه يتريّث في انتظار أن يقوى عوده من خلال التّجارب ، فقد كان يرى فيه مشروع كفاءة يجب أن لا يجهضها بمدِّ يد العون قبل أن تنضج الثَّمرة .. وظلّ هو على حاله في الإخلاص والتّفاني في عمله يزيد كلّ يومٍ حرصاً على ما جعله خضر أمانة في عنقه ، رقيبه في ذلك ضميره ووقوفه أمام الله .. يمرّ على تفاصيل عمله بعيون فاحصة تشعُ ألقاً وراحةً نفسيّةً تجعله يأوي إلى فراشه وقد بلغ منه تعب الجسم مبلغاً ولكنّه مرتاح الضّمير .. تمرّ السِّنين وقد تخرّج أخوه مهندساً في المياكنيكا وبحمد الله تحصّل على عمل كان يمكن أن يسدّ حاجة الأسرة ، ولكن أين ؟ فقد أخرجت السّنين من أنبوب الأسرة نابغةً ما كان لهم أن يهصروه .. وتبدأ السّاقية في الدّوران من جديد .. حمداً لله فقد وفّر عليه أخوه رسوم الجامعة بما أحرزه في ، الدخول للجامعة ، ولكن تبقى مصاريف الدّراسة والملابس والكتب تشكل عبئاً عليهم .. نعم عليهم ، فقد دخل الحلبة لاعب جديد .. وحين كان عبد الرّافع يقلّب الأمور ويوازن بينها كانت هناك في قريته معلّمة تذهب للوادي المجاور للقرية تفرّق همّ غربتها عن أهلها حيث أنّها كانت من خارج القرية ، وحين تكرّر خروجها للوادي بدأ الشّكّ يتسرّب لأهل القرية عن السّبب في الخروج .. شرع بعضهم في تتبّعها من بعيد ، فلاحظوا أنّها تتابع وتلتقط بعض الأشياء من على الأرض..ظنّوا في بداية الأمر أنّها تتسلّى بالبحث عن ( أم بور) تلك الحشرة الصّغيرة التي تتّخذ لها في الأرض حفراً مخروطيّة الشّكل , يتسلّى الأطفال بإخراج واحدة منها وربطها بخيط وإنزالها في هذه الحُفَرْ المخروطيّة لتعلق بها أخواتها .. يقضون الوقت الطّويل في هذه اللّعبة .. ولكن سرعان ما صرفوا عنهم هذا الظّن , لأنّ الأمر لو كان كذلك لما بذلت هذا المجهود في مشوار للوادي ذلك أنّها يمكن أن تحصل على هذه الحشرة في أقرب مكان من سُكناها ، ثم أنّها ليست طفلة لتصرف وقتها في مثل هذه الأمور.. زاد الهمس بين أهل القرية , وزاد انتباه المعلَّمة لما يدور حولها وقلّت رحلاتها للوادي , وكانت تتصيّد لحظات غفلة رقيبها فتخرج , ولكنّ الرّقيب أوهمها بغفلته حتّى يمسك بخيوط وأسرار ما تخفيه .. اختلق لها درساً خاصّاً تعطيه لطالباتها ولم يُعلِم حتّى الطّالبات بذلك , لم يستعجل الرّقيب على قطف الثّمرة , فليس هناك ضرر واضح .. واختار لهذا الدّرس وقتاً يناسب رجوعها من الوادي , ومدّ حبال صبره وأدخل الأمّهات في متابعة الطّالبات يرجعنهن للبيوت بعد الدّرس .. و ( الونسة جابت الونسة ) وبدأت حبّات المعدن الأصفر عند طرف ثوبها المعقود .. كانت إحدى النّساء قد اقتربت من المعلّمة كثيراً ، أقامت هذه العلاقة تحت نار هادئة ، ولم تكن تأتِ على لسانها سيرة ذهابها للوادي , وبدأت المعلّمة تفضّ ( صُررها ) تحت وهم أنّ سرَّها في بئر.. تحكي للمرأة كيف أنّ لهم وادياً في منطقتهم يشبه هذا الوادي يجدون فيه بعض قطع الذّهب , يصل في بعض الأحيان حجم الحبّة منها قطعة الزّنجيل ، وأنّ ذهابها للوادي كان لنفس السّبب حيث أنّها ظلّت تجمع بعض قطع المعدن الأصفر من الوادي ..هل كانت المعلّمة تدرك أنّ السِّر يدخل من فوهة أنبوب ليخرج من الفوهة الأخرى ؟ باحت للمرأة بسرِّها واصطحبتها عدّة مرّات للوادي حتّي تمكّنت المرأة من معرفة الطّريق لالتقاط حبيبات الذّهب من الرّمل وعادت لتسرِّب الخبر لآخرين , والنّار طبعها إذا وجدت الهشيم أن تزغرد ..هاجت القرية وماجت ، وصار النّاس في شغلٍ حتّى عن واجباتهم اليوميّة , جاءت نهاية العام الدّراسي فطلبت المعلّمة الانتقال من المدرسة , وانسربت راجعة إلى منطقتها بما حصلت عليه خوف أن يفيق القوم يوماً ويسلبونها ما جنت بحجّة أنّه ملك للمنطقة .. أشعلت المنطقة وانطفأت سيرتها , وهي لم تقصد ولم تكن تدري أنّها بهذا قد ساهمت في هزيمة مهمتها الأساسيّة في الحياة وهي تعليم النّاس فقد كانت تلك بداية أنهيار التّعليم في المنطقة حيث أنّ التّلاميذ بدأ تسرّبهم من غرف الدّرس بحثاً عن الذّهب , بحجّة أنّ طريق العلم طويلة مقارنة مع طريق الغنى من الذّهب.. علا قومٌ كانوا في قاع المجتمع ، وضاقت الحياة بمتوسِّطي الحال , وأكل الغلاء مدّخرات البعض الآخر وأربك حياة القرية , قبل أن تربكها أفواج الأغراب التي وفدت من المناطق القريبة , وتبعتها أفواج من كلّ بقاع السّودان فاختلط الحابل بالنّابل ، وكاد الإعصار يقتلع الخيام , والنّاس بالذّهب مشغولون .. ودخلت أجهزة الكشف عنه , وتبعتها آليات الحفر وصار باطن الأرض ظاهرها .. لحظتها لن تجد من يستمع إليك.. تصدّرت نشرة أخبار المنطقة سير الأغنياء الجدد , ودخلت مفردات جديدة على اللّغة في المنطقة أعلاها الخليّة وأقلها الحبّة , وتبعها مصطلح الكرتة ، و أخيراً البقر .. وعرف النّاس السِّيانيد والزِّئبق ذلك الذي لم يسمعوا به إلى أن ساقت البعض خطاهم للمرحلة الثانويّة ووجدوه في معاملها في حصّة العلوم.. أنت أمام مشهد لم تره من قبل ولم تكن تتصوّره , فهل ستجد من يستمع لك بأنّ الذّهب الحقيقي هو تحت أرجلكم في فلاحة الأرض , وفي الاهتمام بالحيوان وتطويره في الكمّ والكيف .. وجاءت الأخبار بأنّ سدّاً سيقوم في المنطقة يغرقها فانشغل النّاس بالزّراعة العشوائيّة طمعاً في تعويضٍ حين يقوم السّد ..اختلّت كل حسابات القرية , وطفق القوم في خوفٍ من المستقبل أزاغ قلوب أناس كانوا ملاذ النّاس وركنهم الذي يسندون له ظهورهم يوم أن يعزّّ النصير .. تدافعٌ بالمناكب بغية الفوز بكلّ ما هو ممكن قبل أن تقوم قيامة القرية .. كانت الأخبار تصل عبد الرّافع قبل أن تصل أطراف القرية , فزادته همّاً على هم , أين موقع أسرته من هذا الذي يجري وطوفان الغلاء بدأ في إغراق القرية , كلّ المنطقة بقضِّها وقضيضها , مما رتَّب عليه عبئاً زائداً في المصروف الشّهري , أسرتك ليست جزيرة معزولة , فهي في قلب المعركة و إخوتك الصّغار بدأت تراودهم أحلام الغنى والخروج من نفق ظلّوا محشورين فيه السّنوات الطّوال يمدّون الأعناق طويلة علّهم ينعمون بقليلٍ من أوكسجين حياة الطراوة يوماً ما .. وهو بين هذا وذاك , بين الرّغبة في حطّ بعض الحمل عن كتفه ، وبين ما حصّله من المعرفة بأنّ المخرج الحقيقي هو العلم حتّى لو عادوا بعد ذلك لحياة القرية يعملون في الزّراعة أو العناية بالحيوان , لا سيّما وهو يشهد أن بعض الذين اغتنوا , قد انحرفوا عن الجادّة بأنّهم لم يستثمروا في اتّجاه تطوير أوضاعهم السّابقة , فعمدوا إلى الصّرف البذخي في المأكل والمشرب , ونسوا ما كانوا عليه .. بدأ إخوته الصّغار يشاركون أهل القرية في البحث عن الذّهب في أمسيات الخميس والجمعة ، ليواصلوا دراستهم في باقي أيّام الأسبوع ، وقد كانت هذه بداية الطّريق للانحياز لصفّ الذّهب الذي بدأ يلمع بين أياديهم .. طفقت السّلة تتآكل قاعدتها وفي كل مرة يسقط أحد إخوته منها في الطّريق ، وخشي أن يصل بسلّةٍ فارغة تماماً , حاول ذلك عن طريق الرّسائل , وذهب بعدها بنفسه للبلد ليتدارك الأمر ولكن هيهات فقد تلبّس شيطان الذّهب العقول , وكان الصّمم عن كل نصيحة , وأنت لا يمكن أن تنجو بنفسك من هذا الطّوفان الذي أغرق كلّ حججه في لجّة هذه اللّوثة , وأنت ترى النّاس من حولك تتبدّل أحوالهم ما بين غمضة عينٍ والتفاتتها ..المهم في النّهاية نجح فقط في أن يقنع أخاه الذي كان على باب الجلوس لامتحان الشّهادة السّودانية , و قد كان هذا في حدّ ذاته مكسباً في مثل تلك الظّروف ، والآن تحقّقت رؤيته المناميّة تلك حيث أنّه رأى أنّ له دجاجة باضت خمس بيضات , فقست منها اثنتان فقط .. عاد للمزرعة وقد تبدّدت كلّ آماله التي كان يرجوها .. نزل ضيفاً عليه في المزرعة في يوم من الأيّام , أحد زملائه من المدرسة الصّغرى , والذي لم ينجح وقتها للعبور في امتحان الانتقال للفصل الرّابع في المدرسة الأوليّة , يحمل بعض قطع الذّهب يريد أن يبيعها ، وحيث أنّه حديث عهد بالمدينة ودروبها فقد استعان به .. أوكل عبد الرّافع في ذلك اليوم العمل في المزرعة لأخيه الذي كان في عطلة وقتها ، وصحب زميله لسوق الذّهب في عطبرة .. وحيث أنّه كان على معرفة بأحد الصّاغة والذي كان يساكنه في المنطقة ، نجح في مساعدة زميله .. لم يقصِّر معه زميل الدّراسة ، فحين خرجا من المحل دسّ في جيب عبد الرّافع بعض الأوراق الماليّة ، وكان عبد الرّافع قد تظاهر بعدم قبولها بحجّة أنّها مساعدة يقدّمها لزميل .. ودّع صاحبه عند موقف الحافلات عائداً للقرية وعاد هو للمزرعة .. دخل غرفته وقبل أن يخلع ملابسه أدخل يده في جيبه وأخرج النقود التي جاد بها عليه صاحبه , فلم يصدّق .. الآن يدخل مدخلاً على حياته جديداً , خاصّة وعلى قرار نظرية ( أم بور) بدأ توافد أصحابه عليه يزداد , وانفتح باب المزرعة على مصراعيه , يستقبل القادمين من القرية , ممّا بدأ يزعج خضر صاحب المزرعة بعض الشّيء , فهو أب لبنات , ثم أنّ البهائم , في نظره , لا تحتمل كثير الأعين , مع خلفيّة خضر التي تقول ( إنّ الرّباطاب عينهم حارّة ) .. حلقة جديدة من الصّراع بدأت تلوح في الأفق , الوضع يزداد سوءاً , وهو غير مقبول لخضر , وعبد الرّافع على الضّفة الأخرى يفكّر في جدوى أن يعطي مجهوده للآخرين دون مقابل مجزٍ .. إلى متّى ؟ الوضع الآن أوشك أن يسفر عن فرش المتاع , ململة من جانب خضر من كثرة الزّائرين , و مال يجري بين يدي عبد الرّافع يزهده يوماً بعد يوم في الاستمرار في العمل في المزرعة , طلاق ولكن بالحسنى .. وبدأ التّلميح من الجانبين , و ( الما بيفهم التلويح لا بريّح لا بيستريح ) .. وأخيرا اتّفقا على أن يجلس عبد الرّافع شهراً يقوم فيه بتدريب العامل الجديد الذي كان خضر قد أحضره بديلا له , جلس عبد الرّافع يمارس تدريب العامل الجديد على كل كبيرة وصغيرة , وفي الجانب الآخر اقترح على خضر أن يتحوّل للطّاقة الشّمسيّة في سقيا المزرعة , مستفيداً من ما حصّله من تجواله في السُّوق ، فكان له ما أراد ، و مستفيداً من بيع الوابور وملحقاته في تعويض بعض التكاليف .. وكان هو في هذه الأثناء يتخلّص من ممتلكاته الخاصّة في المزرعة حتّى يستعين بعائدها على فترة عدم الاستقرار التي سيعيشها بعد مفارقته للمزرعة .. اختار من الأغنام أجودها و أرسلها للبلد لوالدته , تعينها في قضاء بعض حاجياتها اليومية , و سعى لاستئجار سكن في المدينة , واجهته في البداية عقبة أنّه أعزب , و لكن سمعته الطيّبة ساعدته في عبور هذه العقبة ، و كانت السّرائر على رأس القائمة , حيث أن القادمين من القرية سيقضون معه اللّيلة واللّيلتين , و كلّ شيء بثمنه .. شكره خضر كثيراً على ما قدّمه له في الفترة التي تجاوزت السّبع سنوات وأفاض عليه بعض المال عوضاً عن خدمته له .. انقضى الأجل و ودّع عبد الرّافع المزرعة إلى سكنه الجديد .. كانت هذه أوّل تجربه له لتحمُّل مسئوليَّة السّكن والالتزام بما يترتّب علي ذلك في الاستضافة و ما يتبع , و لكنّ ضيوفه جلّهم من الذين له ولهم فيه مصلحة , حيث أن جلّهم ( دهّابة ) استمرّت الحال على خير ما يرام , و جرى المال بين يديه بما لم يكن في الحسبان .. لم يدع الفرصة تفوته , فكان كلّما جمع بعض المال اشترى بعض معدّات الطّاقة الشّمسيّة وأرسلها لإخوته في القرية لتخزينها .. الذي لم يدر بخلده أنّ تحمّل الفقّر أخف من تحمّل المال , و صار كلّما جمع مالاً انفتحت شهيته للمزيد , و لم يقصِّر معه ضيوفه من الدّهّابة , و اجتمع حوله كثير من الأصدقاء , البعض يريد منه أن يضمنه لأخذ قرض من البنك الزّراعي , والبعض الآخر يعرض عليه أن يشاركه في سمسرة شراء الأراضي والمنازل , واتسعت الدّائرة حوله دون أن يعرف حدودها وكيفيّة السّيطرة عليها وإدارتها بصورة منضبطة , و ما علم أنّ الماء يتسرّب من تحته , حتّّى جاء اليوم الذي داهم فيه تيم من المباحث المنزل , ذلك أنّ التّيم كان يتابع واحداً من ضيوفه مشتبه بتعاطي المخدّرات , و لم يقصّر معه الضّيف الذي دخل قبل التّيم بقليل , وحين شعر بالخطر قذف بما يحمله تحت مسند عبد الرّافع الذي كان خارجاً للتّو بعد أن أخذ حمّاماً , وكان حين دخل الحمّام لم يكن في البيت أحد . وقد شاهد , عند خروجه , أحد الأشخاص وقد خرج من باب المنزل الآخر ولم يتبيّنه , و لدهشته , فقد عثر التّيم على ( صرّة ) المخدّر تحت مسنده .. تجمهر بعض الجيران على أثر وجود تيم المباحث ,لاذ الجميع بالصّمت , وقد عقدت الدّهشة ألسنتهم , حيث استفاد منهم تيم المباحث كشهود ..اقتاده أفراد التّيم إلى القسم .. و صار كل واحد من الحاضرين ينظر إلى الآخر غير مصدّق لما جرى أمام عينيه .. لم يمر كثير وقت حتّى أخذ عبد الرّافع حكماً بالسّجن , لم تشفع له شهادة الشّهود في حقّه , وانقسم النّاس بين قادح و مادح .. وفي الطّرف الآخر انفض السَّامر عن المنزل فقد أصرّ مالكه على خروج الجميع منه .. استغلّ من أخذ قرضاً من البنك , تحت ضمانته , الظّرف الذي هو فيه فلم يسدِّد واختفى عن الأنظار , و تلاعب من تظاهروا له بالصّداقة في مستندات الأراضي مستخدمين اسمه , واختلط الحابل بالنابل .. وتناسلت قضايا ( يبقى لحين السداد ) فكان كلّما خرج من قضية دخلت عليه الأخرى حتّى أنهكته القضايا وجعلت من السّجن مسكناً له , تعرّف فيه على عتاة المجرمين , وعلى مظاليم من شاكلته أوقعتهم طيبتهم في شراك وحبائل قوم لا خلاق لهم و حين سدّد آخر ما عليه كان صفر اليدين , إلاّ من بعض الأشياء التي كان يرسلها من مكوّنات الطّاقة الشمسيّة , وما تبقّى من أغنامه في مزرعة خضر .. و حين خرج من بوابة السّجن يحمل حقيبة مهترئة , و بعض مال جاد به أصحاب السجن وزائروه وضعته إدارة السجن له في الأمانات .. و تمطّى و تثاءب خارج الأسوار . وجد أن السّجن قد أخذ من عمره سبع سنوات وبضع أشهر , غابت فيها والدته و توسّدت الباردة , همّاً يسلمها لهم , و غبناً يتلوه غبن , وهي على يقين أنّها لم ترضعه لبناً حراماً .. و دمغته الظّروف بما يصعب محوه عبر الأيّام و الّسّنين .. خرج وهو يحمل حبّ أهل السّجن فقد كان محبوباً عند الجميع ذلك أنّه أصلاً ما كان يحمل في داخله أيّ نوع من الإجرام , لكن لحكمة في حساب العليم فقد مرّ بهذه التّجربة التي لم تكن في حسبانه .. الآن يا عبد الرّافع أنت في مفترق الطّرق , أن تواصل حياتك في المدينة وأنت فيها فقير كما دخلتها بالأمس , أو أن ترجع القرية وقد دمغتك الأيّام .. خيار المدينة لم يعد منطقيّاً فيسير فيه خاصّة وأنّه قد فقد كلّ شيء , وهو لا يدري ما تخبّئه له الأيّام , فليذهب إلى القرية برغم الذي ينتظره من نظرة النّاس السّالبة تجاهه , فهناك على الأقل لن يحتاج لإيجار , و إذا ضاقت به الحال فسيوفّر له إخوته ما يسدّ الرّمق حيث أنّه لم يكن قد قصّر معهم .. إذن يا صاحبي فاحمل عصاك وقليل زادك وتوجّه تلقاء مدينك , و لا تنس أصحاب السّجن فبينهم من هو في مثل حالك رمت به الأقدار في قيدٍ لا يد له فيه , ربّما تجد هناك من ذوي الحاجات من يحتاجك أن تسقي له بعد أن يصدر الرّعاء , فمثلك مدخور لهذا , و الله بالغ أمره .. غداً تحجُّ إلى قرية حملتها داخلك السّنوات الطّوال , ولا تدري ما ينتظرك من نفور المرضعة شماتة واستصغاراً , أو استقبال من يريد أن يسدّ دينك عليه , فرحاً بمقدمك , ففي كل الأحوال لا بدّ أن تعود , فإنْ اصطليت بنار الصّدِّ فالذّهب تجمِّره النّار .. أخذ مقعده في الحافلة التي حضر إليها متأخراً بقصد أن يقصّر زمن انتظاره في الموقف حتّى لا يترك مجالاً للأسئلة , نهض البعض للسّلام عليه , وتظاهر البعض الآخر أنّهم لم يروه , و حرص هو من جانبه على التزام الصّمت طول الرّحلة .. وصلت الحافلة القرية بعد رحلة استغرقت حوالى الثّلاث ساعات .. نزل منها كطفل دخل الظل بعد أن كان حافياً في الرمضاء , يرفع رجلاً وينزل الأخرى بحثاً عن أن يسوّف ما أعتراه من سخونة في الأرجل , أو كمن نزل إلى ماء النيل في الشتاء وتلك الشهقة حين ملامسة جسمه للماء .. هي لحظة وستعدّي فإنّ الزّمن سوف لن يتوقّف , وهذا ما وطّن عليه نفسه من الفهم الذي أعانه كثيراً في تجاوز الصِّعاب التي قابلته في الحياة .. سلّم على من لقيه عند نزوله , واصطحب أحد إخوته إلى المقابر , فبكى عند قبر أمّه ما شاء الله له أن يبكي .. دعا لها وطلب عفوها , وأسرّ لها أنّك تعلمين أنِّي ما أتيت شيئاً يجرُّ عليك عاراً إلا أنّها خطًى كتبت عليّ , ومن كتبت عليه خطًى مشاها .. وصل منزل أهله و لم تقف دمعته .. و جاء الجيران للسّلام عليه بعيون بعضها يحمل الإشفاق عليه , و أخرى تنظر إليه بعين الرّيبة ..كان على استعداد لاستقبال كلّ ما يلقاه , و في يقينه أنّ الله سيظهر الحقّ يوماً ما .. مرّت الأيّام ثقيلة .. لم يُضِع عبد الرّافع وقتاً , وشرع في ممارسة حياته الجديدة , بأن أخبر صاحب الوابور الذي كان يروي أرضهم بأنّه سيقوم بتركيب طاقة شمسيّة في موقع الوابور وخيّره بين أن يكون معه حتّى لا يظلمه حقّه , أو أن يأخذ وابوره وينصرف بعد أن تكمل مزروعاته دورتها .. اختار الرّجل أن ينصرف بوابوره بعد دورة مزروعاته .. بدأ بتركيب الطّاقة الشمسيّة و لما اكتملت الإجراءات بدأ في التشغيل في ري مزروعات صاحب الوابور السّابق , واعتمد في هذه الفترة على إنتاج الأغنام التي وجد أنّها صارت قطيعاً تحت رعاية والدته الرّاحلة , و التي كان أحد إخوته يقوم برعايتها بعدها .. و كان كلّما حصد الرّجل دورة أحلّ مكانها محصولاً آخر , وانتهج نهجاً جديداً في الزِّراعة بحيث أنّه كان يخالف نهج الآخرين في الزِّراعة فقد استفاد من خبرته في مزرعة خضر .. مرّت الأيّام و صار يجلب للسّوق نوعاً من الخضروات لم تكن مألوفة لأهل القرية , وفي مواسم لم يعهدوها فيها .. كان كلّما حقّق نجاحاً , انسحب مؤشر الشّك فيه إلى جهة الثّقة و لكنّ البعض مصرٌّ على دمغه بالسّوء حسداً من عند أنفسهم , حتّى لا تقوم له قائمة .. مرّت فترة أوفى فيها بعهده مع صاحب الوابور , فشكره الرّجل على نبله معه , وصار بعدها سيّد نفسه وقراره ..أقنع بعض إخوته بأنّ الذّهب الحقيقي في الزّراعة والإنتاج الحيواني , فانضمّ أحدهم إليه و اختار الآخران الاستمرار في البحث عن الذّهب مع الباحثين .. و ظلّ يراوح بين ما كان عليه و نظرة النّاس , وبين ما يعلمه عن نفسه , يصعد كلّ يوم درجة في سلّم التّعافي .. و كان حاسدوه في الشاطئ الآخر يوحون للنّاس بأنّه لا يمكن أن يكون براءً و أن مسلكه الذي يسلكه بسبيل من التّمثيل أمام النّاس .. فكّر في أن يتزوّج بعد أن استقرّت أموره , و لكن مَنْ هذا الذي سيقبل به , فيصرف النّظر عن الفكرة .. هل كان قدرك أنّك كلّما فكّرت في عمل شيء أن تقف أمامك عقبة .. حاولتَ إكمال تعليمك , فلم تفلح .. حاولت أن تقف بمفردك و انتهيت إلى سجن طال أمده , فما الرّأي ؟ نعم كلّ هذا قدرك , و لكن ما عند الله خير , و إنّ الله سيخرجك للبرِّ يوماً , يرونه بعيداً ونراه قريباً إن شاء الله .. صار يدخل على الشبكة العنكبوتيّة يبحث بين ثناياها عن الجديد في مجال الزّراعة , الذي لم يكن مألوفاً لأهل القرية , ومواسم الزِّراعة ويطبِّق ما حصّله في مزرعته .. بعض الإخفاقات بسبب عدم تعوّد النّاس على الجديد من صنوف الخضر و الفواكه .. كانت آخر شطحاته إدخال تربية طيور السّمّان , و كان في بداية مشروعه مجال تندّر للغاشي والماشي .. اصبر فإنّ الله ادّخرك للصّبر و لتعليم النّاس .. ( عاين زولك قام يربِّي في القطا ) و ( يا جنا دي فِرّة و للا شنو ؟ ) ..أ لم يكترث لما يلقاه من تهكُّم كثيراً , يأخذ جرعة الغيظ تلو الأخرى زاداً , و يقول في نفسه ليت قومي يعلمون .. و النّصر صبر ساعة .. مرّت الأيّام و صار لا يكفي حاجة السّوق , و بدأ النّاس يألفون السّمّان و شرع البعض في تربيته .. كان بعض صبره طرفاً من حذره في أن يقع في تصرُّف يعيده لنقطة الصِّفر ، فلا تزال عين الرِّيبة تتابعه .. |
|
|
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: قصة عبد الرافع بقلم العوض مصطفى العوض (Re: Yasir Elsharif)
|
Quote: العوض مصطفى العوض [22 مايو 2026] عبد الرافع.. الجزء الثاتي والأخير و في يوم من الأيّام لاحظ أّن النّاس يهرعون إلى منزل أحد أهل القرية فأسرع نحوهم متسائلاً , فعلم أنّه قد سقطت علي الرجل كتلة صخرية أثناء عمله في بئر الذهب التي تهدمت بعض جوانبها .. و صل إلى المنزل مع عدد كبير من أهل القرية الذين غصّ بهم المكان , و وجد أنّ الرجل في وضع ينبئ بما لا يسر .. المفاجأة كانت أن الرّجل حينما لمحه بين الجموع أشار إليه بأن يقترب منه , , و أمام دهشة الجميع , و بصوت متحشرج تغالب فيه الكلمات للخروج , قال له لو أنك لم تحضر لأرسلت في طلبك , و بدأ الرّجل يطلب من عبد الرّافع العفو , ذلك أنّه هو من كان وراء كلّ المتاعب التي مرّ بها عبد الرّافع حيث أنّه هو من كان وراء سجنه يوم أن قذف بالمخدرات تحت وسادته وخرج مسرعاً .. و عليه هو من يتحمّل كلّ ما لحق به بعد ذلك حيث أنّه أتاح الفرصة للآخرين بأن يتلاعبوا و يستغلوا وجوده في السّجن باستخدام الأختام التي تخصّه وتوريطه .. سادت لحظة صمت , كمن ينتظر قاضياً في لحظة النّطق بالحكم بالإعدام أو بحكم أقلّ أو بالبراءة .. و لدهشة الجميع فقد أنحنى عبد الرّافع على الرّجل وأجهش بالبكاء و النّاس مطرقون و بصوتٍ متقطِّع خرجت منه عبارة هزّت الجميع.. نعم عفوت عنك دنيا وأخرى .. و ساد هرج بالمكان نسي فيه النّاس حرمة الموت ولحظات الاحتضار.. ذهب الرّجل إلى ربّه , و انخرط الجميع في بكاءٍ مرير , فيهم من هزّه موقف عبد الرّافع و منهم من أكبر في الرّجل اعترافه بسرٍّ كان يمكن أن يدفنه معه, و هناك أهل المتوفَّى .. تمّ تشييع الرّجل إلى مقابر القرية و كان عبد الرّافع هو من أنزله في اللّحد , بعد أن فوّضه أهل المتوفَّى إكباراً لموقفه .. تلك هي اللّيلة التي زرف فيها عبد الرّافع دموع الحزن على الرّاحل و دموع الفرح بعد إعلان براءته أمام الجميع .. قضى ليلته تلك بين الدّموع حتّى آخر اللّيل و حتّى شعر بحصًى بعينيه فنام .. إذن غداً سيكون يوماً آخر في حياته .. |
| |
 
|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |