|
|
|
Re: عبد الفتاح البرهان-عقيدة المؤسسة وإسترات� (Re: زهير ابو الزهراء)
|
عبد الفتاح البرهان: البقاء داخل المتناقضات ( قراءة نفسية-سياسية) د. ناهد محمد الحسن "السياسة هي الحفر ببطء في ألواح من الخشب الصلب، بيد راسخة وعين تُبصر الممكن." ماكس فيبر تمهيد: قررت اليوم ان ازيح عواطفي وانحيازاتي جانبا لأحلل واتقصى ان كان هنالك أفق سلام ممكن بما نعرفه من معطيات..ليس بالضرورة كما أشتهي وأتمنى !! حين نحاول وضع عبد الفتاح البرهان في إطار مفهومي واحد، نجد أن كل التصنيفات المتاحة تتشقق تحت ثقل التناقضات. فهو ليس الديكتاتور الشمولي الذي يمسك بكل خيوط السلطة بقبضة حديدية، كما إنه ليس واجهة فارغة تحركها قوى خفية من وراء الستار ، وليس الإسلاموي المؤدلج الذي يسير نحو هدف عقدي ثابت، ولا البراغماتي النظيف الذي يبحث عن أفضل صفقة ممكنة. البرهان شيء آخر — وهذا الـ"آخر" هو ما تسعى هذه الورقة إلى تشريحه. الفهم الدقيق لشخصيته الذي عكفت عليه هذه الأيام، يمثلل في السياق السوداني الراهن، مدخلاً اعده ضرورياً لكل من يسعى إلى حل حقيقي: دبلوماسي يبحث عن نقطة ضغط فعّالة، وسيط يريد رسم معادلة قابلة للتطبيق، أو محلل يحاول التنبؤ بمواقف فاعل محوري في أعقد أزمة إنسانية في العالم اليوم. من هو البرهان؟ الإطار الأنسب لفهم البرهان هو مفهوم "الفاعل الحدّي" (Boundary Actor): ذلك القائد الذي لا يستمد قوته من سيطرته الكاملة على مركز واحد للنفوذ، لكن من قدرته على التحرك بين مراكز متصارعة، وإبقاء كل منها بحاجة إليه. داخل ما يُسميه الباحث أليكس دي وال بـ"السوق السياسي" للسودان — حيث تتحول السياسة إلى عملية مستمرة من شراء الولاءات وإعادة توزيع النفوذ — يكون القائد الناجح هو الأكثر قدرة على إبقاء الشبكات المتصارعة داخل الحد الأدنى من التماسك. البرهان في هذا الإطار ليس "الرجل الأقوى" في السودان. بقدر ما هو "الرجل الضروري" ، وهذا الفارق الدقيق يُغير كل شيء في طريقة التعامل معه. كيف يُنتَج قائد من هذا النوع؟ لفهم البرهان، علينا البناء على أكثر من شخصيته المفردة وحدها..بالعودة إلى المؤسسة التي أنتجته. فالجيش السوداني لم يكن تاريخياً مجرد مؤسسة عسكرية. فقد كان أداة لإعادة إنتاج السلطة في دولة تتشابك فيها الانتماءات القبلية والجهوية والأيديولوجية بصورة تجعل "الإدارة بالحسم" خياراً مُكلفاً دائماً. هذه البيئة تُنتج نوعاً محدداً من القادة: أولئك الذين يُجيدون "إدارة التوازنات" أكثر مما يُجيدون "بناء الرؤى". البرهان خرج من هذه المؤسسة بعد ثلاثة عقود قضاها في قلبها: قاتل في دارفور، وأدار علاقة مع الجنجويد الذين صاروا لاحقاً قوات الدعم السريع وأمضى سنوات في أكاديميات عسكرية مصرية وأردنية، وترقّى داخل منظومة حكم إسلامية دون أن يكون إسلامياً بالمعنى العقدي العميق . فقط لأنها كانت البيئة الوحيدة المتاحة للترقي طوال عهد البشير. هذا التمييز في تقديري مهم و جوهري..فالبرهان لم يختَر الإسلاموية، بقدر ما ورثها وظيفياً. والفرق بين الانتماء الوظيفي والانتماء العقدي هو مفتاح التنبؤ بتصرفاته. كيف نفهم البرهان؟ لا يغيب على أي مراقب دقيق ان هنالك ستة أنماط تُحكم المشهد في تشريحنا لشخصية البرهان. ١. تحمّل الغموض المرتفع القادة الذين ينجون طويلاً في الأنظمة المضطربة يطوّرون مهارة نادرة في القدرة على التعايش مع التناقض دون انهيار نفسي أو اندفاع انفعالي. والبرهان في الحقيقة أبلغ تعبير عن هذه المهارة. ما عليكم الا ملاحظة ثباته الانفعالي في خطاباته القصيرة المقتضبة والتي تأتي عادة أبطأ من الحدث. كما إن الرجل نجح في التحرك في وقت واحد بين أقطاب متنافرة، كالإسلاميين الذين يزوّدونه بمقاتلين، والإمارات التي يعدها الاسلاميون خصما عسكرياً ومصر التي توفر له غطاءً إقليمياً، والولايات المتحدة التي تضغط عليه للتحول، وإيران التي أمدّته بالطائرات المسيّرة، وواشنطن التي فرضت عليه عقوبات — كل ذلك دون أن يُعلن قطيعة نهائية مع أي طرف. هذه توازنات بقاء.. قدرة مكتسبة على إبقاء الأبواب موارَبة. ٢. الغموض الاستراتيجي كأسلوب حكم البرهان لا يُصدر بيانات واضحة إلا حين يُضطر. خطاباته مصمَّمة لتُقرأ بأكثر من وجه: يُرضي الإسلاميين بلغة السيادة والجهاد، ويطمئن الغرب بلغة الانتقال المدني، ويُغري الشركاء الإقليميين بالاستقرار ومكافحة التطرف. حين كتب في صحيفة وول ستريت جورنال (نوفمبر 2024) مقاله "الحقيقة عن حرب السودان"، استطاع في نص واحد أن يُقدّم نفسه حارساً للشرعية السودانية، وداعماً لاتفاقيات السلام الإقليمية، وشريكاً محتملاً في محاربة الإرهاب لجمهور أمريكي واحد!!. من يُحكم قراءة هذا الخطاب يجد فيه أداةً للتلاعب بالتوقعات، وليس تعبيراً عن رؤية ثابتة. و للأمانة هذه هي الطريقة الوحيدة للبقاء حيا في حقل الغام. فالغموض الاستراتيجي مكلف في بيئات الاستقرار لأنه يُضعف الثقة. لكنه أداة بقاء مُثلى في بيئات الفوضى حيث أي وضوح قد يُحوّله فريسة. ٣. القيادة التفاعلية : البرهان لا يصنع الأحداث ..ولكن يستجيب لها..و النمط متكرر ومكشوف لمن يتأمل مساره: - قبوله التفاوض دولياً جاء بعد أشهر من الرفض القاطع وتحت ضغط متصاعد. - إحالته لمئة ضابط إسلامي للتقاعد جاءت مباشرة بعد لقائه المبعوث الأمريكي، لا قبله. - انقلاب أكتوبر 2021 جاء في لحظة شعر فيها بأن الشراكة المدنية تُقلّص صلاحياته بصورة غير محتملة. - الحرب ذاتها اندلعت بعد أن تصاعدت التوترات حول دمج الدعم السريع — وهو ما يعني أن الأزمة لم تكن خطة، بقدر ما كانت تصعيداً خرج عن السيطرة. هذا النمط يعني ببساطة أن الضغط يُحرّكه، لكنه يتأخر دائماً، ثم يتحرك بصورة تبدو حاسمة لكنها في جوهرها إدارة أزمة وليست قرار استراتيجي. ٤. إدارة التحالفات و غياب الرؤية: البرهان يُقرّب طرفاً حين يحتاجه ويُبعده حين يضغط عليه طرف مضاد. وهذه الحركة البندولية تجعله "ضرورياً للجميع" في اللحظة الراهنة، لكنها تجعله "غير موثوقاً لأحد" في الأمد البعيد. كلما دققت في تاريخه اكثر لا أجد دليل على أن البرهان يمتلك مشروعاً للسودان بعد الحرب. المشروع الوحيد المُستخلص من سلوكه هو الحفاظ على المؤسسة العسكرية وموقعه على رأسها. ٥. الزمن كسلاح ما يراه البعض من مماطلة في التجاوب عند البرهان ويعده تقصيرا هو في الحقيقة استراتجية فعالة اكتسبها. فالبرهان يرى في "شراء الوقت" ، الإطالة، واستنزاف الخصم، وتأجيل الحسم أدوات أثبتت نجاعتها في مسيرته. فالرجل تعايش مع الدعم السريع سنوات، وأطال فترة التحول المدني، وأخّر مفاوضات السلام مرات. المشكلة أن هذه الاستراتيجية تُطيل أمد الأزمة الإنسانية وتُعمّق تكاليفها البشرية كل يوم. اي انها استراتيجية لها كلفتها كما انها غير لا تعمل في كل مرة بذات الطريقة. ٦. الهوية السياسية المُعلّقة البرهان لا يُعرّف نفسه أيديولوجياً في خطابه العام. يُقدّم نفسه "ابن المؤسسة" و"حارس الدولة" ، وهي هوية مؤسسية تُتيح له المرونة، لكنها تعني في المقابل غياب القناعات الراسخة التي تُفضي إلى قرارات تاريخية حقيقية. علاقة البرهان بالإسلاميين: المأزق الأعمق هذا هو قلب المشهد السوداني، والعقدة الأصعب في أي مسار نحو تسوية. العلاقة بين البرهان والتيار الإسلامي ليست تحالفاً عقدياً طوعياً، ولا هي قطيعة مُضمرة. اعرفها بوصفها تبعية متبادلة مبنية على الحاجة والخوف في آنٍ معاً. لبرهان يحتاجهم لأنهم يُوفّرون كتلة بشرية قتالية لا غنى عنها في ظروف الحرب الراهنة، وشبكة من الولاءات داخل البيروقراطية الأمنية، ومصدراً للشرعية الرمزية أمام قاعدة شعبية محافظة. وهم يحتاجونه لأنه واجهتهم المقبولة دولياً، وحمايتهم من المحاسبة ومدخلهم لاستعادة نفوذ فقدوه إثر ثورة 2019. لكن العلاقة تنطوي على شك بنيوي عميق. كل طرف يُراقب الآخر ويستعد لتجاوزه إن أتيحت الفرصة. وما يبدو أحياناً هجوماً إعلامياً من الإسلاميين على البرهان قد يكون في حقيقته رسالة داخلية لإبقائه داخل مدار نفوذهم لا دليلاً على خصومة حقيقية. الأهم من هذا كله في تقديري أن الإسلاميون يُمثّلون سقفاً لحرية البرهان في التصرف. أي تنازل جذري في مفاوضات السلام يستبعدهم من المشهد أو يُعرّضهم للمحاسبة سيواجه بمقاومة داخلية قد تُهدد موقعه أو تُفضي إلى انشقاق في الجيش. هذا لا يعني أن البرهان لا يستطيع التحرك..ولكن يعني أن تحرّكه نحو أي تسوية حقيقية يستلزم أن يُقدَّم له مساراً يُمكّنه من الانفكاك التدريجي عنهم دون أن يدفع ثمن هذا الانفكاك وحده. نحو توازن ناش — ما الذي يجعل التسوية ممكنة؟ في الأزمات المعقدة يبحث الناس عن "الحل العادل". بينما يبحث المختصون في السياسة والعلاقات الدولية عن "التوازن المستدام". وهو مفهوم رياضي صاغه عالم الرياضيات (جون ناش) الذين شهدنا جميعا الممثل رسل كرو وهو يمثل دوره في فيلم (عقل جميل). يتحدث ببساطة عن نقطة لا يجد فيها أي طرف مصلحة في الانسحاب منها. والسؤال ما الذي يجعل هذا التوازن ممكناً في الحالة السودانية؟ يمكن رسم مصفوفة التوقعات على النحو التالي: سيتحرك البرهان نحو تسوية إذا توافرت: - ضمانات شخصية بعدم الملاحقة القضائية ، وهو ما يُمثّل متغيره الأول والأخير. - دعم مصري-سعودي واضح للتحول، فمرجعيتاه الإقليميتان الرئيسيتان تملكان المفتاح الأهم لإقناعه. - ترتيب انتقالي يُبقي للمؤسسة العسكرية دوراً في المرحلة الأولى ، لا لأن ذلك عدل، بل لأن طلب التخلي الفوري الكامل عن النفوذ يُجعل التسوية مستحيلة من الجانب الآخر أيضاً . - مسار تدريجي للانفكاك عن الإسلاميين يُتيح له تقليص نفوذهم دون أن يبدو ذلك استجابة لإملاءات خارجية. وسيرفض البرهان أي تسوية تتضمن: - استبعاداً فورياً وكاملاً للإسلاميين، لأن تكلفتهم الداخلية أعلى من قدرته على تحمّلها. - إلغاءً فورياً لدور المؤسسة العسكرية في السياسة. - أي ترتيب يُفسَّر داخلياً باعتباره انهزاماً أو استسلاماً. والجانب الذي يُغفله كثير من وسطاء السلام، هو أن البرهان يستجيب للضغط الموجَّه عبر مرجعياته، لا للضغط المباشر عليه. الضغط المباشر يُصلّب موقفه لأن له أثراً رمزياً يجعل أي تراجع يبدو إذعاناً أمام جمهوره الداخلي. أما التحرك عبر القاهرة والرياض، فيُتيح له قبول ما يصعب قبوله مباشرة. مأزق السودان و المعادلة الصعبة: ما يُميز الأزمة السودانية عن غيرها هو هذا التشابك الفريد: حرب بين طرفين كلاهما غير مقبول دولياً بالكامل، في دولة تُمثّل تقاطعاً استراتيجياً لمصالح إقليمية ودولية متعارضة ولا يوجد فيها فاعل مدني قادر على ملء الفراغ وحده. البرهان، بكل تناقضاته، بات جزءاً عضوياً من هذه المعادلة لا طارئاً عليها. وهذا يعني أن أي مسار للحل يتجاهله أو يُهمّشه لن يُفضي إلى استقرار، وقد يقود إلى فراغ يملأه شيء أسوأ. في الوقت ذاته، أي مسار يمنحه ضمانات غير مشروطة دون إصلاح مؤسسي حقيقي لن يُفضي إلى سلام حقيقي. ستكون هدنة مؤقتة ريثما يُعيد ترتيب أوراقه. المعادلة الدقيقة في تقديري هي التعامل معه كجزء ضروري من الحل، مع ربط هذا التعامل بمسار مقيَّد بضمانات وآليات رقابة دولية. خاتمة: ما وراء الصمود البرهان "مهندس بقاء" استثنائي. استطاع الوقوف وسط ما لم يصمد أمامه كثيرون.. حرب مدمّرة، وضغوط دولية متصاعدة، وحلفاء متقلبون، وتحالفات هشة. وهذه القدرة بحد ذاتها جديرة بالتحليل الموضوعي، بمعزل عن الحكم الأخلاقي عليها. لكن التاريخ يُفرّق بين نوعين من القادة: من نجحوا في البقاء داخل الأزمة، ومن نجحوا في الخروج منها بشيء صالح للبناء عليه. المهارة التي مكّنت البرهان من الصمود كالغموض الاستراتيجي، وتأجيل الحسم، وإدارة التوازنات، هي بعينها التي تجعل منه عائقاً أمام السلام ما لم تُوفَّر له بيئة تجعل الوضوح مُجدياً والتسوية ممكنة. السؤال الذي يجب أن يطرحه كل وسيط وكل صانع قرار ليس: "هل البرهان يريد السلام؟" و إنما "ما هي التكوينة من الضمانات والضغوط والمسارات التي تجعل السلام خياره الأقل تكلفة؟" حين يصبح السلام أقل تكلفةً من الحرب عليه شخصياً، وعلى المؤسسة التي يحرسها، عادة ما يتحرك. ليس بالضرورة لأنه أقتنع..ولكن لأنه في نهاية المطاف، رجل يُقرأ من خلال منطق البقاء. وهذا، بكل ما فيه من مرارة، هو مدخل التعامل الممكن معه
@highlight
| |
 
|
|
|
|
|
|
|
Re: عبد الفتاح البرهان-عقيدة المؤسسة وإسترات� (Re: زهير ابو الزهراء)
|
Quote: فإن الرهان على مرونته السياسية سيبقى رهاناً على سراب.
|
لا أحد يراهن عليه إلا عمسيب البرهان في كل خطاباته لم يلتزم بديمقراطية أو يحدد موعدا لتسليم السلطة , يكرر ويركب فقط على سرج (جيش واحد وشعب واحد)
لكن مع قوة المقال لم يطرح الجوانب النفسية للبرهان أمام الخزائن المفتوحة والمحاسبة والشفافية المالية!!! كما أن الحس العدلي و القانوني مهمل لديه إن ترك حبل الفساد المالي العام والمحسوبية على الغارب وحده سيقصم ظهر مخططه!
| |

|
|
|
|
|
احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
| |