في تقديري، السؤال عن موقف «صمود» من حوار البرهان لا ينبغي أن يبدأ من: هل الحوار جيد أم سيئ؟ ولا من: هل صمود محق في رفضه أم مخطئ؟ وإنما من سؤال أسبق: لماذا طُرح الحوار الآن، وفي هذه اللحظة تحديدًا؟
نحن أمام مبادرة تأتي بعد تغيرات مهمة في موازين القوى على الأرض، وبعد مكاسب عسكرية حققها الجيش في عدد من الجبهات. وبالتالي لا يمكن فصل المبادرة السياسية عن السياق العسكري الذي جاءت فيه.
وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام انتقال حقيقي من منطق الحرب إلى منطق السياسة، أم أمام محاولة لتحويل المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية وإعادة ترتيب موازين السلطة؟
أعتقد أن «صمود» عندما يرفض الحوار داخل مناطق سيطرة الجيش، لا يناقش فقط مكان انعقاد الحوار، وإنما يناقش شرعية العملية السياسية نفسها.
فإذا كان أحد أطراف الحرب هو الذي يحدد المكان والزمان والأطراف والأجندة، فهناك خطر حقيقي أن يتحول الحوار من عملية سياسية تبحث عن إنهاء الحرب إلى عملية سياسية تدير نتائج الحرب من موقع الطرف الأقوى.
لكن في المقابل، هنا أطرح سؤالًا على «صمود» نفسه:
إذا كنا نرفض الحوار لأنه يجري في ظل موازين قوة عسكرية مختلة، فمتى يبدأ الحوار؟
هل ننتظر نهاية الحرب عسكريًا؟ وإذا انتظرنا، فمن يضمن ألا ينتج الحسم العسكري موازين أكثر اختلالًا تجعل الحوار لاحقًا مجرد تفاوض على نتائج الحرب؟
لذلك أعتقد أن المسألة ليست: حوار أم لا حوار؟
المسألة هي: أي حوار؟ ومتى؟ وبأي شروط؟
إذا كان الحوار منفصلًا عن وقف الحرب، وعن معالجة الكارثة الإنسانية، وعن مشاركة الأطراف القادرة على التأثير في الحرب، وعن قضية بناء الدولة والجيش الواحد، فمن حقنا أن نشك في وظيفته.
أما إذا أمكن تحويل الحوار إلى مسار يقود إلى وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، ثم معالجة جذور الحرب وإعادة بناء الدولة، فإن رفض الحوار لمجرد أن الدعوة جاءت من البرهان قد لا يكون كافيًا.
ولهذا، في رأيي، يجب أن نقرأ بيان «صمود» لا باعتباره مجرد رفض للحوار، وإنما باعتباره تحذيرًا من أن تتحول السياسة إلى امتداد للميدان.
والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام الجميع، الجيش و«صمود» والقوى المدنية وسائر الأطراف، هو:
هل نريد حوارًا ينهي الحرب، أم حوارًا يعيد توزيع السلطة وفق نتائج الحرب؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة