في دحض الأسطورة: رسالة إلى الكواشة وجمعية تكساس الامريكية وإيهاب عدلان

نعى اليم الزميل جعفر خضر فى رحمه الله
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 08-24-2026, 05:15 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
المنبر العام
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
02-13-2026, 04:35 PM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6369

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
في دحض الأسطورة: رسالة إلى الكواشة وجمعية تكساس الامريكية وإيهاب عدلان

    في سبيل دحض الأسطورة

    أو: الرحلة من دولة الهوية إلى دولة المواطنة

    رسالة إلى الكواشة وناس الهوية الكوشية والأسطورة الكوشية
    وإلى الجمعية السودانية الأمريكية في شمال تكساس، وإلى صديقي الجميل إيهاب عدلان

    ملاحظة: استباقية:
    أعدتُ اليوم، 8 أغسطس 2026، صياغة هذه المقالة القديمة وتحديثها، بإضافة ومناقشة جديدة تتناول ندوة «الأسطورة والثقافة» التي نظمتها الجمعية السودانية الأمريكية في شمال تكساس الاسبوع الماضي، وما طُرح فيها من أفكار حول دور الأساطير في تشكيل الثقافة والسياسة في السودان.

    ويأتي هذا النقد من باب البيان لا الهجاء؛ أي من باب تفكيك الأفكار ومناقشة منطلقاتها ومراجعة ادعاءاتها، لا من باب استهداف الأشخاص أو الانتقاص منهم.
    وتحاول المقالة، في صورتها الجديدة، أن تربط بين نقد الأسطورة بوصفها خطابًا ثقافيًا وتعويضيًا، وبين السؤال الأوسع حول طبيعة الدولة السودانية: هل تُبنى على الهوية والنسب والأصل والسردية التاريخية، أم على المواطنة والعقد الاجتماعي والمساواة في الحقوق والواجبات؟!.

    إنها، في جوهرها، محاولة للانتقال من الأسطورة بوصفها مرجعية للشرعية إلى التاريخ بوصفه مجالًا للبحث، ومن دولة الهوية إلى دولة المواطنة.

    كثيرًا ما لامني، في السنوات الأخيرة، بعض المهتمين بالهوية الكوشية – أو ما أسميهم اصطلاحًا بـ«الكواشة»، في إشارة إلى أصحاب الأيديولوجيا الكوشية – لأنني، بحسب رأيهم، أفسّر تاريخ السودان القديم والوسيط بالرجوع إلى اللغة والحضارة اليونانية، ولا أتناول كوش مباشرة بالقدر الذي يرونه كافيًا.

    وبصراحة، أتفق إلى حد كبير مع هذا الانطباع، لكن لأسباب مختلفة تمامًا عما قد يتبادر إلى الذهن.

    فالمشكلة ليست أنني لا أريد الحديث عن كوش ككوش، ولا أنني أقلل من شأنها، ولا أنني منحاز حضاريًا إلى اليونان أو غيرها؛ وإنما المشكلة في ما وصلنا أصلًا من كوش، وما لم يصلنا.

    فالحقيقة أن ما وصلنا من الفترة الكوشية بشقيها الرئيسيين:

    1. كرمة ونبتة.
    2. مروي/البجراوية.

    قليل جدًا ومشوّه في أجزاء كبيرة منه، وأغلبه بلا نصوص مقروءة بصورة كافية. ما تبقى لنا في جانب كبير منه هو الحجارة والآثار، بينما لا تزال اللغة المروية نفسها عصية على القراءة حتى هذه اللحظة.

    وهذا يضعنا أمام مشكلة معرفية أساسية: نحن لا نملك المصادر الكوشية بالقدر الذي يسمح لنا بأن نتحدث عن كوش بثقة توازي حجم الأسطورة التي بنيناها حولها.

    ولذلك، عندما أعود إلى اللغة اليونانية أو إلى المؤرخين والكتاب اليونانيين، فإنني لا أفعل ذلك لأنني أفضّل اليونان على تفسير كوش من داخلها، وإنما لأن التاريخ نفسه أجبرنا على استخدام ما بقي من مصادر قابلة للقراءة.

    ومن هنا أصل إلى لبّ الإشكالية: الخراب المتكرر، ومحو الذاكرة، بين كل مرحلة تاريخية وأخرى في القسم الجنوبي من حضارة وادي النيل.

    في تقديري، لا يمكن فهم هذه المسألة دون النظر إلى التحولات الحضارية الكبرى التي مرّت بها المنطقة. فهذه التحولات لم تكن هادئة في كثير من الأحيان، بل جاءت مصحوبة بقدر من العنف الرمزي والمادي، حيث كان كل نسق جديد يميل إلى إزاحة كثير من رموز النسق الذي سبقه، وأحيانًا محوها. وكأن كل إله جديد لا يكتفي بالحلول محل القديم، بل يسعى إلى طمس أثره وما يتصل به من إرث.

    لذلك، لم يكن تغيير الإله مجرد تحول في العقيدة الدينية، بل كان – في أحيان كثيرة – إعادة تشكيل شاملة للعالم: في القيم، والأخلاق، والقانون، واللغة، والسلطة، والطبقات الحاكمة، والذاكرة الجمعية، والرموز، وحتى تصور مركز الكون نفسه.

    وكان الماضي يُعاد تعريفه في هذا السياق، لا بوصفه امتدادًا، بل باعتباره وثنية أو جاهلية أو عبئًا ينبغي تجاوزه، بل وتدميره أحيانًا.

    ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التاريخ السوداني القديم – ولو جزئيًا – كسلسلة من التحولات الحضارية الكبرى، رافقتها عمليات محو تكاد تكون كاملة، تليها إعادة تأسيس جديدة؛ في مشهد يتكرر فيه الخراب بصور قاسية ومتتابعة، لم يكن «خراب سوبا» آخرها، كما أنه لم يكن أولها.

    ويبدو أن هذا النمط لم يتكرر بالدرجة نفسها في القسم الشمالي من حضارة وادي النيل، وهو ما يمكن تفسيره – جزئيًا على الأقل – بعوامل جغرافية لعبت دورًا في استقرار البنى الحضارية هناك مقارنة بالجنوب.

    تفصيل التحولات الحضارية الأربعة (جنوب وادي النيل)

    التحول الأول في: كرمة

    الفترة: 4000 ق.م – 350 ق.م.

    الرمزية: الإله آمون (من رعي إلى آمون)، ليس فقط كرمز ديني، بل كمعبّر عن تشكيلات اجتماعية-سياسية معقدة.

    الانتقال: من كرمة إلى نبتة (≈150 كم جنوبًا)، دون تغيير جذري في النسق.

    التحول الثاني: مروي

    الفترة: 350 ق.م – 350 م.

    الرمزية: الإله أبادماك، مركزه جبل البركل. ليس فقط كرمز ديني، بل كمعبّر عن تشكيلات اجتماعية-سياسية معقدة.

    الانتقال: من نبتة إلى البجراوية (≈200 كم جنوبًا).

    التحول الجذري هنا: إلغاء الرموز الدينية السابقة وإعتماد إله جديد (ابادماك) وعقيدة جديدة واعتماد لغة جديدة (المروية) بدل الكوشية. وبالتالي أيدولوجيا جديدة لنظام الهوية الحاكم (إعدام كهنة آمون) مثال.

    التحول الثالث إلى: المسيحية

    الفترة: 450 م – 1500 م.

    الرمزية: انتقال مركز العبادة من البركل إلى أورشليم.

    الانتقال: من مروي إلى سوبا (شرق الخرطوم)

    التحول الجذري: إلغاء الآلهة القديمة وحضور يسوع المسيح والكتاب المقدس، واعتماد اللغة اليونانية والقبطية لغات رسمية وثقافية/دينية مع وجود لغات شعبية متعددة أظهرها النوبيات القديمة.

    التحول الرابع: سنار

    الفترة: 1503 م – حتى اليوم.

    الرمزية: انتقال مركز العبادة من أورشليم إلى مكة.

    الانتقال: من سوبا إلى سنار (≈300 كم جنوبًا)
    التحول الجذري: إحلال الدين الإسلامي محل الدين السابق وإحلال اللغة العربية محل النوبية واليونانية والقبطية، مع إزاحة الطبقة الحاكمة السابقة ("العنج" في احد التصورات) هنا يهمنا محتوى التحول لا التفاصيل كونه معبّر عن تشكيلات اجتماعية-سياسية معقدة.

    الثيمة المشتركة: دولة الهوية إذ جميع التحولات السابقة تأسست على نموذج "دولة الهوية"، حيث تقوم الدولة على أربع ركائز: مذهب ديني واحد أعلى، عرق واحد أعلى وتفسير واحد أحد للتاريخ وللوجود وأسرة حاكمة واحدة كحتمية تحتكر الأسطورة.

    ولذلك، استلزمت كل مرحلة إلغاء الرموز الدينية والسياسية واللغوية للمرحلة السابقة، كشرط لإحلال السلطة الجديدة. وهذا نمط شائع في معظم الحضارات القديمة بلا إستثناء.

    تأكيد نظري:

    تستند النظرة إلى فرضية أن منطق "دولة الهوية" لا يسمح بتعايش دينين أو عرقين أو أسرتين حاكمتين في الزمن والمكان ذاته، بل يُنتج صراعًا يؤدي إلى إلغاء أحد الأطراف. وهذا هو جوهر ما أسمّيه بـ"الخراب التكراري للحواضر" ليس مدينة سوبا فحسب، حيث تُدمَّر المدن لا بفعل الحروب فقط، بل بتراكم منطق الإقصاء.

    وهكذا يمكن أن نرى – بصورة عامة – سلسلة من التحولات العنيفة:

    خراب كرمة وصعود نبتة وآمون، ثم انزواء نبتة عن مركز التاريخ وصعود مروي وأبادماك، ثم خراب مروي وبروز المسيحية، ثم سقوط الممالك المسيحية – وقد تجلّى ذلك في ذروته في خراب سوبا – وصعود سنار بدين رسمي جديد ولغة رسمية جديدة، وأخيرًا – في زماننا – خراب الخرطوم في 2023.

    وهذه الأخيرة، بالطبع، لفتة خارج النص، لكنها تكشف شيئًا مألوفًا في تاريخنا: أن الخراب ليس حادثًا استثنائيًا في الذاكرة السودانية.

    نعرف خراب سوبا، ونعرف أسطورة عجوبة، لكننا لا نتحدث بما يكفي عن الخرابات الأقدم والأعمق؛ تلك التي لم تكن مجرد خراب مدن، وإنما كانت أحيانًا انقلابات حضارية كاملة.

    ولهذا لم يصلنا تاريخ كوش كما نحب أن نتصوره.

    وصلنا عبر الحجارة، والآثار، والشذرات، والنصوص المحدودة، وكتابات الآخرين.

    لماذا أعود إلى اليونانية؟

    لهذا السبب تحديدًا أجد نفسي مضطرًا إلى الرجوع إلى المصادر اليونانية.

    فاللغة والحضارة اليونانية تركتا أثرًا عميقًا في تاريخ وادي النيل والسودان، خصوصًا في مراحل أصبحت فيها اليونانية لغة للمعرفة والكتابة والدولة والكنيسة.

    ولا يزال هذا الأثر حاضرًا حتى اليوم في أسماء أماكن ومدن وقرى ومواضع جغرافية عديدة في السودان.

    وقد رصدت في بحث سابق ما يقارب 122 مدينة وقرية سودانية أرى أن أسماءها تحتاج إلى دراسة جادة من زاوية صلتها باللغة اليونانية القديمة.

    وهذا الرقم ليس دليلًا نهائيًا في ذاته، ولا ينبغي التعامل معه كذلك، لكنه رقم لافت بما يكفي لفتح باب بحث لغوي وتاريخي جاد.

    كما أنني أعمل على ملاحظات أولية حول وجود جذور أو صلات يونانية محتملة في نسبة كبيرة من مفردات بعض اللغات النوبية، ومنها الدنقلاوية، وهي ملاحظات بحثية أولية لا أدعي أنها حُسمت علميًا، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها نتائج نهائية.

    لكن الفكرة الأساسية هنا أبسط من ذلك:

    إذا كانت بعض اللغات المحلية القديمة لم تصلنا نصوصها، وإذا بقيت اللغات التي حملت جزءًا من المعرفة التاريخية، فليس من المنهجي أن نرفض الرجوع إليها فقط لأنها ليست «كوشية».

    الرجوع إلى اليونانية في تفسير بعض جوانب التاريخ السوداني ليس انحيازًا حضاريًا.

    إنه، ببساطة، استجابة لما بقي من المصادر.

    ---

    لكن المشكلة الأكبر ليست في كوش

    المشكلة الأكبر تبدأ عندما تتحول كوش من موضوع للبحث التاريخي إلى أسطورة سياسية وهوية مغلقة.

    وهنا أريد أن أقول للكواشة ولأنصار الهوية الكوشية، كما أقول للعروبيين والإسلاميين وأصحاب كل سردية تاريخية مغلقة:

    التاريخ مهم، لكن التاريخ لا يمنح أحدًا حقًا سياسيًا إضافيًا.

    يمكن أن تكون كوش عظيمة.

    يمكن أن تكون من أعظم الحضارات القديمة.

    يمكن أن يكون السودان قد شهد حضارات عظيمة ومتعددة.

    كل ذلك جميل ومهم ويستحق البحث والدراسة والاحتفاء.

    لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو:

    وماذا بعد؟

    هل عظمة أجدادنا تمنح أبناء اليوم حقًا أكبر في الدولة؟

    هل كون أحدهم «كوشيًا» أكثر من غيره يجعله أكثر سودانية؟

    هل وجود حضارة عظيمة قبل آلاف السنين يمنح جماعة معاصرة حق احتكار تعريف الوطن؟

    وهل يمكن بناء دولة حديثة على أساس أن جماعة ما هي الوريث الحقيقي للحضارة، بينما بقية السودانيين ضيوف عليها؟

    هنا تبدأ الأسطورة.

    السوداني المهزوم والأسطورة كتعويض نفسي

    تذكرت هذه المسألة وأنا أشاهد، صدفة، ندوة للسودانيين في الولايات المتحدة بعنوان:

    دور الأساطير في تشكيل الثقافة والسياسة في السودان – الجمعية السودانية الأمريكية شمال تكساس.. المتحدث د. إيهاب عدلان "هوبة" .

    سودانيون في أمريكا ينصتون بقداسة إلى الخرافة.. اثناء الندوة:

    وما أدهشني في الندوة لم يكن الكلام المرسل على عواهنه، ولا أنصاف الحقائق، ولا تقديم روايات غير موثقة، ولا حتى غياب تعريف واضح في البداية لماهية الأسطورة وماهية الثقافة.

    ولم يدهشني أيضًا أسلوب المتحدث الواثق إلى درجة السخرية من كل شيء، وكأن ما يقوله حقائق نهائية لا تقبل النقاش.

    الذي أدهشني حقًا كان الجمهور.

    كثافة الحضور.

    حسن الإنصات.

    التفاعل الكبير.

    الاستعداد النفسي لتلقي خطاب يفتقر إلى أبسط قواعد المنهج العلمي.

    لكن ربما لهذا تفسير.

    فالمتحدث يخاطب إنسانًا مهزومًا بالحرب والدمار.

    إنسانًا فقد دولته، وتشتت أهله، وأصبح نازحًا أو لاجئًا أو مهاجرًا، وقد يتعرض للتمييز والازدراء حتى في بعض أبسط وأفقر دول الجوار.

    إنسان بهذه الحالة يبحث عن أي شيء يخفف ألمه، ويعيد إليه شيئًا من كرامته المكسورة.

    ولو كان وهمًا.

    فيأتيه من يقول:

    أنت كنت عظيمًا.

    تاريخك عظيم.

    أنت صنعت الحضارة.

    أنت أصل العالم.

    أجدادك عظام.

    عظام.

    عظام.

    أنت كنت، وكنت، وكنت.

    لكن المشكلة أنك لم تكن تعرف.

    أما الآن فقد علمت.

    فهنيئًا لك بالأسطورة!

    من الطبيعي جدًا أن يجد مثل هذا الخطاب صدى عند إنسان يبحث عن عزاء نفسي بعد كل هذا الانكسار.

    لكن، مع كامل الاحترام:

    التاريخ، سواء صحت الرواية أم لم تصح، لا يحل مشكلات الحاضر.

    الشعوب لا تعيش على أمجاد الأجداد

    كل الشعوب التي كانت لها حضارات عظيمة في الماضي ليست بالضرورة عظيمة اليوم.

    بل إن كثيرًا من الشعوب التي ورثت حضارات عظيمة تعاني اليوم من الفقر أو الضعف أو التخلف مقارنة بأمم لم تكن لها تلك الحضارات القديمة.

    انظر إلى السودان ومصر والعراق واليونان.

    حضارات هائلة.

    لكن الحضارة القديمة لم تمنح أصحابها تلقائيًا اقتصادًا حديثًا، ولا جامعات متقدمة، ولا صناعة تكنولوجية، ولا مؤسسات ديمقراطية فعالة.

    بل إن دولًا مثل كندا والسويد واليابان، رغم اختلاف تجاربها التاريخية، لا تحتاج إلى إثبات أنها كانت «أصل الحضارة» حتى تحظى باحترام العالم.

    لأن الاحترام في عالم اليوم يُنتج في الحاضر.

    إذا كانت لديك دولة محترمة، واقتصاد منتج، وتعليم جيد، وبحث علمي، ومؤسسات قوية، وسيادة قانون، فسيفرض واقعك احترامه على العالم، بغض النظر عن عمر تاريخك.

    أما إذا كنت جائعًا ومشردًا وتعتمد على الآخرين في أبسط مقومات الحياة، فلن يحل تمجيد الماضي هذه الأزمة، ولن تستطيع إقناع العالم بمجرد روايات عن أمجاد غابرة.

    المجد الحقيقي ليس ما ورثناه من الأجداد، بل ما نصنعه نحن الآن.

    الوعي بالتاريخ لا يؤدي إلى النهضة

    هناك وهم شائع جدًا يقول إن الوعي بالتاريخ يقود إلى النهضة.

    لا.

    الوعي بالتاريخ قد يكون مهمًا.

    وقد يكون جميلًا.

    وقد يساعد الإنسان على فهم نفسه ومجتمعه.

    لكنه لا يقود تلقائيًا إلى النهضة.

    لو كان الأمر كذلك، لكانت أكثر الشعوب معرفة بتاريخها هي الأكثر تقدمًا في العالم.

    العرب والمسلمون يتحدثون يوميًا عن الماضي التليد والأندلس والحضارة الإسلامية.

    والمصريون لديهم وعي واسع بتاريخ مصر القديمة.

    واليونان القديمة تُدرّس في جامعات العالم منذ قرون.

    ومع ذلك لا نجد علاقة آلية بين كثافة الوعي التاريخي والتقدم التكنولوجي أو الاقتصادي.

    النهضة تصنعها:

    جودة التعليم، والبحث العلمي، والمؤسسات، والاقتصاد المنتج، وسيادة القانون، والإدارة الرشيدة، والحرية، والمساءلة.

    التاريخ يمكن أن يمنحنا العبر.

    يمكن أن يثري وعينا.

    يمكن أن يغذي السياحة والثقافة والفنون.

    يمكن أن يكون مصدر إلهام.

    لكن لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع تعويض نفسي عن إخفاقات الحاضر.

    فمن لا يستطيع صناعة حاضره، لن ينقذه التفاخر بماضيه مهما كان ذلك الماضي عظيمًا.

    حتى قصة الإنسان الأول لا تنقذنا!

    ومن أكثر القصص إثارة للاهتمام الحديث عن أن الإنسان الأول خلق أو ظهر في السودان.

    هذه رواية جدلية شيقة، وتستحق البحث العلمي إذا توفرت الأدلة.

    لكن يمكن ببساطة أن يأتيك شخص ويقول:

    «طيب، أيوة صاح... لكن الناس الكويسين مشوا وخلّوا السودان قبل 70 ألف سنة، لأنهم لقوه ما كويس، وخلّوه للناس الساي!»

    وبعدها يضيف:

    «ولغاية هسع الناس بتسافر وتخليه!»

    تلك مجرد إشارة الى المشكلة أن الأسطورة يمكن دائمًا قلبها على صاحبها.

    ولهذا فإن معيارنا يجب ألا يكون:

    من كان هنا أولًا؟

    بل:

    كيف نعيش معًا الآن؟

    السودان ليس له تاريخ واحد ولا هوية تاريخية واحدة

    ثم إن الحديث عن «الحقيقة التاريخية» في السودان أكثر تعقيدًا مما يبدو.

    السودان ليس له تاريخ واحد.

    ولا هوية تاريخية واحدة.

    ولا أصل واحد يمكن اختزاله في رواية واحدة.

    السودان تاريخ متعدد الطبقات والروافد:

    ما قبل كوش، وكوش، وكرمة، ونبتة، ومروي، والمسيحية، والممالك النوبية، وعلوة، وسنار، والممالك والسلطنات، والثقافات الأفريقية والعربية والنوبية والبجاوية والفوراوية وغيرها.

    كل ذلك جزء من التاريخ.

    ولا توجد لحظة تاريخية واحدة يمكن إعلانها:

    «هذا هو السودان الحقيقي، ومن هنا يجب أن يبدأ الجميع.»

    كل محاولة لاختيار «سلف ذهبي» أو «عصر نقي» والقول: هذا هو السودان الحقيقي، هي في النهاية نوع من السلفية التاريخية، مهما اختلفت المرجعية.

    وقد يكون السلف كوشيًا.

    وقد يكون عربيًا.

    وقد يكون إسلاميًا.

    وقد يكون مسيحيًا.

    وقد يكون إفريقيًا.

    وقد يكون ثوريًا.

    المشكلة واحدة:

    حين يتحول الماضي إلى معيار للشرعية في الحاضر.

    من دولة الهوية إلى دولة المواطنة

    هنا أصل إلى الفكرة التي أعتبرها الأهم في هذا المقال.

    أزمة الدولة في السودان ليست مجرد أزمة إدارة أو ديمقراطية شكلية.

    إنها في جانب عميق منها أزمة شرعية تأسيسية.

    فالدولة التي تستمد شرعيتها من أسطورة التفوق – عرقيًا أو دينيًا أو نسبيًا أو تاريخيًا أو أيديولوجيًا – تجد صعوبة في إدارة مجتمع متعدد الهويات.

    لأنها تحتاج دائمًا إلى:

    قصة تفوق.

    قد تكون:

    - عرقًا واحدًا أعلى.
    - مذهبًا دينيًا أو أيديولوجيًا أعلى.
    - تاريخًا واحدًا أعلى.
    - جماعة أو أسرة حاكمة أعلى.

    وأي واحد من هذه العناصر يكفي لصناعة دولة هوية.

    دولة الهوية لا تبدأ بسؤال:

    كيف نعيش معًا؟

    بل تبدأ بسؤال:

    من نحن؟

    ومن نحن هنا لا تعني سؤالًا معرفيًا بريئًا، وإنما تصبح سؤالًا سياسيًا:

    من هو الأصلي؟

    من هو صاحب الأرض؟

    من هو صاحب الحضارة؟

    من هو صاحب النسب الصحيح؟

    من هو الأقرب إلى الله؟

    من هو صاحب التاريخ الأقدم؟

    ومن ثم:

    من يحق له الحكم؟

    ومن يحق له امتياز أكبر؟

    ومن يجب أن يتبع؟

    هنا يتحول التاريخ إلى سلطة.

    الأسطورة ليست مجرد كذبة

    يجب أن نكون دقيقين هنا.

    الأسطورة ليست بالضرورة كذبة متعمدة.

    الأسطورة، في معناها الثقافي، قصة رمزية تمنح الإنسان تفسيرًا للوجود والمعنى والهوية، ولا تكون قيمتها بالضرورة في دقتها التاريخية.

    قد تكون صحيحة جزئيًا.

    وقد تكون خاطئة.

    وقد تكون مزيجًا من التاريخ والخيال.

    لكن أهميتها تأتي من وظيفتها الاجتماعية.

    فالأسطورة تمنح جماعة ما معنى.

    وتمنحها إحساسًا بالتفرد.

    وقد تمنحها شعورًا برسالة خاصة.

    وهنا تكمن خطورتها السياسية.

    لأنها عندما تنتقل من الثقافة إلى السلطة تصبح وسيلة لتبرير الامتياز.

    الأسطورة في تاريخ الدولة

    في معظم تاريخ البشرية، بُنيت الدولة على أساطير أصل متفوق:

    إله.

    سلالة.

    قوم مختارون.

    عرق أرقى.

    رسالة كونية.

    نسب مقدس.

    وكان الحاكم يستمد شرعيته من السماء أو الدم، لا من إرادة المواطنين المتساوين.

    في وادي النيل والرافدين ومصر القديمة واليونان وفارس وروما، ظهرت بأشكال مختلفة فكرة الملك المرتبط بالآلهة أو السلالة أو النظام الكوني.

    وفي الفضاء الإسلامي ظهرت أشكال أخرى من الشرعية المرتبطة بالنسب، ومنها مقولة «الأئمة من قريش»، التي أسهمت تاريخيًا في ربط الخلافة بالنسب القرشي.

    ثم ظهرت دول وسلالات ومشاريع سياسية عديدة ربطت مشروعها بالنسب إلى النبي، مثل الفاطميين والأدارسة والسنوسية وغيرهم، وفي السودان المهدية والميرغنية والهندية وبعض البيوتات والطرق التي اكتسبت مكانة دينية وسياسية من سلاسل النسب.

    ليس المقصود هنا الحكم على صحة هذه الأنساب من عدمها.

    المهم هو أن المخيال السياسي نفسه جعل النسب مصدرًا للشرعية.

    أي أن الدم كان سابقًا على العقد.

    والنسب سابقًا على الإرادة الحرة للمجتمع.

    السودان: بلد الأساطير المتزاحمة

    السودان بلد الأساطير المتراكبة.

    لدينا:

    كوش وكرمة ونبتة ومروي، وما يرتبط بها من رموز ملوكية ودينية وآلهة ولغات وصور عن الملك والقداسة والأرض.

    ولدينا المسيحية والممالك النوبية وعلوة وسرديات الخلاص والقداسة والارتباط بالعالم المسيحي الأوسع.

    ولدينا سنار، بما ارتبط بها من الإسلام والعربية والسلطة والسلالات والطرق الصوفية.

    ولدينا العروبة والقرشية وأنساب البيوتات التي تحولت في بعض الحالات من فخر اجتماعي إلى مصدر للامتياز الرمزي والسياسي.

    ولدينا المهدية، بكل ما حملته من أسطورة المهدي المنتظر، والجهاد والخلاص وتطهير المجتمع واستعادة الزمن النقي.

    ولدينا رواية السودان القديم.

    ولدينا رواية السودان الجديد.

    ولدينا دولة 56، التي يراها البعض لحظة تأسيس الدولة الوطنية، بينما يراها آخرون خطيئة تأسيسية ينبغي القطع معها.

    ولدينا اليوم أيضًا الكوشية المعاصرة، حين تتحول كوش من موضوع تاريخي يستحق البحث إلى أصل ميتافيزيقي جامع، ويُراد تثبيت لحظة معينة من الماضي باعتبارها الهوية النهائية للحاضر.

    ولدينا أيضًا الأساطير المحلية المرتبطة بالقبيلة والمنطقة والنسب والطرق الصوفية والأولياء، وتصنيفات مثل أبناء البحر وأبناء الجبل وأبناء البادية، وغيرها من الطبقات الراسخة في المخيال السوداني.

    كل هذه السرديات او الروايات ليست خطأ في ذاتها.

    بل هي ثروة رمزية ودليل على عمق التجربة السودانية وتعددها.

    المشكلة تبدأ فقط عندما تقول إحدى هذه السرديات:

    أنا الأصل الصحيح، ولذلك أنا الأحق بتعريف الدولة.

    لا نحتاج إلى قتل الأسطورة

    أنا لا أدعو إلى قتل الأساطير.

    ولا إلى محو الذاكرة.

    ولا إلى تجفيف المخيال الشعبي.

    ولا إلى منع الناس من الاعتزاز بكوش أو سنار أو المهدية أو العروبة أو النوبة أو المسيحية أو الإسلام أو أي موروث آخر.

    على العكس.

    أريد أن تعيش كل هذه الأشياء.

    لكنني أريد أن نضعها في مكانها الصحيح.

    الأسطورة تعيش في المجتمع، ولا تحكم الدولة.

    هذه هي الفكرة كلها.

    يمكن أن تكون الأسطورة في:

    الشعر.

    والأدب.

    والفن.

    والجامعات.

    والاحتفالات.

    والطقوس.

    والحكايات الشعبية.

    والمتاحف.

    والذاكرة الفردية والجماعية.

    لكنها لا ينبغي أن تصبح بابًا دستوريًا للامتياز.

    لا ينبغي أن يكون النسب معيارًا للمواطنة.

    ولا التاريخ معيارًا للحقوق.

    ولا الدين أو العرق أو الأصل الحضاري معيارًا لتولي السلطة.

    من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «كيف نعيش معًا؟»

    هذا هو التحول الحقيقي.

    من سؤال:

    من نحن؟

    إلى سؤال:

    كيف نعيش معًا؟

    الأول سؤال الهوية.

    الثاني سؤال الدولة.

    الأول يبحث عن الدم.

    والثاني يبحث عن العقد.

    الأول يبحث عن الأصل.

    والثاني يبحث عن الحقوق.

    الأول يمكن أن ينتهي إلى الإقصاء.

    والثاني يبدأ من المساواة.

    لذلك فإن دولة المواطنة لا تحتاج إلى إجابة واحدة عن أصل السودانيين.

    ولا تحتاج إلى تحديد «السوداني الحقيقي».

    ولا تحتاج إلى إعلان أن جماعة ما أكثر أصالة من جماعة أخرى.

    كل ما تحتاجه هو أن تقول:

    كل من يحمل المواطنة هو مواطن كامل الحقوق والواجبات.

    وهنا ينتقل مركز الشرعية:

    من النسب إلى النص الدستوري.

    من الهوية إلى المواطنة.

    من الأسطورة إلى التعاقد.

    من الجماعة المغلقة إلى الإنسان الفرد الحر.

    دولة المواطنة: دولة بلا أسطورة حاكمة

    المقصود بدولة المواطنة أنها دولة بلا أسطورة حاكمة.

    لكنها ليست دولة بلا ثقافة.

    وليست دولة بلا تاريخ.

    وليست دولة بلا رموز.

    وليست دولة بلا ذاكرة.

    بل هي دولة تسمح لكل الأساطير بأن تعيش، لكنها لا تسمح لأي منها بأن تحكم.

    وهذا هو مبدأ:

    الاصطحاب لا النفي.

    لا نلغي الموروث.

    بل نحيّده سياسيًا.

    لا نصادر الذاكرة من احدنا بل نفصلها عن احتكار الحكم.

    لا نطلب من الناس أن يتخلوا عن أصولهم.

    بل نمنع الأصل من أن يتحول إلى امتياز سياسي.

    يمكن أن تكون كوشيا وتعتز بكوش.

    ويمكن أن تكون عربيا وتعتز بالعروبة.

    ويمكن أن تكون نوبيا أو بجاويا أو فوراويا أو زغاويا أو مسيحيا أو مسلما أو صوفيا أو سلفيا أو لا دينيا.

    لكن لا ينبغي لأي من هذه الانتماءات أن تمنحك حقًا إضافيًا في الدولة.

    هنا فقط تصبح الدولة ملكًا للجميع.

    من كوش إلى العباس: اصطحاب الجميع

    دولة المواطنة في السودان يجب أن تكون قادرة على اصطحاب الجميع:

    من كوش إلى العباس.

    من مروي إلى سنار.

    من المسيحية النوبية إلى الإسلام.

    من المهدية إلى دولة 56.

    من السودان القديم إلى السودان الجديد.

    ومن كل ذلك إلى المستقبل.

    لا نحتاج إلى اختيار واحد منها وإلغاء البقية.

    ولا نحتاج إلى الاعتذار عن أصل حقيقي أو متخيل.

    ولا نحتاج إلى إثبات أن أحدنا أكثر سودانية من الآخر.

    المطلوب فقط هو أن نقول:

    هذه كلها ذاكرتنا، لكنها ليست دستورنا.

    حتى المعارضة يجب أن تتحرر من دولة الهوية

    وهنا مشكلة أخرى.

    فحتى تجارب المعارضة السودانية كثيرًا ما ظلت أسيرة منطق دولة الهوية.

    عارضت هوية بهوية.

    وسعت إلى إسقاط سردية لتضع مكانها سردية أخرى.

    فظل النزاع داخل الإطار نفسه:

    من يملك حق تعريف السودان؟

    ولم ينتقل بما يكفي إلى السؤال الأهم:

    كيف نبني دولة لا يحتاج فيها أحد إلى امتلاك تعريف السودان حتى يحصل على حقوقه؟

    حتى بعض الأطروحات التي صاغت نفسها في ثنائية «الهامش والمركز» وقعت أحيانًا في هذه المعضلة؛ إذ حاولت استبدال هوية مهيمنة بهوية مضادة، بدل الانتقال منطقيًا إلى دولة لا تحتاج أصلًا إلى هوية حاكمة.

    المشكلة لم تكن دائمًا في أن السردية القديمة خاطئة والسردية الجديدة صحيحة.

    المشكلة في منطق السردية الحاكمة نفسه.

    دولة المواطنة ليست مشروطة بالوحدة الجغرافية

    وهناك نقطة مهمة أخرى.

    دولة المواطنة ليست مشروعًا مشروطًا ببقاء السودان في شكله الجغرافي الحالي.

    هي ليست وصفًا للحدود، وإنما تعريف لطبيعة الدولة.

    يمكن للسودان أن يبقى موحدًا.

    ويمكن أن ينقسم.

    ويمكن أن يعيد تشكيل حدوده.

    ويمكن أن يدخل في أطر إقليمية أوسع.

    لكن السؤال سيظل نفسه:

    هل تحكم الدولة بالقانون والعقد الاجتماعي، أم بالهوية المتفوقة والأسطورة؟

    هذه هي المسألة.

    ولو أن دولة المواطنة هي «الدولة المشروع» وليست دولة الواقع بعد.

    هي صيغة يمكن أن تصلح في الوحدة والانقسام والاندماج، لأنها تقوم على الإنسان لا على الخريطة وحدها.

    التاريخ مهم... ولكن ليس بالطريقة التي نتصورها

    أنا لا أدعو إلى ترك التاريخ.

    على العكس.

    نحن بحاجة إلى دراسة التاريخ أكثر من أي وقت مضى.

    لكن نحتاج إلى دراسته كتاريخ لا كأسطورة سياسية.

    نحتاج إلى البحث عن الأدلة.

    ونحتاج إلى مقارنة المصادر.

    ونحتاج إلى الاعتراف بما لا نعرفه.

    ونحتاج إلى التمييز بين:

    ما نعرفه،

    وما نرجحه،

    وما نعتقده،

    وما نتمنى أن يكون صحيحًا.

    هذه نقطة جوهرية.

    لأن أخطر شيء في الأسطورة ليس أنها غير صحيحة بالضرورة.

    بل أنها تمنحنا يقينًا أكبر من الأدلة المتوفرة.

    وهذا تحديدًا ما يجب أن نحاربه.

    نحن في زمن العلم والعقل

    نحن اليوم في زمان العلم والعقل والعالم المفتوح.

    لسنا في زمن يمكن فيه تأسيس الدولة على رواية مقدسة عن الأصل.

    لسنا بحاجة إلى أسطورة جديدة كي نصنع السلام.

    ولا إلى هوية تاريخية مغلقة كي نبني الدولة.

    ولا إلى سلف ذهبي كي نمنح أنفسنا قيمة.

    نحن بحاجة إلى:

    العلم.

    التعليم.

    البحث العلمي.

    المؤسسات.

    الاقتصاد المنتج.

    سيادة القانون.

    العدالة.

    المواطنة المتساوية.

    والعقد الاجتماعي.

    هذه هي الأشياء التي تصنع الأمم الحديثة.

    أما التاريخ، فمكانه أن يكون مصدر معرفة وإلهام، لا مخدرًا سياسيًا.

    الخلاصة

    نحن لا نعرف كوش بالقدر الكافي إلى حين إشعار آخر.

    وليس السبب أننا لا نحبها.

    بل لأن تاريخها تعرض لانقطاعات وتحولات عنيفة ومحو متكرر، ولأن كثيرًا من لغاتها ونصوصها لم تصلنا، ولأن ما نملكه من المصادر لا يزال أقل بكثير من حجم الروايات التي نبنيها حولها.

    ولهذا يجب أن نبحث أكثر.

    أن نحفر أكثر.

    أن نفكك اللغات.

    أن نقرأ النقوش.

    أن نقارن المصادر.

    أن نرفض التلقين.

    وأن نسمح للدليل بأن يقول لنا ما نعرف وما لا نعرف.

    لكن في الوقت نفسه، يجب ألا نحول كوش إلى دين مدني جديد.

    ولا إلى عرق متفوق.

    ولا إلى تذكرة ملكية للسودان.

    ولا إلى مشروع لتعويض الهزيمة الراهنة بأمجاد الماضي.

    وكذلك لا ينبغي أن نفعل الشيء نفسه مع العروبة، أو الإسلام، أو المسيحية، أو المهدية، أو السودان القديم، أو السودان الجديد، أو دولة 56، أو أي رواية أخرى.

    الأسطورة تبقى في الثقافة، والعقد الاجتماعي يحكم الدولة.

    هذا هو الفاصل.

    نحن لا نحتاج إلى أن نعرف من كان أول إنسان في السودان حتى نقرر كيف يعيش الإنسان السوداني اليوم.

    ولا نحتاج إلى إثبات أن أجدادنا كانوا أعظم شعوب الأرض حتى نمنح أبناءنا الكرامة.

    ولا نحتاج إلى اختيار سلف ذهبي واحد حتى نصنع مستقبلًا مشتركًا.

    المجد الحقيقي ليس ما ورثناه.

    المجد الحقيقي هو ما نصنعه الآن.

    والأمة لا تُقاس فقط بما كان عليه أجدادها، وإنما بما يفعله أبناؤها اليوم.

    لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يحكم مستقبل السودان ليس:

    من نحن؟

    ولا:

    من كان أجدادنا؟

    ولا:

    من كان هنا أولًا؟

    بل:

    كيف نعيش معًا؟

    وعندما تصبح الإجابة:

    كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، مختلفين في أصولهم وهوياتهم وذاكراتهم، متساوين أمام القانون، متعاقدين على دولة واحدة أو دول عادلة تحمي الإنسان وكرامته،
    نكون قد بدأنا فعلًا الرحلة من:

    دولة الهوية إلى دولة المواطنة،
    ومن:
    الدم إلى الحق،
    ومن:
    النسب إلى المواطنة،
    ومن:
    الأسطورة إلى العقد الاجتماعي،
    ومن:
    ماضي الأجداد إلى مسؤولية الأحياء عن الحاضر والمستقبل.

    تلك باختصار عندي هي الرحلة:

    من مخيال الأسطورة إلى العقد الاجتماعي
    من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.

    محمد جمال الدين حامد
    اغسطس 2026

    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 02-24-2026, 03:21 PM)
    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 08-08-2026, 08:21 PM)
    (عدل بواسطة محمد جمال الدين on 08-09-2026, 01:22 AM)







                  

08-08-2026, 08:22 PM

محمد جمال الدين
<aمحمد جمال الدين
تاريخ التسجيل: 10-28-2007
مجموع المشاركات: 6369

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين
Re: في دحض الأسطورة: رسالة إلى الكواشة وجمعية (Re: محمد جمال الدين)

    بعد التحديث✌️🌹💝🔥
                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de