نواح الأرض: حين ترحل الروح على أقدام الماشية الآن.. ليس لنا إلا أن نغسل وجوهنا بدمع الندم، ونبكي وطناً ينسلّ من بين أصابعنا كما ينسلّ الضوء من عينيّ غريق. انظروا إلى تلك الأفق البعيدة في "قامبيلا"، انظروا جيداً.. هذا الذي يمتد كبحرٍ من الحركة ليس مجرد قطعانٍ تبحث عن عشب ، بل هو نزيف السودان الحيّ، يمشي على أربع، مغادراً أرضاً ضاقت بأهلها وبصمتها وبحياتها. جنازة الثروة يا لوجع القلب! تلك الأبقار التي تمشي بوقار الجنازة، تحمل على ظهورها قروناً من تاريخنا الريفي، وأغنامنا التي تتبع الرعاة في انكسار، هي في الحقيقة أعمارنا التي تهاجر. كل حافر يضرب الأرض هناك، هو طعنة في صدر اقتصادنا المنهار هنا نحن لا نشاهد "رعياً عابراً للحدود"، نحن نشاهد تشريداً للهوية؛ ثروات تُقدّر بالملايين، لكنها في عيون أصحابها "روح" لا تُباع، وحين ترحل الروح.. ماذا يتبقى في الجسد إلا العفن والعدم؟ أرضٌ لم تعد تحضن أحداً ابكوا على النيل الأزرق، ابكوا على السهول التي كانت يوماً تضجّ بالحياة، واليوم باتت قبوراً موحشة للذكريات. هل جفّ الضرع؟ أم أن صدورنا هي التي ضاقت؟ الحقيقة المرة التي تنهش أحشاءنا هي أن الأرض استقالت من مهمة الاحتواء لم تعد حدودنا أسواراً تحمينا، بل باتت بواباتٍ مفتوحة لهروب كل ما هو جميل. لقد أصبحنا "أمةً ترحل"، نأخذ معنا أغلى ما نملك—ماشيتنا، كرامتنا، صبابتنا—ونقذف بها في حضن الغربة، لأن الوطن صار غابةً من الخوف والفقر. السؤال المذبوح تأملوا المشهد جيداً قبل أن يختفي الغبار خلف تلك القطعان.. غداً سنستيقظ ولن نجد حليباً في الضرع، ولا صوفاً يستر العري، ولا خواراً يكسر صمت القرى المهجورة. سنصبح أكثر فقراً، ليس لأننا بلا مال، بل لأننا بلا أصل. سؤالي الذي يقطر دماً: إذا كانت الثروة قد رحلت، والإنسان قد تشرد، والأرض قد صمتت.. فبأي حقٍ لا نزال نسمي هذا "وطناً"؟ لقد غادرت الحياةُ السودانَ على أقدام الماشية، ولم يتبقَ لنا سوى أن نرثي أنفسنا، وننتظر ليل الفقر الطويل الذي بدأ يطبق أجفانه على ما تبقى من رمق. ارحلوا.. فالمراعي في الغربة أحنُّ من رصاص الإخوة، وأرض الله واسعة.. بينما ضاق بنا السودان حتى لم يعد يتسع لدمعة.
04-22-2026, 02:49 AM
Biraima M Adam Biraima M Adam
تاريخ التسجيل: 07-05-2005
مجموع المشاركات: 35892
أولاً نعزيك فى رحيل الثروة الحيوانية من السودان إلى الجارة أثيوبيا .. ولكن أنت تبكى فى جنازة من؟ .. فى جنازة الرعاة الذين رحلوا أم جنازة الوطن الذى لم يعد أمناً للحيوان الأليف أو الحيوان البرى؟ ..
الثروة الحيوانية السودانية هى الغذاء الرئيس للجيوش التى تجوب فيافى السهول .. منذ عام 1983م، الثروة التى نهبها التمرد والتى أهدرت أكثر مما صدّر السودان فى خلال نفس الفترة ..
لكن رحيل الفولان الرعاة ليس غريب البته، فى عام 1986 كانت هناك مجموعات كبيرة تترحل معنا فى جنوب كردفان، أحد أهلنا ذهب الدمازين وجدهم هناك، ثم أختفوا من الدمازين .. حاليا رعاة الفولان السودانين أخترقوا كامل أفريقيا، جنوب السودان، أثيوبيا، كينيا، تنزانيا، أفريقيا الوسطى ويوغندا والكمرون ..
الذين دخلوا أثيوبيا قطعاً فى طريقهم إلى كينيا ومنها أما إلى تنزانيا .. أو يوغندا ..
وما تنسى أن أنتشار الفولان فى السودان قديم منذ دخول القبائل العربية لكن زاد بكثافة حينما تراجعت بحيرة تشاد بسبب التصحر .. حيث صارت البحيرة لا تفى بأحتياجات الرعى لرعاة الفولان من أربعة دول أفريقية أخرى .. من ببينها تشاد، نيجيريا، ومالى وما متأكد من رعاة بوركينوفاسو (هل يتوقفون عن نهر شارى أم يصلون حتى البحيرة)
كما ترى أن قمبيلا معبر مفتوح ألى أثيوبيا، فإن معبر وادى صالح مفتوح لرعاة الفولان وعرب تشاد للدخول موسمياً إلى السودان .. كما أن معبر أم دافوق مفتوح للرعاة لدخول أفريقيا الوسطى. رعاة الفولان لا تحدهم الحدود القطرية .. وهذا تأريخ معروف وموثق .. فهم يهربون بثرواتهم من الحروب والأمراض والمناطق التى يقل فيها المرعى ..
وببساطة كل رعاة البقر الكورى هم عابرى للحدود .. أما رعاة الأبقار البلدية هم مستوطنون ..
تصحبهم السلامة فى رحلتهم العبدية .. ما قدرنا نفى بأحتياجاتهم الرعوية من الأمن .. ونأمل فقط بعودة "عصافير الخريف" لأعشاشهم فى وطنهم السودان!
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة